التنبؤ بــ "يوم الرب" في الإرث النبوي اليهودي

فئة :  مقالات

التنبؤ بــ "يوم الرب" في الإرث النبوي اليهودي

إنّ التنبؤ بالآتي سمة من سمات العرافين والناظرين في حركة الأفلاك والنجوم، بيد أنّ أسفار "العهد القديم" نسبت إلى جملة من الأنبياء نبوءات كثيرة قائمة على الإنباء بالآتي، سواء تعلّق ذلك بالأفراد أم بالجماعة، وتعدّ هذه السمة مميزة لأنبياء ما قبل السبي، وقد انقسمت نبوءاتهم إلى قسمين:

· قسم يخبر بالخراب والدمار الذي يلحق بأورشليم

· قسم فيه تفاؤل بالآتي، إذ يأتي "يوم الرب" الذي ينتصر فيه الرب الإله للمخلصين من بني إسرائيل.

وفي هذا المبحث، نقف على جملة من النبوءات قصد تبيّن مدلولات رؤى النبي وما تضمنته من رموز، وما احتوته من إحالات على الواقع المعيش للنبي ولجماعة بني إسرائيل. وقد نظرنا في تحليلنا لدلالات "يوم الرب" في جملة من تجارب أنبياء ما قبل السبي أمثال (حزقيال ويوئيل وحبقوق وناحوم وعوبديا وإرميا وزكريا وملاخي وحجي)، وقد تعاملنا مع تجاربهم النبوية باعتبارها نبوّة واحدة، وذلك لكثرة القواسم بينها، مركّزين على تجربة كلّ من حزقيال Ezekiel([1]) (حوالي 593ـ570 ق.م) وإرميا Jeremiah (حوالي 626-586 ق.م).

ويعدّ حزقيال أهم أنبياء فترة ما قبل السبي، وذلك بالنظر إلى طبيعة نبوءاته ومضامينها، إذ أخبر بخراب أورشليم ودمارها[2] وقد قسّم الدّارسون نبوته إلى فترتين:

-الأولى كانت في القدس قبل السّبي،

-والثّانيّة تمّت في بابل؛ أي أثناء السّبي من593 ق.م إلى 570 ق.م

ففي فترة إقامته في القدس، وجّه أصابع الاتّهام لليهود ساكنيْ المملكة الجنوبيّة لارتكابهم الشّرور، ولثقتهم المفرطة في نجاتهم من السّبي البابليّ، وقد اقتبس حزقيال من نبواءت هوشع صورة "الزّنا" محمّلاً إيّاها دلالات مجازية جديدة، فتاريخ الشّعب منذ الخروج إلى السّبي، تاريخ عصيان وتمرّد على اللّه[3]

ولا تخرج نبوءات كل من إرميا[4] وملاخيMalachi (حوالي 450 ق.م)[5] عن هذا الأفق، إذ ركّزا على مسؤولية بني إسرائيل عن كل ما يحلّ بهم، فلقد تنبّأ الأول بالسّبي وبالعودة منه، إذ أعلن أنّه سيأتي يوم تسقط فيه أورشليم بيد البابليين، وقد عرفت دعوته معارضة شديدة من قبل أوساط اجتماعيّة يهوديّة مختلفة، بالنّظر إلى مضامينها الإصلاحيّة الّتي كانت تروم ترك عبادة الآلهة الأخرى. أمّا الثاني فلقد تميّز بأمرين؛ أوّلهما تنبؤه بقدوم المسيح وإيليا[6] وثانيهما توبيخه للكهّان على تراخيهم في تنفيذ أوامر الشّريعة فيما يتعلّق بطقس القربان وشروط العشور، فالكهّان يقدّمون إلى اللّه ذبائح بها عيوب ويُؤثرون أنفسهم بالسّليمة، وهم لا يطبّقون الشّريعة، وإنّما ينشرون التّعاليم الخاطئة بين النّاس. أضف إلى ذلك دعوته إلى تجنّب الزّواج بالأجنبيّات.

من الواضح أنّ التنبؤ بقدوم المسيح قد انطوى على نفس تفاؤلي من مظاهره الإخبار بالعودة، وقد وظّف النبي حزقيال ذلك لشدّ أزر المتّقين؛ فكثرت عنده الرّؤى المبشّرة بقرب الخلاص، ويتحقّق ذلك في "يوم الرب" الذي يقطع فيه يهوه عهداً جديداً مع شعبه، إذ يكتب يهوه الشريعة على القلوب بدلاً من الألواح الحجرية، مؤسساً بذلك أورشليم الجديدة.[7]

وفي هذا المجال نشير إلى أنّ الفكر الديني قد قام على قاعدتين متوازيتين، هما:

1. الإقرار بخراب ديار الأعداء، إذ تدمّر أدوم في نبوءات عوبديا Obadiah (حوالي 450ق.م)لأنّها لم تسارع إلى مساعدة "أورشليم" ساعة محنتها، وعند ناحوم[8] Nahum (حوالي 633ق.م) تدمّر مدينة طيبة المصريّة وتسقط نينوى، عادًا الرّبّ الإله هو الّذي يتحكّم في التّاريخ، فهو المُسيّر له وفق إرادته.

2. ضرورة إعلان التوبة، من ذلك أنّ النّبي صفنيا Zephaniah(حوالي 630ق م)[9] قد أكّد أنّ الفقراء هم من سيرثون الأرض، وأنّ كلّ الأمم سـتعود إلى الإله وفي مقدّمتهم بقيّة جمـاعة إسرائيل، وآنذاك تصبح هذه الجماعة مقدَّسة، لأنّه سيجمعهم ويصيِّرهم تسبيحةً في الأرض كلّها، ويحكم وسطهم ملكاً في وسط شعبه.[10] بذلك جمع الأنبياء - لاسيما حزقيال - بين تحقّق الخلاص ومسؤوليّة الفرد عن أفعاله[11].

وقد فسَّر حزقيال الغرض الإلهي من شتات اليهود بأنّه نشر العدالة في العالم، وقد توسّع في البعد الكوني لـ "يوم الرب" النبي إرميا الذي نادى إلى تبنّي قيم عامة مثل التّقوى، متجاوزاً بذلك البعد القوميّ الضيق الّذي ميّز أغلب الأنبياء من اليهود، أمثال يونان. وقد غلب على نبوّاته الفواجع والكوارث.

وما يلفت الانتباه في هذا المجال، أنّ نبوّته تجاوزت فكرة الإله القوميّ الخاص ببني إسرائيل، إلى الحديث عن إله عالمي؛[12] فالأمم الأخرى ستعرف بأنّ آلهتهم كاذبة لا قيمة لها، حينئذ يهرعون إلى عبادة يهوه.[13]

وفي المقابل نجد أنبياء آخرين، مثل حبقوق[14] Habkuk(حوالي 605ق.م) وصفنيا اللذين اتخذا مواقف سلبية من الآخر، إذ كثرت عند الأول الشّكوى إلى اللّه، إذ لا معنى عند حبقوق لمعاقبة إسرائيل على يد البابليين، فهل البابليون أفضل البشر؟ أمّا الثاني، فقد وصف يوم الإله باعتباره يوماً ساخطاً، وفيه تتمّ الدّينونة ومعاقبة الأشرار، وهو عقاب شامل لليهود وغيرهم[15] وفيه تسقط الوثنيّة.

من البيّن أنّ الفكر الديني اليهودي قد صوّر "يوم الرب" تصويراً يعبّر عن الواقع السياسي والاجتماعي والنفسي لجماعة إسرائيل من جهة، ومن جهة أخرى أخـبر عـن مواقف هـذا النـبي أو ذاك من الآخر، على أنّ ما يجمع بين تلك النبواءت أنّها لم ترَ في "يوم الرب" يوم يقع في زمن أخروي. أضف إلى ذلك أنّ المسيح الذي تحدّثت عنه بعض الأسفار النبوية لم يكن إلاّ مخلّصاً مرتقباً يعيد إلى الجماعة بريقها المفقود.

* سمية المحفوظي باحثة تونسية


[1]. «حزقيال/ يحزقئيل» اسم عبري معناه"الإله يقوِّي" وهو واحد من الأنبياء الكبار وقد عاصر نبو خذ نصر، وقد ظهر النّبيّ حزقيال في آخر أيّام النّبي إرميا، وقد كان شديد التّأثّر به، بل إنّ نبوّة حزقيال تعدّ امتدادا لنبوّة كلّ من إرميا وهوشع في الأسلوب والمضمون، إذ عمل حزقيال على شرح نبوّة إرميا والتّوسّع فيها من جهة، ومن جهة أخرى عمد إلى استلهام جملة من الصّور الواردة في نبوّات هوشع .

Bailey(Adriana):Ecole Biblique, traduction par Christine Lalier, édition,G.P.Maisonneuve, Paris, P119.

ويشير "العهد القديم" إلى أنّ حزقيال كان كاهنا أوّل عهده، فهو ينتمي إلى عائلة كهنوتيّة، (العهد القديم، سفر حزقيال 1/3) وهي عائلة صادوق الكهنوتية من قبيلة إفرايم من سبط لاوي، وقد حُمل في السّبي الّذي تمّ سنة 597 ؛ أيْ بعد نفي دانيال بثماني سنين، وقد تنبّأ نبوءات تتعلّق بالأمم الأخرى (موآب، مصر، آدوم، فلسطين، صيدون، صور، عمّون) (العهد القديم، سفر حزقيال من الأصحاح 25 إلى الأصحاح 30)

[2]. إنّ هذه النبوءات جعلت الباحث المصري عبد الوهاب المسيرى يذهب إلى"أنّه نُفي قبل التّدمير النّهائي للقدس (586ق.م)"، وفي المقابل يرى بعضهم أنّه كان من المسبيين مع الملك يهو ياكين، اُنظر المسيرى (عبدالوهّاب): موسوعة اليهود واليهوديّة والصّهيونيّة (الموسوعة الكاملة)، سبعة مجلّدات، دار الشّروق، ط3، القاهرة مصر، 2003، مج5، ص92.

[3]. العهد القديم، سفر حزقيال 20/1- 38.

[4]."إرميا/إرميا هو"اسم عبري يعني "الإله يُؤسّس". والنّبيّ إرميا هو ابن الكاهن حلقيا، عاصر يوشيا ويهوياقيم ويهوياكينوصدقيا في المملكة الجنوبيّة (op cit),P136. Bailey (Adriana); Ecole Biblique وقد جاءته النّبوّة، وهو ما يزال حدثا، وقد ظهرت أولى نبوءاته في عام 627 ق.م في عهد الملك يوشيا، وقد دعاه اللّه عبر الرّؤيا، وأخبره الرّبّ بأنّ اليهود سوف يرفضونه. وتشير حنّا سليمان إلى وجود صلة بينه وبين البابليين، ر اجع ص383 من قاموس أنبياء العهد القديم

Solomon(Jana):les Prophètes de L'Ancien Testament,traduction Carl Gustav, 2ém Ed,Bordas, Paris ,1999.،

إذ "نصح إرميا العبرانيين بعدم الوقوف في وجه الغزاة، وهو موقف فسّرته الطّبقة الحاكمة يومها بالتّواطؤ مع العدو، وناصبته الأسرة الكهنوتيّة العداء بسبب موقفه المُقوّض لنفوذها، فاتّهموه بالانضمام إلى العدو وسجنوه في قبو، بيد أنّ الملك أمر بالإحسان إليه إلى أنْ سقطت القدس في يد البابليين الّذين أحسنوا معاملته. ومع مقتل جداليا، (جداليا ابن اخيقام بن شافان أحد القائمين بأمر أورشليم بعد العودة من السّبي. عبد الملك (بطرس): قاموس الكتاب المقدّس، دار الثّقافة، ط 1، القاهرة مصر، (د.ت).

(سبق ذكره)، ص253) قرر العبرانيون الفرار إلى مصر، وكان إرميا من بينهم. وقد استمرّت نبوءاته في مصر. وكانت آخـرها أنّ اللّعنة سوف تحلّ على يهود مصر لعبادتهم الأوثان. (العهد القديم، سفر إرميا 43، 44). على أنّ ما ميّز نبوته تركيزها على مسؤولية الفرد في الجانب الأخلاقيّ، وتأكيده أهمّيّة الجانب الرّوحي، فلا قيمة للقرابين لأنّ اللّه لا يطلب الذّبائح فحسب، بل يطلب الطّاعـة والإيمان الصّادق ( ُنظر إرميا 7/21ـ23) وهو لا يرضى إلاّ عن ذبائح المطيع له (اُنظر إرميا 17/24-27)

ولا معنى للتّابوت ما لم يكن دالاً على إيمان الشّعب، بل سيأتي وقت لا يُذكَر فيه (العهد القديم، سفر إرميا 3/16). فالعبرة بما يخالج الإنسان من إيمان صادق، (العهد القديم، سفر إرميا 17/10، 20/12) وليس في ما يُظهر من تقوى والتزام بأوامر الشّريعة ونواهيها. بل على الشّعب أنْ يكتب شريعة الرّبّ في القلب.(العهد القديم، سفر إرميا 24/7.)

[5]. أجمعت المصادر الّتي تناولت سيرة النّبيّ ملاخي على أنّه عاش بعد بناء الهيكل الثّاني، إذ يعدّ ملاخي آخر أنبياء "العهد القديم"، وقد جاء بعد حجّي وزكريا، وهو من معاصري نحميا، ويعتبره البعض النّبي بعزرا،( اُنظر عبد الملك (بطرس): قاموس الكتاب المقدّس، (سبق ذكره)، ص913..في حين رأى البعض الآخر أنّ «ملاخي» ليس اسم عَلَم وإنّما صفة اتّصف بها واضع السّفر. Solomon (Jana): les Prophètes de L' Ancien Testament, (op.cit), p321

[6]. العهد القديم، سفر ملاخي 4/5.

[7]. العهد القديم، سفر حزقيال 40/48

[8]. اسم عبري معناه «المُعزَّى» (صيغة اسم مفعول)، وناحوم هو واحد من الأنبياء الصّغار من أنبياء يهوذا، وهو من قوش وقد بالغ في إبراز دور الخطيئة في تدهور أوضاع الفرد والجماعة، مرجعا إليها جميع ما حلّ بجماعة إسرائيل. أمّا من النّاحية الأسلوبيّة، فقد تميّز سفر ناحوم بدقّة الوصف والإفراط في استخدام الرّموز مثل مأوى الأسد، والبغي، والجراد، والتّين... اُنظر ارتباط البعد الرمزي في أسفار أنبياء ما بعد العودة من السّبي في عبد الملك (بطرس): قاموس الكتاب المقدّس، (سبق ذكره)، ص44).

[9]. صفنياه اسم عبري معناه "يهوه يستر"، نبي يعود نسبه إلى الملك حزقيا، وتشير أغلب القواميس المختصّة في الدّيانة اليهوديّة إلى وجود اختلاف واضح في تحديد تاريخ ظهور صفنيا (راجع في مسألة اختلاف علماء اليهوديّة حول تواريخ ظهور بعض الأنبياء ظاظا (حسن) الفكر الدّينيّ الإسرائيليّ أطواره ومذاهبه، معهد البحوث والدّراسات العربيّة، (دون مكان)، 1971، ص50 وما بعدها)، فهو عند البعض جاء قبل حبقوق، ويشير البعض الآخر إلى أنّه معاصر لحبقوق 630624. على أنّ المُتّفق عليه أنّ هذا النّبيّ من أسرة نبيلة في المملكة الجنوبيّة. وقد تنبّأ في السّنين الأولى من حكم يوشيا.

(op cit),P136. Bailey (Adriana) ;Ecole Biblique voir

[10]. العهد القديم، سفر صفنيا 3/14.

[11]. العهد القديم، سفر حزقيال 33 /1-20.

[12].العهد القديم، سفر إرميا 3/17.

[13]. العهد القديم، سفر إرميا 16/19ـ20.

[14]. «حبقوق» اسم عبري معناه"يعانق"وحبقوق أحد الأنبياء الصّغار، كان مغنيّا في الهيكل ثمّ تنبّأ في المملكة الجنوبيّة، (العهد القديم، سفر حبقوق 3/16-19) خلال القرن السّابع أثناء الحصار الكلدانيين/البابليين، ومن أهمّ مضامين نبوته مناداته بالتّوبة، فالبار بإيمانه يحيا في تصوّر حبقوق (العهد القديم، سفر حبقوق 2/1-4).على أنّ ما يميّز نبوته فيما يتعلّق بمجال دراستنا وصفه لظهور اللّه في المستقبل"يوم الرّبّ" (اُنظر الأصحاح الثالث من سفر حبقوق من العهد القديم).وقد اختلف المهتمّون باليهوديّة القديمة في شأن هذه النبوءات، فرأى فريق أنّها مجرد إخبار عن انتصار اللّه لشعبه في الدّنيا بإهلاك أعدائهم، ورأى فريق آخر أنّ الأمر يتعلّق بعالم الآخرة.

[15]. عوبديا اسم عبري معناه "عبد يهوه".