الثورة الديموقراطية

فئة :  قراءات في كتب

الثورة الديموقراطية

1- توطئة:

يقال عادة: "الثورة تجُبّ ما قبلها", ولكن ما لا يقال عادة هو أن ما بعد الثورة يجُبّ الثورة. وبما أن الثورة تكون مسبوقة بنظرية، وإلا ستكون عبارة عن انتفاضة أو سخط شعبي أو عصيان مدني أو إضراب، أو ما شابه ذلك؛ فلابد أن تتضمن تلك النظرية عناصر طوباوية لامحالة، لأن الحلم بمستقبل أمة أو شعب، عادة ما يكون خِلْوًا من العناصر المثبطة للعزائم، لئلا تفتر الهمم وتخور الدوافع والمحفزات. والثورة, أيّة ثورة, تراهن على الكمال والاكتمال, لذا فهي ترفع من سقف المطالب إلى حد يعجز معها الثوار أنفسهم عن تحقيقها بالجملة، إذ بُعيد استلام السلطة تطفو المعيقات على سطح الواقع, وهي معيقات من طبائع مختلفة، سياسية واقتصادية واجتماعية. وأمام بوادر الفشل التي تهدد الآمال والطموحات, يبدأ زمن الانشقاقات يلوح في الأفق, مما يؤدي إلى تصدع الصفوف وحدوث الخلل في تراصّها. وهكذا يتشكل قاموس لغوي جديد يتم تداوله في العلن، بعد أن كان هذا التداول يتم سرًا، يجعل من الخيانة والردة والانقلاب على المبادئ غذاءه وزاده اليومي, ومن ثم ينتقل الصراع إلى حلبة جديدة يتواجه فيها من يفترض أنهم "أبناء الشهداء" مع من يفترض أنهم "أبناء الخونة". وهذا الشرخ لا يمكن رأب صدعه والعودة به إلى نقطة البداية, لأنه شرخ ترسخت قاعدته الاقتصادية وتصلبت قناعاته الإيديولوجية. وتظهر النتيجة من خلال ولادة مجتمع جديد, تتحدد ملامحه بتباين مصالح فئاته وتبوئ أفراده مناصب ووظائف تجلب معها امتيازات ليس من السهل التخلي عنها ولو توفرت الإرادات الطيبة.

بيد أن للوحة وجها آخر مشرق، ويتمثل في مكتسبات الثورة, وعلى رأسها الانتقال من نظام قديم إلى نظام جديد، ينهار نظام عتيق ويخلفه آخر حديث, يستجيب في الغالب لظروف العصر ومتطلبات الحاضر. وهذه المكتسبات هي التي تخفى على مدارك الأجيال الجديدة، أعني الأجيال التي لم تعايش الثورة، والتي لا تقوى على التمييز بين مرحلتين مختلفتين تمامًا، أقصد مرحلة ما قبل الثورة ومرحلة ما بعدها. وتميل الطبيعة البشرية إلى تناسي المكتسبات, أو تعتبرها أمرًا يدخل في حكم العادي والمألوف؛ فالأجيال التي تفتح أعينها على نمط معين من الاستهلاك ومستوى من العيش وأسلوب من الحياة, تعتقد أن كل هذا يدخل في مجال المتاح للجميع كأنه الحق الطبيعي. فهل تندّ حالة المجتمع المغربي عن أحوال غيره من المجتمعات الأخرى التي مرت من مرحلة الثورة؟

2- في الحالة المغربية:

للإجابة عن هذا السؤال، أصدر الأستاذ سليم رضوان مؤخرًا كتابًا بعنوان "الثورة الديموقراطية" من منشورات "الجدل" لعام 2013، لكنني سأبدأ من الاستجواب الذي أجري مع المؤلف بالملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي في 20/12/2013، ففي معرض توضيحه لدلالة "ثورة الملك والشعب" يقول: "من قرأ تاريخ المغرب المعاصر بموضوعية وعمق, سيدرك لامحالة القيمة التاريخية والنظرية والسياسية لثورة الملك والشعب. فقد جسدت انهيار المغرب القديم وميلاد المغرب الجديد؛ أي المغرب الذي نحياه اليوم كمواطنين. فقد سقط النظام الاستعماري، رغم تعداد جيشه وعتاده, وتهاوى النظام "المخزني"، رغم طغيان باشواته وقواده, وتلاشي النهج الديني "الطرقي"، رغم دجل شيوخه وأوليائه. وبسقوط تلك الأنظمة, فقد المغرب القديم دعائم وجوده ودوامه." هذا هو الانتقال الفعلي الذي تنجزه الثورة أيًا كانت, والمكتسبات التي تحققها تتحول إلى واقع يومي معيش, ولذلك نخاله داخلاً في حكم المتاح للجنس البشري ككل. إن "المغرب الذي نحياه اليوم كمواطنين", ليس مغربًا معطى، بل هو مغرب تم بناؤه بوصفه منتَجًا للثورة. وهذا البناء لم يأتِ دفعة واحدة, بل تم على مراحل: كانت البداية من الثورة الريفية, "وهي الثورة نفسها، رغم إخفاقها، التي أحدثت أثرًا عميقًا في المجتمع المغربي، وألهمت النخبة الوطنية الجديدة بخوض معركة الاستقلال الوطني" (الثورة الديموقراطية, ص34). لقد رسمت هذه الملحمة الثورية مسارًا للزمن السياسي في خارطة الوعي المغربي, إذ تولدت عنها مواجهة مسلحة بين القبائل والسلطان من جهة والمستعمر من جهة ثانية. كما أماطت القناع عن " شعور وطني كامن يبرز بوضوح أثناء مواجهة الغزو الأجنبي". وهذا يؤكد شيئًا واحدًا, ألا وهو "بطلان الأطروحة الانفصالية التي تفسر مقاومة القبائل الريفية والصحراوية بنزعتها الاستقلالية، وذلك لأن رد فعلها القوي والفوري على المس بالسيادة الوطنية يبرهن على تدفق شعورها الوطني" (ص33).

وإذا كانت الثورة الريفية شهادة على ميلاد الزمن السياسي المغربي, فإن الظهير البربري كان إعلانًا عن ميلاد النضال السياسي، إذ واجه المغاربة هذا الظهير باحتجاجات ومظاهرات ضد الميز الذي كان يسعى إلى إقامة فصل بين إثنيتين وشعبين؛ هما العرب والأمازيغ, بدعوى كونهما "يختلفان في تكوينهما الاجتماعي والسياسي والثقافي". وردًا على ذلك نشأ، حسب سليم رضوان، مفهوم "السياسي في الوعي الوطني تعبيرًا عن وحدة الإنسية أو الشخصية المغربية, وقد توسع هذا المفهوم ليشمل لاحقًا النضال الجماهيري, والنشاط الإعلامي والعمل الديبلوماسي" (ص35). وقد تم تتويج هذا النضال السياسي بظهور "الحزب" الذي أحدث تحولاً عميقًا في الحالة المغربية, لأنه تنظيم يعتمد برامج مضبوطة ويقود تطلعات الشعب وفق رؤية متأنية تدخل العواقب في الحسبان, وترتب الأولويات على مقاس موازين القوى.

وإلى جانب الزمن السياسي الذي حرك بركة الحالة المغربية كان هناك زمن آخر يعرف مخاضًا عسيرًا, أقصد الزمن الديني، إذ "تميزت العلاقة بين الدول المغربية المتعاقبة والزوايا بتقارب شكلي, ينتهي دائمًا بنزاع قوي، فلم تكن الزوايا تنازع السلطان وظيفته الدينية فقط, بل كانت تطمح أيضًا إلى بلوغ السلطة الزمنية، وذلك لأنها كانت إطارًا ينظم ويوجه ويؤطر التذمر الشعبي من جهة, وينتج تمثلات ومعتقدات ورموزًا وسلوكيات اجتماعية من جهة ثانية"(ص37). وهذه العلاقة المتوترة بين السلطة المركزية من جهة والزوايا من جهة ثانية, لم تعرف حلها النهائي سوى مع ظهور السلفية الجديدة، فرغم الإصلاحات الدينية التي عرفها المغرب خلال تاريخه الطويل, إلا أن العقيدة السلفية الجديدة تعتبر "أول ثورة دينية حقيقية"، لأن هذه العقيدة أعادت النظر بشكل جذري في مسألتين أساسيتين: الخلافة الإسلامية والنظام الديموقراطي. وينقل الأستاذ سليم رضوان عن علال الفاسي تأكيده على أن السلفية الجديدة اقتنعت "بضرورة القومية المبنية لا على الروح العنصرية أو الدينية, ولكن على أساس الروابط الإقليمية" (ص39). أما بالنسبة للنظام الديموقراطي, فعلال الفاسي يؤكد مرة أخرى على ضرورة خضوع "الاجتهاد الجديد في التشريع لنواب أكْفاء ضمن مجلس تختاره الأمة, ويصبحون فيه مكان أهل الحل والعقد الأولين. ومعنى هذا أنه لابد من اتباع النظام الدستوري المبني على حكم الشعب, بواسطة من يختاره من نوابه الأكْفاء" (ص40). ويرى سليم رضوان في "هذا الموقف الثوري من قضيتي الخلافة الإسلامية والنظام الديموقراطي قطيعة إبستمولوجية مع النظر الأصولي التقليدي، ذلك أن تكوين كيان وطني مستقل يقوم على أساس ترابي وليس على أساس ديني, نظامه الدستوري هو النظام الديموقراطي التمثيلي. وهذا الموقف في حد ذاته, يعتبر ثورة حداثية تتمثل نظام الحكم في بعدين أساسيين هما الوطن والديموقراطية" (ص40).

لقد أفرز الزمن التاريخي المغربي في الفترة المعاصرة زمنين: أحدهما سياسي وثانيهما ديني، وهذا الإفراز المزدوج تمخضت عنه ولادة جديدة للشعب المغربي اتخذت لنفسها اسمًا وعنوانًا: ثورة الملك والشعب. فما هو المصير الذي آلت إليه هذه الثورة؟

3- مصير ثورة:

تنجز كل ثورة ناجحة مهامها بنسبة معينة, ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنجز جميع الوعود التي بشرت بها أو مجمل المبادئ التي سطرتها، حصل ذلك مع الثورة الفرنسية ومع الثورة البلشفية, بل حصل الأمر نفسه مع أكثر المبادئ قدسية في تاريخ البشرية. فما الذي حصل مع الثورة المغربية, ثورة الملك والشعب؟ يجيب سليم رضوان في الاستجواب المذكور سابقاً: "لا يمكن الحكم على الثورة ذاتها من خلال الحكم على مسارها بعد ذلك. فما عرفه المغرب من أحداث بعد نشوة الاستقلال الوطني يرجع إلى موازين قوى جديدة, وإلى أزمة الانتقال الديموقراطي بين الاختيار الثوري والتوافق التاريخي، وهي الأزمة التي أدت إلى نشوء الثورة المضادة التي كان من أبرز مظاهرها سنوات الرصاص."

ويعود سبب الأزمة إلى مجموعة من الأخطاء التي ارتكبت أثناء المفاوضات على استقلال المغرب, والتي وصفها المهدي بنبركة بالأخطاء الثلاثة القاتلة؛ القبول بأنصاف الحلول, والصراع في نطاق مغلق, وعدم تحديد هوية الاختيار الثوري. لقد كانت هذه الأخطاء بمثابة "منبع النزاع الذي عصف بالتحول الديموقراطي, فهو الخطيئة الأصلية التي طاردت المشروع الديموقراطي الوطني, والتي أدت في نهاية المطاف إلى إخفاقه. كانت فترة خمس سنوات (1955-1960) كافية لإلحاق الهزيمة بالثورة الوطنية, وبداية عصر الثورة المضادة" (ص53) بيد أن حلم الثورة ظل يراود الأجيال اللاحقة التي أصرت على ضرورة تصحيح مسار الأحداث, وهو الحلم الذي انبثق من صفوف الحركة الطلابية. لقد تأثرت هذه الحركة بالأفكار الماركسية اللينينية التي تشترط توفر مجموعة من العوامل لكي تتحقق الثورة, وعلى رأسها وجود حزب ثوري يقود نضالات الطبقة العاملة, وتوفر هذا الحزب على نظرية ثورية كذلك، هذا ما دفع الحركة الماركسية اللينينية إلى رفض الديموقراطية التمثيلية بدعوى أنها أيديولوجية بورجوازية, وكذا رفض جميع التصورات الأخرى بدعوى كونها، إما رجعية أو إصلاحية أو تحريفية...إلخ، فماذا كان رد فعل النظام؟

لقد "كان رد فعل النظام السياسي على الحلم الثوري [يقول سليم رضوان] قمعًا مفترسًا من خلال حملات منظمة للاختطاف والتعذيب بالمعتقلات السرية, ومحاكمات صورية تصدر أحكامًا جائرة وعبثية تصل في بعض الحالات إلى السجن المؤبد، سلوك النظام السياسي لم يكن متناسبًا, ليس مع الأفعال فقط، لأنها لم تكن موجودة، بل كذلك مع الأفكار نفسها, لكنه كان التعبير المأساوي عن الزمن القاتم لسنوات الرصاص." (ص78) بيد أن مسلسل الإخفاقات المتوالية لا يشمل إخفاق الشعور الوطني, فقد عرف تاريخ المغرب فترات حالكة، بل أكثر قتامة مما حصل بعد الاستقلال، ورغم ذلك يأتي حين من الدهر يستيقظ فيه هذا الشعور الوطني العارم ليعيد التاريخ إلى مجراه، لذلك يحتاج التاريخ الوطني إلى قراءة شمولية بغية إعادة كتابته, قراءة وكتابة تقومان على مبدأ "إدماج الذاكرة الديموقراطية في روايته وتأليفه, قراءة منفتحة على أزمنة الماضي الوطني بأمجاده وإخفاقاته, تعكس بوضوح السيرورة التاريخية والديمومة الزمنية؛ وذلك لأنه بفضل هذه القراءة الجديدة يمكن انبثاق وعي تاريخي وطني بمضمون ديموقراطي". لذلك، يخلص سليم رضوان إلى استنباط رؤية فلسفية تجلي العلاقة بين الوطنية والديموقراطية صاغها على طريقة الحكمة الكانطية, يقول فيها: "الوطنية من دون ديموقراطية هي شوفينية جوفاء, والديموقراطية من دون وطنية هي ممارسة عمياء". (ص83)

4- استشراف المستقبل:

لا يدوّن التاريخ الأحداث على صفحاته بلون العتمات المظلمة وشبح الأقبية السوداء فحسب, لكن ثمة عتبات مضيئة وانفتاحات مشرقة تنتصر فيها قيم العدل والحق والخير ولو بعد حين، ومن بين هذه الانفتاحات التي شهدها تاريخنا المعاصر خلق هيئة الإنصاف والمصالحة, وهي الهيئة التي تتوخى المصالحة مع الماضي بهدف التوجه نحو المستقبل. ويوضح كتاب "الثورة الديموقراطية" الغرض من خلق هذه الهيئة بالقول: "يهدف إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة إلى رفع المعاناة عن ضحايا "سنوات الرصاص" وتحريرهم من عبء المأساة, بل تحرير المجتمع جميعه من عبء الماضي, باعتماد حسن النية وقرينة البراءة وروح الثقة, بهدف طي صفحته بعيدًا عن السجال السياسي واللغو الخطابي ومقارعة الحجة."(ص81).

إذا كانت "هيئة الإنصاف والمصالحة" تمثل مخرجًا ممكنًا لسنوات الرصاص, فما هو المخرج الممكن للأحداث الإرهابية، وعلى رأسها أحداث 16 ماي، التي كادت تعصف بالأزمنة المغربية الثلاث؛ الزمن التاريخي والزمن السياسي والزمن الديني؟

ينبه سليم رضوان في الاستجواب السالف ذكره إلى أن هذه الأحداث الإرهابية تنبع "من فكرة دينية, بل من شعور ديني عميق، وهذا أمر لا يمكن تجاهله بالإشارة إلى عوامل الفقر الاجتماعية أو الإحباط النفسي أو التنظيم الإرهابي". لذلك، يرى أن "تجاوز هذه الوضعية يقتضي إعادة التفكير في الإسلام في السيرورة الديموقراطية، وهذا غير ممكن دون الخروج من مدى الجماعات الدينية, والرجوع إلى الإسلام الكلي."؛ أي أن مفتاح الحل يكمن في الإسلام الكلي, فما هو الإسلام الكلي؟

لنعد إلى كتاب "الثورة الديموقراطية"، ونقرأ فيه ما يلي: "الإسلام كما يقال هو دين وسطي أو دين الوسطية, ولكن كيف يبنى وينتج هذا الموقف الوسطي؟ فهو غير مستخلص من طبيعة الإسلام أو من جوهره, بل من وظيفة الدولة الإسلامية التي تحقق التوازن النسقي, وتعيد إنتاج هذا التوازن عندما يتعرض للاختلال بفعل بدع الجماعات الدينية الإسلامية. إن طرفي التناقض في الحياة الدينية الإسلامية هما الدولة الإسلامية من جهة, والجماعات الإسلامية من جهة ثانية. فإذا كان الإسلام دينًا توحيديًا, فإن وظيفة الدولة هي فرض الوحدة الدينية؛ أي إجماع الأمة الإسلامية التي تعمل الجماعات الإسلامية على تفكيكها من خلال الخروج عنها" (ص113) وقد حقق المغرب هذا الإسلام الكلي الوسطي من خلال "إمارة المؤمنين" من جهة, وتبني المذهب المالكي من جهة ثانية، وهما الشرطان الضروريان اللذان سمحا للغرب الإسلامي بتحقيق الاستقلال عن الخلافة الإسلامية في الشرق, وسمحا للمغرب الأقصى بتحقيق الاستقلالية عن الخلافة العثمانية.

قد يكون التشبث بالإسلام الكلي لدى المغاربة، بديلاً لإسلام الجماعات الهرطوقية، عائدًا إلى شعور وطني وديني عميق, يضرب بجذور بعيدة في الوجدان الشعبي. ويبقى للمؤرخ أن يكشف عن مظاهر فكرة التوحيد في التاريخ المغربي السحيق, وذلك من خلال تقبل أجدادنا للمعتقدات التوحيدية وانصهارهم مع القبائل والشعوب الوافدة الحاملة لتلك المعتقدات، فقد رفض المغاربة عقائد الرومان الوثنية، وتقبلوا بالمقابل عقائد الوندال ذات النزعة الأريوسية الموحدة, كما حدث في الأندلس مع المعتقدات القوطية الغربية الموحدة في مقابل عقيدة التثليت المسيحية الأرثوذوكسية التي رفضها المغاربة. وبهذا المعنى يجوز الحديث عن "ثورة الموحدين المغاربة" أو "ثورة المغاربة الموحدين", وهي الثورة الدائمة التي تفسر، إن قدّر لها أن تدوّن، كثيرًا من الإشكالات والتابوهات التي مازلنا رهائن في حضنها, من قبيل: الهوية والأصالة, واللغة العربية واللغة الأمازيغية, والعرب والبربر, والشرع والعرف، وغيرها. فإذا ما كتب التاريخ فكرة التوحيد لدى المغاربة, فسوف تتصل حلقات التاريخ الوطني في وجدان الأمة, بدل فرض البدايات الوهمية, أو استيراد العقيدة وتوطينها بقوة السيف.