الاقتصاد اللامادّي: قطيعة إبستمولوجية

فئة :  مقالات

الاقتصاد اللامادّي: قطيعة إبستمولوجية

تعيش الاقتصادات المتقدمة منذ أكثر من ثلاثة عقود مرحلة انتقال تدريجية، من هياكل تنظيم وإنتاج مرتكزة على بنى الصناعة والفلاحة والخدمات التقليدية، إلى هياكل وبنى إنتاج جديدة، مرتكزة بقوة على طرائق إنتاج وتخزين واستغلال وتداول واستهلاك المعلومات والمعطيات والبيانات والمعارف وما سواها.

وعليه، فلم تعد النظرية الاقتصادية رهينة ما ساد ويسود من طروحات وتصورات بُنيت في الأصل على أساس هيمنة الإنتاج المادي المباشر، أو ما اكتنزته الأرض من معادن ومنتوجات خام، بل تحولت (بحثاً ميدانياً وتنظيراً منمذجاً غاية في التعقد) إلى مقاربة في طبيعة ومظاهر وتبعات الاقتصاد الجديد المتشكل، وطبيعة الفاعلين من بين ظهرانيه.

فانتشرت نتيجة ذلك طروحات جديدة عبّر عنها أصحابها بمصطلحات مستجدّة من قبيل "المجتمع الشبكي"، و"الاقتصاد الافتراضي"، و"الاقتصاد اللامادّي"، و"اقتصاد عصر المعلومات"، و"الاقتصاد الجديد" و"اقتصاد الرموز" وغيرها، تماماً كما انتشرت بموازاتها أو في صلبها أو بامتداد لها، مصطلحات جديدة أخذت لها مسمّيات من قبيل "الثقافة الافتراضية"، و"الثقافة السايبيرية"، و"ثقافة الآنية والسرعة" وما سواها. كما امتدّت هذه التسميات إلى حقول معرفية أخرى بعيدة، فبتنا نسمع عن "الديموقراطية الافتراضية"، و"التواصل الافتراضي"، و"العقل الافتراضي"، وهكذا.

والواقع أنّ السر في ذلك يتأتّى من أنّ المعلومات والمعارف (كالشبكات والبنى التحتية الحاملة لها) لم تعد مجرد مدخل عادي من مداخل الإنتاج التقليدية المساهمة في إنتاج الثروة (يد عاملة رخيصة، رأسمال مادي صرف)، بل غدت المحرك الأساس للإنتاج ذاته أحجاماً ونوعية، وعلى مستوى التنظيم المؤسساتي، من مرونة، وتكوين عالي الدقة، وتنافسية بالنجاعة، وقس على ذلك.

يقول محمد مراريتي بخصوص هذه النقطة: إنّ "توفير المعرفة وتحويلها إلى معلومات، جعل من تكنولوجيا المعلومات أداة هائلة في وضع المعرفة في متناول العالم، وخاصّة أنّ شبكات المعلومات مثل الإنترنيت وغيرها تجعل المسافات قصيرة والزمن مختصراً والتكلفة بسيطة والتداول سهلاً".

إنّ هذا الترميز الذي باتت المعرفة مجاله وميدانه، تصميماً وتخزيناً رقمياً، انطلاقاً من توافرها كمعلومات على شكل كتب ومجلات وأوراق عمل ومراجع وفهارس وصور وصوت وأفلام ورسومات، إضافة إلى مسألة تسهيل نقلها عبر الشبكات الرقمية العالمية، إنّما يجعلها أداة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ذات دور فعّال للغاية. وهذا ما يقرّبنا من مجتمع المعلومات الذي يولد وينقل ويستعمل المعرفة في صيغتها الأولى الخام لخدمته في المجالات كلها. إنّ توفير المعرفة وتحويلها إلى معلومات رقمية يجعلها تتحوّل إلى "سلعة" حقيقية تزداد أنواعها وأصنافها وأحجامها يوماً بعد يوم، ويزداد دورها في الاقتصادات الوطنية التي بدأت تتجه باتجاه اقتصاد المعرفة الناشئ.

وعلى هذا الأساس، فإنّ نجاعة الاقتصادات الوطنية وتنافسية شركاتها ومقاولاتها، إنّما باتت تقاس بمدى قدرتها على جمع المعلومات والبيانات، وترتيبها وتخزينها وإعادة إنتاجها، وتداولها من بين ظهرانيها ومن لدن حلفائها وشركائها، بغرض الرفع من سبل ووتائر الإنتاجية، وتوليد سلع وخدمات جديدة (خاصيتها الأساس أنّ العنصر المادي فيها ضئيل قياساً إلى المكونات اللينة)، تتحصل بها حصصاً معتبرة من السوق، ترفع من خلالها مستوى مداخيلها وأرباحها، وتزيد عبرها بالمحصلة، وزنها بين مثيلاتها وبداخل الاقتصاد العالمي بوجه عام.

يقول فيفري بهذا الخصوص: "المعلومة في مفهومها التقني، إنّما هي عبارة عن تيارات للرموز الرقمية، لكنها تعطي مكانة مميزة للذكاء البشري في عملية الإنتاج وإعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية. فالثورتان الفلاحية والصناعية المنظمتان بالأساس حول علاقة المادة بالطاقة، كانتا تختزلان الذكاء البشري في وظيفة تكيف خالصة مع التقنيات الجديدة والآلات الجديدة. هذه المرّة أضحت حصة البرمجيات، وبالتالي المادة الرمادية، أكثر حسماً من الحاسوب ذاته في مكونه المادي".

لا يقتصر الأمر هنا على تقدّم "الجانب الرمادي"، احتكاماً إلى ما يعود للجانب المادي في السلعة أو الخدمة أو ما سواها، بل يتعداه إلى طبيعة العديد من الفاعلين الثاوين خلف ذلك، وليشمل أيضاً أشكال التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المندرجة تحت غطائها؛ أي أنّ "الثورة الرمادية" لم يقتصر مدّها ومداها على الاقتصاد بصيغته التقليدية، بل تعدّاها أيضاً إلى الفاعلين في الاقتصاد ذاته على مستوى الشكل والجوهر.

يقول ميشيل كارتير: "هناك انتقال من عالم إلى آخر، فعندما يتحول الزمن والمكان لدرجة تتحول معه الثقافة...ويبدو أنّه بتعمق التحولات بداخل تاريخنا، فإنّ الزمن والمكان يبرزان وكأنهما يضيقان. إنّ انفجار طرق الإعلام والاتصال السيّارة هي إيذان بمرحلة حاسمة لعالم بلغ مفترقاً تتداخل بصلبه المعطيات المجتمعاتية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية؛ فالدولة والسياسي والاقتصادي لم يعودوا يفعلون في نفس الزمن والمكان، كما كان عليه الأمر من ذي قبل". إنهم باتوا يعملون في زمن من المفروض ليس فقط أن يفعلوا فيه، بل أن يتفاعلوا معه أيضاً.

وعلى هذا الأساس، فإذا لم يكن "البراديغم اللامادي" قد أفرز بالمراحل الحالية الشكل النهائي للاقتصاد اللامادي القادم لا محالة، بحكم عدم استقرار المكونات النهائية للنظام التكنولوجي المتشكل، فإنّه قد استطاع أن يفرز المكونات الأساس لما ستؤول إليه التكنولوجيا وأشكال التنظيم المترتبة عنها شكلاً، وعلى مستوى المضمون؛ أي:

ـ علوم وتكنولوجيا الإعلام والاتصال تتطور بطريقة تراكمية.

ـ قانون مور، حيث الانخفاضات المتتالية لأثمان الرقائق الصغيرة تجعلها قابلة لمختلف التطبيقات.

ـ التزايد الكبير في أحجام وتيارات المعطيات.

ـ تزايد فضاءات التطبيق في مسلسلات الإنتاج، من قبيل العقلانية المتزايدة للمسلسلات والتيارات في المكتبة، في المتعدد الأقطاب، في أنشطة التصميم والتحليل، في علوم التحويل، في السلع الاستهلاكية الجديدة (هاتف نقال، كاميرا رقمية...إلخ).

ـ مسلسلات جديدة للتراكم (وتحديداً القيمة المعطاة للاستثمارات اللامادية وللإنتاج المشترك).

ـ أنشطة جديدة وتخصصات ذات طبيعة معلوماتية.

ـ متطلبات جديدة (تفاعلية) في ميدان الكفاءات.

ـ متطلبات جديدة في ميدان التكوين.

ـ أشكال جديدة لإنتاج المعارف.

ـ تكنولوجيا جديدة لإنتاج المعرفة (أنظمة الخبرة، ذكاء اصطناعي).

ـ أنماط جديدة للاستهلاك (خصوصية أو ما يسمى العلاقة بالخدمة).

ـ متطلبات جديدة وأشكال تنظيم مبتكرة (مشاريع، شبكات...إلخ).

ـ قواعد جديدة (الملكية الفكرية، المجازفة).

ـ مؤسسات جديدة (أنظمة الإبداع).

ـ أشكال جديدة للتمويل (لا سيما الرأسمال المجازف).

يبدو الأمر، بالبناء على ما سبق على الأقل، أنّنا بإزاء الاقتصاد اللامادي المتشكل، إنّما نحن بإزاء قطيعة إبستمولوجية من نوع ما، على اعتبار انبعاث براديغم جديد (معلوماتي، وتكنولوجي، ومؤسساتي وثقافي) يلغي ويقوض ما سواه من براديغمات سابقة (بارديغمات المادة الخام والعضلات البشرية الخشنة).

وهو طرح من الوارد التحاجج بشأنه ولو مؤقتاً، لكنّ الذي لا يمكن التحاجج بشأنه كثيراً، هو أنّ ما حملته تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال من مستجدات ببداية هذا القرن، إنّما هو أيضاً امتداد تاريخي لها، على مستوى التراكم التقني (بالحجم وبالنوعية)، والذي بدأ، إذا لم يكن منذ اكتشاف الهاتف في القرن التاسع عشر، فعلى الأقل منذ خمسينيات القرن الماضي وما عرفته من حواسيب ضخمة، بلغت مستويات من التصغير ما تزال تفرز الجديد بانتظام...وهو أمر يصدق على الاتصالات اللاسلكية، وعلى المعلوماتية، وعلى البث التلفزيوني الحالي بالقياس إلى تلفزيون الأبيض والأسود، وعلى ما سواها.

بالتالي، فلو سلّمنا بطرح أنّ الاقتصاد اللامادي يؤسس حقاً لقطيعة تكنولوجية ومؤسساتية وثقافية من خاصية ما، أو قياساً إلى ما كان قائماً وسائداً في عصور الاقتصاد "المادي" الصرف، فلن نستطيع التسليم بأنّ ثمة قطيعة مفاهيمية من شأنها التأريخ "للما قبل" و"للما بعد" في هذه القطيعة. وآيتنا في ذلك لا تكمن فقط في كون الخلفية التراكمية في تاريخ التقنيات ما تزال هي الثابتة، ولكن أيضاً لأنّ العديد من مظاهر الاقتصاد المادي ما تزال هي الناظمة لسلّم الإنتاج ونمط التوزيع وآليات الاستهلاك.