التفسير علماً إسلاميّاً من خلال "الكشّاف" للزمخشري (الجزء الثاني)

فئة :  مقالات

التفسير علماً إسلاميّاً من خلال "الكشّاف" للزمخشري (الجزء الثاني)

التفسير علماً إسلاميّاً من خلال "الكشّاف" للزمخشري (الجزء الثاني)


مثّل الحديث والسّنّة مادّة أساسيّة من موادّ التفسير في "الكشّاف"، ذلك أنّ من وظائف الحديث في التفسير أنّه يكرّس واقعا اجتماعيّا وثقافيّا معيّنا. فقَبِل الزمخشري كلّ الأحاديث المنسجمة مع السُنّة الثقافيّة الإسلاميّة. يقول في تفسير الآية 229 من سورة البقرة: "عند أبي حنيفة وأصحابه الجمع بين التطليقتين والثلاث بدعة، والسُنّة أن لا يوقع عليها إلاّ واحدة في طهر لم يجامعها فيه لما روي في حديث ابن عمر أنّ رسول الله (ص) قال: إنّما السنّة أن تستقبل الطهر استقبالا، فتطلّقها لكلّ قرء تطليقة. وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث لحديث العجلاني الذي لاعن امرأته، فطلّقها ثلاثا بين يديْ رسول الله (ص) فلم ينكر عليه"[1]. وواضح من هذا المثال أنّ الزمخشري يجري في التفسير مجرى الفقهاء والأصوليّين في تبرير الممارسة التاريخيّة المرتبطة بالرسول أساسا، وإن أفضتْ إلى الابتعاد عن حقيقة النصّ؛ أي أنّ ما اقتضاه الواقع التاريخي في فترة معيّنة ليس بالضرورة ما قرّره الوحي.

وهذا ما أهّل السنّة مع الشافعي (ت 204 هـ) إلى أن ترتقيَ إلى مرتبة النصّ المقدّس. وحرص الزمخشري على استمرار مثل هذا التعامل مع السنّة. فهو يعتبر أنّ المقصود من كلمة (الحكم) في الآية 79 من سورة آل عمران: "ما كان لبشر أن يؤتيَه الله الكتاب والحُكْمَ والنّبوّةَ ثم يقول للناس كونوا عددا لي من دون الله..." هي الحكمة، والحِكمة في نظره السنّة.[2] ولا شكّ أنّ هذا التأويل يتقابل مع موقف مغمور في الضمير الإسلامي يمثّله قول الشافعي: "ما لم يكن فيه كتاب الله، فليس على أحد فيه فرض". ذلك أنّ السُنّة قد كانت في بدايتها شفويّة وبراغماتيّة، أي أنّها متكوّنة عبر تجارب وممارسات غير مستقرّة منذ البداية وغير مستندة إلى منظومة متكاملة. ولم يحصل هذا الاستقرار إلاّ في عصر التدوين (بدايةً من منتصف القرن الثاني للهجرةـ). وقد دفعت عناية الزّمخشري بالحديث والسُنّة إلى تجاوز شواغل أهل الحديث في تحقيقهم للأسانيد، وتتبّع مختلف روايات الحديث.

ولمّا كان من شروط المفسّر تعقّب كلّ آيات المصحف بالتفسير، فقد اقتضى منه هذا العمل الوقوف عند آيات الأحكام، وهي في حدود خمسمائة آية من كلّ آيات الكتاب، واعتُبِرت بذلك قوانين ينبغي على الفقهاء تطبيقها تنفيذا لأحكام إلاهيّة أوجبها الله على المسلمين. وفي "الكشّاف" أمثلة عديدة دالّة على اختلافات الفقهاء بشأن القضايا الدائرة في فلك آيات الأحكام، وهي اختلافات مرتبطة بأصحاب المذاهب الفقهيّة أساسا، ومندرجة في الوقت نفسه فيما اختلف حوله العلماء والفقهاء من مسائل لا ينبغي تجاوزها. ذلك أنّ مجال الاختلاف قد سُيّج منذ عصر الصحابة (الجيل الأوّل المعاصر للرسول). ومن صور هذه الاختلافات ما ذكره الزمخشري تعليقا على الآيتين 38 و39 من سورة المائدة: "والسارق في الشريعة: من سرق من الحِرْزِ، والمَقْطع، الرُسْغ. وعند الخوارج: المنكب. والمقدار الذي يجب به القطع عشرة دراهم عند أبي حنيفة، وعند مالك والشافعي رحمهما الله ربع دينار، وعن الحسن درهم (...) وأمّا القطع فلا تسقطه التوبة عند أبي حنيفة وأصحابه، وعند الشافعي في أحد قوليْه تسقطه".[3] وقد اختلف الفقهاء كذلك في مسألة اعتزال النساء هل هو على سبيل الوجوب أم لا؟ (البقرة2/222). ونعتقد أنّ تفسير الزمخشري للآيتين 33 و34 من سورة المائدة أنموذج جيّد يعبّر عن كيفيّة تعامل المفسّر مع آيات الأحكام من جهة، وعن موقفه من أصل الحكم القرآني فيها من جهة أخرى. وتتعلّق الآية 34 بتوبة المحاربين لله ولرسوله والمفسدين في الأرض وما ينطبق عليهم من حدود. يقول الزمخشري: "وأمّا حُكم القتل والجراح وأخذ المال فإلى الأولياء، إن شاؤوا عفوا، وإن شاؤوا استوفوا"[4]. ورغم ما يذكره المفسّر ههنا من إمكانيّة اختيار الوليّ بين العفو واستيفاء الحقّ في إقامة الحدّ فإنّ الفقهاء، عند الممارسة وباعتبارهم رجال قانون، لم يعيروا بالا إلى خصوصيّة النصّ القرآني في الحثّ على قيم العفو والمغفرة. فممّا جاء في الآية 194 من سورة البقرة: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتّقوا الله واعلموا أنّ الله مع المتّقين".

هنا اقترن حكم القصاص من المعتدي بالدعوة إلى التقوى. إلاّ أنّ الزمخشري لا يقبلها إلاّ في حالة غلبة المسلمين؛ أي "في حال كونهم منتصرين ممّن اعتدى عليكم، فلا تعتدوا إلى مالا يحلّ لكم".[5] وواضح أنّ اشتراط الغلبة أمر لم يقتضه النصّ القرآني في أصله. ذلك أنّ المفسّر يتعامل مع آيات الأحكام بطريقة تلائم بين مقتضيات الواقع التاريخي والنصّ القرآني، وقد انعكس هذا التوجّه على عديد المسائل الأصوليّة المتّصلة بالتشريع الإسلاميّ، مثل مسألة الوجوب والندب (تفسير الآية السادسة من سورة المائدة مثلا)، وقضيّة العموم والخصوص. يقول في تفسير الآية 114 من سورة البقرة: "فإن قلتَ: فكيف قيل مساجد الله وإنّما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد هو بيت المقدس أو المسجد الحرام؟ قلتُ: لا بأس أن يجيء الحكمُ عامّا، وإن كان السبب خاصّا".[6] وتُغيّب هذه المنهجيّة التي توخّاها الزمخشري مثل غيره من الأصوليّين، العواملَ التاريخيّة. وهذا يؤديّ إلى أمر مهمّ جدّا في كلّ فكر دينيّ، وهو التنزيه، أن تصبح هذه الأحكام التي يقرّ بها الفقهاء ويتبنّاها المفسّرون، والوسائل التي تُستنبط بها مفارقة للإنسان، لها صبغة متعالية. ولكن، من جهة أخرى، لا يتعرّض الزمخشري – في الآيات التي اكتُفيَ فيها بنهْي المسلم عن إتيان سلوك مشين، مثل السرقة (المائدة/90) والربا (البقرة/275)- على ما قرّره الفقهاء من عقوبات وحدود متعلّقة بهما غير منصوص عليها في النصّ القرآني. ويدلّ هذا التغييب، في نظرنا، على أنّ المفسّر لا يناقش مثل هذه الحدود بما أنّها استقرّت منذ عصر الرسول والصحابة، وقوبِلَت الاختلافات التي قامت بين الفقهاء في نوع الحدّ أو العقوبة. فيشير الزمخشري على سبيل المثال في تفسيره للآية 40 من سورة المائدة إلى اختلاف مالك (ت 179 هـ) والشافعي وأبي حنيفة (ت 150 هـ) والحسن البصري (ت 110 هـ) في النصاب الذي تُقطع فيه يد السارق.

والذي نخرج به، في هذا المستوى، هو تعدّد مواد التفسير في "الكشّاف"، وما يقتضيه هذا الأمر من المفسّر من ضرورة الإلمام بسائر العلوم الإسلاميّة (ولا نستغرب هنا أن يكون كتاب "الإتقان في علوم القرآن" بأجزائه الأربعة، للسيوطي (ت 911 هـ) مقدّمة، في الأصل، لتفسير قرآنيّ). ولكن ما يميّز تعامل الزمخشري مع هذه العلوم هو تبنيّه نظرة إلى المعرفة "لا تاريخيّة"؛ أي أنّ المعرفة عنده ثابتة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ "الكشّاف" – وهو من تفاسير أوائل القرن السادس- شاهد على استقرار العلوم الإسلاميّة وانغلاق السُنّة الثقافيّة منذ القرن الخامس للهجرة. فلا مجال مثلا إلى مناقشة اعتبار السّنّة أصلا ثانيا من أصول التشريع الإسلاميّ. وقد رسّخ تفسير الزمخشري خاصّية تقاطع العلوم الدينيّة وتكاملها (التفسير، الناسخ والمنسوخ، الفقه وأصوله...). ويعود هذا الأمر بداهة إلى طبيعة المعرفة قديما. فالحدود بين العلوم الدينيّة لا يُعتدّ بها في مستوى الإجراء.

إنّ تفسير الزمخشري –بما قام عليه من منهج في التفسير وبما ضمّه من مادّة متّصلة بالعلوم القرآنية- ينهض، كغيره من التفاسير، بجملة من الوظائف تطمح إلى اعتبار التفسير علما إسلاميّا يندرج في المنظومة الدينيّة الإسلاميّة اندراجا. ومن هذه الوظائف أنّ "الكشّاف" يكرّس سلطة السّلف بدءا من الرسول إلى الصحابة وحتّى التابعين. ذلك أنّ حججهم، في نظر الزمخشري، مُلزمة للمسلمين لا سبيل إلى مناقشتها أو إعادة النظر فيها. وقد انبنى هذا التكريس على جملة من المبادئ العامّة التي قبلها الضمير الإسلامي وعدّها من المسلّمات، منها أنّ الكبيرة لا تجوز عن الأنبياء (تفسير الآية 39 من سورة البقرة). وقد دعّم حضور المأثور في "الكشّاف" هذا الاتّجاه في قبول ما أُثـِـر عن الأجيال الإسلاميّة الأولى من ممارسات ومواقف. فلا غرابة إذن أن يروّج الزمخشري فكرة التأسّي بالرسول في العبادات في مسائل قد لا تقتضيها بالضرورة طبيعة المجتمع الإسلامي في القرن الخامس للهجرة، مثل مسح الخُفّيْن عند الصلاة استناداً إلى الآية السادسة من سورة المائدة: "يا أيّها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصّلاة، فاغسلوا وجوهكم وأيديَكم إلى المرافق...". يقول الزمخشري: "وعنه عليه السّلام: أنّه كان يتوضّأ لكلّ صلاة، فلمّا كان يوم الفتح مسح على خفّيه وصلّى الصلوات الخمس بوضوء واحد. فقال له عمر: صنعتَ شيئا لم تكن تصنعه. فقال: "عمدا فعلته يا عمر"، يعني بيانا للجواز". وأكّد الزمخشري هذا التأسّي بقول عائشة، في لهجة لا تخلو من تهويل: "لأن تُقطعا أحبّ إليّ من أن أمسح على القدمين بغير خفّين".

بذلك اعتُبرت أقوال بعض الصّحابة حجّةً، وإن اتّصلت بالتحليل والتّحريم أحيانا، مثل ما ذكره الزّمخشري في تفسير الآية الخامسة من سورة المائدة من أنّ ابن عبّاس (ت 68 هـ) "سُئل عن ذبائح النصارى العرب، فقال: لا بأس، وهو قول عامّة التابعين، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه".[7]

ولكن احتفظ لنا الزّمخشري بأخبار متعلّقة بالرّسول تُثبتُ بشريّته في استنباط الأحكام للنوازل والحوادث التي تعرض للمسلمين زمن الوحي. فيكون الرّسول، ههنا، مجتهدا تخضع أحكامه إلى النّسبيّة، وإلى أحكام الخطإ والصّواب. يقول صاحب "الكشّاف" في تفسير الآية 34 من سورة النساء: "ورُوي أنّ سعد بن الربيع، وكان نقيبا من نقباء الأنصار، نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زُهيْر، فلطمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله (ص) وقال: أفرشته كريمتي فلطمها. فقال:" لِتَقتصّ منه"، فنزلت. فقال (ص): "أردنا أمرا وأراد الله أمرا، والذي أراد الله خير"[8]. فالمفسّر إذن يتعامل مع النص القرآني عبر القراءات السابقة له، وهذا ما يبرّر الحضور المكثّف للأخبار المرويّة على لسان الصحابة والتابعين، علاوة على أصحاب المذاهب الفقهيّة.

ويؤديّ التفسير، بناء على ما سبق، وظيفة ثانية هي مساهمته في تدعيم انسجام المنظومة الإسلاميّة والحفاظ على وحدة الجسم الاجتماعي. فالزمخشري حريص، كغيره من المفسّرين، على ترويج الاختيارات التي استقرّ عليها الرّأي، وأصبحت بمرور الزمن في حكم المُسلّم بها. لذلك لم يكن صاحب "الكشّاف" في حاجة، ههنا، إلى سلطة الإجماع في تفسير آيات الأحكام مثلا. ونادراً ما نجد في تفسيره عناية بهذه السلطة، رغم النزعة الحجاجيّة الجداليّة التي حكمت بنية الكتاب، بل إنّه لم يُشِرْ إلى أصل الإجماع حتّى في تفسير الآيات المعتمدة في إثبات حجّيته نصّاً. (البقرة2 /143* آل عمران3/110*النساء4/115).

ولعلّ أهمّ وظيفة حقّقها تفسير الزّمخشري هي تقليص الهوّة بين الوحي والتاريخ، بل يُصبح التاريخ، بفعل التأخّر في الزمان والبعد عن فترة الوحي، مستوعباً للنصّ القرآني ومحدّداً لإمكانات التأويل فيه. وهذا ما يفسّر الانزياح من طبيعة الرسالة الشفويّة (القرآن) إلى التضييق من آفاق تأويله، بما أنّ المعنى القرآني معنًى مطلق. ذلك أنّ القرآن قد نزل منجّما "على حسب النوازل وكَفَاء الحوادث" بعبارة الزمخشري في تفسيره للآية 23 من سورة البقرة".[9] وبما أنّ فترة الوحي محدودة في الزمان، فإنّ ما يطرأ على المجتمع الإسلامي في الفترات اللاّحقة من تغيير أو ما يجدّ فيه من نوازل، ينبغي أن تُلتَمَس حلولها من المصحف، وهو ما يشرّع لنا الحديث اليوم عن جدل بين الإلهي المتعالي والبشري المحايث في مبحث التفسير القرآني.

إنّ جملة الوظائف التي أدّاها "الكشّاف"، بناء على منهج التفسير وموادّه، تمكّن من اعتبار التفسير علما إسلاميّا. فقد انصبّ جهد الزمخشري في المقام الأوّل على انخراط عمله فيما يميّز منظومة العلوم الدينيّة في القديم من تماسك، بل حتّى التّأويلات التي تبنّاها في مراس النصّ القرآني لم تخرق الحدود التي رسمها المفسّرون الأوائل والفقهاء بشأن ما يجوز فيه الخلاف وما لا يجوز.

ويبقى إسناد صفة "العلم الإسلاميّ" إلى تفسير الزمخشري- رغم ذلك- حكما له حدوده؛ ففي "الكشّاف" مؤثّرات دينيّة وتاريخيّة، بل قل ثقافيّة ورثها المفسّر عمّن سبقه من المفسّرين، وعمّا انتهت إليه علوم القرآن والمباحث الدينيّة من نتائج وما تميّزت به من خصائص. ولا شكّ في أنّ المفسّر حريص على أن يستوعب تفسيره كلّ تلك المؤثرات، فيصبغها بصبغة إسلاميّة. من ذلك مثلا اندراج ما كان منتميا إلى "الثقافة الشعبيّة" في "الثقافة العالِمة"، وهو ما حصل مع تدوين التفاسير الأولى. وأهمّ وجه من وجوه هذه الثقافة الشعبيّة احتفاء الزّمخشري بكلّ ما له صلة بالأساطير القديمة التي ورثها العرب المسلمون عن "الجاهليّة"، مثل قوله في تفسير الآية 158 من سورة البقرة: "كان على الصفة أساف، وعلى المروة نائلة، وهما صنمان، يُروى أنّهما كانا رجلا وامرأة زنيا في الكعبة، فمُسخا حجريْن، فوضعا عليهما ليُعتبر بهما. فلمّا طالت المدّة عُبِدا من دون الله، فكان أهل الجاهليّة إذا سعوا مسحوهما. فلمّا جاء الإسلام وكُسِّرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهليّة وأن لا يكون عليهم جُناح في ذلك، فَرفِع عنهم الجناح".[10]

وفضلاً عن ذلك، فإنّ في "الكشّاف" مواقف من أهل الكتاب تخرج عن مقرّرات العلم وعن ضوابطه. فالزمخشري كثير الاستهزاء والسخريّة من اليهود والنصارى، حتّى إنّه يقحمهم في سياقات لا يقتضيها ظاهر التفسير وجليّ عباراته. فبعد ذكر الآية 44 من سورة المائدة: "... ومن لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم الكافرون" ينقل المفسّر قولَ ابن عبّاس: "إنّ الكافرين والظالمين والفاسقين أهلُ الكتاب". وإذا كان هذا الموقف متنزّلاً في الجدل العقدي بين المسلمين ومن يخالفهم من أهل الكتاب، فإنّ الأحكام التي يُرسلها الزّمخشري على الملل والفرق الخارجة عن دائرة المذهب الاعتزالي تكرّس مبدأ الإقصاء والرفض، خاصّة فيما يتّصل بأصول الاعتقاد الخمسة. لذلك كان صاحب "الكشّاف" يناهض باستمرار آراء الجبريّة والمشبّهة. فممّا قاله في تفسير الآية التاسعة عشر من سورة آل عمران: "إنّ الإسلام هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند الله، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين. وفيه أنّ من ذهب إلى تشبيه أو ما يؤدّي إليه كإجازة الرؤية أو ذهب إلى جبر الذي هو محض الجور، لم يكن على دين الله الذي هو الإسلام".[11]

ولمَ يَعْرَ تفسير الزمخشري من المؤثّرات الثقافيّة الخارجيّة، المتّصلة أساسا بالفلسفة اليونانيّة القديمة من جهة، وبالدين المسيحي من جهة أخرى. وهذا ما يدعونا إلى عدم اعتبار التفسير القرآني من خلال "الكشّاف" علما إسلاميّا بإطلاق.

فعلى الرغم من موقف الزّمخشري من الفلسفة واعتبارها من العلوم الضّارة ينبغي على المسلمين الازورار عنها وتحاشيها، فإنّ تفسيره قد ضمّ بين أعطافه أهمّ المقولات الفلسفيّة اليونانيّة بقسميها الكبيرين: الأفلاطوني الأرسطي من جهة، والهرمسي العرفاني من جهة أخرى.

ومن أمارات هذا التأثّر مباحث المفسّر في الذات الإلاهيّة والصفات والجزء الذي لا يتجزّأ وصفة الكلام والإرادة... فهو، في تفسيره للآية السادسة من سورة المائدة، يبحث في الإرادة والسببيّة، يقول: "فإن قُلت: لِم جاز أن يُعبّر عن إرادة الفعل بالفعل؟ قلتُ: لأنّ الفعل يُوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له، وهو قصدُه إليه وميله وخلوص داعيه (...) لأنّ الفعل متسبّب عن القدرة والإرادة، فأقيم المسبّب مقام السّبب للملابسة بينهما".[12]

أمّا المؤثّرات المسيحيّة، فتوجد في الكشّاف في شكل رواسب متعلّقة بالدين المسيحي وبمميّزاته. فالله في المسيحيّة هو المحبّ والحبيب. يقول الزمخشري في تفسير الآية 54 من سورة المائدة: "محبّة العباد لربّهم طاعته وابتغاء مرضاته، وأن لا يفعلوا ما يوجِب سخطه وعقابهُ. ومحبّة الله لعباده أن يُثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظّمهم ويُثني عليهم ويرضى عنهم".[13] وقد ينساق المفسّر إلى عقد مقارنات بين الإسلام والمسيحيّة في بعض المسائل، منها مثلا ما يتعلّق بالأحكام في كلّ من القرآن والإنجيل. يقول في تفسيره للآية 47 من سورة المائدة: "وقيل إنّ عيسى عليه السلام كان متعبّدا بما في التوراة من الأحكام، لأنّ الإنجيل مواعظ وزواجر، والأحكام فيه قليلة".[14]

خلاصة ما يمكن أن ننتهيَ إليه من نتائج في هذا العمل، هو أنّ اعتبار التفسير القرآني، وأنموذجه ههنا "الكشاف"، علما إسلاميّا، يبدو أمرا بديهيّا لا يحتاج – إذا ما سلكنا هيّن السُبُل وقَبِلْنا مستعجل الأحكام – إلى استدلال أو برهان يقطع بصحّته. فمنهج التفسير وما يستـأنس به المفسّر من علوم قرآنيّة ودينيّة ومعارف لغويّة وبلاغيّة، ثمّ ما ينهض به التفسير من وظائف، كلّ ذلك جميعا شاهد على اندراج نشاط التفسير في المنظومة الإسلاميّة. ولمّا كان هذا النشاط عملا دينيّا إيمانيّا، فقد ارتبط بالعقيدة وبالسُنّة الثقافيّة الإسلاميّة.

ويكرّس إثبات صفة "العلم الإسلامي" في التفسير محوريّة النصّ المقدّس في الضمير الإسلامي على مستويات العقيدة والسلوك والأخلاق. لذا جاء تفسير الزمخشري على شاكلة ما سبقه من التفاسير القرآنيّة، وربّما هذا ما يفسّر قبول الأوساط السُنّيّة "الكشّاف" واحتفاءها به رغم اعتزاليّة صاحبه.

ولكن إذا ما تجاوزنا حدود المنظومة الإسلاميّة، وهي على هذا القدر من التماسك والانسجام بين العناصر المكوّنة لها، فإنّ التفسير القرآني يبقى مفتقرا إلى خصائص ومميّزات يمكن أن تجعل منه علما بالمعنى الدقيق للكلمة. فلا مجال للحديث ههنا عن موضوعيّة المفسّر في تعامله مع النصّ القرآني، ولا مكان للتأويل القاطع الضامن لإجماع ضمائر المسلمين عليه.

هكذا، فإنّ الزمخشري – وهو يحاور هذا "النصّ الرمزي" في أصله – أنتج تفسيرا له خصائصه الدقيقة، ولكنّه يبقى – رغم ذلك- متعلّقا بالضرورة- كسائر العلوم الإسلاميّة – "بإنتاج بشريّ تاريخيّ يسعى إلى الوفاء لذلك النصّ المقدّس، ولكنّه في الآن نفسه يؤوّله ويوظّفه ويوجّهه حسبما تقتضيه الظروف التاريخيّة ومصالح الفئات التي تتنازع التأويل، وما تسمح به الآفاق الذهنيّة والأطر الثقافيّة والمعرفيّة في تلك الظروف".[15]


[1]ـ الكشّاف، ج 1، ص 247

[2]ـ انظر: الكشّاف، ج 1، ص 333

[3]ـ الكشّاف، ج 2، ص 27

[4]ـ الكشّاف، ج 2، ص 28

[5]ـ الكشّاف، ج 1، ص 216

[6]ـ الكشّاف، ج 1، ص 166

[7]ـ الكشّاف، ج 2، ص 9

[8]ـ الكشّاف، ج 1، ص 442

[9]ـ الكشّاف، ج 1، ص 92

[10]ـ الكشّاف، ج 1، ص 191

[11]ـ الكشّاف، ج 1، ص 304

[12]ـ الكشّاف، ج 2، ص 10

[13]ـ الكشّاف، ج 2، ص 38

[14]ـ الكشّاف، ج 2، ص 33

[15]ـ عبد المجيد الشرفي، لبنات، الطبعة الأولى، دار الجنوب للنشر، تونس 1994، ص114