التأسيس الإصلاحي للتسامح والتحول الديمقراطي عربيا

فئة :  مقالات

التأسيس الإصلاحي للتسامح والتحول الديمقراطي عربيا

يتخذ جدل المرجعيات في الفكر الإسلامي اليوم أبعادا جديدة، خاصة في سياق مسارات الانتقال الديمقراطي الذي تتشوّف إليه دول الثورات العربية الراهنة، وما أفرزته هذه المسارات من إشكالات تتعلّق بالعلاقة بين الإسلام والديمقراطية وبالمرجعيات المذهبية والاجتهادية الإسلامية التي يمكن أن تسهم اليوم بدور تأسيسي إيجابي وفاعل في تحقيق الطموح الديمقراطي المنشود. ضمن هذا السياق الموضوعي تبرز أهمية التساؤل عن قيمة التراث الفكري الذي خلفته لنا الحركة الإصلاحية الإسلامية الحديثة في القرنين الماضيين، وعن العناصر التي يمكن استيعابها منه واستثمارها أو تطويرها من أجل بناء الخلفية الثقافية العامة والخلفية الإيديولوجية للنخب القادرتين على قيادة مشروع الانتقال الديمقراطي في أقطار الثورات العربية الراهنة. وتنخرط هذه الورقة في هذا الإطار باعتبارها ستقارب موضوع التسامح من حيث هو مفهوم أسّسه روّاد الإصلاح الديني من مفكّري النهضة العربية الحديثة، إذ سنعود إلى هذا التأسيس من خلال مدوّنتين مخصوصتين لكل من المصلح المصري الشيخ محمد عبده (1849-1905) والمصلح التونسي الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور (1879-1972)، محاولين استقراء مضامين مفهوم التسامح عندهما وقابليتها للتطوّر في ضوء طموح الانتقال الديمقراطي المتشوّف إليه عربيا اليوم.

التسامح في مفهومه الإصلاحي ووضع المفارقة :

يعود الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور إلى الدلالة اللغوية لدال "التسامح" في العربية، فيشير إلى أن "التسامح مصدر سامحه إذا أبدى له سماحة قوية ... وأصل السماحة السهولة في المخالطة والمعاشرة، وهي لين في الطبع في مظان تكثر في أمثالها الشدة"[1]. غير أن تأصّل هذا اللفظ في جذور اللغة العربية لا ينفي أنه لم يكتسب صفة المفهوم الفكري الدال على قيم عملية وسلوكية مخصوصة إلا في عصر الحديث.وهذا ما يقرّ به ابن عاشور في قوله: "وأنا أريد بالتسامح إبداء السماحة للمخالفين للمسلمين بالدين وهو لفظ اصطلح عليه العلماء الباحثون عن الأديان من المتأخرين من أواخر القرن الماضي [القرن التاسع عشر] أخذا من الحديث "بُعثت بالحنفية السمحة"، قد صار هذا اللفظ حقيقة عرفية في هذا المعنى"[2].

والتسامح، بهذا المعنى، هو علاقة ذات طبيعة مناقضة لما ساد تاريخيا من علاقات بين أصحاب الأديان والعقائد والمختلفة، إذ "كان أهل الأديان منذ عُرف التاريخ يجعلون الدين جامعة ومانعة، أي : كما يجعلونه جامعا للمتديّنين به في المودة وحسن المعاشرة والعصبية، كذلك يجعلونه مانعا من الامتزاج والمعاشرة والمودة مع المتدينين بغير دينهم، ثم تشب بينهم بحكم التولد والتدرج صدف الكراهية ثم البطش بأولئك المخالفين، وشواهد التاريخ على ذلك كثيرة"[3]. ويشخّص الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور موقف التعصّب باعتباره حالة نفسية تتملّك صاحب العقيد تجاه من يخالفه فيها، فالمتشيّع لعقيدة ما "ربما أحسّ من ضلال مخالفه بإحساس يضيق به صدره وتمتلئ منه نفسه تعجبا من قلة اهتداء المخالفين إلى العقيدة الحقة وكيف يغيب عليهم ما يبدو له هو واضحا بيّنا"[4].

من هنا يطرح الشيخ ابن عاشور سلوك التسامح المضادّ للتعصّب باعتباره ثمرة عمل تربوي أخلاقي مقاوم لتلك الحالة النفسية التي تستبّد بالمتديّن والمؤمن بعقيدة ما بصورة عامة، "فيكون من النشأة على مكارم الأخلاق معدل لذلك الحرج وشارح لذلك الصدر الضيق، حتى يتدرب على تلقي مخالفات المخالفين بنفس مطمئنة وصدر رجب ولسان طلق لإقامة الحجة والهدى إلى المحجة دون ضجر ولا سآمة"[5]. إن الشيخ الطاهر يجعل من موقف التسامح موقفا أخلاقيا رفيعا (من مكارم الأخلاق) يقوم على قبول واقع الاختلاف، وعلى ضرورة التعايش السلمي بين المختلفين دينيا وفكريا وجعل المحاججة الفكرية سبيلا أوحدا للتعامل في ما بينهم. والقبول بالاختلاف الذي يؤسس له هذا الموقف التسامحي الأخلاقي يتضمّن، بالتبعية، القبول بمبدأي التعدّدية الدينية والفكرية وحرية الاختيار.

يرتبط، إذن، مفهوم التسامح، من حيث هو مدلول يفيد العلاقة الإيجابية بين المتخالفين دينيا وفكريا، بسياق الفكر الإصلاحي العربي الإسلامي الحديث منذ القرن التاسع عشر، حتى وإن سعى المنظّرون له من روّاد هذا الفكر ـ كما سنرى في قادم السطور ـ إلى تأصيل دلالاته في نصوص الإسلام التأسيسية وتجذير قيمه العملية في ممارسات أوائل المسلمين. ومن ثمة لم تكن نشأة هذا المفهوم بمعزل عن الميسم الإشكالي العام الذي طبع فكر النهضة العربية الحديثة والذي مداره على فكرة المفارقة المتركّبة من وجهين أساسيين، فهي، في وجهها الأول، مفارقة بين وضع تخلّف المسلمين ووضع تقدّم الغربيين المسيحيين، وهي، في وجهها الثاني، مفارقة بين امتلاك المسلمين لعوامل النهوض التي يتوفّر عليها دينهم وافتقاد المسيحيين لمثل هذه العوامل التي لا أصول لها في عقيدتهم.

يمثّل التسامح انموذجا لهذه المفارقة المركّبة التي استبدت بالتفكير النهضوي الإصلاحي العربي الإسلامي الحديث. فالمصلح لا ينكر "أن من بين الأمم الأوروبية أمة تعرف كيف تحكم من ليس على دينها، وتعرف كيف تحترم عقائد من تسوسهم وعوائدهم، وهي الأمة الأنجليزية"[6]. وكما يقرّ الفكر الإصلاحي بتجسّم حقيقة التسامح في مجتمعات غربية مسيحية، فإنه يقرّ كذلك بأن "كثيرا من العلماء ومن المفكرين من المسلمين وغيرهم لا يتصور معنى سماحة الإسلام حق تصورها وربما اعتقدوا أنها غير موجودة في الإسلام، وربما اعتقد مثبّتوها أحوالا لها تزيد في حقيقتها أو تنقصها عمّا هي عليه، ولقد نجد بعض العذر لهؤلاء في هذا الخطأ المختلف، لأنهم قد يشاهدون من أحوال عامة المسلمين في كثير من عصور التاريخ ما يكون صورة يجعلونها حقيقة للتاريخ، فيخالفون بذلك صورة حقيقية ماثلة في الخارج قائمة عليها شواهدها"[7].

التسامح باعتباره أصلا إسلاميا والتعصب انحرافا عنه :

مثّل وضع المفارقة هذا الإطار العام الذي حكم عملية التأسيس لمفهوم التسامح في الفكر الإصلاحي الإسلامي الحديث. من هذا المنطلق اتخذ هذا التأسيس منحى تأصيليا وأصوليا يهدف إلى إبراز أن هذه الخصلة التي تتسم بها مجتمعات غربية مسيحية إنما هي أصل من أصول الإسلام الذي "مع ما دعا إليه أتباعه من جعله الدين هو الجماعة العظمى التي تضمحل أمامها سائر الجماعات إذا خالفتها ، فهو لم يجعل تلك الجامعة سببا الاعتداء على غير الداخل غيها، ولا لغمص حقوقه في الحياة وإجراء الأحكام فجعل التسامح من أصول نظامه"[8].

يستخلص المصلح مبدأ التسامح من المتن النصي التأسيسي في الإسلام، ويستعرض من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ما يجعله يستفيد بأن "القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم في مناسبات يعلّم المسلمين أن الاختلاف ضروري في جبلة البشر وأنه من طبع اختلاف المدارك وتفاوت العقول في الاستقامة، وهذا المبدأ إذا تخلق به المرء أصبح ينظر إلى الاختلاف نظرة إلى تفكير جبلي تتفاوت فيه المدارك إصابة وخطئا، لا نظره إلى الأمر العدواني المثير للغضب"[9]. ولمّا كان التسامح أصلا مؤصلا في نصوص الإسلام التأسيسية، بالنسبة إلى المصلح، فإن ترجمته العملية تجسّدت في سلوكات أوائل المسلمين تجاه غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، وتحديدا لمّا " مازج المسلمون أمما مختلفة الأديان دخلوا تحت سلطانهم من نصارى العرب ومجوس الفرس ويعاقبه القبط وصابئة العراق ويهود أريحاء، فكانوا مع الجميع على أحسن ما يعامل به العشير عشيره فتعلموا منهم وعلموهم وترجموا كتب علومهم وجمعوا لهم الحرية في إقامة رسومهم واستبقوا لهم عوائدهم المتولدة من أديانهم وربما شاركوهم في كثير منها بعنوان عوائد، كما كان عملهم في عملهم في عيد النوروز وعيد الغمس في مصر"[10].

ولا يتجلّى أصل التسامح في الإسلام عمليا في سلوكات أوائل المسلمين تجاه من عايشوهم من معتنقي الأديان الأخرى فحسب، بل إن الممارسة التسامحية متجسّمة في سلوكات علماء الإسلام الأوائل تجاه بعضهم البعض، حيث "يصافح الفقيه المتكلّم والمحدّث الفقيه والمجتهد الرياضي والحكيم، وكل يرى في صاحبه عونا على ما يشتغل هو به. وهكذا أدخل به بيتا من بيوت العلم فأجد جميع هؤلاء سواء في ذلك البيت يتحدّثون ويتباحثون، والإمام البخاري حافظ السنة بين يدي عمران بن قحطان الخارجي يأخذ عنه الحديث، وعمرو بن عبيد رئيس المعتزلة بين يدي الحسن البصري شيخ السنة من التابعين يتلقى عنه"[11]. ومن علامات التسامح الذي ساد علاقات أوائل علماء المسلمين أن "لا يقول أحد منهم لآخر إنه زنديق أو كافر أو مبتدع، أو ما يشبه ذلك. ولا تناول أحد منهم يد بأذى، إلا إذا خرج على نظام الجماعة، وطلب الإخلال بمنأـأأرأأ ىلا ؤؤءأمن العامة، فكان كالعضو المجذوم فيقطع ليذهب ضرره عن البدن كله[12].

ولكن إذا كان التسامح أصلا في نصوص الإسلام وفي ممارسات أوائل المسلمين، فكيف يمكن تفسير وضع المفارقة الذي يتجّلى عيانيا في العصور الحديثة؟ من أجل حلّ لغز هذه المفارقة، يُرجع المصلح انتفاء التسامح وشيوع ظواهر التعصّب عند المسلمين إلى عدم تمسكهم بصحيح الإسلام، لأن ولع المسلمين بالتكفير والتفسيق ورمي زيد بأنه مبتدع وعمرو بأنه زنديق "بدأ فيهم عندما بدأ الضعف في الدين يظهر بينهم، وأكلت الفتن أهل البصيرة من أهله"[13]. واستفحل داء التعصّب عندما "حدث الغلو في الدين، واستعرت نيران العداوات بين النظّار فيه، وسهل على كل منهم لجهله بدينه أن يرمي الآخر بالمروق منه لأدنى سبب، وكلّما ازدادوا جهلا بدينهم ازدادوا غلوا فيه بالباطل ودخل الفكر والعلم والنظر (وهي لوازم الدين الإسلامي) في جملة ما كرهوه، وانقلب عندهم ما كان واجبا من الدين محظورا فيه"[14].

وإذا كان الأصل في الإسلام، بالنسبة إلى الفكر الإصلاحي، هو التسامح، وكان التعصّب الذي يقف وراء ظواهر التكفير والتبديع والتفسيق ناجما عن انحراف المسلمين عن الإسلام، فإن الوضع خلاف ذلك بالنسبة إلى بقية الأديان، ذلك أن هذه الخصلة الشريفة "خصلة إطلاق الحرية لأهل الدين يتمتعون بأداء فرائضه مع احترام ما يحترمون، هي من أجل الخصال التي ورثها غير المسلمين عن المسلمين، وهل أجد من يأبى القول بأن الإسلام السليم من البدع هو أستاذ الأنجليز وعنه أخذوا هذه الخلة"[15].

إمكانات تطوّر مفهوم التسامح الإصلاحي إلى فكرة التعددية الديمقراطية :

حينما نعود اليوم إلى مفهوم التسامح عند المصلحين المحدثين، من منظور مقتضيات مشروع الانتقال الديمقراطي المأمول تحقيقه عربيا، لابد أن نتساءل عمّا ينطوي عليه من عناصر قادرة على أن تكون روافد في هذا المشروع. ولعلّ العنصر الأبرز الذي نرى من الواجب تثمينه في هذا السياق أن روّاد الفكر الإسلامي الحديث قد شرّعوا، من خلال تأسيسهم لمفهوم التسامح، لفكرة التعدّد والاختلاف إلى درجة اعتباره "ضروري في جبلة بني البشر"، كما مرّ بنا في قول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. لقد وقع الارتقاء بقبول مبدإ الاختلاف إلى درجة الموقف الأخلاقي، فهو من مكارم الأخلاق التي تجعل المؤمن "يتدرّب على تلقي مخالفات المخالفين بنفس مطمئنة وصدر رحب". إن مزية مفهوم التسامح الإصلاحي أنه قدّم قراءات في نصوص الإسلام وفي تجارب المسلمين التاريخية من زاوية إبراز فكرة التعدّد لا فكرة الوحدة وتثمين مبدإ الاختلاف لا مبدإ الإجماع والانتصار لسلوكات التعايش والتحاور بين المتخالفين لا لسلوكات الصراع والنفي المتبادل بينهم.

ليس عسيرا أن نوجد علاقة وثيقة بين منزع القبول بالتعددية في الفكر الديني والشروط المناسبة للممارسة الديمقراطية سياسيا. فلا شك في أن فكرة التعددية الدينية تشكّل رافدا من روافد التأسيس الديمقراطي، ثم مظهرا من مظاهر الديمقراطيات المستقرة. وفي سيرورة التحديث والدمقرطة démocratisation التي قطعتها المجتمعات الغربية قام الإصلاح البروتستانتي بدور الكبير حينما أدخل فكرة التعددية الدينية وقوّض النزعة الكونية للكنيسة الكاثوليكية[16]. من هذا المنطلق يبدو لنا أن تراث مفهوم التسامح عند المصلحين المسلمين في القرنين الماضيين قادر أن يكون عنصرا من العناصر الفاعلة إيجابيا اليوم في الثقافة الجمعية عامة، وفي ثقافة النخب الدينية على وجه الخصوص.

لا يمكن أن ننكر القيمة الهامّة التي يمكن أن يمثّلها اليوم التأويل الذي قام به الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور لنصوص من القرآن والسنة والذي أفضى به إلى استنتاج مؤداه "أن الاختلاف ضروري في جبلة البشر وأنه من طبع اختلاف المدارك وتفاوت العقول في الاستقامة". كما لا يمكن أن نقلّل من شأن المجهود الفكري الذي قام به الشيخ محمد عبده والذي يؤدي إلى تطبيع فكرة التعدد العقدي والمذهبي في التاريخ الإسلامية وتأصيلها باعتبارها أساسا من أسس الإسلام. فهذا المخزون الإصلاحي لا يمكن أن يقود إلى التسامح باعتباره موقفا أخلاقيا فحسب، بل كذلك إلى التعددية باعتبارها مبدءا فكريا وثقافيا، وكما يقول مارسيل غوشيه: "لا أعني بالتعددية مجرّد التسليم بالوجود الفعلي لأشخاص لا يفكّرون مثلك، وإنما أعني بها أن يُدرج المؤمن في عقيدته الخاصة الوجود المشروع لمعتقدات أخرى"[17]. إن هذه التعددية تقوم على فكرة "نسبية الإيمان الخاصة" التي هي ـ حسب غوشيه ـ "النتاج المميّز لعصرنا الحالي، إنها ثمرة تغلغل الروح الديمقراطية داخل فكرة الإيمان نفسها"[18].

وإذا كان غوشيه يرى، استنادا إلى السيرورة الأوروبية الحديثة، أن التعددية الدينية نتاجا للروح الديمقراطية السياسية، فلا شيء يمنع من أن تتخذ السيرورة العربية الراهنة، في وجه من وجوهها، منحا معاكسا، وذلك بأن تكون فكرة التعددية الدينية المضمّنة في مفهوم التسامح الإصلاحي رافدا من روافد التأسيس الديمقراطي لو قُدّر لها أن تغلغل في الثقافة الجمعية لأوسع المسلمين وأن تحكم الخلفيات المرجعية للتيارات الدعوية ولحركات الإسلام السياسي. إن نواة مفهوم التسامح الإصلاحي قابلة للتطوّر في اتجاه التأسيس لما هو أبعد من التعددية الدينية القائمة على فكرة ترتيب العلاقة، ترتيبا إيجابية، بين أتباع الأديان المختلفة. إن هذه النواة قابلة للتطوّر في اتجاه التأسيس للتعددية المذهبية والإيديولوجية والسياسية بين الجماعات المختلفة داخل الإسلام نفسه.

لو يُقدّر لمفهوم التسامح أن يتطوّر على هذا النحو في الفكر الإسلامي الراهن، فإن هذا الفكر سيلعب دورا طليعيا في إنجاح مشروع الانتقال الديمقراطي العربي. ففي هذه الحالة ستكون فاعلية الإسلام المعاصر إيجابية في المجال العام، شأنه شأن تجارب مسيحية معاصرة، إذ "حين يدخل الدين النطاق العام لا لحماية حريته الدينية وحسب بل لحماية كل الحريات والحقوق الحديثة، ولاسيما حق قيام المجتمع المدني الديمقراطي ضد دولة سلطوية استبدادية. ولعلّ الدور الناشط للكنيسة الكاثوليكية في المسيرات الديمقراطية التي شهدتها كل من إسبانيا وبولندا والبرازيل، أفضل مثال لتوضيح هذه الحالة"[19].

خاتمة :

إننا، وإن كنّا نتحدّث هنا عن إمكانات تطوّر قائمة بالقوة، فإننا نعي جيّدا أن حواجز وإشكالات عديدة تحفّ بتحقّق هذا التطوّر فعليا. أولها أن المرجعية الإصلاحية قد انقطعت تقريبا عن العطاء والتطوّر منذ عدة عقود، أي منذ بروز جماعات الإسلام السياسي التي تنتسب تاريخيا إلى المرجعية الأخوانية (نسبة إلى الأخوان المسلمين)، ومعلوم أن هذه المرجعية الأخوانية قد أحدثت قطيعة مع المرجعيات النهضوية الإصلاحية التي عرفها فكرنا العربي الإسلامي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر للميلاد. ولكن لماذا خفت وهج المرجعية الإصلاحية وفسح المجال لفكر الأخوان المسلمين؟ لماذا لم تتجسّم إمكانات تطوّره على أرض، ومنها تطوّر مفهوم التسامح إلى الفكرة التعددية الديمقراطية؟ وهل يمكن لجماعات الإسلام السياسي التي تحاول اليوم أن تعيد جسور التواصل مع التراث الإصلاحي[20] أن تنجز مثل التطوّر؟

تلك إشكالات كبرى يضيق مقام هذه الورقة على النظر فيها، ولكنها تبقى جديرة بالمعالجة./.

* مقال منشور في مجلة يتفكرون


الهوامش

[1] محمد الطاهر ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام (تونس: دار سحنون والقاهرة: دار السلام، 2006)، ص 213.

[2] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[3] المصدر نفسه، ص 214- 215.

[4] المصدر نفسه، ص 215.

[5] المصدر نفسه، ص 216.

[6] محمد عبده، الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية (بيروت: دار الحداثة، 1988)، ص 196.

[7] ابن عاشور، ص 214.

[8] المصدر نفسه، ص 215.

[9]المصدر نفسه، ص 216- 217.

[10] المصدر نفسه، ص 219

[11] محمد عبده، سبق ذكره، 176

[12] المصدر نفسه، ص 178.

[13] المصدر نفسه، ص 179.

[14] المصدر نفسه، ص 179-180.

[15] المصدر نفسه، ص 197.

[16] خوسيه كازانوفا، الأديان العامة في العالم الحديث، ترجمة: قسم اللغات الحية والترجمة في جامعة البلمند (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005)، ص 37.

[17] مارسيل غوشيه، الدين في الديمقراطية، ترجمة: شفيق محسن (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 119.

[18] المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[19] خوسيه كازانوفا، ص 90

[20]ونخصّ بالذكر على وجه التحديد حركة النهضة التونسية التي حاولت منذ سنوات، وفي إطار مراجعاتها الفكرية الضمنية، أن تمدّ جسور تواصل مع تراث التيار الإصلاحي وأن تجعله رافدا من روافدها المرجعية. وقد تعمّق هذا الاتجاه بعد ثورة 14 جانفي 2011 بتونس وأثناء الحملة الدعائية لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي جرت أكتوبر 2011 والتي فازت فيها الحركة بأكثر من ثلث مقاعد المجلس. انظر في هذا الصدد مثلا: راشد الغنوشي، من تجربة الحركة الإسلامية في تونس (تونس: دار المجتهد، 2011)، ص 75، و برنامج حركة النهضة من أجل تونس الحرية والعدالة والتنمية (حركة النهضة، سبتمبر 2011)،