الجدل الدستوري في الراهن العربي

فئة :  مقالات

الجدل الدستوري في الراهن العربي

1- مآزق الراهن العربي في قلب الجدل الدستوري

وضعتنا الأحداث الناشئة في الطور الانتقالي في كل من تونس ومصر، أمام أسئلة نعرف أنها كانت جزءاً من سجلِّ معارك خطابات النهضة العربية. كما نعرف أن فكرنا المعاصر تداول جوانب منها في خطاباته الإصلاحية، دون أن يتمكن من تركيب التصورات ونقط الإسناد الكافية، لبلورة حلول منسجمة مع التطلعات المتشابكة داخل مجتمعاتنا. وقد تبينا ونحن نتابع قضايا الاستقطاب السياسي التي تلت وصول الإسلاميين إلى الأجهزة التنفيذية في مصر وتونس، أن الجدل شمل جملة من القضايا الكبرى من قبيل الدين والدولة، الدولة المدنية الهوية ومرجعيات الدستور بين دعاة الكونية والمنافحين للخصوصية، ثم الإشكالات المتعلقة بمسألة الحريات والحريات الفردية.

وقفنا ونقف في الجدل السائد في القضايا التي أشرنا إليها، على كثير من أوجه الصراع السياسي والثقافي المتواصلين في الفكر العربي. كما وقفنا على أحداث ومواقف جديدة صانعة لمآزق، في زمن نفترض أنه يتجه لرسم ملامح تحول جديدة في بنية الأنظمة العربية. وإذا كنا ندرك بأن سقوط رؤوس الأنظمة، وإن كان يحمل دلالة قوية، فإنه لا يؤدي بالضرورة إلى تجاوز الأوضاع القائمة، وذلك بحكم أن مسؤولية التجاوز، تتعلق اليوم في تصورنا بالفاعلين الذين يدبرون اليوم الطور الانتقالي، سواء منهم الذين يأخذون بزمام الحكم، أو الذين يقفون في صف المعارضة، أو الأطراف الأخرى المتمثلة في الشباب والفئات المهمشة التي كانت طيلة سنة الحدث 2011 في قلب حدث التَّغيير، وتمت زحزحتها من مواقعها الطلائعية، وذلك تحت ضغط التفاعلات التي ساهمت في ترتيب مناخ ومرحلة ما بعد الثورات.

ندرك من مسار التحولات الجارية والإشكالات المواكبة لها، نوعية الكوابح التي اعترضت وتعترض تطور المجتمعات العربية. فقد أعدت دساتير جديدة، بعضها استوعبت بنوده جوانب من المرجعية الدولية لحقوق الإنسان، وبعضها الآخر تضمن بعض مكاسب الجيل الرابع في باب الحريات. إلا أن ما يظل ناقصاً في أغلبها هو الوعي التاريخي بدولة الحق والقانون، ونقصد بذلك الأفق الفلسفي الحداثي المحايث للديمقراطية وقيَّمها.

شكلت ديباجات بعض الدساتير الجديدة مناسبة لبلورة بنية تعاقدية، حرصت على ترضيات جماعية بكلفة إنتاج نصوص دستورية مرحلية، نصوص تُحوِّل الممكن والقائم إلى المأمول، لتقعده في بنود مقيدة بتوافقات الراهن التي يغلب على رؤيتها ذهول واضح عن تطلعات وشعارات الثورة وأناشيدها.

نستعرض بصورة مكثفة جوانب من الإشكالات التي غذَّت معارك الطور الانتقالي في كل من مصر وتونس، وهي إشكالات تنفتح على معارك متشابهة ومؤشرة بقوة على الخصاص الفكري (الثقافة السياسية الديمقراطية) الذي يساهم عند توفره في تعزيز جبهة زحزحة حصون التقليد ويتيح لنا إمكانية تجاوزها.

لا جدال في كون عوائق استكمال خطوات الطور الانتقالي عديدة ومعقدة، إلا أننا نولي عنايتنا هنا للعوائق الثقافية، حيث يسود نقص كبير في هذا المجال في فكرنا المعاصر. ويمكن أن نعلل هذه النقص بالأدوار التسلطية للدولة العربية من جهة، وعدم تمكن النخب السياسية المعارضة من جهة أخرى، من مغالبة التسلط المشار إليه بأشكال من التعبئة السياسية المناسبة لها والقادرة في الآن نفسه، على اختراق الجدران السميكة التي أقامتها دولة التسلط في وجهها. لا يعني هذا التصور، أننا نمنح الثقافة الديمقراطية وحدها، إمكانية إنجاز عمليات النجاح في تجاوز عثرات المرحلة الانتقالية، بل إننا نعتبرها عنصرا مساهما في عمليات توطين مختلف أوجه وأطوار الممارسة الديمقراطية.

ننظر إلى المآزق التي نعاين في الطور الانتقالي العربي من زاوية تاريخية، ونحاول تعقلها في أبعادها المختلفة، بحكم أنها تطرح أمامنا ما يساعد في القيام بعمليات تجاوزها المأمولة. وسنتوقف، أمام أمثلة محددة منها قصد التمثيل والإبراز.

نعتبر أن المعارك التي صاحبت عملية إعادة كتابة الدساتير العربية في كل من تونس ومصر، وقبلهما في المغرب، تضعنا في قلب المأزق السياسي والثقافي لمختلف أوجه الصراع السائد اليوم، في مشهدنا السياسي الانتقالي. وتكشف مختلف الصور التي اتخذتها المعارك الدستورية حدة المعارك السياسية المطروحة وارتباطها بالبعد الثقافي. كما تظهر هشاشة مشهدنا الثقافي، وعسر تمثل النخب لأوليات الأفق الحداثي ومقوماته النظرية والتاريخية.

أصبحت موضوعات سؤال الهوية وإشكالات الدولة المدنية وما يرتبط بها من أسئلة في موضوع فصل الدين عن الدولة، وقضايا الحريات، العنوان الأكبر في سجالات المشهد السياسي العربي، في الزمن الذي تلا فعل انفجارات 2011. صحيح أن الموضوعات المشار إليها طرحت في الفكر النهضوي العربي بصيغ عديدة طيلة القرن الماضي، إلا أن المواقف والصيغ التي تتبلور بها اليوم، في الطور الانتقالي العربي وبموازاة مع مطلب إعادة كتابة الدساتير العربية، يجعلنا نقف على نوعية التحولات التي عرفها النقاش السياسي والدستوري، خاصة وأن وصول الإسلام السياسي إلى الحكم، منح الجدل سياقاً وأفقاً محددين.

إن قوة الجدل الذي صاحب مشروع إصلاح الدساتير، وانفتاحه على أهم الإشكالات السياسية في المجتمعات العربية، وكذا محاولات توسيعه وتعميمه، حيث اتخذ في الإعلام المكتوب والمرئي والافتراضي، صوراً لم نعهدها في السابق. استوعب النقاش مختلف المواقف والتيارات، وبلور جهوداً مهمةً في التصور والبناء، نعتبر أنها راكمت أثراً ستكون له نتائج في ثقافتنا السياسية.

ساهم الجدل الدستوري التي تبلور في الطور الانتقالي، في دفع الفاعل السياسي إلى القيام بتمرين تاريخي سياسي، مُرتبطٍ بضبط قواعد الشرعية السياسية، في مجتمعات نجح فيها الحراك الاجتماعي في إسقاط الشرعية السياسية السائدة.

2- فــي حدود معارك الجدل الدستوري

ساهم وصول الإسلام السياسي إلى سدة السلطة في بلدان انفجارات 2011، في عملية تبلور جيل جديد من الدعاة الذين يخاصمون القانون الوضعي، ويرفضون كونية مدونات حقوق الإنسان، الأمر الذي أجَّج ثنائية معروفة في الفكر العربي المعاصر، نقصد بذلك ثنائية الحداثة والتقليد. وقد ترتب عن الجدل الدستوري الحاصل في ظروف انتقالية، بلورة المرجعيات الناظمة للاستقطاب السياسي، الأمر الذي حوَّل فضاء الجدل المذكور، إلى إطار تاريخي مناسب لإنجاز التوافقات السياسية المطلوبة.

تكشف العناصر الجديدة في السجالات الدستورية، وما تلاها من توافقات عامة، أننا نواجه مؤشرات تتطلب منا كثيراً من اليقظة، من قبيل تجاوز أخطاء الماضي، وبناء أرضية جديدة في تاريخ وعينا الدستوري، بكل ما يحمله من وعي بأهمية التعاقد في السياسة، وأهمية القانون والمؤسسات في عمليات تحديث مجتمعاتنا.

وضعتنا أسئلة تحيين الدساتير العربية أمام أسئلة نعرفها، ومنازلات لم نتمكن فيها من تركيب الاقتناعات التاريخية، التي تسمح لنا بتجاوزها، حيث ما نزال نراوح الخطو بين تقليد راسخ وتحديث معاق. وقد وقفنا بينهما، دون أن نتمكن من تركيب المواقف القادرة على توطين التحديث وخلخلة التقليد، والانخراط المبدع في التاريخ الكوني.

لم تنته المعارك والسجالات التي تبلورت على هامشكتابة دساتير ما بعد ثورات 2011، رغم التوافق الذي حصل على الدساتير المعدَّة في أغلب الساحات العربية. وقد ساهم الفاعلون السياسيون في بناء الصيغ التي تُرضي كل أطراف الصراع، وبدأت تطل معارك أخرى تتعلق بتأويل بنود الدساتير، كما تتعلق بالقوانين التنظيمية وما يتبعها من إجراءات. ورغم كل نقائص دساتير ما بعد الثورات (دستور 2012 والدستور الأخير في مصر، ودستور المغرب 2011، ودستور تونس 2014)، فإن الأمر المؤكد أن الدينامية السياسية والقانونية التي رافقت الجدل الدستوري في أبعادها المختلفة، قد بنت تراكماً نوعياً في الثقافة السياسية الديمقراطية.

وأتصور أن علينا اليوم، أن نطور هذا الجدل بمواصلته، واستكماله بتطويره، ذلك أن معارك الإصلاح والتغيير في التاريخ تتطلب النفس الطويل. وتزداد أهمية هذه المسألة، عندما نكون على بينة من أن طموح القوى الحداثية الديمقراطية في مختلف البلدان العربية، يستهدف اليوم في تجاوب مع روح انفجارات 2011، بناء على دولة القانون والمؤسسات.

لا نريد أن نقترب من القضايا التي أثيرت بمناسبة إعادة كتابة الدساتير العربية، بهدف تحيينها وملاءمتها مع شعارات الميادين في أشهر الانفجار، بل نريد الاكتفاء بالوقوف أمام جوانب من الأبعاد الثقافية، كما انكشفت في السجالات الدستورية وما صاحبها من معارك.

لنقف في البداية أمامالجدل الذي صاحب الدفاع عن حرية الضمير في الدستور التونسي؛ فقد ساعد وجود هذا البند داخل الدستور التونسي، في تقوية بنوده في موضوع الحريات بصورة عامة. كما أن إيحاءات مفردة الضمير بحمولتها الأخلاقية الأنوارية، تضعنا في قلب طريق التحديث.

أثار الفصل المستوعب لمبدإ حرية الضمير معارك لم تتوقف بعد، رغم التوافق الذي سبق إخراج الدستور. فقد رفض السلفيون في تونس البند الدستوري الذي يتضمنه، وطالبوا اعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع. كما ناهض المجلس الإسلامي التونسي، حرية الضمير وطالب بحذفه من الدستور، معتبراً أنه مبدأ مُتَضمَّن في فصل حرية المعتقد. أما المدافعون عنه، فقد اعتبروا أن حرية الضمير تعد أساس الحريات الفكرية، إنها المبدأ الحاضن لحرية الرأي والتعبير والمعتقد.

يتيح لنا الجدل الذي صاحب البند المتعلق بحرية الضمير، ملاحظة أن المنجز الدستوري المتحقق اليوم في بلدان الانفجارات، يقدم صورة إيجابية على كيفيات التوافق المواكب للدساتير الجديدة، في كل من مصر وتونس والمغرب، وذلك دون أن نغفل الإشكالات الأخرى، سواء منها المتعلقة، بالقوانين التنظيمية المؤجلة، أو المرتبطة بتناقضات وتوترات البنود الدستورية فيما بينها.

ننتقل إلى النقاش الذي تناول موضوع الهوية في الدستور المغربي، لنعاين من خلال صورة أخرى من صور الجدل الدستوري، فقد ترتب عن النقاش المذكور في موضوع الثقافة والتعدد اللغوي، أَنْ تَمَّ التنصيص على التعدد اللغوي مقابل واحدية الثقافة، كما تم إبراز الألوان المتعددة والمتغيرة للهوية المغربية. الأمر الذي ساهم في توسيع دلالة الهوية، بصورة تمكننا من تجاوز الحديث في التاريخ بمنطق الهوية الحافظة لذوات مغلقة على ذواتها المعزولة، ذلك أن الهوية لا تشير إلى التطابق، إلا بمقدار تعبيرها عن الانفلات والتجاوز. وعندما نقبل أن تكون الهوية انفلاتا، فإنه يترتب عن ذلك، أن الآخر وهو العدو المفترض في المجال الثقافي والحضاري، لا يصبح كذلك وبصورة مطلقة. فنحن من جهة، وبحكم التواصل القائم والمنجز بيننا وبينه، والمحدد في أفعال المثاقفة التاريخية، نكون قد ساهمنا بوسائلنا الخاصة، في تحويله إلى جزء من صيرورة ذاتنا في التاريخ.

قدمنا في الأمثلة السابقة، في موضوع معارك الدساتير الجديدة جملة من المعطيات التي تتناول مبحث الهوية والحريات، كما عكستهما الدساتير الجديدة. إن عنايتنا بالبعد الثقافي هو الذي وجَّه اختيارنا للمسائل المذكورة. إضافة إلى أن عودة خطابات الهوية في ظل المتغيرات الجارية، يُستخدم في سياق الدعوة إلى التحصن ببعض الأصول التاريخية، وتحويلها إلى مرجعيات أبدية، دون التفات كما بينا إلى الأدوار التي يمارسها التاريخ في عمليات تلوينها وتطويرها، بل وتقليص بعض صورها بتذويبها. وبناء عليه، فإن هذه العودة تدفعنا إلى التفكير في خلخلة المفاهيم المذكورة، واكتشاف محدوديتها في التعبير عن الصور التي نملكها عن ذاتنا وعن الآخرين داخل المجتمع.

ندرجمظاهر التوتر والتناقض في الدساتير الجديدة، في إطار السمات العامة لفكرنا السياسي. ونعتبر أن أسبابها تعود إلى قِصَر النفس النظري المهيمن على معاركنا في الفكر والسياسة والمجتمع... إننا لا نقوم هنا بتفسير ظواهر تاريخية مركبة بعامل واحد، ولكننا نتصور أن القصور النظري الناتج عن مسببات عديدة، يعد واحداً من العوامل المساعدة على فهم أكثر وضوحاً، لجوانب مهمة من الإشكالات السياسية والثقافة السياسية، في واقعنا المعاصر فكراً وممارسة.