الجسد المُعذّب في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة من القرآن الكريم إلى النّصوص الحواف

فئة :  أبحاث عامة

الجسد المُعذّب في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة من القرآن الكريم إلى النّصوص الحواف

مقدّمة : 

السّؤال عن "الجسد المعذّب" في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، مبحث مترامي الأطراف تداخل فيه السّياسي والدّيني، فمظاهر العذاب المسلّط على الأجساد لم تقتصر على النّصّ القرآني، وإنّما طالت أيضاً نصوصاً أخرى متنوّعة الاختصاص (التّصوّف، الفقه، علم الكلام، الفلسفة،...)، وقد حمّل أصحاب تلك النّصوص "الجسد المعذّب" دلالات متباينة أخلاقيّة، بيد أنّ المواقف المتّخذة من الجسد، على اختلافها، أكّدت أنّه أرض خصبة للتّفكير في علاقة الإنسان بالآخر،[1] فبالجسد عبّر- وما يزال- الإنسان عن كينونته، وبه يكتسب جزء من المعرفة، ومن خلاله يعي منزلة ذاته، وبه يعبّر عن مواقفه من الموجودات،[2] وهو ما جعل المؤسسة السّياسية تسعى جاهدة إلى السّيطرة عليه بشتّى الطّرق، بما في ذلك ممارسة العنف عليه قصد التّحكّم فيه.[3]

وفي هذا المقال نبحث في تجلّيات العنف المسلّط على الأجساد في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة من خلال النّظر في وظائف "الجسد المعذّب" في النّصّ القرآني والنّصوص الحافة به، وفي الممارسات السياسية الّتي زعمت انطلاقها منه، وهو أمر يتطلّب منّا المقارنة بين التّصوّر القرآني والتّصوّرات الّتي أسستها النّصوص الحواف، مثابتنا من ذلك تبيّن وجوه الائتلاف والاختلاف بينها من جهة، ومن جهة أخرى نقف على الأسس الّتي بنى عليها أصحاب النّصوص الحواف مواقفهم من "الجسد المُعذّب"، وذلك بالنّظر في وجوه تصرّفهم في النّصّ القرآنيّ بما يوافق رغبات السّياسي ويحقّق أطماعه.

وقد ارتأينا أنْ نعالج أبعاد هذه الإشكاليات في محاور ثلاثة: نتناول في الأوّل دلالات الجسد المعذّب في القرآن الكريم. أمّا في الثاني فننظر في الجسد المعذّب والقمع السياسي (بداية من القرن الأوّل إلى القرن الرّابع للهجرة)، في حين نقف في الثّالث على أهم الطّرق الّتي تمّ اعتمادها في توظيف الجسد المعذّب لكسب تأييد العامة للسّلطة السّياسية (قراءة في  بعث الأجساد في الآخرة: كتب أبي حامد الغزالي أنموذجا).[4]

(1).  دلالات الجسد المعذّب في القرآن الكريم : 

تتوزّع الآيات القرآنية المتّصلة بالجسد على ضربين:

·  تميّز الأول بتعدّد الأسماء الدالة على الكلّ (الجسم،الجسد،البدن).[5]

·  أمّا في الثاني فتمّ الاقتصار على ذكر أجزاء من الجسد (اليد، العين، الرجل، اللسان، الوجه،...).[6]

وقد أحاطت الآيات القرآنية الجسد بأحكام شرعيّة تقوم على ثنائيّة الحلال والحرام، مثل السّرقة والزّنا...من جهة،[7]ومن جهة أخرى تعلّقت تلك الأحكام بأوضاع مختلفة بعضها شديد الارتباط بالممارسات الدّينية التعبدية (الصلاة، الحجّ،...)،[8]وبعضها اتّصل بهيأة المسلم،[9] وما يجب أنْ يتحلّى به من أخلاق حميدة.[10]

أ- أشكال حضور الجسد في القرآن الكريم:

الجسد في "القرآن الكريم" تعبير عن مدى التزام الإنسان المؤمن بمتطلّبات الإيمان الّذي يظلّ ممارسة فردية يتكامل فيها الظاهر (الجسد) مع الباطن (القلب)،بيد أنّ أهم ما يلفت الانتباه أنّ النص القرآني نسب جملة من الحواس (البصر، السّمع،...) والصفات (الكلام، الرؤية،..)[11]المتعلّقة بالجسد (اليد، الوجه،..) إلى الله.[12]وقد اختلف المسلمون في تحديد ماهية تلك الصفات،[13] وهو ما أدّى إلى بروز فرق كلامية جعلت من الذات الإلهية ذاتاً مشابهة للإنسان في مستوى الصّفات مختلفة عنه في مستوى الحجم والطّول والعرض...،[14] وفي المقابل نفت فرق أخرى التّجسّد عن الذات الإلهية لما فيه من تعارض مع مفهوم التوحيد بما هو تنزيه للخالق (الله) من أنْ يتّصف بصفات المخلوقات. [15] وقد عالج المسلمون القدامى هذه المسألة ضمن مبحث "صفات الله" الّتي ترتّب على النظر فيها نشأة ثلاثة مواقف:

  1. أخذ أصحاب الأوّل الآيات القرآنية على ظاهرها[16]، فقالوا إنّ لله جسداً مثلما للإنسان جسد،[17]

  2. راوح أصحاب الرأي الثاني بين الأخذ بظاهر الآيات القرآنية وتأويلها، وقد ميّزوا- في ما يتّصل بهذه المسألة - بين مستويين أُوِّلت في الأوّل الآيات القرآنية الّتي فيها تُنسب الصفات الجسدية إلى الله بما يجعلها تنطوي على دلالات مجازية، وذلك تنزيهاً للذات الإلهية عن التشبيه. [18] أمّا المستوى الثاني فقوامه عدم تحميل الآيات القرآنيّة أكثر ممّا صرّحت به، وذلك إذا ما تعلق الأمر بالإنسان.[19]

  3. أمّا الرأي الثالث فعدّ أصحابه الجسد المشار إليه في عالم الغيب سواء تعلق بالإنسان أو بالله، جسداً رمزياً ليس له صلة بالجسد الّذي نُعاين في عالم الأشهاد، وهو تصوّر تبنّاه بعض الفلاسفة المسلمين أمثال الفارابي (260هـ / 339هـ)[20] وابن سينا (370هـ /428هـ)[21]...، وقد انطلق الفلاسفة في بناء آرائهم من تصوّر معرفي مخصوص مداره على أنّ الجسد عارض[22] يعوق النّفس (الجوهر)[23] ويمنعها من تحقيق كمالها،[24] فإذا بالموت لحظة تتخلّص فيها النّفس من حبسها (الجسد). [25]

  ولا غرابة في ذلك فـ "النّفس تتّصل في الفكر العربي الإسلامي بالعالم العلوي المفارق وبالأمور الرّوحانية، وهي قادرة على أنْ تستقلّ بذاتها لأنّها جوهر، ومن ثمّة فإنّ ارتباط الجسد بالرّوح إنّما هو ارتباط صوريّ"،[26]ذلك أنّ عالم الجسد هو العالم الدّنيوي، [27]وهو تصوّر شاع في الثّقافة العربية رغم مخالفته للتّصور القرآني الّذي جعل في "سورة يوسف" الجسد امتداداً للروح، فالنبي يعقوب العليل عاد إليه البصر لمّا شمّ ريح (عرق/الجسد) الابن يوسف، فكان العرق الشافي للروح.[28]

ب- العقاب الدّنيوي والأخروي المسلّط على الجسد:

إنّ مراوحة الفكر الدّيني الإسلامي بين الأخذ بظاهر الآيات القرآنية وتأويل ما فيها، ترتّب عليه نتائج مهمّة في ما يتصل بمصير الإنسان في الآخرة، فالنص القرآني خصّص لهذه المسألة آيات عديدة، وُصفت فيها الجنّة ومكوّناتها وما يلقاه المؤمنون فيها من ملذّات من جهة، ومن جهة أخرى صُوّرت جهنّم[29] وما يلحق أهل الكفر فيها من عذاب. إلاّ أنّ المتكلّمين والفلاسفة المسلمين لم يتّفقوا حول دلالات الجنّة ودلالات جهنّم، فالبعض رأى في العذابات والمتع الأخروية حقائق يعاينها الإنسان بجسده في حين عدّها آخرون حقائق لا يمكن تبيّن كنّهها بالحواس، ذلك أنّ بعث النّاس يوم الحشر لا يكون بالأبدان، وإنّما يكون بالأنفس، فالآيات القرآنية عند أصحاب هذا الرأي هي تعابير رمزية الغاية منها تقريب الصّور من أذهان المسلمين. بيد أنّ ما يلفت الانتباه في النّصّ القرآني أنّه لم يقتصر على وصف مصائر النّاس "يوم القيامة"، ففي آيات عديدة صُوّر العقاب المسلّط على الأجساد لاسيما تلك الّتي عُرف أصحابها بالكفر ومعاداة الأنبياء،[30] وقد اتّخذ العقاب المسلّط على الأجساد أشكالاً مختلفة مثل المسخ والفسخ...،[31] وكان بعضها عقاباً مباشراً يهلك فيه المُعاقَبُ مصلوباً،[32] وقد صوّر "القرآن الكريم" تصويراً دقيقاً ما يمسّ أهل الجحيم إذ تكوى جباه أهله[33] ويسقى ساكنوه بماء كالمهل يشوي الوجوه.[34] لقد ميّز "القرآن الكريم" بين العقاب الإلهي والعقاب الإنساني، فلئن كان الأول عادلاً،[35] فإنّ الثاني وُصف بالظالم، وهو ما تجلّى في قتل الأنبياء والعباد الصالحين.[36] إنّ انطواء النص القرآني على تعابير مجازية فتح باب التّأويل على مصراعيه، وهو ما أدّى إلى بروز مواقف مختلفة من الجسد المعذّب لاسيما في الآخرة، فالآيات القرآنية تسع الرأي والرأي المخالف، فإذا بالمعاد وما يترتّب عليه من لَذّات أو عذابات أمر فيه اختلاف لا يمكن الجزم فيه بقول فصل،[37] لاسيما أنّ الاختلاف ماثل في طريقة البعث، ذلك أنّ المسلمين على تنوّع مشاربهم (الفقهاء، المتكلّمون، الفلاسفة،...) اتّفقوا على القول بـ "المعاد" ومحاسبة الله الإنسانَ على أفعاله.

وفي هذا المقام نتساءل: لماذا أغلق البعض آفاق التأويل على دلالات معينة رافضين كل رأي مخالف معتبرين إيّاه خروجاً عما جاء به الوحي؟ وماهي الأسباب الّتي دعت هؤلاء المتكلّمين أو الفقهاء... إلى ممارسة هذا العنف الفكري؟ ولمصلحة منْ؟.

(2). الجسد المعذّب في ظلّ الملك العضوض :

تتطلّب مسألة البحث في "الجسد المعذّب" في الفكر العربي الإسلامي، الوعي بأهمّ التحوّلات الّتي طرأت على المسلمين الّذين انتقلوا من سلطة النص المقدّس (النبوة، الخلافة الراشدة) إلى سلطة الملك العضوض (الدولة الأموية، الدولة العبّاسية)، إذ تمّ استبدال الوَحدة الروحية[38] بوَحدة المصالح المادية، وقد عبّرت عن ذلك أحداث الفتنة الأولى، فالصراع  الّذي دار بين معاوية (59هـ) بن أبي سفيان (ت31 هـ أو34 هـ) وعليّ بن أبي طالب (40 هـ) اختزل أهم مظاهر هذا الانتقال، "فبقدر ما كان منطق المصالح وتوزيع الغنائم والعطايا يؤكّد نفسه، ويترسّخ مع تزايد الانتصارات وإرساء نظم جمع الخراج والعطاء معاً، كان منطق الرسالة والتبشير والجهاد لوجه الله يتراجع أو يفقد هيمنته المطلقة، وكانت الحاجة إلى السياسة والسياسي [...] تبرز أكثر قوّة".[39]

أ- الجسد المعذّب وتكفير الخصوم:

إنّ الانتقال من حيز الوَحدة الدينية إلى حيز الملك القائم على العصبية والسيف[40]، لم يؤد إلى الفصل بين ما هو سياسي وماهو ديني، وإنّما زاد من تداخلهما، فبحجّة حماية وَحدة المسلمين نُكّل بالخصوم السياسيين، وهي ممارسات انطوت على دلالات رمزية سُوّي فيها بين الخصوم السياسيين والمشركين الّذين أمر الله بصلبهم في الآية الثالثة والثلاثين من سورة المائدة، التي يقول فيها تعالى: "إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِيالآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ".

صاحب السلطة هو "خليفة الله"حيناً، وخليفة رسول الله حيناً آخر"[41]، ولا غرابة في ذلك، فـ "الإمامة موضوعة لخلافة النّبوّة في حراسة الدّين وسياسة الدنيا"،[42]  فالإمام هو الوحيد القائم على رعاية الدين، فالله أوكل إليه قيادة الأمّة، وفي هذا الإطار سعى أصحاب النصوص الحواف منح أهل السلطان شرعية دينية، وذلك من خلال التصرّف في السياقات النصية التي وردت فيها الآيات القرآنية المتصلة بـ "الجسد المعذّب، إذ أصبح الخروج عن السّلطة السّياسية في عُرف أصحاب النصوص الحواف خروجاً عن وَحدة الجماعة المسلمة، ومن ثمّة فإنّ قمع كل خارق لها واجب شرعي فيه امتثال للإرادة الإلهية، ففي "تسهيل النظر" بيّن أبو الحسن الماوردي (ت450هـ) ضرورة أنْ "ينقاد الناس لطاعته [الخليفة]، ويتدبرون بسياسته ليكون بالطاعة قاهراً"،[43]وهو أمر عُدّ من خصائص السّياسة وأحكامها، ذلك أنّ من المعاني المتعلقة بالسلطة "قوّة اليد في القهر للجمهور الأعظم وللجماعة اليسيرة أيضاً، أَلاَ ترى أنّه يُقال للخليفة سلطان الدنيا وملك الدنيا[...]وقيل: السلطان المانع المسَلَّط على غيره من أنْ يتصرّف على مراده، ولهذا يقال:  ليس لك على فلان سلطان فتمنعه من كذا ".[44]

ب- العنف وانتهاك المقدس لكسب السّلطة:

ذكرت كتب التاريخ[45] أخباراً عديدة سُفكت فيها دماء المسلمين بسبب اختلاف الرؤى السياسية، ففي القلاقل والفتن التي عاشها المسلمون في القرن الأول للهجرة وُظّفت أساليب متنوّعة لقمع الخصوم، وفي خضم تلك الأحداث تمّ انتهاك المقدّسات، فتمّ رجم البيت العتيق وقطعت رؤوس أبناء الصحابة والتابعين (عبد الله بن الزبير،...)، ونُكب آل البيت يوم الطفّ (61 هـ) في الحسين حفيد الرسول محمّد .إنّ الممارسات السياسية بدءاً من العقد الرابع (مهلك عثمان بن عفّان) وصولاً إلى العقد السّابع من القرن الأوّل للهجرة (واقعة الطّفّ/مهلك الحسين بن علي بن أبي طالب)اتّخذت أبعاداً مغايرة، إذ تمّ اعتماد العنف المسلّط على الأجساد للتّخلّص من الخصوم، وهي ممارسات كشفت عن عمق التّحولات الّتي عرفها الفكر السّياسي العربي الإسلامي، فلم يعد الدّين الجامع بين المسلمين باعتبارهم "أمّة" يشترك أفرادها في جملة من المبادئ الرّوحية، وإنّما أصبح الدين أداة يوظّفها المُنتصب على سدّة الحكم، لمنح نفسه شرعية إلهية تبرّر العنف الّذي يمارسه على الخصوم.[46] وفي هذا السياق ننزّل توظيف السياسيين للمتكلِّمَين، باعتبار علم الكلام علماً "يتضمّن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلّة العقليّة والردّ على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات من مذاهب السلف وأهل السنّة."[47] حدّد ابن خلدون (ت808هـ) في هذا التعريف ماهية علم الكلام بالنظر في آلياته (الحجاج) ومجالاته (العقائد الإيمانية) ومقوّماته (الأدلّة العقليّة) وغاياته (الرّدّ على المبتدعة المنحرفين)، على أنّ العقائد الإيمانية في الثقافة العربية الإسلامية مبحث مترامي الأطراف، تختلف حدوده من مذهب كلامي إلى آخر، فمن العقائد الإيمانية لدى الشّيعة وأهل السّنة "الإمامة" الّتي  يجب إقامتها شرعاً،[48] في حين رأى الأصمّ[49] غير ذلك، فالإمامة عنده  ليست من العقائد الإيمانية الّتي أوجبها الشّرع أو العقل.[50] من هذا المنظور فإنّ "العقائد الإيمانية" تطول لدى أغلب المسلمين الإشكاليات السياسية (الإمامة/الخلافة)، يضاف إلى ذلك أنّ مفهوم "البدعة" الّذي تحدّث عنه ابن خلدون مفهوم غامض بالنظر إلى اختلاف المسلمين في تحديد "العقائد الإيمانية"، فالبدعة والضلالة والفتنة....، في تقديرنا، مفاهيم دينية وظّفها السياسي للمحافظة على السلطة، وفي المقابل كان القول بـ "الجبر" وبأنّ الإرادة الإلهية هي التي تسيّر البشر صكّ براءة أصحاب السلطان. إنّ توظيف السّياسي للدّين اتّخذ أشكالاً مختلفة، تمّ في بعضها استدعاء الدين بعد ممارسة العنف على الخصوم، وفي بعضها الآخر تمّ الجمع بين ممارسة العنف على الخصوم واعتماد حججهم الدّينية للردّ عليهم، من ذلك أنّ عبد الله بن محمّد (95هـ/158 هـ) ثاني الخلفاء العباسيين سمّى نفسه بـ "المنصور".[51] أمّا ابنه أبو عبد الله محمّد (127هـ/ 169هـ) ثالث الخلفاء فسمّى نفسه "المهدي[52]اقتداءً بمحمّد ذي النّفس الزكية الّذي سمّاه الشيعة بالمهدي. محا المهدي العباسي ذكر المهدي الشيعي، وقطع الطريق على المهدي المنتظر، ذلك أنّ الأوّل موجود معلوم فاعل في حيوات المسلمين، في حين كان الثاني غائباً مجهولاً عاجزاً عن الفعل.

لقد قامت علاقة أصحاب السّلطة بالخصوم خلال فترات القوّة على ممارسة العنف على الأجساد للقضاء على كل معاند طامع في السلطة من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ هذا العنف اتّخذ بعداً مقدّساً عندما تمّ الزّج بالدين في الصراعات السياسية، فإذا بالعنف ضرورة فرضها الله حماية للأمة ونصرة للدّين القويم، وبهذا المعنى فإنّ الإرادة الإلهية هي الّتي سيّرت السيوف على الرقاب، وما كان بالإمكان ردّ حكم الله. ولا يفوتنا في هذا المقام الإشارة إلى أنّ اعتماد الخطاب الدّيني (الفقه، علم الكلام) لتبرير عنف المؤسسة السياسية القائمة لم يقتصر على فترة دون غيرها، بيد أنّ ما تغيّر هو طرق توظيف الخطاب الدّيني، ولعلّ أهم اللحظات التي عرفت تحوّلاً واضحاً في هذا المجال القرن الخامس للهجرة.

(3). الجسد المعذّب في النّصوص الحواف في القرن الخامس (مُؤلّفات الغزالي أنموذجاً):

إنّ البحث في منزلة الجسد المعذّب في النصوص الحواف في الثقافة العربية الإسلامية، انطلاقاً من آثار أبي حامد الغزالي (450هـ/505هـ)[53]نروم من خلاله تبيّن الأسس التي بنى عليها أصحاب النصوص الحواف قراءاتهم الكلامية والمذهبية...، فهم في أغلب الأحيان عملوا على تطويع النص المقدّس لخدمة آرائهم ومعتقداتهم، بيد أنّ الأهم من ذلك، في تقديرنا، تبيّن الدّور الّذي نهضت به المؤسّسة السّياسية في توجيه تلك القراءات الفكرية والمذهبية.

أ‌-  موقف الغزالي من الفلاسفة والباطنية: قراءة في البعث الأخروي:

عالج أبو حامد الغزالي في "تهافت الفلاسفة" عشرين مسألة كفّر الفلاسفة في ثلاث منها،[54] وهي:

1.  القول بقدم العالم.

2.  القول بأنّ الله لا يحيط علما  بالجزئيات الحادثة.

3.  إنكار الفلاسفة بعث الأجساد وحشرها.

عبّرت مواقف الغزالي من الفلاسفة عن اختلاف فكري بين تصورين لعلاقة عالم الغيب بعالم الشهادة، ومنزلة الله والإنسان فيهما، بيد أنّ تجويد النظر في مواقف "حجّة الإسلام" يدفعنا إلى الإقرار بأنّ تلك المواقف انطوت على مقاصد سياسية، وهو ما يجعل الإلمام بأبعاد تكفيره للفلاسفة في ما يتصل بـالمعاد مسألة معقدّة، يتطلب فهم أبعادها الوقوف على أمرين، هما:

  أولاً: صلة آراء أبي حامد في كتاب "تهافت الفلاسفة" بالأحداث السياسية التي شهدها عصره، إذ ننظر في الواقع السياسي في المشرق الإسلامي في النصف الثاني من القرن الخامس، لاسيما في بغداد دار الخلافة العباسية التي يُعدّ الغزالي من أهم منظّريها والمدافعين عليها.

  ثانياً: علاقة "تهافت الفلاسفة" بجملة من كتب الغزالي، لا سيما كتاب "فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية"[55] و"ميزان العمل"،[56]ومقصدنا من ذلك تبيّن التأثيرات التي أحدثتها مواقف الفلاسفة القائلين بأنّ البعث لا يكون إلاّ بالأنفس على العامة، وما ترتّب على ذلك من نتائج سياسية هزّت أركان الخلافة العباسية.

Ø  الواقع السياسي في بغداد في عصر الغزالي:

عرف التاريخ السياسي الإسلاميّ بداية من الثلث الأوّل من القرن الرابع للهجرة، منعرجات مهمّة بلغت ذروتها في النصف الثاني من القرن الخامس، ففي تلك الفترة تعدّدت مظاهر انهيار الدولة العباسية، إذ بات نفوذ الخليفة العباسي  مقتصراً على " دار الخلافة" لا يتعدّاها في أغلب الأحيان، فـ (البويهيون)[57]ومن بعدهم (السلاجقة)[58] أمسكوا بزمام السلطة السياسية، إذ خصّوا أنفسهم بالمناصب العليا[59] في الدولة وبات ملوكهم ووزراؤهم يتمتّعون بنفوذ كانت خاصة بالخليفة دون غيره، وهو ما أدّى إلى تفاقم الصراعات بين الأمراء السلاجقة الطامعين في السلطة من جهة، ومن جهة أخرى تعاظمت أطماع المخالفين لهم لا سيما الشيعة. لقد تأزّمت الأوضاع بالخلافة العباسية إذ استبد بالحكم المماليك والوزراء، وأظهر ولاة بعض الأقاليم الرغبة في الانفصال عن الخلافة العباسية، لمّا رأوا مظاهر ضعفها تتعدّد،[60] وفي المقابل أخذ المدّ الفاطمي بالاتساع، وبات حرص أئمتهم على بسط سلطانهم على بغداد  واضحاً،[61] من ذلك أنّ البويهيين، وهم من الشيعة، قد فرضوا على  أئمة جوامع بغداد الدعاء للإمام الفاطمي في صلاة الجمعة،[62] وبالرغم من تخلّص الخليفة العباسي من البويهيين وتنصيبه السلاجقة، أصحاب المذهب السني، بدلاً من  البويهيين، فإنّ ذلك لم يحل دون انتشار تعاليم الفكر الشيعي بين العامة في بغداد وما جاورها من مدن،[63] وفي هذا المجال حقّق الشيعة نجاحاً بيّناً، إذ بات للباطنية أتباع بهم استطاعت النهوض بدور مهمّ في الحياة السياسية في بغداد، وهو ما تجلّى في اعتماد أنصارها الاغتيالات،[64] فتمّ قتل الوزير نظام الملك (485هـ) وغيره من رجال الدّولة (القضاة،....) في وضح النّهار[65]، وإليهم (الباطنية) لجأ الأمراء السّلاجقة في كسب الصّراعات الّتي كانت تنشب في ما بينهم. [66] إنّ النّفوذ الباطني المتزايد وانقسام السّلاجقة وضعف الخليفة العباسي عن اتّخاذ القرارات السّياسية الحاسمة وتآكل أركان الدّولة، دفع بأصحاب السّلطة السّياسية إلى الاستنجاد بأبي حامد الغزالي[67] ، كي يُقَوّض الأسس الفكرية الّتي قامت عليها الدعوة الباطنية.

Ø  علاقة الفكر الباطني بفلسفة الفارابي وفلسفة ابن سينا:

قام الغزالي بمحاربة الباطنية بعد أنْ "شاع بين الخلق تحدّثهم بمعرفة الأمور من جهة الإمام المعصوم القائم بالحقّ"،[68] وهو ما مثّل تهديداً واضحاً للسلطة العباسية، إذ تفطّن "نظام الملك إلى ما يتهدّد مركز الخلافة من جرّاء هذه التعاليم، وأخصّها من الوجهة السياسية فكرة "الإمام المعصوم" فرغّب إلى الغزالي بالردّ عليهم"،[69] ولم يكن أمام الغزالي سوى إخراج الباطنية من دائرة الإسلامورميهم بالكفر، كي يتسنّى له تحييد العامة ودفعهم إلى عدم مناصرة الشيعة، وفي هذا السياق ننزّل تكفير الغزالي للفلاسفة في ما يتصل بـالبعث، ولكنّ السؤال الّذي يطرح نفسه: ما علاقة الفكر الباطني الشيعي بآراء الفلاسفة المسلمين أمثال الفارابي وابن سينا؟ أنكر الفارابي وابن سينا، في تصوّر الغزالي، بعث الأجساد ونفيا وجود النار والجنّة وحور العين وسائر ما وعد الله به الناس وجوداً حسيّاً جسمانياً،[70] فجميعها في تقديرهما أمثلة ضُربت للعوام على حدّ أفهامهم، وقد انطلق الفارابي وابن سينا في ذلك من تصور مخصوص مداره على أنّ النفوس جواهر مستقلّة عن الأبدان التي تُعدّ عوارض تزول بزوال الدار الدنيا، وقد ترتّب على ذلك القول إنّ العقاب والثواب في الآخرة يقعان على الأرواح، وقد رأى الغزالي في ذلك أمراً مخالفاً للشرع، فـ "إنكار حشر الأجساد وإنكار اللّذات الجسمانية في الجنّة وإنكار الآلام الجسمانية في النار وإنكار وجود الجنّة [فيه تــعــارض مع ما ذُكر...] في القرآن." [71] وما يلفت الانتباه في هذا المجال أنّ "حجّة الإسلام" عمد إلى تحريف آراء الفلاسفة،[72] وذلك عندما زعم أنّهم أنكروا "وجود الجنّة والنّار"، وهو ما لم يذهب إليه الفارابي أو ابن سينا الّذي قال بأنّ متع الجنة وآلام جهنّم لا تدرك بالحواس (الجسد)، وهو تأويل سعى الفلاسفة إلى إثباته بحجج عقلية وأحاديث قدسيّة.[73] سعى الغزالي إلى تقديم أهل المنطق في هيأة الكفّار كي يسهل عليه فضّ اجتماع  الناس حول الباطنية، الّذين دانوا بأفكار الفلاسفة، ففي "فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية "يصف أهل التعاليم بأنّهم قوم" لم يُثبتوا الحشر ونشر الأجساد ولا الجنّة والنار، [...] فـ  المعاد [عندهم] عوْدُ كل شيء إلى أصله والإنسان مركّب من العالم الروحاني والجسماني، أمّا الجسماني منه[...] فينحل [...] وزعموا أنّ كمال النّفس بموتها إذ به خلاصها من ضيق الجسد." [74] إنّ أبا حامد بهذا القول، سوّى بين الفلاسفة وأتباع الباطنية، فما نُسب إلى الفلاسفة في "تهافت الفلاسفة" نُسب إلى الشيعة في "فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية". هاجم "حجّة الإسلام" الفلاسفة كي يطعن في آراء الباطنية، وكي يقطع جذور الشجرة الشيعية فتجفّ أغصانها وتسقط أوراقها، ولعل ذلك ما يفسّر تركيز الغزالي على آراء ابن سينا، فمقصد الغزالي - في تقديرنا- لم يكن  مناقشة آراء أرسطو[75] وإنّما تمثّل في مناقشة آراء الفارابي وابن سينا باعتبارها الرافد الأوّل للفكر الشيعي.[76] لقد اتّهم ابن رشد (520هـ/595هـ)[77] الغزالي بسوء فهم أقوال الفلاسفة،[78] وهو رأي (رأي ابن رشد) غير مسلّم به، ففي تصوّرنا حرّف الغزالي آراء الفلاسفة بغاية الإساءة إليهم، ذلك أنّ الحاجة السياسية دفعت به إلى التقوّل عليهم، لأنّ اقتصارهم - والباطنية من ورائهم- على القول بأنّ البعث لا يكون إلا روحياً، من شأنه أنْ يُحرّر العامة من سلطة الجسد الّذي يُعدّ أهم مجال تسعى الدولة إلى وضعه تحت نفوذها، كي تضمن بقاءها وطاعة الناس لها، فالعامة لا تخشى ولا ترهب إلا ما سُلّط على الأجساد من عذابات.

ب- علاقة الجسد بالنـّفس في تصوّر الغزالي[79]:

جعل "القرآن الكريم" في آيات عديدة الإنسان موضوعاً للتّأمل والتفكير، فالجسد الإنساني" آية تدلّ بطبيعتها وخصائصها على وحدانية الله عزّ وجلّ وعظمته"،[80]  وهو إلى جانب ذلك موضوع من مواضيع الخلق، فالله خلق" آدَمَ [...] مِنْ تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ" [81]و"خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ...".[82] الجسد البشري وفق الرواية القرآنية كُوّن من طبقات تشكّلت على مراحل زمنية متتالية "ثمّ"، وهو مزيج من مواد مختلفة (الماء، الطين، الروح)، ومن شأن هذا الجمع الطريف بين المواد المتعددة، أنْ يوطّد صلة الجسد الإنساني بعالمي الأرض والسّماء، وعلى تلك الثنائيات بنى الفكر الإسلامي نظرته إلى الإنسان، فالطين هو ما يشدّه إلى الأرض. أمّا ما يجذبه إلى السماء فروح الله التي منها خُلق،[83] وبها تحوّل من الجمود إلى الحركة والحياة. وقد تأَوَّلَ المسلمون هذه الثنائية تأويلات عديدة، اتّفقوا في أغلبها على الفصل بين عالم المادة وعالم الروح، فإذا بالإنسان كائن غريب في وضع اغتراب عن العالم وعن ذاته، وهو ما جعل الفكر الدّيني يحرص على الفصل بين النفس/الروح [84]والجسد أيْ بين ما هو بشري (ناسوت) وما هو إلهي (لاهوت)، ويُعدّ الخطاب الصوفي أكثر الخطابات تعبيراً عن  الحدود التي أقامها المسلمون بين العالمين، وفي ما يتّصل بهذه المسألة نشير إلى أنّ آراء الغزالي انطوت على مفارقة عجيبة بيّن أهم مظاهرها ابن طفيل (581هـ)[85] في "حي بن يقظان" فـ "كتب الشّيخ أبي حامد الغزالي، [...تختلف باختلاف أوضاع] مخاطبته للجمهور، [فهي] تربط في موضع وتحلّ في آخر وتكفّر بأشياء ثمّ تنتحلها [ وآية ذلك] أنّه من جملة ما كفّر به الفلاسفة في كتاب التّهافت، إنكارهم لحشر الأجساد وإثباتهم الثّواب والعقاب للنّفوس خاصة، ثمّ قال في أوّل كتاب الميزان إنّ هذا الاعتقاد هو اعتقاد شيوخ الصوفية على القطع ثمّ قال في  كتاب المنقذ من الضلال والمفصح بالأحوال إنّ اعتقاده هو كاعتقاد الصوفية."[86] لقد وزّع الغزالي في" المنقذ من الضلال" طالبي الحق على أربعة أصناف، وهم المتكلمون أهل الرأي، والباطنية أهل التعليم والفلاسفة، أهل المنطق/البرهان والصوفية أهل المشاهدة/المكاشفة الّذين اعتبرهم أهل الحقّ، ولا يخفى على أحد دعوة المتصوفة إلى التّحرر من سلطة الجسد،[87] وهو ما حيّر ابن طفيل الأندلسي[88] الّذي لم ير سبباً وجيهاً دفع بالغزالي إلى تكفير الفلاسفة في معتقد يشاركهم الإيمان به.[89]  كشف ابن طفيل من خلال تلك الملاحظة، وجوه التّناقض بين مواقف الغزالي من الفلاسفة ومسألة انتمائه إلى المتصوّفة، بيد أنّ الفرق بين التصوّر الصوفي والتصوّر الباطني الفلسفي[90] ماثل في أنّ أهل التّصوّف يدعون بشكل من الأشكال إلى التزهد في الدنيا والانقطاع عنها بالانغماس في الصلاة والمواجد...، وفي المقابل فإنّ نشر آراء الفلاسفة -والباطنية- فيه "استدراج للعوام وضعفاء العقول"[91] لمواجهة السلطة العباسية بما هي سلطة على الأجساد الفانية، وفي المقابل سعى أبو حامد إلى كسب تعاطف العامة مع الخليفة العباسي،[92] فالمتأمّل في "فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية " يتبيّن له قيام عنوان الكتاب على مقابلة دلالية بين "فضائح الباطنية" و"فضائل المستظهرية" أي بين الفضائح الشيعية الإسماعيلية الفاطمية وفضائل المستظهر بالله العباسي.[93]

ج- روافد الموقف الغزالي:

   أشار عبد الرحمان بدوي (ت2002م) في مقدّمة كتاب "فضائح الباطنية"[94] إلى تأثّر الغزالي بمواقف عبد القاهر البغدادي في "الفَرق بين الفِرق"،ونحن إذا ما قارنا بين النصين أليفناهما متّفقين في جملة من الآراء أهمها:

1.  أنّ الباطنية ليسوا من المسلمين.

2.  أنّ الباطنية اسم جامع للشيعة(الإسماعيلية،...).

بيد أنّ ما يلفت الانتباه أنّ البغدادي لم يعتبر تصوّر الباطنية للبعث امتداداً لتصوّر الفلاسفة (الفارابي وابن سينا،...)، فهل يعود الأمر إلى عدم اطلاع البغدادي على آراء الفلاسفة أم أنّه لم يع الصلة القائمة بين آراء الفلاسفة والفكر الباطني، أم أنّه اعتبر الفلاسفة جزءاً من الباطنية نظراً إلى أنّ الفارابي وابن سينا وإخوان الصفا من الّذين كانوا على مذهب الشيعة؟.

المسألة - في تقديرنا - تتجاوز جميع هذه الفرضيات، ذلك أنّ ما كان يُؤرّق البغدادي انتشار تعاليم الباطنية على حساب المذهب الأشعري الّذي ينتمي إليه، وهو ما جعله يحرص على إبراز وجوه خرقهم للأوامر الواردة في "القرآن الكريم"،[95] مبيّناً وجوه التشابه بين تعاليم الباطنية وطقوس العبادة عند المجوس،[96] بل إنّه في الباب الرابع "في بيان الفِرقِ الّتي انتسبت إلى الإسلام وليست منه" كفّر الشيعة و "عدّ ضررها على المسلمين [...] أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس [...و] أعظم من مضرّة الدهرية وسائر أصناف الكفرة"،[97] وذلك بالنظر إلى مخالفتهم آراء الفرقة الناجية.[98] أمّا أبو حامد فوسمهم بالكفر بالنظر إلى الخطر المحدق الّذي شكّلوه على سلطة الخليفة العباسي وأركان دولته، فالغزالي عندما وضع "فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية" و"تهافت الفلاسفة" لم يكن يواجه خصوماً متكلّمين، وإنّما كان يواجه خصوماً سياسيين،[99] وهو ما يفسّر محاولته توجيه ضربة قاسمة لهم باعتماد الدّين،[100] فالفكر الشّيعي الّذي اتّخذ منزعاً روحانياً، متأثّراً بفلسفة ابن سينا والفارابي وإخوان الصّفا وخلان الوفا، من شأنه أنْ يزجّ بالعامة في الصراعات السياسية، وفي المقابل فإنّ تحييد العامة لا يتحقّق ما لم يتمّ لفت الأنظار إلى الآخرة، وليس  للآخرة معنى ما لم يكن العقاب فيها حسياً، وليس ثمّة آلة تعمّق هذا الشعور أكثر من الجسد، فألم الجسد تدركه العوام وتخشاه، وهو ما من شأنه أنْ يدفعهم إلى ترك الدنيا وصراعاتها، - فهي مورثة الفتن والمهالك- لأهلها والالتفات إلى الآخرة بالاعتكاف في المساجد....إنّ آراء الغزالي لا تنبع من تصوّر فكري وعقدي، وإنّما تتغيّر بتغيّر المقامات والغايات التي من أجلها أُلّف هذا الكتاب أو ذاك،[101] ذلك أنّه وضع أهم كتبه بطلب من أصحاب السلطان،[102] وهو ما يقتضي بالضرورة ملاءمة محتوياتها لإرادة السّياسي السّاعي إلى بسط سلطانه على العباد ودفعهم إلى الامتثال له. وفي هذا السّياق نُنزّل سعي الغزالي إلى ضرب مبادئ الفكر الشّيعي - لاسيما الاعتقاد في "الإمام المعصوم" -[103] التي وُظّفت - حسب رأي الغزالي- لـ "انتزاع المعتقدات الظاهرة من نفوس الخلق حتّى تبطل به الرغبة والرهبة".[104]هي مدار الصراع وغاية الغزالي بقاؤها في "رهبة" و"رغبة"، ولكنّ الرغبة والرهبة اللتين سعى الغزالي إلى الإبقاء عليهما يمتزج فيهما الخوف من الله بطاعة الخليفة[105] العباسي.

لقد مارس أبو حامد القمع الفكري من خلال تأويل النص القرآني، بما يوافق رغبات السلطة السياسية الّتي يُدافع عنها، معتبراً آراءه الممثل الوحيد للحقائق الإلهية، ولتحقيق ذلك وظّف "علم الكلام" ، وفي ذلك تناقض مع دعوته إلى عدم الخوض في المسائل الكلاميّة مع العامة، ففي "إلجام العوام عن علم الكلام" بيّن أنّ "الخوض من جهة العوام في التأويل والخوض بهم فيه من جهة العلماء بدعة مذمومة".[106]ومثل العالم في ذلك مثل "السبّاح الغوّاص [الّذي يجرّ] في البحر مع نفسه عاجزاً عن السباحة مضطرب القلب والبدن، وذلك حرام لأنّه عرضة لخطر الهلاك".[107] ولايفوتنا في هذا المقام طرح السّؤال الآتي: كيف يُقنع الغزالي العوام بكفر الفلاسفة، والحال أنّ العوام عاجزون عن فهم ما تنطوي عليه تلك المسائل من إشكاليات كلامية؟ قدّم أعلام الباطنية والغزالي أيضاً، تأويلات ليس للعامة قدرة على فهمها، وفي ذلك تضارب مع دعوته إلى "إلجام العوام عن علم الكلام"،ولاغرابة في ما قام به أبو حامد، فرغبته في استمالة العوام وكسب تأييدهم للخلافة العباسية، دفعته إلى غضّ النظر عن الطريقة التي بها يحقّق مقصده، فهو إنْ لم يكسب نصرة العوام فلا أقلّ من تحييدهم عن الصراع، وفي الحالتين يحرم الغزالي الباطنية من أهم قوّة لديها (قوّة العامة/ الفوضى). الغزالي في معالجته لمسألة "بعث الأجساد في الآخرة" ورغم الانطلاق من أسس كلامية فلسفية فإنّ ثمّة غايات سياسيّة حرّكته، من أهمها البحث عن سند دينيّ وفكري للمؤسسة السّياسيّة القائمة آنذاك.

خاتـمـة...

إنّ النّظر في ماهية الجسد المعذّب في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة ينطوي على دلالات رمزية تكشف عن وجود اختلافات عميقة بين التّصوّر القرآني والممارسات السياسيّة، فـ "القرآن الكريم" ميّز بين ضربين من العقاب المسلّط على الأجساد، تمثّل الأوّل في العقاب الإلهيّ الّذي استحقّه المعاندون والكافرون بتحدّيهم للأنبياء والرّسل، أمّا الثّاني فهو عقاب إنساني، وفيه صنفان:

·  يكون الإنسان في الأول ظالماً يُسَلِّطُ عقابه على الأتقياء والمؤمنين (قتل الأنبياء)

·  في حين ينهض في الصنف الثاني بدور المُنَفِّذ لحدود الله حفظاً لأوامره وحماية للدين (جلد الزاني والزانية،قطع يد السارق،....)،

وفي المقابل فإنّ الممارسات التّاريخيّة قامت على تحريف لما جاء به "القرآن الكريم"، فالعذاب العادل في "القرآن الكريم" كان متعلّقاً بأعداء الله ومكذّبي الأنبياء والرّسل أو بالمعتدين على أوامر الله وشرائعه، في حين وُظّف العقاب في الممارسات السّياسية للتّنكيل بالخصوم السّياسيين، فإذا بالمُنافس وصاحب الرّأي المُخالف صنو المشرك والكافر، إذ عُدّ رفض آراء صاحب الملك وأحكامه، بمنزلة الاعتداء على أوامر الله الّذي باسمه قُتّل النّاس وعُذّبوا واستُبيحت حرماتهم. وفي هذا السّياق نشير إلى أنّ الممارسات السّياسيّة سعت إلى منح نفسها شرعيّة دينيّة، وذلك بالتّوازي لممارسة العنف والقمع، فظهرت تصوّرات كلاميّة عديدة ظاهرها عقائدي وجوهرها سياسي (الجبر وضرورة طاعة أُولِي الأمر).[108] وبهذا المعنى حمُّل الجسد في الثقافة العربية الإسلامية بدلالات رمزية تداخل فيها السياسي والدّيني. [109] ذلك أنّ السياسي لم يتردّد في اعتماد علم الكلام لصالحه، وقد أدّى هذا التداخل بين ما هو ديني وما هو سياسي إلى تأوّل النص المقدّس بما يُساعد كل طرف (أصحاب السلطة/الخصوم) على كسب تأييد العامة، بالنظر إلى ما تمثّله من قوّة لا سيما في فترات ضعف السلطة الحاكمة، وفي ما يتصل بهذه المسألة عالجنا دلالات تكفير أبي حامد الغزالي للفلاسفة في ما يتعلق بمسألة "بعث الأجساد" فاتّضح لنا أنّ تكفيره لهم لم يقم على سند ديني قوي، بل إنّ الغزالي ناقض نفسه عندما كفّر الفلاسفة لأنّهم قالوا بأنّ البعث يكون بالأنفس/الأرواح دون الأجساد، ذلك أنّ شيوخ الصوفية الّذين عدّهم أهل المكاشفة والحقّ قد أقرّوا هذا التصوّر وسعوا إلى نشره. إنّ النظر في دلالات مواقف الغزالي ينتهي بنا إلى القول بأنّ غاية سياسية دفعت به إلى  تكفير الفلاسفة، فرؤاهم وتصوراتهم تتقاطع في مستويات عديدة مع مواقف "الباطنية" التي مثّلت خطراً حقيقياً على الخلافة العباسية والسلاطين السلاجقة، وبهذا المعنى أصبح  الفكر الديني جزءاً من المنظومة السياسية، فلحفظ وَحدة "الأمّة" طُلب من العامة والخاصة إظهار الطاعة والولاء للخلفاء عدلوا أم جاروا، وباسم الدّين كُفّر الخصوم لأنّ آراءهم تساهم في تقويض أركان السلطة السياسية  القائمة وتهدّد نفوذها. لقد سطت السّياسة على الدّين كي تضيّق الآفاق على العباد الّذين صُنّفوا إلى مؤمنين وكافرين، وذلك حسب الأوضاع والأحوال، فإذا بالدين جزء من المنظومة السياسية يتكِئ عليه أصحاب السلطان في لحظات الضعف كي يقنعوا الناس بالامتثال لهم. أمّا في لحظات القوّة فيمنحهم شرعية تبرّر انتهاكاتهم للمحرّمات وسفكهم للدماء. إنّ هذه العلاقة القائمة بين السياسة والدين، تدفع الفكر العربي الإسلامي المعاصر إلى إعادة النظر في المسلمات التي أحاطت بنا وسيّرت حيواتنا، وذلك بتمييز السياسي من الديني قصد إعادة بناء فكر جديد متحرّر من سلطة الأجداد الّذين أوهموا النّاس في أغلب الأحيان  بأنّ "مقاصد أهل السّياسة"  هي "مقاصد الله".

للاطلاع على البحث كاملا المرجو الضغط هنا


[1]. اُنظر لوبروتون(دافيد):أنتربولوجيا الجسد والحداثة، ترجمة محمّد عرب صاصيلا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،ط1، بيروت لبنان، 1993،ص152.

[2].Chebel(Malek):vision du corps en Islam Les Cahiers de l’orient 1ertrimestre,No8 N09,Paris,1988,p28.

[3].Foucault(Michel) :histoire de la sexualité, la volonté du savoir, tome1, Gallimard, Paris, p141

[4]. أشار بوهلال(محمّد): الغيب والشهادة في فكر الغزالي، كلية الآداب سوسة ودار محمّد علي الحامي، ط1، صفاقس تونس،2003، من ص 15 إلى ص 28 إلى تنوّع المقاربات الّتي تناولت بالدرس فكر الغزالي (النفسيّة،السيسيولوجيّة،...) من جهة، ومن جهة أخرى بيّن (ص20وص21) أنّ البعد السياسي عند الغزالي على أهميته ليس البعد الرئيس في فكره.

[5]. نشير إلى أنّ "القرآن الكريم" اعتمد ثلاثة أسماء، وهي: الجسد (الأعراف7/148وطه20/88والأنبياء2/8وص38/34)،  والجسم/الأجسام (البقرة 2/ 247والمنافقون 63/4) والبدن (يونس10/92)، وفي ما يتعلق بهذه الأسماء ميّز بعض المسلمين القدامى بين الجسم والجسد والبدن، فالجسم ما كان له طول وعرض وعمق. أمّا البدن فما دلّ على أعضاء الجسم، في حين عُدّ الجسد اسما خاصا بالجسم الإنساني. للتوسّع في هذه المسألة اُنظر الضيفاوي(الساسي): الجسد والخطيئة الأولى في النصوص المقدّسة، ندوة "الدين والجسد" مدرسة الدكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، مطبعة التسفير الفنّي، ط1،صفاقس تونس،2010،ج1، ص115 ص118.

[6]. الفتح 48/10 والرحمان55/27 وطه20/39.

[7]. المائدة 5/38 والنور 24/2 والممتحنة 60/12.

[8]. البقرة 2/196 والمائدة5/6.

[9]. الأعراف 7/31.

[10]. النور 24/31 والأحزاب 33/33.

[11] البقرة 2/96 وآل عمران3/15 والنساء4/164 والشعراء26/220 والمجادلة 58/1.

[12] البقرة2/115 وآل عمران 3/73 والروم30/38-39 والفتح 48/10.

[13]اُنظر  ابن حزم الأندلسي الظاهري (أبو محمّد علي بن أحمد) (ت456هـ): الفِصل في الملل والأهواء والنّحل، وضع حواشيه أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت لبنان، 1996، مج1، ص398 ص401.

[14]  نشير على سبيل الذكر إلى موقف الكرامية والهشامية، اُنظر البغداديّ (عبد القاهر أبو منصور) (تـ429 هـ/1083م): الفَرقُ بين الفِرَقِ، منشورات محمّد علي بيضون، دار الكتب العلمية،ط3، بيروت لبنان،2005، ص172، 173.

[15]اُنظر أبا حامد الغزالي في "إلجام العوام عن علم الكلام"، مطبعة الغوثيه، دمشق، (دت) (نسخة مصوّرة)، ص9 وص43 وص68وص69، واُنظر الجويني إمام الحرمين (عبد الملك بن عبد الله بن يوسف) (419 هـ/ 478هـ): الإرشاد إلى قواطع الأدلّة في أصول الاعتقاد، حقّقه وقدّم له محمّد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد، مكتبة الخانجي، القاهرة مصر، (دت)، ص155 و164

[16]اُنظر مختلف الآراء المتصلة  بهذه المسألة في ابن حزم الأندلسي الظاهري (أبو محمّد علي بن أحمد): الفِصل في الملل والأهواء والنّحل، (سبق ذكره)، مج1،ص 374 ص379.

[17]. اُنظر بعض آراء الحشوية (لم تكن الحشوية فرقة كلامية بالمعنى المتداول عند المتكلّمين والفقهاء القدامى) الّتي أشار إليها أبو حامد الغزالي في"إلجام العوام"، (سبق ذكره)،ص41 

[18]. انطلق أصحاب هذا الموقف من تصوّر قوامه "أنّ كل جسم محدث، والباري تعالى لو كان جسما وجب أنْ يكون محدثا [... وهو] محال"، ص33 من الرازي (محمد بن عمر فخر الدين) (ت606هـ): المسائل الخمسون في أصول الدّين، تحقيق أحمد حجازي السقّا، دار الجيل  والمكتب الثقافي، ط2، بيروت (لبنان) والقاهرة (مصر)، 1990. 

[19]. جمع بوهلال(محمّد):الغيب والشهادة في فكر الغزالي، (سبق ذكره)، مختلف مواقف المتكلّمين من مسألة التّنزيه (الموقف التجسيمي، الموقف التنزيهي)، وبيّن أهم الأسس الّتي قام عليها كل موقف، راجع ص454 وما بعدها وص473 وما بعدها.

[20]. هو أبو نصر محمّد بن محمّد بن طرخان الملقّب بالمعلّم الثاني، ولد في فاراب (تقع عند البعض في بلاد فارس، وهي عند البعض الآخر تقع في بلاد الترك)، عُرف بإلمامه بالطب والموسيقى والرياضيات والفقه والفلسفة، وقد وضع شروحا عديدة للفلسفة اليونانية، ومن أهم ما كتب: "آراء في المدينة الفاضلة"و"السياسة المدنية" و "كتاب الجمع بين رأيَي الحكيمين" و "كتاب البرهان" و "عيون المسائل" و "إحصاء العلوم"... (اُنظر مقدّمة رشيد قوقام لكتاب الجمع بين رأيَي الحكيمين، موفم للنشر، سلسلة الأنيس، الجزائر، 1993).

[21]. أبو علي الحسن بن عبد الله بن سينا الملقّب بالشيخ الرئيس برع في الطبّ والمنطق والعلوم الشرعية والنحو والرياضيات، ومن أهم ما كتب "الإشارات والتنبيهات" و "الشفاء" و "القانون" و "الحكمة المشرقيّة"..، وقد تأثّر ابن سينا بالفارابي وفلاسفة الإغريق (أرسطو،..)  وفلاسفة  مدرسة الإسكندرية (أفلوطين،..).

[22]. العرض l’accident هو ما كان في تبعيّة دائمة للجوهر، والعرض هو كل معنى موجود للشيء خارج عن طبعه، وهو عند ابن سينا" كل موجود في موضوع". ص25 من كتاب الحدود، نشر publications de l’institut français d’archéologie orientale du Caire,1963. 

[23]. الجوهرla substance هو القائم بذاته الّذي لا يقبل التغيّر، وهو عند بعض الفلاسفة الموجود القائم بنفسه، ذلك أنّ الجوهر لا يحتاج إلى غيره، وقد عرّف ابن سينا في كتاب الحدود (سبق ذكره) الجوهر بأنّه "كل ذات وجوده ليس في موضوع"، ص24.

   [24]. اعتبر الزاهي(فريد): الجسد والصورة والمقدّس، دار أفريقيا الشرق، الدار البيضاء (المغرب) وبيروت (لبنان)، 1999علاقة الجسد بالنّفس والروح  المحور الرئيس الّذي تأسست عليه الدراسات العربية الإسلامية، اُنظر ص20 وص21.

[25]. إخوان الصفا وخلان الوفا: رسائل إخوان الصفا وخلان الوفاء، دار صادر، بيروت لبنان، 2006،ج3، ص45 والفارابي (أبو نصر): الجمع بين رأيَي الحكيمين، (سبق ذكره)،ص43.

[26]. اُنظر الجلاصي (بثينة): أحكام الجسد في البيان والتحصيل بين التحريم والتّحليل، ندوة "الدين والجسد"، (سبق ذكره)، ج1، ص104.

[27]. اُنظر السويسي (صابر): الجسد بين الحقيقة والخطيئة: قراءة في موقع الجسد من التجربة الصوفيّة، (المرجع نفسه)، ج1، ص73. 

[28]. اُنظر إدريس (محمّد): وظائف الجسد ودلالاتها: ثنائية العري والستر (قصة يوسف أنموذجا)، (المرجع نفسه)، ج1، ص243 وص244.

[29]. نشير إلى أنّ النص القرآني اعتمد أسماء عديدة في وصف النار التي تلحق المشركين والكافرين في الآخرة (النّار/145 مرّة، الجحيم/26مرّة، جهنّم/77مرّة). اُنظرعبد الباقي (محمد فؤاد):المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، دار الفكر، ط3، دمشق سوريا، 1992، ص209 وص234 وص 893 وص894.

[30].  اُنظر على سبيل المثال مصير عبد العزى بن عبد المطلب الملقّب بأبي لهب (سورة المسد ورتبتها في المصحف 111).

[31]. يس36/67 والأعراف7/166، والمسخ هو تحويل الإنسان إلى حيوان اُنظر أبا بكر (أميمة):المسخ في ألف ليلة وليلة، مجلّة فصول المصرية، مج13، العدد الأوّل، القاهرة مصر، 1994، ص242. أمّا الفسخ فهو تحويل الإنسان إلى نبات أو جماد (حجارة،...)، اُنظر جواد (علي): المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ط2، ساعدت في نشره جامعة بغداد، بغداد العراق، 1993، مج 6، ص143.

[32]. المائدة 5/33

[33]. التوبة 9/35

[34]. الكهف 18/29

[35]. نشير إلى أنّ الله يُوقع العقاب بالمعتدين (فرعون) على الأنبياء حينا، ويفوّض تنفيذ العقاب للجماعة المؤمنة به عملا بأحكامه (حدّ السرقة،...) حينا آخر.

[36]. وافق "القرآن الكريم" (البقرة2/91) في ما يتعلّق بهذه المسألة "العهد القديم" (قتل أنبياء الله أمثال عاموسAmos  وإشعياء Isaiah، اُنظر سفر إشعياء وسفر عاموس في الكتاب المقدّس، المؤسسة العالميّة للكتاب المقدّس، لندن أنجلتر،1999)، وهو أمر فيه تعارض واضح مع صفة الإيمان الّتي تقتضي تصديق الأنبياء والاقتداء بهم والامتثال لما جاؤوا به.

[37]. ابن رشد (أبو الوليد): تهافت التهافت، تحقيق م بويج، المطبعة الكاثوليكية (نسخة مصوّرة)، بيروت لبنان، 1930،ص119 وص132.

[38]. تحدّث النص القرآني عن هذه الوَحدة باستعمال مصطلح "الأمّة"، اُنظر البقرة2/128 و143 وآل عمران3 /104 و110 والمائدة 5/48.....

[39]. اُنظر غليون (برهان): نقد السياسة(الدولة والدين)، المركز الثقافي العربي،ط4، الدار البيضاء (المغرب) بيروت (لبنان)، 2007،ص76.

[40]. قال ابن خلدون (عبد الرحمان): المقدّمة، تحقيق جمعة شيخة، الدار التونسية للنشر، ط3،تونس، 1993،ص262: "رأيتَ كيف صار الأمر إلى الملك [...] ولم يظهر التغيّر إلاّ في الوازع الّذي كان دينا ثمّ انقلب عصبية وسيفا" .

[41] نشير في ما يتصل بهذه المسألة إلى اتخاذ الخلفاء العباسيين والفاطميين أسماء دالة على الإرادة الإلهية" القائم بأمر الله،...".

[42]. الماوردي (أبو الحسن): الأحكام السلطانية والولايات الدّينية، تـحـقـيـق أحـمـد مـبارك الـبغـدادي، مكتبة دار ابن قتيبة، ط1، الكويت، 1989، ص3.

[43]. الماوردي (أبو الحسن): تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك، تحقيق مُحِيْ هلال السرحان وحسن الساعاتي، دار  النهضة العربية، ط1، بيروت لبنان، 1981، ص4.

[44]. العسكريّ (أبو هلال): الفروق في اللّغة، تحقيق محمّد إبراهيم سليم، دار العلم والثقافة، ط1،القاهرة مصر، (دت)، ص188.

[45]. اُنظر المجلد الثالث من البلاذري (أحمد بن يحيى بن جابر): جمل من أنساب الأشراف، تحقيق وجمع سهيل زكار ورياض زركلي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، بيروت لبنان، 1996، واُنظر المجلد الرابع والمجلد الخامس من "تاريخ الرسل والملوك" لأبي جعفر جرير الطبري، حقّقه محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، مصر،1971.

[46]. خصّص عبد الرحمان بن خلدون في "المقدّمة"، (سبق ذكره) لهذه المسألة فصلا مداره على  أنّ "الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوّة على قوّة العصبية التي كانت لها من عددها"، ص207.

[47]. اُنظر المرجع نفسه، ص557.

[48]. الماوردي (أبو الحسن): الأحكام السلطانية والولايات الدّينيّة، (سبق ذكره)، ص3.

[49]. الأصمّ هو أبو بكر عبد الرحمان بن كيسان الأصمّ من رؤوس المعتزلة عُرف بسعة العلم والتقوى، قال بإمكان استغناء الناس عن إمام يحكمهم وينظم العلاقات القائمة بينهم.

[50]. اُنظر آراء الأصمّ  في "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين" لأبي الحسن الأشعري، تحقيق محمّد علي عبد الحميد، مكتبة النهضة المصرية، ط1،القاهرة مصر، 1954، ج2، ص132.

[51]. نشير إلى أنّ ثالث الخلفاء الفاطميين "إسماعيل أبو طاهر" (334هـ/341هـ) اتّخذ لنفسه هذه الكنية.

[52]. نشير إلى أنّ أول الخلفاء الفاطميين "عبيد الله" ( 297هـ/322هـ) اتّخذ لنفسه هذه الكنية.

[53]. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي ولد في طوس (إقليم خراسان)، وفيها درس الفقه، ليلتحق بعد ذلك  بالمدرسة النظامية في نيسابور، حيث درس علم أصول الفقه وعلم الكلام على يد الإمام الجوينى، وفي سنة 484 هـ عيّنه الوزير السلجوقى نظام الملك للتدريس في المدرسة النظامية في بغداد، إلا أنّ الغزالي انقطع عن التدريس بالمدرسة النظامية بعد مهلك الوزير نظام الملك  ليعود إليها في عهد الوزير فخر الملك بن الوزير نظام الملك، بيد أنّ أبا حامد قرّر في سنة 500هـ بعد هلاك الوزير فخر الملك العودة إلى طوس وبها استقر إلى أنْ مات.

[54]. الغزالي (أبو حامد): تهافت الفلاسفة، (سبق ذكره)، ص74.

[55]. ألّف أبو حامد كتاب "فضائح الباطنية" وكتاب "تهافت الفلاسفة" في الفترة الممتدة بين عام484 هـ (تاريخ انتدابه للتدريس بالمدرسة النظامية ببغداد) وعام 500هـ (تاريخ اغتيال الوزير فخر الملك بن الوزير نظام الملك، وفي هذا العام انقطع أبو حامد عن الشأن العام)، وقد تولّى الخلافة في بغداد في تلك الفترة المقتدي بالله (468هـ/487هـ) والمستظهر (487/512هـ). أمّا في مصر(الدولة الفاطمية) فتولّى الحكم معد أبو تميم المستنصر بالله (427هـ/487هـ) وأحمد أبو القاسم المستعلي (487هـ/495هـ) والمنصور أبو علي الآمر (495هـ/524هـ).

[56]. الغزالي (أبو حامد): ميزان العمل، تحقيق  وتقديم سليمان دنيا، دار المعارف ،ط1، القاهرة مصر، وفي ما يتّصل بهذا الكتاب نشير إلى أنّ محمّد بوهلال في الغيب والشهادة في فكر الغزالي، (سبق ذكره)، ص23 اعتبر ميزان العمل من الكتب المنحولة دون أنْ يذكر  أدلة على ذلك، وبصرف النظر عن صحّة نسبة الكتاب إلى الغزالي من عدمه، فإنّ المواقف المذكورة في ميزان العمل في ما يتعلّق بمسألة البعث توافق الموقف الصوفي الّذي اتبعه الغزالي.

[57]. تُنسب الدولة البويهية إلى أسرة بني بويه (الجزء الغربي من بلاد فارس)، وقد ولّى الملك الديلمي مرداويج الزياري عليّا بن بويه الكَرَجَ، وقد استطاع علي بعد مهلك مرداويج ضمّ  أصفهان والري والأهواز... إلى سلطانه، أما دخوله بغداد فكان بطلب من الخليفة العباسي المتّقي لله الّذي كان يريد التخلّص من نفوذ الجنود الأتراك، فقَدِمَ علي إلى بغداد سنة334 في عهد الخليفة المستكفي بالله بعد أنْ خرج منها الأتراك. وقد دام الوجود البويهي في بغداد 113 سنة بدءا من 334 هـ إلى 447 هـ (تاريخ انتصاب السلاجقة في بغداد). اُنظر منيمنة (حسن): تاريخ الدولة البويهية السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي (مقاطعة فارس) ،سلسلة دراسات في التاريخ العباسي، الدار الجامعية، (دون مكان)، 1987، ص190، ص198.

[58]. تُنسب الدولة السلجوقية إلى سلجوق بن دقاق مقدّم الأتراك الغُز، وهي قبائل تركمانية (تركستان)، ويُعدّ طُغْرُلْ بَك أهم الملوك السلاجقة، ففي عهده امتد النفوذ السلجوقي على بلاد فارس والعراق، إذ استطاع طغرل بك كسب تأييد الخليفة العباسي القائم بأمر الله، فأصبح السلاجقة أصحاب القرار في بغداد بعد قتل الملك البويهي الرحيم أبي نصر (440هـ/447هـ) بمباركة من الخليفة العباسي القائم بأمر الله (أبو جعفر بن عبد الله) (391هـ/467هـ)، اُنظر البكجري الحنفي (علاء الدين مغلطاي) (ت762هـ): مختصر تاريخ الخلفاء، تحقيق آسيا كليبان علي البارح، دار الفجر، ط1، القاهرة مصر،2001، ص144 وص145.

[59]. نشير في ما يتصل بهذه المسألة إلى أنّ الخليفة العباسي أبا العباس محمّد بن المنصور الراضي (297هـ/329هـ) استحدث منصب "أمير الأمراء" الّذي قلّده للرائق الّذي خصّ نفس بالنفوذ المطلق، واُنظر كذلك ما كان لوزير التفويض من  نفوذ  في "الأحكام السلطانية والولايات الدّينية "للماوردي، (سبق ذكره)، من ص30 إلى ص34، إذ كان من حقّ وزير التفويض أنْ يولّي ويعزل ويباشر الحكم ويسيّر الجيش ويتصرّف في بيت المال دون العودة إلى الخليفة .

[60]. نشير إلى سعي حاكم الفسطاط محمد بن طُغج (الأخشيد) إلى الانفصال عن خلافة الراضي (297 هـ/329هـ)، اُنظر الدشراوي (فرحات): الخلافة الفاطمية بالمغرب (التاريخ السياسي والمؤسسات)، تعريب حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، ط1، بيروت لبنان، 1994، ص314، ص315 واُنظر أيضا منيمنة (حسن): تاريخ الدولة البويهية، (سبق ذكره)، ص61. 

[61]. نشير في ما يتعلق بهذه المسألة إلى أنّ الدولة الفاطمية اعتمدت أساليب متنوعة منها: بعثها الداعية الفاطمي مؤيد الدين هبة الله الشيرازي إلى العراق لنشر مبادئ التشيّع وإقامة مراكز شيعية في بغداد والنجف من جهة. ومن جهة أخرى عمد خلفاء الدولة الفاطمية إلى مساندة كل الحركات الانفصالية عن الدولة العباسية، ومثال ذلك أنّ المستنصر بالله الفاطمي أيّد أبا الحارث البساسيري في خروجه على الخليفة العباسي القائم بأمر الله. اُنظر سرور(محمّد جمال الدين): تاريخ  الدولة الفاطمية، دار الفكر العربي، القاهرة  مصر، (دت)، ص332.

[62]. نشير إلى أنّ الملك البويهي عضد الدولة (338هـ/372هـ) بعث في عهد الخليفة العبّاسي الطائع لله (363هـ/381 هـ) رسالة إلى الخليفة الفاطمي نزار أبو منصور العزير بالله (365هـ/386هـ) قدّم فيها الولاء والطاعة. أمّا الملك البويهي أبو كاليجار مرزبان (435هـ/440هـ) فأمر في عصر "القائم بأمر الله" بالدعاء في خطب الجمعة للخليفة الفاطمي "المستنصر بالله" على منابر الأهواز وبغداد. اُنظر الصلاّبي (علي محمد): دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي، مؤسسة اِقرأ، ط1، القاهرة مصر، 2006، ص53 وص66 .

[63]. يعود نجاح الدعوة الباطنية في استقطاب العامة إلى رفع أصحاب المذهبي الشيعي شعارات تدعو إلى نصرة المستضعفين بالإضافة إلى سعيهم إلى استمالة رجال الدولة باللين حينا وبالعنف حينا آخر، اُنظر المرجع نفسه، ص109 ص110 .

[64]. اُنظر (ص ط) مقدّمة عبد الرحمان بدوي التي وضعها لكتاب الغزالي فضائح الباطنية، مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت، (دت).

[65]. ابن العماد الحنبلي الدمشقي (شهاب الدين أبو الفلاح عبد الحي) (ت1089هـ): شذرات الذهب  في أخبار من ذهب، تحقيق  عبد القادر الأرناؤوط ومحمود الأرناؤوط، دار ابن كثير، ط1، دمشق سوريا، 1989، مج 5، ص362 ومج6،ص8.

[66]. اُنظر المرجع نفسه، مج5، ص364.

[67]. الغزالي (أبو حامد): المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزّة والجلال، حقّقه وقدّم له جميل صليبا وكامل عيّاد، دار الأندلس للنشر، ط3، بيروت لبنان، 1967، ص91 وفيها نقرأ "اتّفق أنْ وَرَدَ عليّ أمر حازم من حضرة الخلافة بتصنيف كتاب يكشف عن حقيقة مذهبهم"، وقوله كذلك في مقدّمة كتاب فضائح الباطنية:" خرجت الأوامر الشريفة المقدّسة النبويّة المستظهرية بالإشارة إلى الخادم في تصنيف كتاب في الردّ على الباطنيّة" ص3، وهو أمر درج عليه خلفاء بني العبّاس والسلاطيون السلاجقة ووزرؤاهم، فنظام الملك استند إلى عبد الملك الجويني (419 هـ/478هـ) لمواجهة المد الشيعي الباطني، إذ وضع "إمام الحرمين" "العقيدة النظامية في الأركان الإسلاميّة" (رواية أبي بكر بن العربي عن أبي حامد الغزالي)، تعليق وتحقيق محمّد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية، القاهرة مصر، 1992"، وللمزيد من التوسّع في هذه المسألة 

  جلال (موسى): نشأة الأشعرية وتطوّرها، دار الكتاب اللبناني، بيروت لبنان، 1982، ص377، ولعله من المفيد الإشارة إلى أنّ الجويني لم يُهاجم الباطنية هجوما مباشراً، فهو لم يخصّص لهم كتابا يُبيّن فيه فساد معتقداتهم، وإنّما تناول آراءهم بالتحليل مثلما تناول آراء المعتزلة والخوارج والمرجئة...، وذلك كي يؤكّد صحّة  المذهب الأشعري. في حين خصّص الغزالي لمحاربتهم كتبا عديدة منها "مفصّل الخلاف" و"فضائح الباطنية" و"حجّة الحقّ"..

[68]. الغزالي (أبو حامد): المنقذ من الضلال، (سبق ذكره)،ص91

[69]. اُنظر المرجع نفسه، الهامش الوارد في  ص91.

[70]. ذهب الفارابي في  ما يتّصل بمسألة الجزاء والعقاب إلى القول إنّ "للنفس بعد موت البدن سعادات وشقاوات، وهذه الأحوال متفاوتة للنفوس، وهي أمور لها مستحقّة، وذلك لها بالوجوب والعدل"، ص18 من "عيون المسائل" ضمن كتاب مبادئ الفلسفة القديمة، المكتبة السلفيّة، مطبعة المؤيد، القاهرة مصر، 1910، (نسخة مصوّرة). واُنظر  كتاب الجمع بين رأيَي الحكيمين، (سبق ذكره)، ص46 وص47. أمّا الشيخ الرئيس فأقرّ أنّ النفس جوهر روحاني مستقلّ عن البدن موجود قبل البدن وسيظل بعد فنائه (البدن)، ففي "النجاة في الحكمة المنطقيّة والطبيعيّة والإلهيّة، (موجز لكتاب الشفاء: أقسام المنطق والطبيعيات والإلهيات)، تحقيق ماجد فخري، منشورات الآفاق الجديدة، ط1، بيروت لبنان، 1985، ذهب إلى أنّ النفس "لا تموت بموت البدن ولا تقبل الفساد أصلاً [... معتبرا أنّ المعاد منه ما كان] مقبولا من الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلاّ من طريق الشريعة وتصديق خبر النبوّة، وهو الّذي للبدن عند البعث وخيرات البدن وشروره معلومة لا تحتاج إلى أنْ تُعلم [...]، ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس البرهاني، وقد صدقته النبوة، وهو السعادة والشقاوة الثابتتان [...] للأنفس وإنْ كانت الأوهام منّا تقصر عن تصوّرها الآن [...مؤكدا أنّه] كلّما ازداد الناظر استبصارا ازداد للسعادة استعدادا، [...] ونقول أيضا إنّ هذه السعادة الحقيقية لا تتمّ إلا بإصلاح الجزء العملي من النفس" [... أضف إلى ذلك ]" أنّ الصورة الخيالية ليست تضعف عن الحسيّة بل تزداد عليها تأثيرا وصفاء كما تشاهد ذلك في المنام، فربما كان المحلوم به أعظم شأنا في بابه من المحسوس". اُنظر من ص325 إلى ص333.

[71]. الغزالي (أبو حامد): تهافت الفلاسفة، قدّم له سليمان دنيا، دار المعارف، ط8، القاهرة مصر، (دت)، ص287.

[72]. اُنظر ابن رشد (أبو الوليد): تهافت التهافت، (سبق ذكره)، ص134 ص135.

[73]. اُنظر الحديث القدسي الّذي أورده الغزالي في "تهافت الفلاسفة، (سبق ذكره)، ص284:"... أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ...،" وقد ورد هذا الحديث ضمن "الأحاديث القدسية" بصيغة مختلفة بعض الشيء، اُنظر الأحاديث القدسية، إعداد نخبة من العلماء، دار الاعتصام، القاهرة، مصر، (دت)، ص180ص181"، وقد أوّل الغزالي الحديث بما يجعله دالا على أنّ العقاب والثواب يتمّان في الآخرة بالأجساد، في حين اعتبر معارضوه النفي دالا على أنّ العقاب والثواب في الآخرة لا يكونان بالأجساد وإنّما يكونان بالأنفس.

[74]. الغزالي (أبو حامد): فضائح الباطنية، (سبق ذكره)، ص44 ص45.

[75]. نشير إلى أنّ الغزالي صرّح بأنّ مراده يتمثّل في بيان فساد طريق الفلاسفة، ويتجلّى ذلك في قوله " رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء وقد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات واستحقروا شعائر الدين [...] يتبعون في [ذلك] رهطا يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون ولا مستند لكفرهم غير تقليد سماعي [...و] مصدر كفرهم سماعهم أسماء هائلة كسقراط وأفلاطون وأرسطو وأمثالهم ".تهافت الفلاسفة"(سبق ذكره)، ص 73 وص74.

[76]. بيّنت دراسات معاصرة عديدة أنّ  فكر ابن سينا كان رافدا رئيسا لفكر أبي حامد الغزالي، اُنظر أهم الدراسات التي تناولت هذه المسألة في بوهلال(محمّد): الغيب والشهادة في فكر الغزالي، (سبق ذكره)، ص24 وص25.

[77]. أبو الوليد محمّد بن أحمد بن محمّد بن رشد، ولد بقرطبة وفيها اشتغل بالقضاء، درس الفقه والطب والطبيعيات والرياضيات والفلسفة، وفي عام 548هـ اتّصل بأبي يعقوب يوسف صاحب المغرب الّذي حثّه على تلخيص كتب أرسطوطاليس، وفي 567 هـ عُيّن قاضي قضاة إشبيلية، ليعود إلى مرّاكش سنة 578هـ ليُعيّن طبيبا للسلطان أبي يعقوب يوسف، وقد توّفي ابن رشد في مراكش سنة 595 في خلافة أبي يوسف يعقوب الابن الملقّب بالمنصور.

[78]. ابن رشد (أبو الوليد): تهافت التهافت، (سبق ذكره)، ص134 وص135.

[79]. نشير في هذا المجال إلى أنّ  الغزالي لم يميز في كتابه تهافت الفلاسفة، (سبق ذكره) بين الجسد والبدن (اُنظر ص81 وص287) من جهة، ومن جهة أخرى لم يميّز بين النفس والروح ( اُنظر ص 282)  

[80]. حنفي (حسن): مستويات حضور الجسد في الخطاب القرآني، مجلة عالم الفكر، المجلس الوطني للآداب والفنون، دولة الكويت، العدد 4 المجلد 37، أفريل جوان 2009، ص 13.

[81]. آل عمران 3/59.

[82]. السجدة 32/ 7-9.

[83]. الحجر 15/29 وص 38/72.

[84]. دلّ "الروح" في القرآن الكريم على الذات الإلهية. أمّا "روح القدس" فدلّ على (جبريل). في حين دلّت النفس في النص القرآني على الحياة الإنسانية (الدم) والإرادة بصورة عامة، ونحن إذا ما دققنا النظر في دلالات النفس في  النص القرآني ألفيناها شديدة الالتصاق بالجسد" أَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى "(النازعات79/40)" وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا" (الشمس 91/7-8). أمّا في ما يتصل بالروح فإنّ رجاء بن سلامة بيّنت في "الموت وطقوسه من خلال صحيح البخاري ومسلم، دار الجنوب للنشر،سلسلة معالم الحداثة، تونس،1997، من ص32 إلى ص36 علاقة الروح في القرآن الكريم بمعتقدات العرب في الجاهلية التي كان فيها الروح دالا على المتعالي الغيبي اللاهوتي. ولمزيد من التوسّع في الفرق بين النفس والروح في الثقافة العربية الإسلامية راجع فريد الزاهي الجسد والصورة والمقدّس، (سبق ذكره)، ص46 وص49- على أنّ علاقة النفس بالروح تظلّ - رغم ذلك-، ففي"معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية"، دار الجنوب، تونس،1994، ص472 ذهب جلال الدين سعيّد إلى القول إنّ "النّفس L’âme والروح L’esprit لفظان مترادفان [وهو التصور السائد قديما وحديثا] إلاّ أنّ بعض الفلاسفة يُفرّقون بينهما باعتبار أنّ معنى النّفس يتضمّن معنى الجوهرية الفرديّة وأنّ مفهومها أغنى من مفهوم الروح ومجالها أوسع من مجال الشعور ".

[85]. أبو بكر محمّد بن عبد الملك بن محمّد بن طفيل الأندلسي درس في غرناطة أقسام الحكمة وبرع فيها، وله بالشعر والفلك والطب معرفة ودراية، وقد اتخذه السلطان أبو يعقوب يوسف صاحب المغرب طبيبا له، وفي مراكش تُوفّي ودُفن.

[86]. ابن طفيل  الأندلسي (أبو بكر محمّد): حي بن يقظان، دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة تونس، 1979، ص36 .

[87]. بيّن بوهلال (محمّد): الغيب والشهادة في فكر الغزالي، (سبق ذكره)، ص404 وص405 أنّ الصوفي رأى- وما يزال- " العالم الحسي جزءا من عالم أوسع ذي طابع روحاني يستمدّ منه معناه واتّجاهه، فما من مظهر في العالم الحسّي إلاّ وله مثال مشابه في العالم العلوي [...أضف إلى ذلك] اعتبار اتّحاد النفس بالعالم الأعلى هو المآل الطبيعي لها، فهو موطنها الأصلي ومستقرّها النهائي".

[88]. ابن طفيل  الأندلسي (أبو بكر محمّد): حي بن يقظان، (سبق ذكره)، ص36.

[89]. وزّع أبو حامد الغزالي المواقف المتعلقة بالحشر والنشر على أربع فرق أقرّت الأولى  بالحشر على نحو "ما نطق به الشارع [... فأثبتت] اللذات الحسيّة التي ترجع إلى المنكوح والمطعوم [... أما الفرقة الثانية فتحدّث أصحابها عن] لذّة عقلية، وأمّا الحسيات فأنكروا وجودها من خارج، ولكن أثبتوها على طريق التخيّل في حالة النوم [... أما الفرقة الثالثة فذهبت ] إلى إنكار اللذة الحسية جملة بطريق الحقيقة والخيال [...فـ] الموت يقطع العلاقة بين النفس والبدن [...] وزعموا أنّ الحسيات بالإضافة إلى اللذات الكائنة في الدار الآخرة في غاية القصور [...وإنّما] مثّلت لهم(العامة) تلك اللّذات بما عرفوها من الحسيات [..] وإلى هذا ذهبت الصوفية والإلهيون من الفلاسفة من عند آخرهم، [...أما أصحاب الفرقة الرابعة] فذهبوا إلى أنّ الموت عدم محض وأنّ الطاعة والمعصية لا عاقبة لهما" ميزان العمل، (سبق ذكره)، من ص182 إلى ص185.

[90]. اُنظر في ما يتعلق بوجوه الائتلاف بين التصوّف والفكر الباطني الفصل الأول" الصوفية والباطنية "من الباب التاسع" الصوفية وثمرات التصوّف" من الشرقاوي (حسن محمّد): الحكومة الباطنية، المؤسسة الجامعية للدراسات والتوزيع، ط1، بيروت لبنان، 1992، ص193، وفي هذا الكتاب ذهب الباحث إلى أنّ الجامع بين التصوف والفكر الباطني ماثل في  صرف الألفاظ والعبارات "إلى غير ما هدفت إليه [...بعيدا] عن حقيقة المعنى المقصود". 

[91]. الغزالي (أبو حامد): المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزّة والجلال، (سبق ذكره)، ص99. 

[92]. نشير في ما يتّصل بهذه المسألة إلى أنّ العباسيين عمدوا إلى محاربة المدّ الشّيعي بطرق متنوّعة تعلقت بمجالات مختلفة بعضها تعليمي (المدارس النظامية،..)، وبعضها ديني (التشكيك في صحّة نسب الفاطميين إلى فاطمة الزهراء بنت رسول الله r، ففي سنة 444 هـ أصدر الخليفة القادر بالله محضرا في هذا الشأن). اُنظر سرور(محمّد جمال الدين):  تاريخ الدولة الفاطمية، (سبق ذكره)، ص323.

[93]. أبو العبّاس أحمد بن  المقتدي بالله عبد الله بن الأمير محمّد القاسم العباسي (470-512).

[94]. اُنظر ص د  من مقدّمة عبد الرحمن بدوي لكتاب "فضائح الباطنية"، (سبق ذكره).

[95]. المرجع نفسه، ص216، ص223، ص224.

[96]. البغداديّ (عبد القاهر): الفَرقُ بين الفِرَقِ، (سبق ذكره)، ص213، ص216، ص221.

[97]. المرجع نفسه، ص213.

[98]. المرجع نفسه، من ص5 إلى ص20.

Laoust (Henri) :La Politique de Gazl,Paul Geuthner,Paris,1970. [99]

[100]. ذهب محمّد بوهلال في مقال له بعنوان "حول وَحدة علم الكلام" نُشر في العدد السابع من مجلّة آداب القيروان، كليّة الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان (هذا المقال في الأصل هو الفصل السابع من كتاب "إسلام المُتكلّمين"، الصادر ضمن سلسلة الإسلام واحدا ومتعدّدا" عن رابطة العقلانيين العرب ودار الطليعة للطباعة والنشر، ط1، بيروت لبنان، 2006، من ص211 إلى ص232) إلى أنّ الموقف الأشعري رام "خدمة أغراض سياسية وإيديولوجيّة" ص180، فالغزالي على سبيل المثال اختزل علم الكلام في "ثلاث وظائف دفاعية هي: مقاومة البدع  ومحاولة ردّ أصحابها إلى جادّة الحقّ وحماية عقائد العامة" ص175.

[101]. ابن طفيل ( أبو بكر): حي بن يقظان، (سبق ذكره)، ص36.

[102]. اُنظر ص ي  من مقدّمة عبد الرحمن بدوي لكتاب "فضائح الباطنية"، (سبق ذكره).

[103]. الغزالي (أبو حامد): فضائح الباطنية، (سبق ذكره)، الطرف الثالث من الباب الرابع "معتقدهم في الإمامة" من ص42 إلى ص44.

[104]. المرجع نفسه، 46.

[105]. اُنظر ابن خلدون (عبد الرحمان): المقدّمة، (سبق ذكره)، ص244 .

[106]. الغزالي ( أبو حامد): إلجام العوام عن علم الكلام، (سبق ذكره)، ص66.

[107]. المرجع نفسه، ص49 .

[108] أبو يعلي (محمّد بن الحسن الفرّاء الحنبلي) (ت458هـ): الأحكام السلطانية،حقّقه محمد حامد الفقي، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، 2000، ص22، وهو أمر فيه تضارب مع ما صرّح به أبو بكر عندما خاطب المسلمين يوم تولّى الخلافة إذ قال لهم: "إنّي قد ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإنْ أحسنت فأعينوني وإنْ أسأت فقوّموني [...] أطيعوني ماأطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم "ابن هشام (أبو محمّد عبد الملك بن هشام) (229.هـ)، السيرة النبويّة، دار الفجر للتراث، ط2،القاهرة مصر، 2004، ج4، ص220 .

[109]. اُنظر الزاهي (فريد): الجسد والصورة والمقدّس، (سبق ذكره)، من ص 25  إلى ص29.