البحث عن آفاق تتخطى الاتّباع في الدراسات الإسلامية

فئة :  مقالات

البحث عن آفاق تتخطى الاتّباع في الدراسات الإسلامية

مجتمعاتنا مسكونة بهاجس التراث

ربما لا توجد مجتمعات بشرية مسكونة بهاجس التراث كالمجتمعات الإسلامية؛ فهي تعيش حنينا إلى الماضي لا حدود له، وتخلع عليه ما يحلو لها من المعاني والصور المثالية وتتعاطى معه، باعتباره ناجزا ومكتملا وفريدا، وتحشد كل أحلامها وأمانيها وتطلعاتها في استرداده كما هو، على نحو أمسى ذلك التراث قيدا يكبل حاضرها ويلغي مستقبلها، ذلك أنها تسعى لأن يصير زمانها زمانا تكراريا، لا ينتهي إلاّ من حيث بدأ، ولا يبدأ إلاّ من حيث انتهى.

وأضحىى حنينها وتمجيدها لتراثها مصدرا لطائفة من الالتباسات والخلط في الرؤية، بشكل يتعذر فيه التمييز بين الدين، بوصفه تساميا للروح وتجسيدا للقيم النبيلة، والتراث بوصفه إنتاجا بشريا، يرتبط عضويا بمختلف الظروف والعوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المتغيرة، مثلما تعذر التمييز بين الواقعة التاريخية والشخص التاريخي، والواقعة الرمزية والشخص الرمزي، الذي صاغه المخيال الإيماني، وكرسه في الذاكرة الجماعية، واعتبره متعاليا على الأرض، ومتجاوزا لمعطيات الواقع. وكأن حركة التاريخ لم تكن تحولا من النقص إلى الكمال، ومن الحسن إلى الأحسن، وإنما تختزل بتمامها في أفكار ورؤيا ومواقف السلف، ممن توقف التاريخ عندهم، حتى أصبحت أية محاولة لمساءلة التاريخ، ونزع القناع عن التراث تنعت بالعدوان على أمجاد الأمة وماضيها المشرق، ويجري التشهير بكل باحث يعمد إلى الكشف عن عمليات حذف وإقصاء الحوادث والوقائع والمفاهيم والمعتقدات التي لا تنسجم مع الإيديولوجيا التبجيلية المهيمنة، أو يسعى للإعلان عن المهمش والمسكوت عنه، وفضح السائد والمتغلب في التراث.

وتشتد سطوة التراث عبر حضور فكر الأموات ومقولاتهم، بل يغدو الأموات هم مصدر الإلهام للكثير من المعاني في حياتنا، وتعلي مجتمعاتنا من مقاماتهم عندما تنصبهم حكاما على الأحياء، وتعود إليهم فيما تواجهه من تحديات، وتستعير آراءهم في أكثر القضايا والمستجدات.

إننا نعيش تحت وطأة التراث، خاصة فيما يسود مجتمعاتنا من نزعات تعصب وكراهية ونفي للآخر، وسنبقى قابعين في هذا السجن، ولا نستطيع الإفلات منه، مالم ندرك أن التراث يتمثل في مجموعة معانٍ، وأن هناك شروطا لغوية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية لإنتاج كل معنى، ومن الضروي تحليل تلك الشروط، ورصد صيرورتها التاريخية والأنساق التي تحركت فيها، ودراسة الأطر الاجتماعية للمعرفة، والأبعاد السوسيولوجية والأنثروبولوجية والسيميائية والسيكولوجية لتشكل الخطابات المتنوعة المنبثقة عن هذه المعاني.

ويحسب أنصار التراث أن الانتماء للإسلام لاينفك عن الاستسلام للتراث واستدعائه بكافة عناصره في حاضرنا، غير أن الإيمان والمعتقد لا يرتكز على الاغتراف من التراث، والركون إلى فهم السلف. الإيمان والانتماء للإسلام يعنيان بناء علاقة حيوية وفعالة مع الله في العصر الذي يعيش فيه الإنسان، تستقي هذه العلاقة مادتها من فهم الشخص للوحي، وتجربته الدينية الخاصة، ولاتستقيها من التراث.

المقدس ظاهرة أبدية

يكتب كريغ كالهون: (الدين تهديدٌ، إلهامٌ، مواساة، تحريضٌ، روتين يبعث الاطمئنان أو دعوةٌ لأن يضع المرءُ روحَه على راحته. إنه طريقٌ لإحلال السلام وسبب لشن الحروب. وكما عبّر علي شريعتي: "الدين ظاهرة مدهشة تلعب في حياة الناس أدواراً متناقضة. يمكن له أن يدمّر أو يبث الحيوية، يستجلب النوم أو يدعو إلى الصحو، يستعبد أو يُحرر، يعلّم الخنوع أو يعلم الثورة."لا غرابة إذن، أن تكون الجدالات عن موقع الدين في المجال العام مربكة إلى هذا الحد). لاحظ: "قوى الدين المتعددة، خاتمة كتاب: قوة الدين في المجال الاجتماعي".

الدين ظاهرة أبدية موجودة حيث وجدت الحياة البشرية، وإحدى البنى العميقة في الوعي واللاوعي البشري، حتى المجتمعات الغارقة في العلمنة ـ إذا صح التعبيرـ لا يمكن أن تغادر الدين والمقدس، لأنه غاطس في بنيتها العميقة، ونعثر دائماً على تعبيراته في حياتها.

ففي المجتمعات الغربية، التي نظن بأن الدين اختفى من حياتها، الدين مازال حاضرا لديها، لكن طبيعة حضوره في هذه المجتمعات مختلفة عنها في مجتمعات أخرى. صحيح أن الدين لا يتجلى بوضوح في الحياة الاجتماعية الغربية، أو المدنية، أو ينعكس على الإدارة والعلاقات والشأن العام بشكل مباشر، لكنه ما زال لابثا في لاوعيهم، بمعنى أن الدين ليس غائباً ولم يندثر أو يختفي، وإن كان مجال حضوره لديهم غيره في الجزيرة العربية والمجتمعات الاسلامية.

الدين ظاهرة مستمرة متواصلة، وحاجة بشرية لا يستغني عنها الإنسان، غير أن تعبيراته وتجلياته وتمثلاته وطبيعة حضوره مختلفة من مجتمع لآخر. حينما تزور أيّة مدينة غربية، وتدخل المتاحف أو الكنائس، أو الكاتدرائيات، أو المباني القديمة تشاهد الكثير من الرسوم والصور واللوحات الفنية والتماثيل، من مختلف عصور التاريخ الأوروبي، خاصة العصور الحديثة، تجد أن معظم الآثار الفنية ترتسم فيها الأيقونات والثيمات والإشارات والإيماءات الدينية، ومن يجهل اللاهوت والميراث الديني المسيحي والكتاب المقدس، يتعذر عليه فهم عدد كبير من هذه الآثار. وحسب قول إمبيرتو إيكو: "من الصعوبة بمكان فهم ثلاثة أرباع الفن الغربي تقريبا إذا ما كنت تجهل أحداث العهدين القديم والجديد، إضافة الى قصص القديسين".

المعنى الذي يضفيه الدين على الحياة البشرية

إنّ الحديث عن المعنى الذي يضفيه الدين على الحياة البشرية لمن يعتقد بأصالته وواقعيته، ولا يرجع جذوره لأسباب وضعية من اجتماع أو تاريخ أو اقتصاد أو أوهام أو غيرها، ليس بالأمر الهيّن، كما يبدو لأول وهلة، كما ليس بوسع شخص ما أنّ يدعي احتكار معرفته؛ ليس لأن ذلك مرتهن بمقدار استيعابنا لجميع الأسئلة والمفاهيم والمناهج التي أفرزها الإنسان في مسيرته الطويلة، وهو ما يعقِّد البت في إشكالية المعنى، بل ولأن الحديث المشار إليه يواجه مشاكل أنطولوجية وإبستمولوجية بشأن علاقة النسبي بالمطلق، وإمكانية استكناه إرادة الذات الإلهية، وطبيعة وقيمة المعرفة البشرية وآلياتها ومناهجها في هذا الحقل. ولكي لا يفسر موقفي في هذه النقطة وكأنه "تعطيل" للمعرفة، كما كان يصطلح القدماء من مفكرينا في الحضارة الإسلامية، يمكنني الإشارة إلى دور الدين في منح الإنسان "هدفا" أو "أهدافا" تتجاوز وجوده البشري المحدود إلى الأبدية المطلقة التي يمثلها "الله"، وما يعنيه ذلك من تحصينات هائلة في مواجهة المشاعر والمواقف العدمية والفوضوية التي يمكن أن يغرق فيها الإنسان. كما بوسعنا الإشارة أيضًا، إلى ما بات يسمى بـ "الأخلاقيات المؤسسة على الدين" ودورها في بث التعاون والتراحم، والألفة والمحبة، وأعمال البر والإحسان، في واقع البشر.

إن دراسة إشكالية المعنى في الدين قضية تقع في الصميم من معنى الكينونة البشرية، وهي بالإضافة إلى جديتها وعمقها وثرائها المعرفي، تنطوي على أبعاد شيقة وخصبة روحيا، لا يكاد يفلت من مداراتها العقل النقدي الشغوف بالحقيقة والمعرفة المتجددة.

لكن مما يؤسف له، أنّ النموذج الممثل للدين في الحياة السياسية، ووسائل الإعلام، وغيرها، في الكثير من المساجد والمنابر، المعلن اليوم في بلادنا، يصدر عنه ضجيج واستغاثة ونواح وتعبئة، عادة ماتعبر عنه جماعات سلفية، عجزت عن إدراك مضمون رسالة الدين في الحياة، وأغرقت أنفسها ومجتمعاتنا في نزاعات ومعارك، يتجلى فيها كل شيء سوى قيم التراحم والمحبة في الدين. لقد عملت هذه الجماعات على اختزال الدين في المدونة الفقهية فقط، ثم اختزلت هذه المدونة طبقا لمطامحها السياسية بأيديولوجيا صراعية نضالية. وقامت بترحيل الدين من حقله المعنوي الروحي الجمالي القيمي الأخلاقي الإنساني إلى حقل آخر، تغلب فيه القانون على الروح. أيديولوجيا أهدرت طاقات الدين وإمكاناته في إنتاج معنى لحياة الإنسان، وإضفاء معنى لما لا معنى له.

وفي ذلك يكمن السبب العميق لمناهضة تلك الجماعات للتصوف والعرفان والفنون الجميلة، وافتقار أدبياتها إلى التعرف إلى المضامين القيمية والأخلاقية والإنسانية والتجارب الروحية العميقة في التدين.

تخطي الاتّباع يعني ضرورة المراجعة والنقد

تكمن أهمية النقد في أنه أهم أداة يعتمدها العقل البشري في التطور في مختلف المجالات، لأن عملية التفكير تعتمد بشكل أساس على المراجعة والتقويم، وما لم يكن هناك نقد ومراجعة لايمكن أن نفكر بجدية. النقد علامة التفكير بحرية، أما أن نفكر بحرية أو لانفكر أبدا، هذا هو التفكير الذي يضعنا في عصر جديد، وينقلنا إلى عوالم مختلفة. يلخص الفيلسوف الألماني الشهير إيمانوئيل كانط، شعار الأنوار في جملة واحدة، وهي: "اجرأ على استخدام فهمك الخاص". المشكلة التي نعيشها، هي قلما تجد شخصا يعتمد على فهمه الخاص، في الغالب العقل في إجازة، يعتمد الناس على فهم غيرهم، على فهم الآباء، أياً كان مثل أولئك الآباء. عندما يجرؤ الإنسان على العودة إلى عقله واستخدام فهمه الخاص، ويدرب عقله على ذلك عبر تمارين بالتفكير الجريء المغاير لما هو سائد ومستحكم، من شأنه أن يصل إلى نتائج مهمة. "كانط" نفسه، يقول: "العقل هو النقد"، ولذلك تعرف فلسفة كانط "بالفلسفة النقدية"، لأن كتبه الأساسية تبدأ بكلمة نقد: "نقد العقل المحض، نقد العقل العملي، نقد ملكة الحكم...الخ". في الفكر الحديث والمعاصر، لا يوجد فكر بموازاته نقد، وإنما الفكر هو النقد؛ أي أن العملية النقدية ليست منفصلة عن عملية التفكير.

طالما قيل: ليس من الصحيح أن نثير أسئلة، أن نتحدث بإشكالات تزعزع ثقة الناس بقضية ومعتقد راسخ. لكني أرى من الضروري أن نثير أسئلة حائرة، أسئلة جريئة، أسئلة صعبة، أسئلة كبرى. ينبغي أن يكون تفكيرنا تساؤليا على الدوام، لأن التفكير التساؤلي هو الذي يمكننا من الوصول إلى ما هو ممنوع التفكير فيه، والمناطق اللا مُفكَر فيها أصلاً. التفكير لا يكون محايدا، فإما أن يكون تفكيرا تساؤليا بحرية، وهو التفكير الذي ينطلق بالعقل بحرية وجرأة فيحطم كافة أغلاله، أو يكون مقيدا مشلولا يقودنا إلى العبودية. النقد والمراجعة عمليتان مهمتان، وهما شرط كل تطور فكري، ومرتكز لكل عملية تحديث من شأنها تحقيق تنمية شاملة في أي بلد من البلدان.

في الفلسفة غالبا ما تتحول الإجابات إلى أسئلة، والتفكير الديني العقلي تتوالد فيه الاستفهامات والأسئلة اللاهوتية على الدوام. ولايمكن تحديث التفكير الديني بلا إثارة، مثل هذا اللون من الأسئلة. لا توجد خطورة أو مشكلة من إثارة الأسئلة.

هناك منطق تبسيطي، يذهب إلى أن هذا السؤال الذي يثار ينبغي أن يكون جوابه جاهزا، من أجل ألا نثير حالة من الارتياب والشك، وكأنه يفترض أن لكل سؤال جوابا، ولابد أن يكون هذا الجواب نهائيا، بينما هناك أسئلة ظهرت في الحياة البشرية منذ فجر الوعي البشري، وما زالت هذه الأسئلة تتكرر، وإجاباتها أيضاً يعاد تكوينها، وتنبثق لها إجابات جديدة باستمرار. من هنا يمكننا تفسير اتساع دائرة التيارات والمدارس الفلسفية واللاهوتية، وتنوع الآراء والمقولات والاجتهادات لديها على مر التاريخ؛ فمثلا أشرنا إلى دور الدين في معننة الحياة، وكيف أن الإنسان مسكون بمنح معنى للوجود والحياة. هذا أحد الأسئلة الكبرى في الوعي البشري، فقد أفاضت الفلسفات وأيضاً اللاهوت بتقديم أجوبة متنوعة عن هذا السؤال.

وظيفة الأسئلة وظيفة أساسية، إنها هي التي تسمح لنا أن ننقد وأن نراجع، وأن يدحض العقل ويكذب شيئا مما كان لزمن طويل يعد من الحقائق الأزلية واليقينيات. طب جالينوس وفلك بطليموس وغير ذلك من علوم الأوائل ظلت لعشرات القرون مسلمات، غير أن العلم الحديث نسخها. تاريخ العلوم ينطوي على سلسلة من التكذيبات، وهو بمثابة "مقبرة للنظريات العلمية". حسب كارل بوبر. التساؤل والتشكيك يسمحان لنا باستئناف النظر في طائفة من الجزميات، والقطعيات، والمسلمات، والبداهات، وقيمة الفكر الحديث والمعاصر أنه يستأنف النظر بالمسلمات، وعلى حد تعبير، ادغار موران: (اللايقين يقتل المعرفة البسيطة لكنه يحيي المعرفة المركبة).

وقد كان للمتكلم الفخر الرازي المعروف بإمام المشككين وغيره من المجتهدين في علم الكلام والفلسفة أثر بالغ في تطوير التفكير الديني في الإسلام. وحين نعود إلى اللحظات الحاسمة في إنتاج رؤى واجتهادات وأفكار وابتكار آراء جديدة في التفكير الديني، نجدها تتوالد باستمرار في فضاء التساؤلات وتنبثق من خلال المواقف العقلية الارتيابية.

في ديارنا المحرم، التفكير فيه أكثر من المباح. النقد يرتكز على : أنه لا شيء ممنوع من النقد، ما لا يمكن نقده هو فقط الممتنع التفكير فيه، لا شيء مما يخص الإنسان ـ أي بإمكانه منطقياً أن يكون موضوعاً لتفكير الإنسان به ــ يمتنع التفكير فيه عليه، وما يطاله المنع منه يفترض أن يكون خارجاً عن عالمنا وعقولنا كآدميين؛ أي أن يكون المنع عنه عائداً في الحقيقة إلى كونه مستعصياً على قدراتنا المعرفية؛ وبالتالي فإن هذا الوضع يقضي أن تكون القضية "الممنوع التفكير فيها" مساوقةً لكونها "فارغة المضمون" بالنسبة لنا.

كل المفاهيم الجديدة، والأسئلة الجديدة، والأفكار الجديدة، والمقولات الجديدة مزعجة، وربما بعضها يمثل فضيحة لصاحبه في وقتها، ستثير هذه المقولات إعصارا أحيانا، لأنها تعاكس الريح، ومن شأن هذا الإعصار أن يترك أثره، وتاريخ الفكر الديني في المجتمعات البشرية عموماً، تاريخ متحرك وليس ساكناً، فهو ظل يتحرك، ويتطور، وينمو، ويتخصب على امتداد التاريخ، صحيح أنه في بعض الفترات شهد حالة تراجع وخمول، لكن سرعان ما تعود له الحياة ويتجدد، بعد أن يستعيد أدواته النقدية.

مفهوم الاجتهاد حسب تعبير محمد إقبال، يمثل "مبدأ الحركة في الإسلام ". عندما بدأ الاجتهاد في الفقه، تنوعت وتعددت المذاهب الفقهية، وأصبح في كل مذهب من المذاهب أكثر من موقف، وأكثر من مسلك اجتهادي. وهكذا حينما بدأ الاجتهاد في مجال اللاهوت، أو علم الكلام، ظهرت فرق: المعتزلة، والشيعة، والأشاعرة، والماتريدية، ولكل منها ميراث واسع، يشتمل على مواقف متنوعة، وفيه أكثر من تيار؛ فالميراث الكلامي للمعتزلة، ميراث في داخله أكثر من تيار، وهكذا الميراث الكلامي للشيعة، ميراث فيه أكثر من اجتهاد، وأيضاً ميراث الأشاعرة يضم مجموعة مواقف.

الفكر مرتبط بالتحولات الاجتماعية، ونحن لا نستطيع الوقوف أمام تطور المجتمعات، بعبارة أخرى: إن دين اليوم هو دين معارف وعلوم اليوم، ودين الأمس هو دين معارف وعلوم الأمس، لكل عصر بديهياته التي ينطلق منها، وفهم الدين غير منفصل عن فهم العالم والطبيعة. "تكنولوجيا المعلومات، تكنولوجيا النانو، هندسة الجينات"، والآفاق الراهنة والمستقبلية للعلم والمعارف البشرية لها أثر مباشر في فهم الدين. أنا أظن أن مجتمعنا كحال الكثير من المجتمعات الحية الأخرى، حتى لو كانت هناك أسيجة مغلقة متعددة من حوله، إلا أن تكنولوجيا المعلومات، والتطور الهائل في وسائل الاتصال، والتكنولوجيا النانوية، والهندسة الجينية، والعولمة الثقافية والإعلامية والاقتصادية، ستفضي إلى انهيار الكثير من أسيجته، وينخرط بالتدريج في الاحتفال بأعياد التاريخ.

عادة ما تبدو الأفكار والمفاهيم الجديدة مثيرة وربما منفرة ومقلقة، ولكن بعد ذلك ستثير نقاشاً وجدلاً وحراكا عقليا إثباتاً ونفياً، ويؤول ذلك إلى فتح نوافذ جديدة للتساؤلات، وإلى ابتكار مفاهيم جديدة، وبلوغ وجوه جديدة للحقيقة لم تتجلَّ من قبل.

تجاوز الاتّباع

تحديث التفكير الديني يتطلب تجاوز الاتّباع؛ أي دراسة مسارات الدين عبر التاريخ والجغرافيا والاجتماع البشري، واكتشاف طبائع التدين وأشكاله في مختلف المجتمعات، والاهتمام بمقارنة الأديان ونصوصها المقدسة، وأنماط بناء وتكوين وصيرورة مؤسساتها الدينية.

في تاريخ الدين الإسلامي مثلاً، يميِّز الباحثون بين تجربتين لنبي الإسلام"ص"؛ هما: المرحلة المكية من الدعوة، والمرحلة المدنية. يعرف المختصون طبيعة وخصائص كل مرحلة في العقيدة والتشريع، فلا حاجة لنا في وصفهما. الخطير في تعاطينا مع المرحلتين هو تغليب المرحلة الثانية على الأولى؛ بمعنى قراءة وتفسير التجربة النبوية، والإسلامية برمتها، في ضوء مناخات وملابسات المرحلة الأخيرة، حتى لتكاد أن تكون هي المرجع الوحيد والنهائي الذي يختزل كل ما يمكن أن يقال عن الإسلام.

المؤسف في الأمر، أن رحيل نبي الإسلام سريعاً بعد عودته إلى مكة وفتحها، ترَك باب التوتر في فهم دور كل من المرحلتين في استيعاب ما هو صميمي من الإسلام مفتوحاً. في نظري أن أية محاولة للتنظير عن مهمة الإسلام في حياتنا المعاصرة تنطلق من مركزية المرحلة النبوية الثانية (المرحلة المدنية)، في إقصاء أو تهميش للمرحلة المكية، هي محاولة تخفي وراءها أغراضاً مصلحية أكثر من كونها دينية. إنها تكريس لما هو تاريخي علىحساب ما هو جوهري في الدين.

تجاوز الاتباع وتحديث التفكير الديني يعني إحياء واستلهام الميراث المعنوي العميق، واستدعاء التجارب الروحية التطهيرية التنزيهية السامية في التاريخ. وبناء إلهيات عقلانية مستنيرة، تحررنا من التفسيرات التعسفية القمعية للنصوص. وتحديث الإلهيات يتطلب الخروج من السياقات الكلاسيكية للتفكير الديني، وعدم التوقف عن طرح تساؤلات بديلة، والتوكؤ على منهجيات ومفاهيم مستوحاة من المكاسب الجديدة لفلسفة الدين وعلوم التأويل والمعارف البشرية، تفضي إلى التحرر من الصورة النمطية للإله، التي تشكلت في سياق الصراعات الدامية، والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب، والسعي لترسيخ صورة رحمانية للإله، تستلهم مايتحلى به من صفاته الجمالية، وأسمائه الحسنى، ورحمته التي وسعت كل شيء.

تجاوز الاتّباع وتحديث التفكير الديني يعني إنجاز مصالحة بين المتدين ومحيطه الذي يعيش فيه، والإصغاء لإيقاع الحياة المتسارعة التغيير، ووتيرة العلوم والتكنولوجيا التي لا تكف عن مفاجأتنا كل يوم بجديد، تتبدل معه صورة العالم، وتختلف تبعًا لها أساليب تعاطينا مع الواقع، وتتيح لنا وسائل تكنولوجيا المعلومات والنانو والهندسة الجينية مغامرات وعي، توقظ عقولنا وتخرجها من الحالة السكونية، وتقدم لنا سلسلة معطيات ومعارف وأدوات، تصوغ لنا تصورات وإدراكات وأفكارًا، تتبدلّ معها رؤيتنا للكون والحياة.

تجاوز الاتّباع وتحديث التفكير الديني، يعني تحديث المؤسسة الدينية، ذلك أن لتحديث التفكير الديني رافدين يستقي منهما:

الرافد الأول: دراسة وفهم واستيعاب الموروث الديني، واستكشاف مداراته ومدياته وآفاقه المتنوعة، والاهتمام بالميراث العقلي في المنطق والفلسفة وعلم الكلام، والميراث الرمزي والإشاري والروحي في التصوف والعرفان، والتحرر من المواقف التبسيطية الساذجة في التعاطي مع التراث، والنظر إليه باعتباره كماً من النصوص التي يجب استظهارها وحفظها وتكرارها، وتوقف التفكير عند تنظيمها وترتيبها وتصنيفها وشرحها وتلخيصها، بلا تدبر وتحليل وتأويل.

الرافد الثاني: الاطلاع على العلوم الإنسانية الحديثة، ودراستها، خاصة فلسفة العلم، وعلم النفس، والاجتماع، والانثروبولوجيا، والقانون والحقوق، والعلوم السياسية، والألسنيات، والهرمينوطيقا، وتوظيفها كأدوات في التحليل، ومفاهيم إجرائية في قراءة النص الديني، وتفسير الظواهر الدينية في المجتمع، واكتشاف ومعرفة أنماط التجارب والخبرات الدينية الشخصية.

في مراجعة عاجلة لحركات الإصلاح الديني الفاعلة والمؤثرة في تاريخ الأديان، والتي امتدت وترسخت عبر الزمان، نجد الحركات المشتقة من المؤسسة الدينية والمتولدة منها خاصة، هي التي أحدثت تغييرا وتحولا واسعا، مثل حركة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر، وانبثقت من داخل الكنيسة؛ فأحدثت منعطفا وتحولا مهما في تقاليد ونظام المؤسسة الدينية المسيحية.وقد ظل على الدوام صوت هذه الحركات مسموعا ومؤثرا في المؤسسة.

تحديث المسجد لا يتحقق إلا حين ينبثق من داخل المسجد، وتحديث الأزهر في مصر، والزيتونة في تونس، والقرويين في المغرب، والحوزة في النجف وقم، لا يتم إلا عندما ينطلق من داخلها، لكيلا يفتقر التحديث للمشروعية. حين ينطلق من داخل تلك الحواضر يتوافر له حامل اجتماعي. بينما لا تجد الدعوات والكتابات في الإصلاح من خارج المؤسسة الدينية حاملا اجتماعيا، يعتنقها ويتبناها ويتفاعل معها، داخل تلك الحواضر، ويستخدم الإمكانات التي يتيحها له انتماؤه للمؤسسة الدينية، كالمنابر والشعائر والمواكب ودور العبادة، في التثقيف على المفاهيم والمقولات والرؤى والأفكار التي تدعو إليها.

قد لا تكون هذه الفكرة محببة ومقبولة لدى بعض المنشغلين بدراسة ونقد وتحديث التفكير الديني، المنحدرين في تكوينهم الفكري والأكاديمي من خارج المؤسسة الدينية، ولعل بعضهم يرى فيها تقليلاً من دورهم التحديثي، إلا أنني أرى أن الواقع التاريخي لمسيرة التحديث يصب في صالح هذه الفكرة.

في النهاية، تبدو هذه الملاحظة سديدة إذا بقيت مجتمعاتنا في بنيتها الاجتماعية، وفي مصادر تكوينها العلمي والثقافي، على ما هي عليه الآن. نعم، في ظل نظام تعليمي ـ لا سيَّما الجامعي منه ـ جديد، أكثر حداثة وتنوعاً وعمقاً مما نجده اليوم، من الممكن توقع دور للنخب العلمية المشار إليها أكبر وأوسع.

* د. عبد الجبار الرفاعي مفكر عراقي وأستاذ فلسفة إسلامية