الثورة التونسيّة بعد ثلاث سنوات... المخاض العسير

فئة :  مقالات

الثورة التونسيّة بعد ثلاث سنوات... المخاض العسير

في هذا الشهر، تكون قد مرّت على الثورة التونسيّة ثلاث سنوات. وفي هذه المحطّة التاريخيّة الفريدة التي ميّزت تاريخ تونس المعاصر، تجول بالخلد العديد والعديد من الأسئلة المتعلّقة بالأوضاع السياسيّة والأمنيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، التي تشهدها تونس الآن. ولعلّ الكثير من تلك الأسئلة يبقى بلا إجابة، في ضوء تضارب المعطيات والمعلومات حول الحدث نفسه. فإلى الآن، لا أحد يملك الحقيقة الكاملة، والرواية التاريخيّة الثابتة، عمّا حصل يوم 14 يناير 2011، ولكن الأهمّ من ذلك في تقديري، هو السؤال عمّا تغيّر في تونس بعد "الثورة"، على جميع الأصعدة المذكورة أعلاه. ومن هذا السؤال الكبير والجامع تتناسل الأسئلة وتتوالد نحو: هل إنّ تونس سائرة في الطريق الصحيح الذي يحقّق لها مطالب الثورة وشعاراتها، لحظة اندلاعها منذ ثلاث سنوات؟ ثمّ ما هي العوائق والرهانات التي تهمّ هذه الثورة؟

لاشكّ في أنّه بعد مرور هذه السنوات الثلاث، حقّقت تونس جملة من المكاسب التي ينبغي تثمينها وصيانتها وتعزيزها، وهي مكاسب قابلة للتجويد، ولتجاوز ما يمكن أن يعلق بها من أخطاء أو نقائص أو تعثّر في مسار تحقّقها، واندراجها في الواقع التاريخي الحيّ والمعقّد. ومن تلك المكاسب نذكر ما عرفته البلاد التونسيّة من حراك سياسي حقيقي، سواء من السلطة الحاكمة وقوى المعارضة بمختلف تشكيلاتها، أو بين الثالوث الحاكم في ما بينه (حكومة الترويكا) أو كذلك بين سائر الأحزاب المعارضة. فهناك حالات من الدفع والجذب، ومن المناورات والتحالفات والتوافقات أو حتّى التنازلات "المؤلمة" أو "غير المؤلمة"، وهو ما يؤكّد أنّ تقييم أيّ خيار أو موقف سياسي ينبغي تنسيبه، والنظر إليه من زوايا مختلفة، بل إنّ السياسة الممارسة من السلطة الحاكمة لا يمكن أن تكون مجدية، وتلقى مشروعيّة القبول من فئات الشعب الواسعة، إلاّ إذا كانت عيون المعارضة تترصّدها على الدوام، حتّى لا تحيد عن الطريق الصحيح، طريق تحقيق قيم الثورة من حريّة وكرامة على وجه الخصوص.

ورغم كلّ ما سبق قوله، فإنّ الخطاب السياسي السائد اليوم في تونس لم يرق إلى مستوى تطلّعات النخبة المثقّفة، وعموم الشعب على حدّ سواء، بل إنّ لغة هذا الخطاب كثيرا ما تنزل إلى مستوى متدنّ، يعكس عدم تمرّس المهتمّين بالشأن السياسي، والفاعلين فيه بتقاليد الممارسة السياسيّة المعروفة في الأنظمة الديمقراطيّة العريقة في العالم الغربي. والرأي عندي، أنّه في الفترات الانتقاليّة التي تمرّ بها البلاد بعد الثورة، التي أطاحت بالاستبداد رأسا ولم تطح به منظومة، ينبغي أن يلتفّ جميع الفاعلين السياسيّين، سواء من كان منهم في الحكم أو في المعارضة، حول ما يحقّق الوحدة الوطنيّة، وما يصون أمن البلاد ويحقّق مطالب الثورة من مستوى الشعارات المرفوعة إلى مستوى الفعل التاريخي. ومن البديهي أن يكون السير، طيلة هذه الفترات الانتقاليّة، محفوفا بالمخاطر والصعوبات، وبالاهتزازات غير المتوقّعة حجمًا وتواترًا، وما يترتّب عليها من نتائج وتداعيات. ذلك أنّ تصفية الحساب مع الإرث الاستبدادي الثقيل يحوج إلى توفير شروط تحقيقها، من نحو تفعيل سياسة العدالة الانتقاليّة، ومن قبيل ضمان استقلاليّة القضاء وكلّ القائمين على شأنه، وما يعنيه ذلك من فصل تامّ بين الحزب (أو الأحزاب الحاكمة) والدولة، باعتبارها مؤسّسة بالمعنى الاصطلاحي للكلمة في القاموس السياسي الحديث والمعاصر.

ولئن عرفت تونس، خلال السنوات الثلاث الماضية، مآزق بل أزمات سياسيّة حادّة كادت تعصف بالبلاد، خاصّة بعد اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمّد البراهمي على التوالي، في 06 فبراير 2012 و 25 يوليوز 2013، وما استدعاه ذلك من تحويرات حكوميّة جزئيّة تحت ضغوط الظرف والمعارضة، فإنّ الوضع السياسي الراهن يتطلّب الإسراع في إنجاز خارطة الطريق التي اقترحها الرباعي الراعي للحوار الوطني، من أجل وضع حدّ لهذا المسار الانتقالي، والمرور من ثَمّ إلى المحطّة المقبلة التي من المؤمّل أن تشهد انتخابات برلمانيّة ورئاسيّة، في ضوء القوانين الجاري بها العمل في الدستور التونسي الجديد، الذي هو قيد التشكّل والإنجاز. وفعلا، فإنّ الأمل في إجراء انتخابات نزيهة وحرّة وشفّافة أصبح كبيرا، خاصّة بعد أن تكوّنت الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات.

ولكن، ما قلته للتوّ عن مكاسب أو صعوبات عرفها الوضع السياسي في تونس ما بعد الثورة، فإنّه لا مناص لي من القول إنّ التاريخ لن ينسى أبدا أنّ عامّة الشعب التونسي وقع ضحيّة مغالطة كبرى، يوم هبّ إلى انتخاب أعضاء المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر 2011، وهو مقتنع أنّه يقوم بذلك من أجل مهمّة واحدة لا غير، هي وضع دستور الجمهوريّة الثانية في حيّز زمني لا يتجاوز السنة، مع تشكيل حكومة تصريف أعمال طيلة المدّة المذكورة، وما يستوجبه ذلك من اختيار وزراء وكتّاب دولة تيكنوقراط، وعدم وضع السلطة الحاكمة يدها على أجهزة الدولة ومؤسّساتها الحيويّة، عبر التعيينات القائمة على الولاء الحزبي، دون اعتبار الكفاءة المهنيّة أو التسييريّة. غير أنّ ما تمّ في الواقع هو عكس ذلك تماما.

والذي يحزّ في النفس حقّا، أن تستمرّ معاناة أهالي ضحايا الثورة وجرحاها إلى اليوم. وهي بالأساس معاناة نفسيّة عميقة، إذ لم يقع ردّ الاعتبار إليهم في ظلّ الإفلات المؤقّت، وقد يتحوّل مع الأيّام إلى المؤقّت الأبدي، لمرتكبي تلك الجرائم والاعتداءات، وهو وضع تسبّبت الأحزاب الحاكمة في وجوده واستمراره قائما. وفي ضياع الوقت بهذه الصورة غير المقبولة، تتعاظم احتمالات طمس الحقائق، واختفاء الملفّات المتعلّقة بهذه القضيّة، بل قد تصبح مسألة شهداء الثورة وجرحاها مجرّد حدث تاريخي يتمّ استدعاؤه في الاحتفالات الرسميّة، من خلال ديباجات الترحّم على شهداء الوطن وتلاوة الفاتحة عليهم؛ ففي السياسة كلّ شيء قابل للمتاجرة والتوظيف البراغماتي، حتّى أرواح الشهداء.

وحينما نلتفت إلى المشهد الإعلامي التونسي بعد مرور ثلاث سنوات على الثورة، نقف على ما يميّزه من كسب لا يقدّر بثمن، ألا وهو حريّة التعبير في مختلف وسائل الاتّصال المكتوبة والمسموعة والمرئيّة والإلكترونيّة. وهذا ما يكرّس فعلا الحاجة اليوم إلى حقّ الاختلاف في الرأي، دون إقصاء أو تصنيف الناس إلى وطنيّ وغير وطنيّ أو إلى مسلم وكافر. فالذي يجمع بين عامّة المجتمع في التعبير عن رأيه، هو الالتزام بحقوق الإنسان في الرأي والضمير والمعتقد. وغير خاف، أنّ في تعدّد الأصوات والآراء واختلافها تكريسا لنسبيّة المعرفة والاجتهاد البشري، وقابليّة كليهما للمراجعة والنقد المستمرّين. ولكنّ حريّة التعبير تبقى، رغم كلّ شيء، مشروطة باحترام حقوق الآخر وحرّيته، وعدم الاعتداء عليها، كلّ ذلك في كنف القوانين الضامنة لمدنيّة الدولة وسيادتها. ومن ثمّ ينبغي التنبيه إلى ما عرفته تونس في سنوات ما بعد الثورة، من انفلات إعلامي تعدّدت أشكاله ومقاصده، وهو ما يدعو جميع القائمين على قطاع الإعلام، إلى التحلّي بالمسؤوليّة وبالحسّ المدني اللاّزم، وذلك بالتزام الحياد والموضوعيّة؛ وهذا ما ينبغي أن ينطبق في المقام الأوّل على وسائل الاتّصال المستقلّة، وغير المتحزّبة، والتابعة للمرفق العمومي. ومن المهمّ جدّا، أن يكون هذا القطاع تحت إشراف الهيئة المستقلّة للاتّصال السمعي والبصري، ممّا يعني ضرورة الاستغناء عن وزارة أو حتّى كتابة الدولة للإعلام.

إنّ المخاض العسير الذي تمرّ به تونس على الصعيد السياسي خاصّة، ألقى بظلاله على الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة بالبلاد. إذ لم يتحقّق من مشاريع التنمية الموعودة إلاّ القليل القليل، بل استفحلت البطالة في صفوف الشباب خاصّة، وانسدّت آفاق العمل أمامهم، كلّ ذلك في سياق اقتصادي عرف أزمات متتالية، بسبب غياب الحوكمة الرشيدة وتغلغل مافيا التهريب وغيرهما من الأسباب، أدّت إلى ارتفاع الأسعار بوتيرة منقطعة النظير، وما ترتّب عليه من تدهور مطّرد للمقدرة الشرائيّة لدى قطاع كبير من عموم الشعب. ولم يعد من الممكن اليوم الحديث عن وجود طبقة متوسّطة في تونس.

ومهما يكن من أمر، فإنّ مختلف الفرضيّات التي يمكن أن تؤول إليها الثورة التونسيّة، بعد انقضاء ثلاث سنوات من اندلاعها، تبقى واردة وقائمة، إذ الأبواب اليوم مشرعة أمام احتمالات النجاح أو الفشل بنسب متفاوتة. فتونس اليوم لم تصل بعد إلى برّ الأمان، ولكنّها، رغم المصاعب والأخطاء والتعثّر في المسار، قد قطعت شوطا مهمّا في الوصول إليه، وها هي تراه على مرمى حجر منها؛ وهو ما يعني، أنّه لا يزال أمام تونس الكثير من الاختبارات التي يجب اجتيازها، بتوفيق يصنعه الفاعلون السياسيّون وممثّلو المجتمع المدني، ويحميه الرأي العام من كلّ مهالك الإيديولوجيا، ومن الحسابات السياسويّة الضيّقة. والأمل كلّ الأمل أن تحيي تونس الذكرى الرابعة للثورة في مستهلّ سنة 2015، وقد وضعت، وإن يكن ذلك بولادة قيصريّة، مواليدها من الحرّية والكرامة وقيم المواطنة وحقوق الإنسان، موفوري الصحّة والعافية، ومكتملي الخلقة.