الإعلام "الديني" و"السياسي" وصناعة الرأي في ظل الحراك العربي

فئة :  مقالات

الإعلام "الديني" و"السياسي" وصناعة الرأي في ظل الحراك العربي

لئن كان من المهم التفكير والبحث في مصادر ومعايير المعرفة الإنسانية، مع الدعوة إلى الأخذ بجميع الشروط المتكاثفة لتشكيل معالمها، فإن التركيز على مجتمع معين، وحدث معيّن، له من الأهمية كذلك ما يفرض تخصيص رصد دقيق للعوامل المفسرة لظهور رأي ما، في مجتمع ما، وفي سياق أحداث محددة. فإذا صح منطلقنا هذا، واتخذنا من فرضيته قاعدة منهجية ومعرفية لكشف الحجب عما يتوارى وراء تبني المواقف والآراء، داخل السياقات العربية والإسلامية كمثال، فإن الحدث الذي يهمنا في هذا المعرض، وما سيرتبط بدواعي ومسببات ظهور زخم الآراء، هو مناسبة "الحراك الشعبي العربي" في علاقته بالإعلام كمصنّع للآراء ومُصَدِّر للمواقف.

كان من الضروري تاريخيا أن تصل أوضاع المجتمعات، ذات أغلبية عربية وإسلامية، إلى هذه المحطة السياسية والاجتماعية والثقافية، وكان من اللازم أن يكتمل نصاب "الثورة" عند شعوب، وتنتظر شعوب أخرى اختمار إرادات أفرادها، ولكن ليس طبيعيا أن تطرح المجتمعات المجاورة، التي لم تصلها ريح الثورة بكامل أحمالها، آراء تؤيد أو تعارض موقفا دون آخر، ولاعتبارات تتعلق بالدين، أو اللغة، أو التاريخ المشترك. ولسنا هنا نعجبُ من هذه الحال، مادامت تنطلق من مقاربة علمية لها من الصِّدقية ما يبررها، ذلك أن البحث المتخصص الذي يخرج بهذه الخلاصات يمكن إعادة النظر فيه، وتعريضه للدحض والتفنيد. أما ما يجعل الأمر غير طبيعي، فهو استناد الرأي الشائع في المجتمعات العربية، حول قضايا الثورة والحراك، على مصدرية الإعلام وترسانته المدججة بالصورة، والصوت، واللغة، حتى صار كل انطباع حول مستجد عربي لا يكاد يخرج عن سياق "الحوزة الإعلامية"؛ أي تأجيج ثقافة الرأي السريع، والجاهز أحيانا، ومصدره آنية الخبر وتزامن التعليق والتحليل لمضامينه.

حين يتابع الشارع العربي هذه التطورات من خلال فضائيات الأخبار السياسية، لا يجد أمامه خيارا آخر غير تبني وجهات النظر المطروحة والمقدمة، ذلك أن أخذه بهذه الخلاصات ليس مبتورا عن حججها؛ فهو لا يتوانى عن طرح الموقف وسرد الحجج الموروثة عن محللي الإعلام السياسي.

والأمر نفسه مُلَاحَظٌ على مستوى التثقيف الديني الذي تكفلت به بعض القنوات الفضائية منذ مرحلة ما قبل الحراك العربي؛ إذ صار دورها في ظل التحولات السياسية للشعوب النشيطة ـ سياسيا ـ فعالا بشكل عنيف في مرحلة متقدمة زمنيا من مراحل تاريخ الحراك الشعبي العربي. يمكن القول إنَّ "ثورة" المصريين تعد تأسيسا فعليا للخطاب الإعلامي الديني الذي وجه بوصلته قبلة التحولات، التي ستطال المجتمع بعد تحقيق أهداف الثورة، فراهن على إشاعة مشروع نهضوي جديد، يستدمج القوى السياسية رغم الاختلافات المرجعية القائمة بينها. ويمكن اعتبار الرهان السياسي والمجتمعي للإعلام الديني في هذه المرحلة قائما على:

أولا : البحث عن نقطة مشتركة بين جميع القوى السياسية في العالم العربي والإسلامي عموما، وفي مصر تحديدا، تبرر من جهة هذا "التحالف المؤقت" (تحالف براغماتي بمعناه السلبي) لتحسين الصورة في عين مريدي الجماعة الدينية، وكذلك لتسهيل الظفر بحصة في غنيمة السلطة.

ثانيا : العمل على تنزيل المشاريع الموصى بها من طرف المرجعيات التاريخية والروحية للتيار السياسي الديني، والعمل على إقناع العامة من المسلمين، ذوي الثقافة الدينية البسيطة، بمستقبل البلد في ظل حكم "الإسلام المُشهَرِ به".

وفي هذا السياق أقلقنا الأمر، فدعانا في لحظة استبصار إلى التساؤل : كيف استطاع الإعلام الديني والسياسي، في ظل الحراك العربي، أن يؤثث لمشروع تصنيع الآراء وتصدريها إلى كل الأقطاب العربية؟ وما العوامل المساهمة في ذلك؟ وهل نحن إزاء إعلام يتوسط عملية معرفة الخبر بشكل سلبي أم إيجابي؟ ألا يمكن القول إن الإعلام السياسي والديني قد أسهما أكثر في توجيه مسارات الرؤية عند الشعوب الثائرة في وجه أنظمتها، وكذا الشعوب المجاورة والمتتبعة لها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن الحديث عن "ثورة" يتحكّم في شدّتها، ومدّتها الإعلام، وفي وقتٍ يُخيّل فيه إلى المجتمع العربي أنه صانعها؟!

تسربت خطابات الإعلام الديني والسياسي عبر قنوات مبرمجة لهذا الغرض، غايتها استهداف شريحة واسعة من المجتمعات العربية ذات الثقافة البسيطة جدا، ودليل ذلك ما تنتهجه من أشكال الإقناع والتأثير في وجدان المتلقي، مهما اختلفت توجهاته الدينية. والأمر نفسه يتأسس في ظل الحراك العربي، إذ تجند الإعلام السياسي بخطاب الصورة والصوت، وتجند الإعلام الديني بالنقد الموازي للأوضاع، مع استبشار مصاحب "للمؤمنين" بمستقبل البلد إذا تحققت بشرى "الله". وقد استعان هذا الأخير في عمله على مرجعية التاريخ الذي يعتبره نموذجا، ومرجعية النص الذي يعتبره قاعدة إبستمولوجية. وانطلاقا من هذه المعطيات، صار التحكم في وجهة الغضب الشعبي ممكنا، سواء من جهة الإعلام السياسي أو من جهة الإعلام الديني، وبيان ذلك كالآتي:

تزعّمت بعض الفضائيات المشهورة في عرض المستجدات السياسية حركة إعلامية، يمكن اعتبارها خطيرة جدا، إذ تهدف، لا إلى إيصال الخبر، ولكن إلى تأويله والتعليق عليه، من خلال "استثمار" من تسميهم بالمحللين السياسيين، في اللحظة والآن، وتقديمه (الخبر) بمعنى جديد يستجيب بالضرورة للخط التحريري الذي تنتهجه القناة، ويحفظ لها الحظوة عند الأنظمة الممولة لها.

وانطلاقا من هذه الوسائل المتطورة التي تستعين بها هذه الفضائيات السياسية، ليصل مضمونها الإعلامي، الملغوم بمضامين سياسوية محضة، بحلة جديدة توجه مسار تفكير شريحة كبيرة من المجتمع العربي. ولعل أبرز دليل يمكن أن نستدل به، هو التفاعل "السلبي" للمتتبع العربي (ذي الثقافة البسيطة) مع معطيات المرئيات المعروضة أمام ناظريه؛ إذ سرعان ما يجد نفسه مُصدقا لها، وبلا ريب، وبناءً على ذلك يؤسس لنفسه مواقف، ويتبنى مرجعيات ينافح من خلالها على تيارات، ويتبرأ من أخرى... وإذا تساءلنا عن مرد كل هذا، وجدنا أن الضعف الثقافي، والجهل السياسي، والتمويه الإعلامي، عوامل مسؤولة عن كل انفعال يظهر في مجتمع يتابع أحداث الحراك السياسي لمجتمع آخر. إننا أمام إشكالية حساسة في صناعة المعنى والحقيقة، وليس الأمر بالهين، حين يضم مجتمع ما أفرادا توحدهم عدة مشتركات، وتفصل بينهم "حقائق الإعلام".

ولعمري إن ما يُستشرف من مستقبل البنيات الاجتماعية، والثقافية للمجتمعات العربية لا يُبشر بخير، ما دامت الحقيقة تظهر على التلفاز، وتُقتَل في الكتب، وتدفن في مقابر المعرفة. ليس لدى الأنظمة العربية (المستبدة) مشكلة مع هذا النوع من الإعلام، رغم ما يدعيه (الإعلام) من كشف وفضح للحقائق؛ ذلك أن هذه الأنظمة تستثمر "الرأس المال الإعلامي" لصناعة عدو مفترض، إما داخل ما يسمى بـ "التراب الوطني"، أو خارجه.

بهذا المعنى، يمكن أن نستنتج مسألة أساسية، وهي أن الإعلام السياسي خاضع لـ"برنامج" يشكل خلفيته، وغايته، وشرط بقائه. وليس المتفرج سوى غاية، هو الآخر، ينبغي استهدافها، لتوجيه وعيه، وتفكيره في الأمور السياسية خصوصا. وبالتالي غرس بذور مواقف وآراء معينة تجاه نظام سياسي آخر، وفي ظل تحولات سياسية تهدد بتغيير مستقبل المنطقة، في وقت ينبغي فيه للمتتبع العربي أن يركز تفكيره ووعيه على أوضاع مجتمعه، ونظامه الذي يحتاج، في الغالب أيضا، إلى التغيير.

لقد أضحى الرأي يُصنع (بالمعنى السلبي) في سياق الحراك العربي، وبات الوعي يدجّن، والفكر يتوارى، والمثقف يُدفن حيا بين بقايا تحليلاته "العميقة"، ومن يدري؟! قد يعود إليها المجتمع فيما بعد، ولكن بعد أن يفوت الأوان، وتضيع من عمر مستقبل بلاد العرب سنوات، ويستتب اللاوعي مكان الوعي، حيث نكون قد ابتعدنا كثيرا عن طريق الخلاص. إنها استتباعات "أزمة الرأي"، حيث حل "الإعلام الصوري الساذج"، محل المثقف، وصارت أسماع العامة تتخبط في ضلالها، وتتبنى مواقف، عجيبة زخرَفتُها، مع كل موجة آراء يوزّعها الإعلام بتفانٍ ومهارة.

للإعلام الديني أيضا دوره الكبير في عملية توجيه التفكير عند شريحة كبيرة من المجتمعات العربية، ذات الأغلبية المسلمة. فإن كان للإعلام السياسي دور في تحوير الحقيقة، وإعادة بنائها وفق خط تحريري معين، فإن الخطاب الإعلامي الديني، وبمناسبة كل حدث مُسْتَجِد، يحاول تأسيس مضامين جديدة. ولعل منعرج الحراك العربي قد أخرج خطابا إعلاميا دينيا جديدا إلى الوجود، اخترق سياقات ما يسمى بـ"الربيع العربي"، واستدمج عناصره ضمن مضامينه الخطابية، وحاول تأصيل مفاهيمه في تربة مرجعياته النصية والتاريخية، فصار لثورة العرب 2011م، نفحة كلاسيكية، تستحضر، في كل مرة، عصر النبي والصحابة، في ظرفية لا صلة لها بتاتا بالماضي، ولا يوجد مفهوم واحد في كل "الثورات العربية" له علاقة بهذا الحقل الدلالي الديني (الإسلام بالتحديد).

لقد تأثر المتتبع العربي بالإعلام الديني، حتى صار فهم التحولات الجيوـ سياسية منوطا بالفقيه، أو كما أسماه بعض الباحثين المعاصرين : "المنشط الديني"، ولا يُنْتَظَر من الخطاب الديني عمق تحليلي، ولا موضوعية حيادية في التعامل مع موضوعات القضية العربية والإسلامية، بل يُنْتَظَر منه المنافحة على المرجعيات الإسلامية أساسا، وهذا عينه مكمن القوة عند الإعلام الديني؛ إذ يُشعر المتتبع المسلم، وهو في خضم "الثورة"، بخطر مؤامرات "أعداء الإسلام"، مع تقديم بديل سياسي يتمثل في العصر النموذجي الذي ينبغي له أن يُبعثَ الآن، ليخلص العرب من الظلم والهوان، في وقت تُرَدّد فيه شعارات المطالبة بـ: الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة، وحقوق الأقليات...إلخ؛ وكلها مفاهيم ليست نتاج سياقات عربية، ولا إسلامية، بل هي دليل على استلهام النموذج الإصلاحي والثوري الغربي، الذي بدَتْ نِعَم غنائمه على أحفاده. لا يمكن للخطاب الإعلامي الديني أن يعي تهافته، وهو يُصرُّ على إقحام أسس الثورة السياسية والاجتماعية الغربية في المرجعيات الدينية والتاريخية للإسلام. ولا يمكن أن ينعم الإنسان المسلم بحرية، في صياغة موقف تجاه أوضاع الحراك العربي، إلا بعيدا عن صراخ الخطيب الإعلامي الديني، وبمنأى عن خطاب الترغيب والترهيب الذي ينتهجه.

على الخطاب الإعلامي الديني أن يراجع مضامينه، وأسسه، وغاياته، وعلى منشطيه أن يعوا قانون التحول التاريخي للمجتمعات الإنسانية عموما، وأن المجتمع العربي المسلم واحد منها، ولا يفصله عنها اعتباره "خير مجتمع أخْرِجَ للناس". وأن يُدركوا كذلك أن السواد الأعظم من المجتمعات العربية المسلمة آذانها قبلة خطاباتهم، وكل ردة فعل على الواقع، ليست سوى نتاجا لتفاعل مع مواقف تم تبنيها إعلاميا وبوساطة الدين.

إنّ التّموقف تجاه ثورة مجتمع معين، لا ينبغي أن يترأسه الخطاب الديني، حفاظا على مكانته الاعتبارية، سواء بتأييدها أو تفنيدها؛ ذلك أن الخطاب الديني يؤجج الآراء ويكثّفها، ويصنع جبهات ويُصادمها، ولكنه لا يستطيع النفاذ إلى أعماق الأحداث ليحللها، ويكشف القانون المتحكم في بدايتها، أو يستشرف نهايتها...، وهذا عينه ما نحتاجه اليوم، وما ينبغي أن نستند عليه في بناء مواقفنا، وهو ما يجبُ أن نُنْصِتَ له إنصاتا تاما، حتى ينتفض الغبار عن مخارج صوته، ويعود زعيما لآراء وتصورات المجتمع، كبديل عن التمويه السياسي أو الديني الذي تمارسه قنوات تسَيّر صبيب مجاريها مُحركات مجهولة.

لقد أظهرت لنا تجربة "الربيع العربي" الإعلامية، وتحديدا على المستوى السياسي والديني، أننا إزاء ثورة يظن المتتبع العربي، (سواء الفاعل أو المنفعل)، أنه صانعها، في حين أن للإعلام فيها عنصر خفي يحرّكها، ويدير مجرياتها، ويسلّط الضوء على أنظمة أراد لها النهاية، ويَغُضّ الطرف عن أنظمة اختار لها البقاء.