التعاقدية المدنية ومدخلية الاعتبارات الطبيعية في توليد الانتماء والمآل الانغلاقي

فئة :  مقالات

التعاقدية المدنية ومدخلية الاعتبارات الطبيعية في توليد الانتماء والمآل الانغلاقي

مدخل:

تناجزت الفلسفات المختلفة عبر تاريخها في قراءة الجذر النظري والخلفية المرجعية التي على أساسها يشاد تعريف الوجود عموماً، والإنسان منه بالتدقيق؛ فمنها ما عمد إلى إيجاد التبرير من ثنايا المحيط الذي يمارس فيه البشر كينونتهم؛ أي الطبيعة بكافة مضامينها الظاهرة والخفية؛ أي الأشياء وقوانينها، وهنا ظهرت مفاهيم عدة تمتح من المعين الموصف، فأكدت القانون الطبيعي، ودعت إلى الخضوع لموجباتها وما يلزم عنها من أحكام تسري من الممارسة البسيطة في صورة إحساسات وانطباعات أولية، لتبلغ القيم الجمالية والأخلاقية والمعرفية العامة.

1- الطبيعة كمولد للهوية:

وربما يميل الرأي المساق إلى جعل التفاوت بين البشر والحيوانات تفاوت درجة، لا تفاوت قيمة ونوعية. وفي ظني المعطى التحليلي الذي أتينا عليه له دلالة مركزية في رؤيتنا لموضوع الانتماء. من جهة مقدرة الطبيعة على التنصب مصدراً وإطاراً ومآلا له، وعجزها عن ذلك وعدم أهليتها، كما سيشير البحث تاليا."وخلاصة القول إن الطبيعة تُوجِد النوع... وهدف الطبيعة هو مجرد المحافظة على البقاء...".([1]) أي قيام الطبيعة على إخراج مذخورتها التكوينية كمعطيات أولية مباشرة، من غير تفاصيل مميزة، مكررة في الكائنات جميعا، بالإيجاد مرة، وبالمحافظة أخرى. في حالة من الرتابة والسكونية في دائرة مغلقة، بعيدا عن المعنى الحركي الذي تولده فعالية التميز والممايزة، لذا نجد واحداً من المفكرين التوحيديين البارزين وأعني به مالك بن نبي (1973) أكد الزمن كركن مكين في تحديد الانتماء وتوليده. أما الطبيعة، فهي خالية من عنصر فيه تجاوز متفرد متمكن من فعل ذلك "... في مقابل ذلك، نجد أنه حينما تنعدم الحركة، فإن الجماعة الإنسانية تفقد تاريخها: إذ تصبح...ولا غاية لها".([2]) فالحركة والاتجاه، ما يفيد وجود الحياة التاريخية والتقدم في خضم المسالك المختلفة لممارسة الحياة، وأيضاً يدل على وجود الهدف كمنطلق للبداية، فتتعين الحركة باتجاهاتها وإمكانياتها المتنوعة والثرية.

ما يزيد تحليلنا وضوحاً؛ سبر العمق الفهمي الذي تشرع منه الرؤية المجذرة للانتماء في الطبيعة، حيث تعمل على المماهاة التامة في البنية التكوينية بين الظواهر، وترتب بقية النتائج من ذلك، معرفياً وأخلاقياً واجتماعيا، وهذا ما ينعت بالواحدية المادية"...، وهي توحد الإنسان بالطبيعة، حيث يرد كله إلى مبدإ واحد كامن في الكون. ومن ثم، فإن عالمنا المادي لا يشير إلى أي شيء خارجه. فهو عالم لا ثغرات فيه ولا مساحات ولا انقطاع ولا غائيات تم إلغاء كل الثنائيات داخله...وتم تطهيره تماماً من المطلقات والقيم، وتم اختزاله كله إلى مستوى واحد يتساوى فيه الإنسان بالطبيعة هو مستوى القانون الطبيعي/المادي أو الطبيعي/ المادة...وفي مثل هذا العالم الواحدي الأملس لا يوجد مجال للوهم القائل بأن الإنسان يحوي من الأسرار ما يمكن الوصول إليه، وأن ثمة جوانب فيه غير خاضعة لقوانين الحركة المادية...ويتحول العالم إلى واقع حسي مادي نسبي خاضع للقوانين...وإلى مادة استعمالية يمكن توظيفها وحوسلتها".([3])

لما كان مبدأ الأشياء ليس مفارقاً، حل من خلال العلاقات بين الظواهر وما يحكمها من نظم وأسباب وعلل، فترجم في الصيغة الجبرية الرياضية، كميا، فأضحى النعت والتوصيف للوجود داخل الطبيعة وليس خارجها، فتحقق الحضور مادياً، من غير خصوصية ولا فرادة، وانسحب المعنى الكمي العام على كل الظواهر بما فيها الإنسان وتجمعاته الموصفة بالمجتمع أو الدولة أو القومية، فتوحد وانمحى، ويكون كشفه الحياتي متينا بمقدار نقله للخاصية الطبيعية المكررة والسائدة. فتشكل عالم ليس فيه متميزات. وتشابك بصرامة شديدة، أغرقت كل شيء في طبيعة واحدة، فارتفعت الثغرات والخصوصيات والتفرد والخلاب والعجيب والغريب، وصار عالما أملسا مصمتاً مغلقا مكتفياً غنياً، مستبداً بالأفراد جميعا، فتحولوا إلى أفق تكويني واحد، نسبي ومطلق في آن، أوله لعدم خضوعه لمتجاوزات وما يتخطى الحدود المباشرة، وثانيه لعمومه.

2- متتالية الانتماء الطبيعي، والهوية المتكلسة:

والمفارقة المركزية الآخذة بقلب الرؤية الطبيعية، كونها تبدأ لتعرف الأشياء وتقيمها، وتعطيها حضوراً وبروزاً، فإذا بها من حيث - التقييم المآلي- تنقلب على الثوابت جميعها، بما فيها مقرراتها الأولى التي أسست موقفها عليها، "...بل إن هذه الرؤية الواحدية المادية، في مراحلها المتقدمة، بإنكارها أي ثبات، ينتهي بها الأمر إلى إنكار وجوديات الماهيات والجوهر، بل والطبيعة البشرية نفسها، باعتبارها جميعاً من أشكال الثبات والميتافيزيقا.."([4]) ونجد أن التقدير الملمح إليه يفرز انطباعاً تحليلياً مفاده؛ أن الطبيعانية كمنبت للانتماء وأفق له، أول شروعه يبحث عن الخصوصيات التي تتسم بنوع من العمومية، والمانحة لاكتشاف الذات في إطار من الاختلاف، في تكرار متبدل لكن مشدود إلى استقرار نسبي، ما يفتأ يؤول إلى الشتات والتشتت والانغراز في تربة الخصوصيانية المحضة، فتنكر المتكرر وتندفع إلى ابتعاث المتفرد في نسبوية مفرطة، فتنكر الإنسان أمام الطبيعة والعالم، بعد أن عرفته من خلاله، ثم تنتهي إلى جحده لنفسه بظنها ثابتا أمام ثوابت أخرى، فيفضي الحال إلى شكل من السيلان المطلق، حيث لا يستقر وضع.

"ولكننا، ما دمنا على جهلنا بمعرفة الإنسان الطبيعي، فمن العبث أن نحاول تحديد القانون الذي استمده هذا الإنسان من الطبيعة، أو ذلك الذي يلائم تكونه أكثر من غيره..." ([5]) إذن، فعدم الإحاطة بطبيعية البشر، يمنع من استمداد نظام ترصفهم وتدبيرهم لشؤونهم بتسديد من الطبيعة في شكل قانوني، وكأني بمتتالية قد تنصبت في تقرير الصلة بالطبيعة، فكلما زاد الاتصاف بأحكام الطبيعة والتلبس بشرطياتها كان القانون مدراراً من جهة نوعية التشريعات ومن ناحية كفاءة تأثيره وقيادته للفعل البشري عموماً.

"فيا أيها الإنسان، كائنا ما كان الإقليم الذي أنت منه، وأيا كانت آراؤك، أنصت إلي سمعا: هذا تاريخك كما خلتني أقرأه لا في كتب أمثالك وهم من الكاذبين، بل في الطبيعة التي لا تكذب أبدا. كل ما سيكون من الطبيعة سيكون صادقا"([6]) ما معنى أن ترتفع الطبيعة من كونها إطارا وسياقا وجوديا بسيطا وظاهريا يمارس فيه وبه البشر حياتهم، ويسلكون في صلاتهم تبعا لمعاني أخلاقية وإنسانية وروحية تتعدى المادي المحسوس، فإذا به يتخطى إلى تجاوز ذلك كله والاستوثاق بالمعطى المحسوس والمباشر، كمصدر أوحد للمطابقة والقانون الذي لا يتخلف عن النفع والفائدة الدارجة؟ يرجع المفهوم المستمد من الفلسفة الطبيعية السابقة إلى عدم تمييزها بين الظاهرتين الطبيعية والإنسانية، ومضيها الملح إلى محو الفارق الجوهري التكويني والتخليقي بينهما، أين نجد "الظاهرة الطبيعية مكونة من عدد محدود من العناصر المادية يمكن حصر معظمها ورصدها، على عكس الظاهرة الإنسانية التي تدخل في تكوينها عناصر مادية ونفسية وتراثية وثقافية، لذا فإننا إن درسنا ظاهرة طبيعية دراسة متعينة كان بوسعنا أن نحدد علة أو (علل) ظهورها على عكس الظاهرة الإنسانية التي يصعب حصر كل أسبابها. ويلاحظ أن الظواهر الطبيعية تطرد على غرار واحد بغير استثناء. أما الظاهرة الإنسانية، فلا يمكن أن تطرد بالطريقة نفسها، فكل جماعة بشرية تختلف في كثير من النواحي عن الجماعات البشرية الأخرى...ولذا، فإننا لا يمكن أن نحدد قانوناً اجتماعيا واحدا يتجاوز الزمان والمكان" ([7]) يعنينا الاختلاف كمعلم قياس من النص السابق؛ فالظاهرة الطبيعية مكررة محكومة بالقوانين نفسها، ولو أن الفيزياء المعاصرة أضحت ميالة إلى تفسير الظواهر بنوع من التبرير المتعدد، غير الخاضع لشرطية مغلقة، بل فيها من النسبية والانفتاح وإمكانيات غير منجزة وغير متكشفة؛ الكثير. في حين نلقف الظاهرة البشرية فريدة منشئة لجماعات لا تعيد خصائص جماعات أخرى، وبالتالي ليس في الطبيعة أهلية مؤسسة للانتماء، وإن ساعدت على دفعه في سياق ثقافي أعم. وربما من الدارج تفسيرياً القول إن الثقافة؛ متعددة، منفتحة، خاصة، جزئية. في حين أن الطبيعة على النقيض. لذا تنعكس الثقافة على الطبيعة وتعيد تعريفها وصياغتها وترجمتها في ضوء الانتماءات والولاءات المختلفة، وللتدليل؛ الطبيعة في السياقات الناضحة بالمعنى الإمبريالي التحكمي للمعرفة، خلافها في التجمعات المتسمة بسكونية الأوضاع وتكرُّرِها.

3- الإطار الطبيعي التعاقدي، والهوية الفاشلة:

إذن كل ما يلزم من الظاهرة البشرية من أوضاع تاريخية وأشكال اجتماعية للالتقاء وممارسة العلاقات العامة، لا يمكن بحال أن يتصل بالمعنى المادي البحت، رغم أن له علاقة ما بها، مبدئياً حال التكون الأول، ثم تدخل عليه جملة موجهات ومسددات قيمية ترفعه إلى أفق متنوع وغني ومفتوح وثري، تبعاً لعمق وارتفاع الأسس المشكلة لضوابط توجيه الطبيعة وعناصرها المتدخلة في تكوين الظاهرة الإنسانية.

وهنا فالإنسان "...لا يمكن رده إلى قانون عام، ولا يمكن فهم كل جوانبه ولا تفسيره تفسيراً كاملاً، ولا يمكن رصده بطريقة نمطية اختزالية، بل لا بد أن يظل باب الاجتهاد مفتوحاً بالنسبة إليه: إن عالم الإنسان عالم مركب، محفوف بالأسرار. أما عالم الطبيعة (الأشياء والمادة)، فهو عالم أحادي بسيط، إذا ما قيس بعالم الإنسان..."([8]) المصادر المتنوعة والمختلفة التي تدخلت في بناء الإنسان وتكوينه مع مرور الوقت، جعلت هويته ذات طابع تشعبي، وإن اتصلت بناظم قيمي مركزي، مستمد من الطبيعة أو متجاوز لها، وبذلك تحوَّل من معطى أحادي الجانب إلى كينونة متشكلة بكيفية معقدة ومركبة، وتشابكت فيه معطيات مادية ومعنوية، ما أظهره وجوداً غنياً محفوفا بهالة من التجليات، وبالتالي انتماؤه لن يكون سطحياً يختزل في نمط بعينه، بل انتماء متدرج عموديا يبدأ من نقطة مركزية، وتتماوج مظاهره بحسب العمر التاريخي للجماعة المنتمية، أما المندرجة في سياق النشوء المادي الطبيعي، سواء باللون أو اللسان وفقط، فإنها تحرم من العمق المعنوي الذي يتيح لها أن تتصل بالقيمة نفسها في كل مكان، أقصد أن الطبيعة، رغم ما يدافع عنه العلمانيون والماديون من كونها الأساس الجوهري الذي يمنح الانتماء الكلي المطلق من جهة الوجود، فإنها في خاتمة المطاف تكسب نوعا من التعريف الجزئي النسبي المستحيل إلى تلوين مطلق ومغلق، وفي ذلك تكمن المفارقة والعجز في آن. المفارقة لأن النسبي أضحى مطلقاً، والساكن استُمْدِدَ للتحرك، وفي كل ما يحول دون الاستمرار، وبالتالي ينتهي إلى تفكك آصرة الالتقاء، ويدفع إلى التناوش والتنابذ الدائمين، وفي ظن التحليل أنه من أسباب تفكك الجماعات وسقوطها تاريخياً، ومن شاء التأكد، فعليه بالتجارب الحضارية السابقة التي ظهرت لعلة مادية ما، سواء كانت مرتبطة باللسان وحسب، أو بالعرق والنوع، حيث آلت في الأخير إلى أتون صراع بين تجمعات أكبر وأصغر، فضعفت وانهارت.

"ولما تناقص الدين في الناس وأخذوا بالأحكام الوازعة...نقصت بذلك سورة البأس فيهم...لأن الوازع فيها أجنبي، وأما الشرعية فغير مفسدة لأن الوازع فيها ذاتي..." ([9]) نص مهم أردت به؛ الإشارة الواضحة إلى طبيعة الانتماء، باعتباره ولاء ووازعا في الوقت نفسه، حالما يظهر من مصدر ليس له من فطرية الطابع إلا ما يفرض فيه على الناس، فيحملهم على الامتثال الآني، لكن إن سنحت لهم بارقة ضعف في السلطة المتولية لعملية الضبط والتنظيم، فإنهم ينفلتون ويرفضون، خلاف الحال إذا نبت الانتماء من معين ذاتي، يفصح عن عمق إني ماهوي يمثل المزاج الخاص للطبيعة البشرية ذاتها، وليس سوى الدين قادراً على فعل ذلك، خاصة إذا أخذ بمنطق التجربة الواحدة المتكررة في كل الثقافات والحضارات، من غير عناية بالمظاهر الشعائرية هنا وهناك؛ أي أخذها من قبيل تنوع المظاهر وتوحد الماهية والجوهر، وهنا من التوازن تحليليا أن أشير إلى ميل الدراسة إلى إبراز الموقف النظري للرؤية التوحيدية بعيداً عن مفارقات الممارسة وفشلها بسبب غلبة المعاني الطبيعية لا من جهة كونها طارئة، بل لأنها ذات حضور مغالب، وبالتالي يصعب مجانبتها، إن لم تستند الممارسة إلى تأطير معنوي قوي.

4- الأساس الفلسفي للمفهوم التعاقدي ومدنية الانتماء:

ومما يثبت توجه التحليل واستنتاجاته، ما قرره فلاسفة نظرية العقد الاجتماعي، من أن الصلات بين الناس سببها الخوف والطبيعة التنازعية بين البشر، فيندفعون لحلحة ذلك بواسطة النزول عن كل حقوقهم الطبيعية أو بعضها، ليحصل السلام والاستقرار، والحالة التعاونية الإلزامية الإكراهية، فيتبادل الناس الحقوق بمقدار أعطى كل واحد منهم من ممتلكاته ونزوله عند الرغبة العامة التي تواطأ أفراد كثيرون على اتباعها، خوفاً وليس اقتناعاً، وإن ترسخ الحال مع الوقت وتأكدت جدوى ما فعلوه، خاصة وأنه من "أعراف البشرية العامة، إذا سكت القانون نطق السلاح، ومن سنن الطبيعة أن الأفراد جميعاً يحوزون في ذواتهم دوافع العدوانية وبواعثها، وأنهم مسلحون ضد بعضهم، وفي وضعية حرب دائمة...وهذا ما يؤكد على المعنى الطبيعي للماهية البشرية، وصعوبة انسياقها خلف التوجيه القانوني للمدنية، بداية...ثم يهرعون إلى بعضهم لاستلهام التعاون وتحقيق السلم رغم صعوبته، ومضادته لثقتهم ببعضهم، وطغيان النوازع على الطباع".([10]) فيدخل المجتمع في حال من الحرج التاريخي، فإما الإذعان والخضوع والتوقف عن التصرف رغم الرغبة، وتأجيل السطو والقفز على الآخرين، لا عن قناعة ومبدئية قيمية، ولكن عن عجز مؤجل، وإما الدخول في صراع مرير دائم يقضي على الحياة ويصعبها، وهنا أود أن ألمح إلى الأجواء النفسية والسلوكية التي يتحرك ضمنها المجموع، وأقيس ذلك إلى الانتماء العام، وهل يحقق واقعا منسجما يتضمن السلم والثقة والأمن؟ في تقديري أنه ليس من العسر استخلاص استحالة هذا الطموح وعدم إمكانية إقامة الهوية المؤسسة على حوار رغبة وقناعة، ولا مقبولية التوجس والخوف؛ أي يتم "...التنازل لإرادة واحدة قادرة على تحقيق السلم والتوازن الاجتماعي والمدني داخل جسم الدولة، وتتجلى تلك الإرادة في شخص قوي، أو في مجلس وهيئة عامة، تعمل على ضبط الأفراد وحملهم للخضوع والقبول بجديد الانتظام المدني".([11])

وقد يظن أن التحليل قد انحرف عن مراده، فأجيب بأن بيان حقيقة الانتماء في الأطر المدنية المادية القانونية البحتة، تحرم الإنسان من دفء التكوين وحميمية التراحمية، باعتبار المصدر المعنوي الغني الذي يذكرهم بخيرية الأصل الوجودي الذي نشأوا منه، وأيضاً الإطار الأخلاقي والروحي الذي يمارسون علاقاتهم داخله، والأفق المشترك من جهة الرجوع إلى الأصل الواحد، فيعرفون معنوياً، ويعملون على إيجاد المؤسسات ذات الطابع العُرفي المسهل لشؤونهم والمفضية إلى حل نزاعاتهم المؤقتة وليس الجذرية أو الأبدية.

والقوانين المدنية منشؤها طبيعي؛ أي تقوم على قوانين الطبيعة، رغم التباين في تفسيرها وحدود الاستمداد منها؛ فهي تمثل المصدر الأخلاقي والعقلي، بل والإلهي لكل التشريعات التي ينبغي على الناس الخضوع لها بإرادتهم، ولكن أليس اللجوء الاضطراري نشداناً للأمن، جراء الخوف والمحافظة على مصير غير معروف العاقبة، وقوفاً في وجه أي نجاح ستحرزه التوجهات الرافعة لشعار الطبيعي كأصل مولد للتعاقدية والقانونية؟ فبواسطة العقد يتحول البشر من إنسان أخلاقي إلى مواطن سياسي([12]) وفي المعنى تفريق جذري بين الأخلاقي والسياسي، من زاوية أن الأول يتصل بالوجدان والتصرفات الكمالية. أما الثاني، فينخرط في التصرفات العامة التي يضطر إليها الناس ليسلموا من بعضهم، ويقدر الواحد منهم على ضبط نفسه والآخرين في التعدي والعدوان، ولكن دائما تظهر لنا المفارقة شاخصة بارزة، إذ كيف تعجز الأخلاق، حيث تقدر السياسية، وكما درجوا على نعتها بفن الممكن أو ما تبلغه اليد تأدية وقياماً. أما الأخلاق، ففضائل تتحلى بها النفس أمام ذاتها ثم قدام الآخرين، فأيهما أدخل في ضبط الانتماء وشرطه بالمعنى الصحيح، وتالياً التصرفات السليمة؟

"وإذا نحن نظرنا إلى المجتمع الإنساني نظرة هادئة ومنزهة عن المنفعة، فلا يبدو لنا منه إلا عنف البشر الأقوياء واضطهاد ضعفائهم، فيتمرد الروح على قسوة أولئك، أو يحمل على رثاء حالة الضلالة التي عليها هؤلاء. وإذ ليس بين البشر من شيء أقل استقراراً من هذه العلاقات البرانية التي غالباً ما تصنعها المصادفات أكثر مما تصنعها الحكمة...بدت جميع المؤسسات البشرية لأول وهلة، وكأنها مؤسسة على أكوام من الرمال المتحركة"([13]) وأخرى نسأل؛ إذا كانت المؤسسات قد نشأت على نوع من الصلات المهلهلة الضعيفة، أنى لها في خاتمة المطاف أن تحقق واقعاً متماسكاً من الانتماء الأول للدائرة الخاصة، ومنها إلى أعم الدوائر وأشملها في كيان دولة أو قومية أو أمة؟ طبعا أبسط استنباط يظهر مبلغ الصعوبة في بلوغ الغاية. وهنا نجد بعضهم يلح على استدعاء الطبيعة نزلة أخرى لإقامة الصلات فيما بين الناس على منوالها وناموسها،"...إذ حل الحق محل العنف، أُكرهت فيها الطبيعة على الإذعان للقانون...".([14])

وهنا عمل فلاسفة كثر على الدعوة إلى العودة إلى الطبيعة كفضاء وجودي حقيقي يمارس فيه الناس بساطتهم وحقيقتهم الفطرية، في منأى عما أفسدته القوانين والأحكام التي فرضها الأقوياء على الضعفاء، بدعوى الحفاظ على الاستقرار العام، وفي الحقيقة لا يعدو أن يظهر الوضع في استغلال مبطن، ولدته وكرسته الرؤية التعاقدية التي "...ترى المجتمع بحسبانه تركيباً بسيطاً يتسم بالتجانس؛ أي مجتمعاً تعاقدياً، العلاقات بين الأفراد فيه علاقات بسيطة غير متشابكة يمكن التعبير عنها من خلال عقد قانوني نصوصه واضحة. والرؤية الكلية للإنسان هنا تقوم على أنه كائن فرد بسيط ذو بعد واحد؛ أي إنسان طبيعي، ومن ثمة فإن الطبيعة تسبق الإنسان"([15]) وتعلوه قيمة، لأنها أكثر تركيباً وتتشكل وفق منظومات من العلاقات والقوانين الشاملة التي تعم الظواهر جميعاً، وربما في ثراء إذا قورنت بما يفعله البشر عندما يظنون استلهامها في وضع التعاقدية البسيطة، وتحويل شؤونهم من التنوع والثراء إلى السطحية والمباشرية، وتصور الأوضاع من منظور أحادي، إما أخلاقي أو طبيعي وفقط. فيصير البشر في منظور التحليل التاريخي على المدى الطويل "..إنسان روسو الحر الفرح الآمن الذي يتحول إلى إنسان داروين المتجهم الذي تأكله الذئاب من الحيوانات الطبيعية أو البشر الطبيعيين"([16]) وكلما غلب التصوير السالف عن حقيقة الكينونة الإنسانية، إلا وانبثق منها تعريف ووسم خاص للعلاقات، تكويناً، أو ضبطاً وتوجيهاً، وفي جل الأحوال يتشكل نمط من الهوية سيال ومعادِ في نطاق المآل العام، حيث إن التاريخ مدرسة الحياة الكبرى التي تبرز أخطاء التركيب والاختيار الاجتزائي للظواهر، فما بالك بالإنسان أكثر المعطيات الوجودية تركيباً وفرادة.

وانعكس الأساس الرؤيوي الذي انبنت عليه تقييمات المعرفة الغربية لمعنى الطبيعة والإنسان، على تحديد حقوقه بوصفها حقوق فرد لا ما يوجب للجماعة والنطاقات العامة، حيث "مفهوم حقوق الإنسان كما يتبناه الغرب مفهوم ضيق ويدور في إطار الفرد المطلق، فهو لا يتحدث عن حقوق المجتمع...وإعلان حقوق الإنسان لا يرى الإنسان على أنه جزء من جماعة، وإنما يراه فرداً مطلقا وحسب.."([17]) يستمد مشروعية فعله من مقدرته عليه، وليس من توافقه وملاءمته للحاجة العامة للناس، وفي ظني أنه من الأسباب المكينة المعطلة لتحقيق الانتماء المعنوي والقيمي والمفتوح، انتهاج التعريف السابق للإنسان بوصفه فردا مطلق الهوية، مطلق الفعل، مطلق اليدين، مطلق...فتعجز الرؤية المادية عن بناء الانتماءات والولاءات الخارجة عن الضبط القانوني، وتأجيل الأنانية والفردية؛ فالوضع ليس حلا جذرياً بمقدار ما هو تأجيل أزمة...

يبادر تساؤل مضمونه، كيف تزعم الدراسة شمولية الطابع المادي على الظاهرة الإنسانية ذاتها، وفي الأخير تنتصر الطبيعة وينمحي الإنسان، نقول إن أول الصلة يسمح بوجود حالة من الثنائية والممايزة بينهما، لكن ما تفتأ تقفز على السطح أحادية شرسة تنكر أية خصوصية، اللهم ما يرمز به كل كائن إلى ذاته في خضم محيط من الفرديات؟ ودائماً، نجد التحليل يفصح عن مفارقات مكينة، فكيف يتم التحليل بمنطق الشمولية الطبيعية، ثم نقر بالفردية الكاسحة؟ ذلك في ظني جزء من تركيبة التجربة المعرفية والوجودية الغربية؛ فهي تمحو جهة لصالح أخرى، فإذا بها تقويها وتدعمها أكثر فأكثر؛ فقد استعيد العقل والفرد من براثن الكنيسة والتعريف الديني للإنسان للمحافظة عليه في مرحلة الحداثة، فإذا بها تفقده فيما بعدها، وتنتهي إلى إعلان موت كل شيء، الله، ثم الإنسان، ثم العالم، ثم العدم..."..الثنائية داخل الإطار العضوي المادي، واهية لأن الواحدية المادية تفرض ذاتها فتطبق الصورة المجازية على الكون بأسره،...فيفقد الإنسان مركزيته وتميزه، ويصبح جزءاً من كل عقله تابع لا سيد، ويتلخص إبداعه في عملية التلقي الأصم لقوانين الطبيعة الحية...ويلاحظ أن الحركات الشمولية (النازية- الصهيونية- الماركسية) تدور في إطار النماذج العضوية، وكذا الفكر العرقي الغربي وأدبيات الإمبريالية..".([18])

5- مآل الاعتبار الطبيعاني والقضاء على الإنسان ومظاهره:

إذن هنا يظهر تماما الدافع النظري الذي جعل الدراسة تستدعي نوعا من التنظير الفلسفي للبحث عن الأصول الأولى للانتماء في إطار الرؤية المادية بتجلياتها المختلفة، وبمدارسها الكثيرة، سواء كانت ذات منطق عضوي أو آلي؛ فهي من حيث المآل تنتج رؤية، وخطاباً، وعلاقة، ذات طابع أحادي اختزالي إلغائي امبريالي...فالهوية في خط المادية مغلقة، منجزة، مكتفية، منطلقها وأفقها واحد، إنه الطبيعة. وهنا ينشأ نظام شمولي يولد العلاقات ويقيمها، وهو "...مغلق، بمعنى أنه شامل، قانونه لا يفرق بين الطبيعة والإنسان، وهو ما يعني ظهور مشكلة الهوية الإنسانية المستقلة ومركزية الإنسان في الكون، وهي مشكلة علاقة الكل بالجزء. فقد يتجلى مركز النموذج من خلال أحد عناصره، فتظهر ثنائية صلبة. فإن تجلى المركز في شعب من الشعوب أو عرق من الأعراق، يصبح هو الكل في الكل، ويهمش العناصر الأخرى؛ أي إنها إنسانية إمبريالية. ولكن عادة ما يتجسد المركز في الطبيعة/ المادة فيهمش الإنسان داخل هذه الثنائية الصلبة، ولكن النموذج يتطور في كل عناصره دون تمييز، ويصل إلى حالة السيولة الشاملة"([19]) وهنا تظهر الجدوى الإبستمولوجية للمنهج المعرفي التوحيدي، لأنه يتبع الظاهرة في منشئها، وفي تتاليها النماذجي وإفصاحها عن محتواها في تجليات كثيرة متنوعة، ثم ما تؤول إليه، فيستطيع التقييم في الأخير والحكم، فيؤكد انغلاق النموذج المادي، وإفضائه إلى الشوفينية والعنصرية، والانتماءات الجزئية التي تتدرج في تشابكاتها، رغم بساطتها، فتضحى كلا يهيمن على الكل، وبصراع الكليات ينهار الكل، ويمسي العالم سيلانا لا ملامح هَوَوِيَّة وانتمائية له. "..إن الجانب القاسي والهدام في القومية الحديثة لا يحتاج إلى توكيد في عالم تمزقه تجاوزاتها"([20]) تجاوزات عرفت التدمير على أنه استعمار، وتحدثت عن التجهيل والتدجين الحضاري، بوصفه نقلة تاريخية للشعوب الهمجية، وسعت إلى بناء فضاء من الأوهام لدى الضعفاء، لتقزيم انتمائهم وجعله أدخل في تقسيمات سلبية تبتعد بهم عن المدار القيمي الضامن لاستمرارهم، وقذفت إلى العالم بأخطر النظريات العنصرية والفاشية والشمولية، وانتهت إلى الاستبداد بالعالم وحرمانه من الحق على إدارة شؤونه في مؤسسات عادلة تقضي بالعدل بين شعوبه آن اختلافهم، كل مختلف ظالم يجب إخضاعه، وكل موقف مجانب لتوجههم العام معاداة للحضارة ومعاد للسامية، وإسرائيل يحق لها أن تعلن انتماءها الهوسي وتمتد في الأرض بعدما اكتسحت الثقافة، ولا رقيب، بل هي الرقيب!!!

"وإذا كان لنا أن نرجو فهم العالم الذي نعيش فيه، والذي يتصف بالعنف غالباً، وما لم نحاول فهمه، لن نتوقع أن نكون قادرين على الفعل العقلاني فيه وعلى تطويعه...الهمجيون فقط ليسوا فضوليين لمعرفة من أين جاؤوا، ولماذا وجدوا حيث هم، وإلى أين يحتمل أنهم ذاهبون؟.."([21]) أغلب ثقافات العالم الغربي همجية بالتوصيف السالف، إذ تعلن ما تشاء، وتحرم الآخرين من فعل ذلك، وحيث لا يرضى الآخرون عن شيء تدفعهم إلى فعل خلافه."...لا ينبغي تسخير أية فكرة أو نظرية، كما لا ينبغي لأية فكرة أن تفرض أحكامها بطريقة سلطوية، يجب إضفاء الطابع النسبي على الفكرة يجب ترويضها. ينبغي للنظرية، كيفما كانت أن تساعد وتوجه عمل الاستراتجيات...الخاصة بالذوات البشرية"([22]) التسلط ديدن الأسلوب الإمبريالي العلماني في فرض رؤاه على العالم، وتعريف كل الظواهر وفق أساليبه في التنظير والتحقيق، وبذلك يوصف الانتماءات ذات المعين المختلف عنه، خاصة الدينية منها بكونها أصولية أو متخلفة ومغلقة، في حين أن تجاربه في الغالب ثمرة روح تسلطية استحواذية لاغية.

وهنا "...أصبح كل شيء ملتبساً بفعل تقويض الحدود بين الأشياء، وحتى في المجال الفيزيائي..."([23]) وتعمل الظاهرة العولمية على فرض نمطها المعيشي وأسلوبها الحياتي الخاص، إذا كان لها أسلوب خاص، وتتحسس من التنوع والاختلاف وتعتبرهما تهديداً للانتماء والتعريف الذي تعمل إلى بلوغه، في صورة أرقام ورموز، ليس لها من صلة بالواقع الحقيقي، فتكون صوراً غريبة تشبه الإنسان والمجتمع والدولة، لكن في نهاية التحليل هي لا تشبه شيء، "...من وجهة نظر إنسانية، تظهر العولمة في حدها الأقصى كمحرقة عالمية، إننا نتجه نحو إبادة لا أعرف طبيعتها، لكن الفرق بيننا وبين الولايات المتحدة يكمن في كونها تسير نحوها (أي الإبادة) بقوة وثبات هائلين"([24]) أتون ضخم يلقى فيه كل مجال يدرك فيه البشر حضورهم وخصوصياتهم، والسبب نمط الأحادية الشمولية الماحية للفوارق والاختلافات، وبذا نكون قد سقنا ما يثبت خلاصات الرؤية التوحيدية في الانتماء، وأنه لن ينبثق من شرطية طبيعية مادية إطلاقا، إلا ما كان مؤقتا ينتهي إلى مآل المحرقة...


([1]) مالك بن نبي: ميلاد مجتمع، ت عبد الصبور شاهين، الجزائر، دار الفكر، ط 03، 1987، ص 19

([2]) المرجع نفسه، ص 18

([3]) عبد الوهاب المسيري: الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، دمشق، دار الفكر، ط02، 2003، ص 39

([4]) المرجع نفسه، ص 40

([5]) جون جاك روسو: خطاب في أصل التفاوت وفي أسسه بين البشر، ت بولس غانم، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، ط01، 2009، ص 56

([6]) المرجع السابق، ص 68

([7]) عبد الوهاب المسيري: العلمانية والحداثة والعولمة، دمشق، دار الفكر، ط01، 2009، ص 24

([8]) المرجع نفسه، ص 25

([9]) ابن خلدون: المقدمة، الرياض، بيت الأفكار الدولية، دت، ص 67

([10]) Thomas hobbes: le citoyen, ou les fondements de la politique, t Samuel sorbier, Québec, 2002, p 67

([11]) Ibid, p 69

([12]) إمام عبد الفتاح إمام: هوبز فيلسوف العقلانية، القاهرة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1985، ص 365 وما بعدها.

([13]) جون جاك روسو: المرجع السابق، ص 59

([14]) المرجع نفسه، ص 65

([15]) عبد الوهاب المسيري: دفاع عن الإنسان، القاهرة، دار الشروق، ط 01، 2003، ص 360

([16]) عبد الوهاب المسيري: العلمانية والحداثة والعولمة، مرجع سابق، ص 176

([17]) عبد الوهاب المسيري: الهوية والحركية الإسلامية، دمشق، دار الفكر، ط 01، 2009، ص 125

([18]) عبد الوهاب المسيري: اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود، القاهرة، دار الشروق، ط 02، 2006، ص 33

([19]) المرجع السابق، ص 35

([20]) ايزايا برلين: نسيج الإنسان الفاسد، ت سمية فلوعبود، بيروت، دار الساقي، ط01، 1993، ص 132

([21]) المرجع نفسه، ص 08

([22]) إدغار موران: تربية المستقبل، ت عزيز لزرق ومنير الحجوجي، المغرب، دار توبقال للنشر، 2002، ص 30

([23]) جان بودريار: الفكر الجذري أطروحة موت الواقع، ت منير الحجوجي وأحمد القصوار، المغرب، دار توبقال للنشر، ط01، 2006، ص 68

([24]) المرجع نفسه، ص 84