الإصلاح الصوفيّ

فئة :  مقالات

الإصلاح الصوفيّ

كثيراً ما نسمع ونقرأ عن الإصلاح الدّيني، وكثيراً ما يتوجه التأمّل والنّقد إلى الإسلام السنيّ والشيعيّ التّقليديين في مدارسهما الفكريّة التشريعيّة المتعددة، في الفقه مثلاً، وفي الأحكام السلطانيّة وغيرها. أو بعبارة أخرى فإنّ النقد ومحاولة الإصلاح الدّيني يتوجهان إلى الإسلام الأورثودكسي. في حين قلما نجد نقداً للإسلام في بعده الصوفيّ. بل كثيراً ما يتم مدح المدرسة الصوفيّة الإسلاميّة باعتبارها مدرسة متسامحة وتقبل الآخر، كما أنّها تهتم بالجمال وبالذوق. بيد أنّها، وإن كانت كذلك بالفعل، فإنّها أيضاً تحتوي على منظومة فكريّة ينبغي أن تتعرض لمطرقة النّقد. ولهذا، فإنّي سأحاول في هذه المقالة أن أتعرض لفكرة صوفيّة تستوجب النقد في نظري، خصوصاً في الصوفيّة الطرقيّة. وهذه الفكرة متعلقة بتقديس شيخ الطريقة.

إنّ التّصوف الطرقي يقوم على فكرة وجود الشيخ. هذا الشيخ الذي كلما كان من أهل البيت، كان دوره ومكانته أهمّ وكانت زاويته الصوفيّة ذات شهرة أكبر. ولكنّه يظلّ في الغالب الأعم ذا دور بارز وإن لم يكن من أهل البيت، بل يكفي أن يكون نسبه مرتبطاً بولي صالح أو بصوفيّ كبير. إذ إن التّصوف السني فتح باب الولاية لعامة المؤمنين، ورأى أنّها تكون إما بالمِنَة الإلاهيّة أو بالجهد.[1]

ولهذا فإنّنا نرى شيوخ الطرق الصوفيّة يركزون على أمرين لإضفاء شرعيتهم على ترؤّس الزوايا. الأمر الأول متعلق، حسب تعبيرهم، بالنسب الطيني، والأمر الثاني مرتبط بالنسب الروحي. فأمّا النّسب الطيني عندهم فهو الأصل العائلي للشيخ الذي قد يصل إلى آل البيت أو لولي من الأولياء. وأمّا النّسب الروحي فهو الأصل العلمي للطريقة التي أخذها عن شيخه.. فيقال أخذ الشيخ الطريقة من شيخه الذي أخذها بدوره من شيخه.. وهكذا، إلى أن يصلوا إلى الشيخ الأكبر مؤسّس الطريقة. والنسب الروحي يطلق عليه أيضاً اسم السند الروحي، الذي يعني بعبارة أبلغ: أنّ كلّ صوفي لا بدّ أن يكون منتمياً إلى سلسلة سند تعليمي هي بمثابة شجرة النسب الروحيّة تصّاعد من دون انقطاع من شيخ إلى شيخ وصولاً إلى الرّسول.[2]

إنّ القول بالنسب الطيني وبالنسب الروحي يؤدي إلى فكرة تقديس الشيخ من طرف مريديه. فهم يرون أنّ شيخهم مقدس مادام نسبه يصل إلى رسول الله أو أولياء الله. وهذا ما يجعلهم يقدرونه ويتبركون به إلى درجة قد لا يصدقها العقل. فضلاً عن ذلك، فإنّ النسب الروحي يزيد من حجم تقديس الشيخ الذي يصبح معلّماً ومربّياً وناحتاً للمثال الجميل للمريد.[3]

وعلى هذه الفكرة، أي فكرة تقديس الشيخ، تكمن المفارقة الصوفيّة الكبيرة في الأخلاق وفي المبادئ التي ترتكز عليها. فالصوفيّة بوصفها مدرسةً تربويّةً تدعو إلى التواضع والزهد في السلوك. وتحضر في ذهني هنا قصّة الششتري الذي ولد في أسرة ذات ثراء إلاّ أنّه لبس لباساً متواضعاً وذهب إلى السوق في مكناس وهو يردد أبياته الشعريّة:

"شويخ من أرض مكناس

وسط الأسواق يغني

إش عليا أنا من النّاس

و اش على النّاس مني؟"

فهذه الصوفيّة تنعدم عند بعض شيوخ الطرق الصوفيّة، فبدلاً من أن يأمروا، على سبيل المثال، المريد بعدم تقديسهم نجدهم يرحبون بفكرة التقديس هذه، فيباركون تقبيل اليدين والرجلين. كما أنّ الشيوخ "المقدّسين جدّاً" يعيشون في بحبوحة ماديّة لا ترتبط بأخلاق الزهد والتقشف.

والملاحظ أيضاً أنّ بعض رجال الدين الذين ينتسبون إلى الطرق الصوفيّة يبالغون في الافتخار بنسبهم الصوفيّ خصوصاً إذا كان هذا النسب يصل إلى آل البيت أو إلى وليّ من الأولياء. وهذا الافتخار يذكّرنا بالقرون الوسطى حيث كانت بعض العائلات في أوروبّا تفتخر بدمائها الزرقاء النبيلة. مع أنّ الإسلام قد أقرّ أنّ التفاضل بين النّاس لا يكون إلاّ بالتّقوى لا بالنسب ولا باللّون... فقد ورد في الأثر الحديث التالي: "أيّها النّاس ألا إنّ ربّكم واحد، ألا وإنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتّقوى".

وترتيباً على ما سبق، يظهر لنا أنّ الطرق الصوفيّة ينبغي أن يشملها الإصلاح الديني. فلا يمكن أن نكون أبناء هذا القرن ومازال بعضنا يفتخر بنسبه الطيني والروحي. إنّنا كلنا ننتسب إلى النسب الطيني والروحي للإنسانيّة جمعاء. أمّا أن يظلّ المريد يقدّس شيخه ويبجله كل هذا التبجيل فإنّه أمرٌ لا يستقيم، ويذكرنا بأنّنا مازلنا نعيش في قرون قد خلت. وتصبح الصوفيّة الطرقيّة مكرّسة للاستبداد وللخرافة، رغم ما تقوم به من أدوار اجتماعيّة ونفسيّة مهمة.

وفي اعتقادي، خاتمةً لهذه المقالة، فإنّ الإصلاح الصوفيّ يبدأ بفك الارتباط بالطريقة وبالشيخ، وبعودة التصوّف إلى أصوله الأولى، حيث كان في البدء تجربة شخصيّة لم يقبل عليها سوى صفوة من النّاس انكفأوا على أنفسهم واستبطنوا ذواتهم، فكان تصوفهم أشبه بحركة نخبويّة لا ظاهرةً اجتماعيّةً شعبيّةً[4]. إنّه لم يعد هناك اليوم معنى للاعتقاد بدون انتقاد، وبسلب الإرادة، وبطاعة الشيخ التي وصلت إلى قول المتصوفة: إنّ من لم يصحّ له نسب في القوم فهو لقيط لا أب له في الطريق، وإنّ من لا شيخ له فالشيطان شيخه، وإنّ من لم يمت على بيعة شيخ مات في ترّهات الضلال[5]. وهذه كلها قواعد ينهض عليها التصوف الطرقي. وهي قواعد تذكرنا بحالة القصور التي تحدّث عنها كانط في عرض جوابه على سؤال: ما التنوير؟. وعليه، فإنّ الإصلاح الصوفيّ ينبغي أن يقودنا إلى التحرر من سلطة المؤسسّة الطرقيّة، وسلطة شيخها. فيصبح كل فرد متصوفاً دون أن يكون له شيخ، بمعنى أن يتجرأ المريد على استخدام فهمه الخاص. وهذا أيضاً ما يراه بعض المصلحين المتصوفين الجدد أنفسهم رغم أنّ رأيهم يبقى ضعيفاً. وصحيح أنّ الدور الذي كان يلعبه الشيوخ في الزوايا الصوفيّة كان دوراً مهماً في فترة من فترات التّاريخ، ولذلك فنحن نفهمه ونتفهّمه، إلاّ أنّ هذا الدور اليوم لم يعد مقبولاً في دول الحداثة. هذه الدول التي ينبغي أن تقوم، بمعية المجتمع المدني، بأغلب الأدوار التي كانت تقوم بها الطرق الصوفيّة بشيوخها من تربية ومساعدات اجتماعيّة وإنسانيّة واقتصاديّة.


[1] أشرف حافظ، مفهوم الأولوهيّة وعلاقته بالولاية في الفكر الإسلامي، دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ـ 2008، ص 201

[2] محمّد بن الطيّب، إسلام المتصوّفة، دار الطليعة، رابطة العقلانيّين العرب، الطبعة الأولى، ص 132

[3] خالد محمد عبده، مقالة: الشيخ والمريد اليوم، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، نشرت بتاريخ: 26/04/2014 على موقع المؤسسة.

[4] محمّد بن الطيّب، إسلام المتصوّفة، مرجع سابق، ص 95

[5] مرجع نفسه، ص 133