الإيديولوجية الإسلامية والحداثة الناقصة

فئة :  مقالات

الإيديولوجية الإسلامية والحداثة الناقصة

يعود بروز الإيديولوجية الإسلامية وترجمتها السياسية في بعض الأقطار العربية إلى أسباب كثيرة، يلخص بعضها حليم بركات في كون نشوء الحركات الإسلامية اقترن "بالأزمات الاقتصادية والسياسية، وضعف أو فشل الحركات القومية والاشتراكية، واستبدادية الحكومات التي حاربت الحركات والمنظمات المدنية (كالأحزاب والنقابات والجمعيات المهنية) وشجعت قيام الحركات الدينية، وقيام دولة دينية (إسرائيل) وأنظمة طائفية في المنطقة (لبنان)، والحداثة الاستهلاكية المشوهة، والفروقات الطبقية المتزايدة، والتبعية السياسية والاقتصادية للغرب، وتهدم القيم التقليدية دون أن تحل محلها قيمًا جديدة، والهجرة الواسعة من الريف إلى المدينة، وانتشار الفساد بانحلال العلاقة بين الوسائل والأهداف...إلخ. ثم إن بعض الحكومات استعملتها، في خدمة أهدافها الداخلية والخارجية، وخاصة في محاربتها للقوى الوطنية واليسارية العلمانية".[1]

فقد أدى التطبيق الناقص للحداثة، وعدوانية الغرب، وانفصال المجتمع السياسي عن المجتمع المدني، وتعبئة وسائل الدولة ضد تطلعات المجتمع، وانهيار القيم، والتضخم الإيديولوجي على حساب مبادئ حقوق الإنسان والحريات، كل ذلك أدى إلى تفقير جماهير واسعة وجعلها في حائرة وغير مطمئنة على صحتها، وشغلها، ومسكنها، ومستقبل أبنائها. أدت حالات الفشل هذه بفئات واسعة إلى النكوص إلى الماضي والهروب من آلام الحاضر، ونسج خطاب يزين الفترات السابقة، ويطمس صراعاتها وآلامها وأشكال الفتنة التي عرفتها، ويبالغ في جعل الماضي مصدرًا ومرجعًا وملاذًا للسياسة والاجتماع والسلوك، و"يلغي الزمن من خلال اختزال الديمومة إلى بعدها الماضي فقط، والغاية من ذلك هي الماضي وحده ولا شيء سواه. أما الحاضر، فهو القدر الخائن الذي يجب ألا يقف الإنسان عنده. وأما المستقبل، فلا يدخل في الحسبان".[2]

يبدو أن الحركات السياسية الإسلامية المعاصرة، بالرغم من كل النعوت التي يمكن أن توصف بها، تكثف في كثير من تعبيراتها القهر الاجتماعي والسياسي الذي مارسته السياسات العربية المختلفة على شعوبها، ذلك أنه أمام مأزق الحاضر الذي أدت إليه هذه السياسات التسلّطية يلتجئ المرء، إما إلى التحالف مع واقع الحال بالرغم من مفارقاته وزيفه وظلمه، وإما أن يرتمي في سوداوية وكفر تام بالواقع، وينغمس في اجترار كلام حزين ومتوتر عن المأساة الوجودية التي ينكوي بنارها، وإما أخيرًا أن يجد عزاءه في الهروب إلى الماضي، السحري أو الواقعي، المتخيل أو الفعلي. المهم هو أن يعمل على تفجير الزمن بالالتجاء إلى خطاب وسلوك، يعيد له بعض التوازن الوهمي أو الحقيقي في علاقته بذاته وبالآخرين.

يلخص برهان غليون، في سياق بحثه عن مقومات وأصول ومبادئ وأهداف الحركة الإسلامية المعاصرة، المسلمات التي يعتبر الباحثون أنها تشكل المقدمات الأساسية لهذه الظاهرة فيما يلي: "أول هذه المسلمات هي الماضوية ...المُسلمة الثانية الشمولية، ونعني بها الاعتقاد بأن إسلام المسلم عند الإسلاميين لا يتحقق إلا إذا كان تطبيق الشعائر والعبادات والقيم الروحية مواكبًا لتطبيق القيم السياسية والاجتماعية والشرعية...أما المسلمة الثالثة، وهي الأهم فهي الدعوة النضالية، فلا يكون للماضوية والشمولية من وزن اجتماعي إذا لم ترتبط بإرادة التغيير العام والجهاد من أجله، وفرض التصور الأصولي على المجتمع والدولة".[3]

ولا يقتصر الإسلامي على العبادة والانزواء في أركان المساجد، بل يدخل في شروط إيمانه الدعوة الاجتماعية، والجهاد بهدف "النهي عن المنكر" بكل الوسائل الممكنة والمتاحة، والعمل في اتجاه تحقيق الدولة الإسلامية. ومن ثم، فإن "مجموع الحياة السياسية والمدنية، وكل ما يتعلق بالشؤون الخاصة والجمعية والرسمية، ينبغي أن يقوم على أسس العقائد الإسلامية، وأن يرجع في الحلول التي يصوغها إلى التراث الإسلامي، وأن هذا التراث، نصًّا وتأويلاً، هو الوحيد الذي يتضمن الحلول الصحيحة التي يحتاجها المجتمع العربي".[4]

أدى انسداد آفاق الحلول السياسية والاقتصادية والثقافية التي تم اختبارها، وتكلس الأنظمة السياسية واستمرارها في تفتيت مقومات المجتمع المدني، أديا بالإسلامي إلى صوغ تصورات جديدة عن الموت والحياة، والسياسة والدين. فإذا كان البعض يرى أن محمد عبده يمثل لحظة فكرية أقل من تلك التي دشنها الأفغاني، وأن رشيد رضا أضعف فكريًا من محمد عبده، فإن الجماعات الإسلامية أقل بكثير من رشيد رضا، لأنها، كما يلاحظ حسن حنفي، "لم يعد لها من الفكر شيء". وإذا كان الأمر هكذا على الصعيد الفكري، فإن هذه الجماعات تعطي أهمية قصوى للتنظيم والنضال. فالكفر جاهز، والحلول في نظرها موجودة، وما يتعين القيام به هو الدعوة، السلمية أو العنفية، لإقامة الدولة الإسلامية. لا يهم إن كان الأمر يتطلب التعامل بواقعية أو بعقلانية، لأن كل الأساليب ممكنة ومباحة ما دام واقع الحال لا يتطابق والتعاليم الموجهة للسلوك والحركة، وما دام المجتمع تنظمه مؤسسات قهرية اضطهادية. وعليه، يتحول العنف إلى أداة لزعزعة الواقع وتحطيمه، ونمط سلوك يشعر المنتمي إلى التنظيم بدرجة ما من القوة والأهمية. يقول مصطفى حجازي: "يمد العنف في مجابهة المتسلط بنوع من الإحساس بالقوة التي تصبح رمز الحياة المهمة الأساسية، أو المرحلة الحاسمة في هذه المجابهة هي في التغلب على خوف الموت. إن تحدي الموت وقهره يحمل في النهاية معنى الانتصار على القهر والرضوخ اللذين يعنيان موتًا معنويًا ووجوديًا. منذ اللحظة التي بدأ فيها الإنسان المقهور يتحدى الموت والظفر عليه يكون قد قلب، من الناحية النفسية الذاتية المحض، معادلة التسلط والرضوخ وانتصر على ذاته".[5]

إذا كان الفكر العربي الحديث والمعاصر يتميز بكونه له علاقة مضطربة مع الواقع، وإذا كانت الحركات السياسية الإسلامية لم تبذل أي مجهود فكري يذكر بالقياس إلى السلفيين الأوائل في عصر النهضة، فإن غايتها القصوى لا تتمثل في إنتاج الفكر أو تغيير الواقع، وإنما بتطبيق التعاليم الجاهزة سلفًا، وتكسير الواقع اعتمادًا على أساليب تنظيمية نشطة توجهها نظرة "دوغمائية" تقسم العالم إلى خير وشر، والى دار الإسلام ودار الكفر، وكل من يخرج عن قواعد الإسلام، فإن محاربته شرعية، بل واجبة.

معلوم أن الحركة السياسية الإسلامية تعرف اتجاهات وتيارات متعددة، منها من يقول بالعنف والجهاد وسيلة لإقامة الدولة الإسلامية، ومنها من يرى أن الصراع السياسي والحوار الفكري مع تيارات المعارضة ضد أنظمة الحكم القائمة اختيار أنسب، ومن يدعو الى الاحتكام الى كل الوسائل الممكنة، حيث وُصف بكل النعوت، من تعصب وفاشية ودوغمائية وانغلاق وعدوانية...إلخ. غير أن هناك من الباحثين من ينظر إلى أشكال الممارسة التي ينهجها الإسلاميون نظرة متفهمة، على اعتبار أن" الحديث باسم الإسلام له في السياسة مفعول العودة إلى منبع القيم التأسيسية للاجتماع العربي والإسلامي التاريخي، وهو يعزف بالمقابل على وتر مشاعر العدل والمساواة المثالية بين الناس، ويفجر المخزون التاريخي لذاكرة الاعتراض على التمييز والظلم الذي يشكو منه جمهور يزداد اتساعًا، اعتاد على أن يتم إسقاطه دائمًا من الحساب، وفي كل العهود، وفرض عليه التذلل والتزلف وإراقة ماء الوجه للحصول على أبسط أمور المعيشة أو الإدارة، وهو يبعث الأمل بقدوم فرصة الانتقام الرهيب والثأر التاريخي لدى المحبطين والمعوزين والمحرومين من كل الأشكال والأصناف".[6]

يستند الخطاب الذي تنتجه الحركات السياسية الإسلامية إلى لا وعي ثقافي يصاغ في أشكال بلاغية وخطابية، تتوجه إلى الوجدان المنجرح بمختلف أنواع الإحباطات، وتتمكن من نسج علائق تسمح لها بخلق حركة اجتماعية، وببلورة متخيل سياسي تتماهى فيه مكونات تلك الحركة الاجتماعية. معلوم أن أساليب التنظيم والتعبئة تعتمد على معقولية معينة، خاصة بالنسبة للحركات ذات النزوع البراجماتي، ولكن أسلوب التبادل الرمزي ونمط الخطاب يستمدان عناصرهما من مخزون ثقافي ومتخيل سياسي يستندان إلى آليات وطرائق اشتغال لا تستجيب دائمًا لشروط الصلاحية والدقة والبرهنة العقلانية. وقد بيّنت التجربتان المصرية والتونسية، في سياق ما تشهدانه منذ عام 2011 من توترات الانتقال إلى الديمقراطية، محدودية "الثقافة الديمقراطية" لدى كثير من القوى والأحزاب، سواء الليبرالية أو في أوساط الإسلاميين، ذلك أنهم لم ينتبهوا إلى القيمة التاريخية للتوافقات في التأسيس للانتقال، وعبّروا عن تعطّش مريب للسلطة باسم الأغلبية والاقتراع. والحال، أن الاقتراع أداة لا مناص منها في المسلسل الانتخابي، لكنه غير كاف وحده لإقامة ديمقراطية بمعناها العصري.


[1]- حليم بركات "الدين والسلطة في المجتمع العربي المعاصر، تحليل اجتماعي"، مجلة مواقف، العدد 59-60، ص 84

[2]- مصطفى حجازي، "التخلف الاجتماعي، سيكولوجية الإنسان المقهور"، معهد الإنماء العربي، بيروت، الطبعة الخامسة، 1989، ص 111

[3]- برهان غليون، نقد السياسة، الدولة والدين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1991، ص 192-193

[4]- برهان غليون، المرجع السابق ص 293

[5]- مصطفى حجازي، المرجع السابق، ص ص 52-53

[6]- برهان غليون، نقد السياسة، الدولة والدين، نفس المعطيات السابقة ص 256