الجسد والحداثة: الطب والقانون في مصر الحديثة

فئة :  قراءات في كتب

الجسد والحداثة: الطب والقانون في مصر الحديثة

الجسد والحداثة:

الطب والقانون في مصر الحديثة

د. خالد فهمي


من يصنع التاريخ؟ وأيّة مدارس فلسفة التاريخ نتبع ونقرأ ما ترصده وتفنده؟ وماذا عن نظرية الرجل العظيم الذي يشكل بأمره تاريخ أمّة، ويتحوّل بالتدريج إلى تاريخ بشرية بأكملها؟ الأمر ليس معقدًا أو رتيبًا أو كما يتصور البعض أنّ التاريخ مادة جامدة لا حياة فيه؛ فالدراسات والقراءات حول التاريخ تثبت أنه علم قائم بذاته، له حدث وتجربة ومشاهدة، واستنتاج ما ترتب على الحدث.

لطالما شكّلت قراءة التاريخ رؤىً فكرية متباينة وفلسفات عدة، وسواء اتفقت أو اختلفت في تناول الحدث التاريخي، إلا أنها استقرّت في نهاية الأمر حول مضمون الأحداث التاريخية وتسلسلها، رغم وجود آراء مختلفة حول حدث ما، وأنتجت في نهاية الأمر نظريات لقراءة التاريخ ومدارس تتحدث عمّن يحرك التاريخ، وإن كانت لنظرية الرجل العظيم النصيب الأكبر من الكتابات والتحليلات التاريخية، والعمل ضمن إطار تحريك التاريخ، وتجاهل حركة الجماهير ووضعهم داخل الحدث، وما إذا كانت لهم آراء على ما يحدث من حراك سلطوي ومجتمعي.

هذا ما يرصده دومًا د.خالد فهمي، وذلك منذ مشروع رسالته الأولى حول "كلّ رجال الباشا" التي تناول فيها رجال محمد علي باشا، ومنها بدأ كتاباته ذات الطابع الممّيز حول رأي الجمهور فيما سُمّي بحركة النهضة المصرية، وهل كانت نهضة للأنفار أم اقتصرت على الشكل العام لوجه الأسرة الجديدة التي تبوأت مكانة ضمن أسر التاريخ الحاكمة؟

يتناول د.خالد فهمي في كتابه (الجسد والحداثة، الطب والقانون في مصر الحديثة) التأريخ من زاوية مختلفة، تتناول الفترة الأولى من عصر النهضة المصرية إبان حكم محمد علي باشا الذي لا يعتمد على رؤية رجالات عصر النهضة ممن نالوا القدر الوافي من إيجابيات النهضة سواء بالسفر ضمن بعثات علمية إلى دول أوروبا، أو بعض الرجال الذين استقدمهم محمد علي باشا إلى مصر كي يعلّموا أهلها ويطوّروا من صناعتها داخل حركة النهضة، وتأسيس دولته التي كانت على غير رغبة الباب العالي في استانبول، والدولة البريطانية.

الكتاب يركّز على مسألة في غاية الأهمية، وهي تسليط الضوء على مجريات الحياة اليومية وممارسة عامة الناس لأعمالهم ورؤيتهم لما كان يدور حولهم من حركة نهضوية، ومدى تفاعلهم مع الحدث، خاصة في موضوعي الكتاب، حيث إنّ الطب والقانون لهما دور مهم في طبيعة الحياة لدى الأنفار في مصر، فبعد سنوات طويلة عاشت فيها مصر تحت حكم الدولة العثمانية خلّفت وراءها عقماً في التفكير وتخلفاً، وباتت فيه البيمارستانات - التي تأسست في عهد المماليك- خرائب، وتبدّل حال الطب إلى الطقوس الشعبية، وكان القانون بحالة جامدة، يأتيهم بعد هذا عصر جديد تحت حكم محمد علي باشا وعصر النهضة في مصر، وتحديث حال الطب والقانون فيما بعد.

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن دومًا ـ خاصة لدى قارئ التاريخ، وسط كلّ هذه الأحداث المتعاقبة على مصر، ودخول الحملة الفرنسية بنورها ونارها، ومن بعدها محمد علي باشا وأسرته، وما جرى في مصر من متغيرات على المستوى العام ـ كيف كان حال المصريين أنفسهم، وكيف كان تجاوبهم وتفاعلهم مع الحداثة؟

في مقدمة كتابه (الجسد والحداثة، الطب والقانون في مصر الحديثة) ذكر د. خالد فهمي ثلاثة أحداث رصدت لتفاعل الأنفار مع الحدث، من خلال كتابات مؤرخي ذلك العصر، فعنون المقدمة بالأحداث "الطيارة والجنازة والخازوق"، حول الحملة الفرنسية وابتكاراتها العلمية التي أحضرتها إلى مصر، وإعدام (سليمان الحلبي) على الخازوق، وجنازة (كليبر) المهيبة. كانت الأزبكية مسرح الحدث الأول حين ظنّ الفرنسيون أنّ اختراعاتهم ستبهر المصريين، وأعلنوا عن مركب سيطير في سماء مصر، وتوجهوا إلى الأزبكية ليشاهدوا الــ "حيلة الفرنساوية" التي لم تكن سوى كرة ملونة حمراء وزرقاء وبيضاء ملأى بالهواء الساخن، تشبه كثيراً الطيارة التي يصنعها الفراشون في المواسم والأفراح في ذلك الوقت. لكن الحيلة لم تقنع المصريين بشيء، ورأوا أنها هراء فرنسي، وقد تسبب ذلك في إحباط الفرنسيين، وظهر هذا الإحباط في مراسلاتهم لذويهم في فرنسا "أنّ المصريين يعبرون الأزبكية، حتى دون أن يلتفتوا لهم ماذا يصنعون"، إن كان هذا حال الأهالي في لقطة عابرة حول مظهر من مظاهر الحداثة، فما بال ردة فعلهم فيما بعد، حينما حكم محمد علي مصر وأدخل النهضة إليها؟

جاء الكتاب في خمسة فصول، تضمّنت الطب ومؤسساته وكيف كانت ردة فعل الأهالي معه، والقانون وارتباطه بكلّ من الطب والأهالي.

في الفصل الأول حاول د. خالد فهمي أن يقدّم صورة عن التاريخ الاجتماعي للطب في القرن التاسع عشر على ثلاثة مستويات تحليلية: "الإنتاج، والاستهلاك، والتجلي"؛ فقد استقدم محمد علي باشا الطبيب الفرنسي (أنطوان كلوت) لكي يؤسس في مصر طبّاً على أسس علمية كما في النهضة الأوروبية، وتمّ بناء صرح طبي لا يزل حتى الآن قائماً، أطلق عليه (القصر العيني)، وكان مدرسة ومستشفى طبيًا يمارس فيه الطب الجديد، ويصوّر الفصل الأول كيف كان مستوى المستشفى، وكيف استقبله المجتمع، لقد تجلى الأمر الحدث لدى المصريين، وتغلغل الطب في نسيج المجتمع، واختلف عن الطب التقليدي الذي اعتاده المصريون. وقد عزف الأهالي عن دخول المستشفى والوحدات الصحية التي ملأت أرجاء المحروسة مكتفين بحلاق الصحة، أو ببعض الوصفات القديمة، وكانت حالات قليلة هي التي تذهب إلى القصر العيني، إلا أنّ الموت وحده كان يجعلهم ملتزمين في الكشف عن سبب الوفاة، لأنه يتبع سجلات الدولة والإحصاء الذي تعدّه السلطة، فخشية السلطة وتمركز المجتمع حولها جعلهم يسيرون داخل نظام صارم فيما يخصّ الكشف على الموتى، ومع ذلك كان هناك تحايل والتفاف على هذه السلطة الطبية والقانون.

أما الفصل الثاني، فقد جاء لتعريف المصطلح الوافد على المجتمع والمرتبط بالطب والقانون، وهو "الطب الشرعي" أو ما عرف آنذاك بــ "الطب السياسي"، وهو الذي تعلق بمسألة تشريح الجثث للوقوف على سبب الوفاة، وكان ذلك ضمن المدخلات الحديثة على القوانين المصرية التي كانت تتبع الشريعة بصفة عامة، وقد كان تحديث محمد علي له بمثابة الوقوف على أعتاب ما وقفت عليه أوروبا في قوانينها، وهنا نجد أنّ الطب السياسي الذي استمد وجوده من القانون قد لعب دوراً مركزياً في النظام القضائي المصري في القرن التاسع عشر، ولم يكن منافيًا للشريعة مستبدلاً إياها بقوانين علمانية، بل أعلى من شأنها، ولم يتعارض معها في التشريح. والغريب أنّ ردة فعل المصريين لم تتسم بالعنف، وذلك بسبب الجهد الذي بُذل في إقناع رجال الدين بمسألة التشريح وردّة فعل الأهالي تجاهه، وقد مثل الطب السياسي واحدًا من مجالات الحداثة التي كانت محلاً للصراع .

في الفصل الثالث، تطرّق الباحث إلى النساء والطب والسلطة، حيث أنشأ محمد علي باشا وكلوت بك في عام 1832م مدرسة القابلات، وكانت مدة الدراسة فيها ست سنوات، وقد أطلق عليهن اللقب التقليدي في مصر "دايات"، إلا أنّ المؤرخة لافرن كونكي أطلقت عليهن اسم الحكيمات، حيث أنهن نلن قسطًا وافراً من التعليم على مدار ست سنوات تعرفن خلالها على علم الطب الحديث وإجراء الجراحات، إذن هن طبيبات على عكس الدايات.

وقد كان للجدري الذي حصد الأرواح في عام 1825 دور في إنشاء هذه المدرسة، بعدما أحضر محمد علي باشا أطباء فرنسيين قاموا بهذا الدور، خشية منه أن يتساقط عرش حلمه، ولا سيّما أنّ كلوت بك كانت له رؤية أخرى حول إقامة مدرسة للحكيمات، بعدما استشرى وباء أخر وهو داء الزهري، خاصة بين صفوف جنود الجيش، فربما تحوّل مشروع تعليم الطب للفتيات من مشروع "تنويري" إلى مشروع خلقي.

العدالة والقانون والدولة الحديثة، هو عنوان الفصل الرابع، وكان معبّرًا عن محتواه، فقد تناول د. خالد فهمي في هذا الفصل مؤسسات قانونية استحدثت في تلك الفترة، مثل "المجلس الخصوصي"، و"ضبطية مصر"، و"ضبطية الإسكندرية"، و"مجلس الأحكام". ويُعدّ الأخير أهمها، إذ اضطلع على الكثير من القضايا والخصومات، وقد ظلّ هذا المجلس يعمل حتى منتصف ثمانينات القرن التاسع عشر، بعد استبدال النظام القضائي بنظام أوروبي.

وقد حوت هذه المؤسسات على سجلات تتنوع فيها القضايا بين ما يمكن أن نطلق عليه قضايا جنائية وتجارية وإدارية. ومن خلال هذه السجلات عرض د. خالد فهمي قضية مهمة جمعت بين شخص في أعلى درجات السُلّم الاجتماعي مع أشخاص في أدنى درجات هذا السُلّم، فقد تقدّم العبيد العاملون في دائرة أحد أعضاء البيت الحاكم بشكوى ضدّ أحد البكوات الذي يعمل في الدائرة نفسها، وبعد سجال من التحقيقات والمراوغات أثبت خلالها إدانة البك في قتل بعض العبيد، إلا أنّ المجلس لم يصدر حكماً ضدّه رغم امتلاكه لسلطة الحكم، وأرسل القضية إلى سعيد باشا الذي حكم فيها بنفي البك خارج البلاد. من خلال قراءة العديد من القوانين الصادرة في مصر خلال الثلثين الأولين من القرن التاسع عشر، يتضح أنّ مفهوم العدل لم يكن مبنيًا على مبدإ المساواة بين المواطنين، وذلك لأنّ الناس في كلّ الأنظمة ما قبل الحديثة التي تتسم بالتعقيد لم يكونوا متساوين في الحقوق والواجبات.

تناول الكاتب في الفصل الخامس العدالة والقانون والألم في مصر الخديوية. لقد انتقد بعض الرحالة ما يحدث في مصر من قطع ليد اللصوص وفقًا للشريعة، واعتبروه حكمًا تعسفيًا يؤذي مشاعر السياح المتجولين بالقاهرة، فلما انتبه محمد علي لذلك، ورأى أنّ الفقر المدقع سبب في السرقة، قرّر وشم اللصوص بحرف حاء أو كتابة كلمة "حرامي" على كفّ اليد بدلاً من بترها. وقد لعب الألم الجسدي دورًا حاسمًا في النظام الجنائي الذي تطور في مصر خلال حكم محمد علي باشا وحكم خلفائه، ومع ذلك لا يعتبر المؤلف أنها كانت خطوة نحو العلمنة كما يظنها البعض، بل كانت الفكرة إكمال ممارسات ومؤسسات الشريعة وليس الحلول محلها، واستمر التزاوج بين السياسة والحكم بالشريعة...

كتاب الجسد والحداثة يعتبر مادة أكاديمية دسمة، تتناول رؤية تاريخية مختلفة وغير تقليدية لتاريخ الشعوب، تناول فيها الكاتب الحدث التاريخي من منظور البعد الشعبي، وتناول نظرية التابع في تحريك التاريخ. والكتاب، في مجمله، ينقل صورة للمواطن المصري في بدايات الحداثة والنهضة العلمية في أرجاء المحروسة، ومدى تأثره وتأثيره، وكيف كان تاريخ المواطن العادي آنذاك.

جاء كتاب الجسد والحداثة، الطب والقانون في مصر الحديثة، في طبعته الثانية لعام 2012، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، ضمن سلسلة (مصر النهضة) في 241 صفحة.

قام بتأليف الكتاب د. خالد فهمي، وترجمه إلى العربية د. شريف يونس أستاذ التاريخ بجامعة حلوان.