الثورة والكتابة: قراءة في علاقات التداخل

فئة :  مقالات

الثورة والكتابة: قراءة في علاقات التداخل

استرعى اهتمامي الكمُّ الكبيرُ من الكتابات التي توالدت جرّاء ما شهدته المنطقة من متغيرات، حيث الجميع يحاول أن يحلل الأسباب والدوافع، ويحاول الكشف عن المتغيرات، وفضح الأسرار والخبايا السياسية، وفضح العديد ممّا اكتنفته لعبة السياسة غير المدولة في مجتمعاتنا.

ما همّني في كلّ ذلك، تلك المقارنة التي يمكن عقدها بين واقعين؛ واقع الكتابة قبل الثورات وواقع الكتابة بعدها. فأن تكتب قبل الثورات، فذلك يعني أشياء كثيرة، أولها معاكسة واقع الجمود الذي أصاب مستويات التفكير وبناه في تلك المرحلة، ومعاكسة الاتجاهات السائدة التي، وإن تدثرت بالنقد، فإنها تصطف راضية أو مكرهة داخل بنية البارديغم "اليائس" المتحكم في تكوين مسلماتها وآفاقها ورؤاها.

لذلك، كُنتَ قبل أن تكتب عن شيء يمسّ المجتمع ومستقبله وعلائقه السياسية والاجتماعية والثقافية، فذلك يعني أنه ينبغي عليك أن تقوم بمعاودة التفكير ثم التفكير للحديث عمّا قيل بما قيل، ولتقول أنت أيضاً. قد يقع منك القول داخل قوالب وزوايا نقدية مغايرة، لكن دون أن يكون لما تكتب تلك الأهمية المعرفية في الخلق والتثوير، والتي بتنا نتحسّسها فيما يُكتب اليوم.

قد لا يكمن الفارق في عمق المكتوب، لكي لا ننفي الجدّة والأهمية عن كتابات الكثيرين ممن اهتموا بواقع مجتمعنا الكبير، لكن نعتقد بإمكان الفارق داخل أفق الانتظار ومناخ اليأس المستبطن، والأفق المُعتقد بانسداده داخل بنيات التفكير المبدعة لدينا، رغم مدافعتها وإصرارها على التغيير، إلا أنّ صوتاً خفياً ظلّ يجثم على النفوس مُرجعاً إياها لنقطة الصفر في التفكير والكتابة.

الكتابة اليوم، تعني أشياء أخرى؛ ثقافية وسيكولوجية ومعرفية وسوسيولوجية، بدءاً بتجاوز حالات الوسواس القهري المصاحب لكلّ من يكتب بأنّ ما كتبه مرتهن دوماً لواقع مسدود الأفق، مستعصٍ على التغير، فرغم الجدة التي قد تطبع المكتوب، فالإحساس بانسداد المستقبل واللامعنى كانا سيّديْ الأحاسيس الموجهة، رغم كل جرعات الأمل التي يمكن أن يدمن عليها الكاتب آنذاك.

الكتابة اليوم تسير منسجمة وأفق الأمل الممكن، كما تعني الانفتاح على المستقبل، ومحاولة الإسهام في التوجيه لمسار كان الجميع يعتقد بعدم إمكان الإسهام في توجيهه، فرغم أنّ المعطيات وبنيات الوعي التاريخي قد قدمت العديد من التحاليل التي تبين استحالة دوام الحال على ما هو عليه، إلا أننا ورغم كل ذلك تحكمت فينا جوانب سيكولوجية ومعرفية مأزومة، مدعمة براهنيات ورهاب الواقع السياسي والاجتماعي المغلق، راهنيات تدفع باتجاه الانسداد والإحساس بالتوقف واللاجدوى والمحدودية واليأس.

لهذا، ففعل الكتابة الحاصل اليوم يعكس واقعاً مغايراً لتلك البنية الإسقاطية المتشابكة ووضع الدول اللاديمقراطية. واقع الكتابة اليوم، يقرّ بأننا أصبحنا قادرين على الفعل بل ونستطيع، رغم كل العوائق ورغم ضعف ما نملك، أن نوقع تغييراً وأن نغاير معطيات اليأس الذهني/الواقعي المتحكمة فينا لعقود، ونخلق عوالمنا الممكنة/الجديدة.

كما قد يسترعينا ذلك الانسجام الحاصل اليوم بين ما يُكتب وما يعتمل داخل ساحات الفعل السياسي والاجتماعي والثقافي؛ فالحركة لأول مرة تسير بتوازٍ وتكامل يؤثر كلّ منها في الآخر. لا ننفي قصور المكتوب وقلته، إلا أنّ ذلك قياساً على واقعنا السابق يبين عن حركية قابلة للتوافق أكثر والتطور أكثر.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى يسترعيك نمط تفكير الكتابة اليوم في الحلول والمشكلات، وكذلك أشكال تحليلها للاتجاهات والأيديولوجيات وتحليلها للمفاهيم السياسية وإعادة التعرف عليها. فالكتابة اليوم تحاول التعرف بأشكال أخرى على حيثيات المرحلة السابقة وأسباب ارتهانها لما كانت عليه من ضحالة إنسانية، وتحليلها لجدوائيات الفعل الفردي والجماعي، وأهمية الكلمة والفعل والنضال، أهمية الحرية والديمقراطية والسياسة ...إلخ، كأننا نعاود عيش لحظة الاندهاش المعرفية إزاء كل ما اعتقدناه لوهلة مُسلّمة لا تستحق التأمل.

كتاباتنا اليوم، تتناول فاعلاً كان كامناً في ثنايا الفعل المعارض لعقود، ونقصد الحركات الإسلامية. وجه المغايرة في تناولها الحالي أنّ هذه الأخيرة أصبحت تتموقع اليوم في مواضع الحكم والسلطة، أو تشترك فيها على الأقل، ما يقدم العديد من الإمكانات التجريبية للتأكد من صحة الأحكام التي قيلت حول بنى التفكير والفعل عند الجماعات؛ ما يعني تحرّر المكتوب من قيود النظري، والانسجام مع الفعل المنزل على الواقع، والابتعاد عن التخمينات، والقدرة على تجميع التفاصيل والمعطيات والأرقام... إلخ، والمقارنة والاستنتاج، باختصار إنها كتابة عن حياة الفاعل الحركي الإسلامي داخل مجتمعاتنا، لا الحديث عن كمونه ورهاب إمكان انبعاثه المُتحدث عنها سابقاً.

كذلك، فالكتابة بعد الثورة لم تسهم في تعرية الفعل الحركي الإسلامي وحده، ولكن أسهمت بالتوازي في تعرية قابليات الاندماج والفعل عند الفاعليات اليسارية واليمينية الأخرى، في علاقتها بالفاعل الأول. فلأول مرّة تفتح أمام الكتابة لدينا فسحات للفعل السياسي تجسد رؤى المجتمع ورؤى فاعلياته المدنية والسياسية والثقافية. لهذا، ودون حتميات، يمكننا التكهن أننا سنستمتع بما نكتبه عن أنفسنا، رغم قلته، وسنستمتع للمرة الأولى بحياة تغاير الحياة الصورية عندنا، مغايرة في مديات حقيقتها وواقعيتها، وارتهانها بنا قبل غيرنا.

دون أن ننسى، في ختام هذه الأسطر، التنبيه إلى أننا نحكي عن أمل "الكتابة" الذي بدأ ينبعث، نحكي عن قصة جديدة للقول عنا، بأنفسنا نصوغها، وبأنفسنا كذلك نتحمّل مسؤوليتها، كما لا ننفي أهمية أن نتلمس معرفياً بداياتها ونرتقب أفق امتداداتها التي ستغني رمزياتنا الحضارية، وتحقق اكتمال اهتمامنا بإنساننا ومستقبله.