الحوار أم الصدام؟

فئة :  مقالات

الحوار أم الصدام؟

في الحوار يتكامل كل طرف مع مقابله، في مركب جديد متطور، متفوقٍ على كل ٍمن المركبين السابقين، وفي الصدام يلغي كلُ طرفٍ الآخرَ، ليموتَ الاثنان في النهاية، لأنه في اللحظة التي يلغي فيها أحد الأطراف الطرف الآخر، يكون قد حكم على نفسه بالإلغاء. فالحوار هي آلية نجاة الجميع. لأنها وثيقة الاعتراف المتبادل بالوجود الذي أسبغه الله على الجميع، يروى في حوار جرى بين اثنين أن أحدهما قال للآخر: هل لك في الحوار؟ فقال: على عشرة شروط!! قال و ما هي؟ قال: ألا تغضب، و لاتعجب، ولاتشغب، ولاتحكم، ولا تقبل على غيري وأنا أكلمك، ولا تجعل الدعوى دليلاً، ولا تجوز لنفسك تأويل آيةٍ على مذهبك، إلا جوزت لي تأويلَ مثلها على مذهبي، وعلى أن تؤثر التصادق، وتنقاد للتعارف، وعلى أن كلاً منا يبغي من مناظرته؛ أن يكون الحق ضالته والرشد غايته!![1]

دخل عليَّ صديقي التركي (عاصم) مع طفله الصغير الذي أعجبته مكتبتي وتلون كتبها، فانطلق في هذا العالم الجديد يعس فيه ويكتشف؟! إلا أنه سرعان ما عاد إلى منعكسات اللجم التي عُوِّد عليها، فكانت والدته لا تنطق إلا بلفظ ابتعد لا تلمس أو لا تقترب وممنوع!! المهم كان حرف (لا) المقدس يتكرر كالمطرقة على رأس الصبي المذهول، بين جاذبية المكتبة وأغراضها وبين حرف (لا) العنيد البئيس والمتكرر؟! وبقي الطفل يتأرجح بين كلمات اللجم، والقانون الميمي الثلاثي (ما يصير. ممنوع. ما في) ونظرات التخويف، وبعضاً من صفعات والده التربوية !! وأردت أن أقوم بتجربة صغيرة مع هذا الطفل، فبدأت في (حواره)، وكان دوري أن أعلمه (أسماء الأشياء)[2] ومن خلال التعريف أسمح له بالدخول إلى العالم المزدحم من حوله فبدأ الطفل فتجرأ فـ (نطق) وتجاسر فتكلم فـ (سأل)، ولكنني أدركت أن هذا الطفل (الصفحة البيضاء) يتشكل فيه (نقشنا) بقدر الجهد المبذول من خلال ساعات العمل.

والإنسان في الواقع كمعادلة ليس أكثر من: وضع صيرورة، ومحصلة تراكمية بطيئة للحظات الجهد الواعي خلال وحدات الزمن التي مرت قبل كل لحظة جديدة، وهذا التراكم لا يتوقف إلا بالموت؛ فالموت هو توقف الصيرورة، وإن كان كثير من الناس أموات، وهم محسوبين من الأحياء.

هذه الواقعة السابقة، أثارت في ذهني بعض الذكريات من الوسط الألماني، وطريقة المرأة الألمانية في معالجة طفلها اليومي. كنت أتأملها، وهي تعطيه كل الوقت، تنمي عقله، بـ (احترام السؤال) وتنمية (الدهشة) واستثارة (روح الفضول) وتشجيع (الحوار)، وطرد شبح الخوف منه، وجرأة (النقد والنقد المضاد) والتعبير عن وجهة النظر أمام الملأ بدون وجل أو اضطراب جنباً إلى جنب، مع العناية بغذائه ونظافته وحمَّامه اليومي، وتشكيل السلوك عنده في عدم إلقاء شيء على الأرض، أو عدم إخراج الأصوات من فمه أثناء ارتشاف الشوربة أو الشاي، فهي حضارة النظام والنظافة والهدوء. وأدركت أن الطفل في مجتمعنا ومن خلال تركه للظروف (تُشَكِّله هي) ينبت وقد اغتيلت عنده مجموعة من الصفات النفسية الإيجابية، لعل أبرزها (روح الدهشة) في تأمل العالم، لأنه مع وأد روح الدهشة تتوقف آلية الفضول، فيُقتل النمو وروح البحث العلمي عنده دفعة واحدة. وبالتالي لذة (الجِدَّة) في الحياة التي تخلع على الحياة معنى وتشحنها بالاستمرارية والنمو، وبكسب العادات العقلية الجديدة هذه، ينشأ ليس على الانطلاق وروح المغامرة وحب اكتشاف المجهول، بل على السلبية والجمود والخوف والتقليد الأعمى. كما ذكرتني الواقعة آنفة الذكر، بالدراسة الشيقة التي قام بها عالم النفس السويسري (جان بياجييه)(JEAN PIAGET)[3] عندما قام بدراسته على أولاده الثلاثة، من خلال دراسة (التطور الروحي الحركي) وارتقائه مع ارتقاء الإنسان في العمر، ووضع اتجاهاً كاملاً بين مدارس علم النفس التي اجتهدت في فهم المزيد عن الآليات النفسية وعملها عند الإنسان، وعلاقة ذلك في بناء العادات العقلية، ومنها كسب آلية الحوار التي نحن بصددها.

يرى (بياجييه) أن: ((كثيراً من المفاهيم، مثل التفكير والذكاء والوعي والقيم والتوقع)) تعود إلى ((تأثير البيئة على الإنسان)) الذي هو ((محكوم بمدى وعيه بها، وهو وعي يمر في مراحل ارتقائية مختلفة)).[4]

فكرة الزوجية (القانون الأنطولوجي الوجودي - وعلاقته بالحوار):

إن الزوجية هي القاعدة الأولى التي ينطلق منها الوجود المخلوق عداه سبحانه وتعالى؛ فكل شيءٍ من الأناسي والحيوان والثمار و(الأفكار) خُلق زوجين وليس فرداً، وبغرض التزاوج (ومن كل شيءٍ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) (51: 49) فالإنسان يولد من زوجين أب وأم، كذلك الحيوان والنبات، وكذلك الأفكار، فكل فكرة هي مولودٌ من أب وأم، وفروع وأصول ... (سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون) (36: 36) ... وتزاوج فكرتين _ بشروط الزوجية _ يخصب العلاقة بذرية جديدة صحيحة البنية، ولكن مع هذا قد يحدث زواج ولايحصل الإنجاب، بفعل عقم أحد أو كلا طرفي العلاقة. فالشرط العضوي أساسي في الزواج، ولا يتم الإنجاب بدونه، ولكنه مع هذا فهو شرط غير جامع ولا مانع.

إذا فشلت العلاقة الجنسية فشل الزواج في الغالب، ولكن إذا نجحت، فإنه لا يعني أن الحياة الزوجية في مركب استقرار، بل لا بد من الشرط الكامل (الجامع والمانع): (المودة والرحمة) فحتى يأتي الأطفال إلى الدنيا، لابد من زواج بين رجل وامرأة، وحتى يرى الحيوان ذريته من أي نوع، لابد من زواج ذكره بأنثاه، وحتى يتم إثمار النبات، لابد من اللقاح والزوجية؛ فـ (ولادة) البشر و(تكاثر) الحيوان، و(إثمار) النبات، يتوقف كله على التلاقح والزوجية. فالزوجية هي ((أس الكون وأساس الوجود المخلوق عداه سبحانه وتعالى)). هذا القانون ينطبق أيضاً على الأفكار، باعتبارها وحدات مخلوقة. فشرط الخصوبة والتكاثر الإيجابي، بل وحتى السلبي في الوجود المخلوق هو الزوجية، وتعبير القرآن (من كل شيء) يجعل القاعدة تعم المخلوقات كلها، فتدخل دنيا الأفكار تحت هذه القاعدة، باعتبار أن كل فكرة هي (مخلوقة) من مخلوقات الله فكما أن كل شيء مخلوق، كذلك فهو خاضع لقاعدة الزوجية ... ولا تشذ الأفكار عن هذه القاعدة، ففكرة (ا) عندما تتزاوج مع فكرة (ب) يتولد منهما فكرة (ج)، وكما أن كل إنسان له أب وأم، كذلك فكل فكرة لها آباؤها وأبناؤها، بل وأحفادها، وكما كان للبشر أبناء وحفدة ((وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة)) (16: 72) كذلك كان للأفكار ذرية صالحة وأحياناً طالحة، ولكن كما قلنا: إن شرط الزوجية هو أساس الخصب، كذلك تبادل الأفكار واللقاء والبحث، فإنها تحتاج للأزواج (العقليين) المخصبين، فاجتماع عاقلين يتبادلان الآراء ينتج عنهما أفكار جديدة، باعتبار (التلاقح النوعي والفكري) هنا.

مع هذا، فإنه ليس كل الأزواج عندهم ذرية ((ويجعل من يشاء عقيما)) (42: 5) واجتماع جاهلين هو اجتماع عقيمين، والعقيم من طرف واحد يسبب عدم الإنجاب فكيف إذا كان من الطرفين؟!! فالخصوبة تأتي من مخصب وكذلك اجتماعات الناس ... إلا أن علاقات الأفكار في تزاوجها تخضع للقوانين التالية (بعضها على الأقل):

1 - تقول الفكرة الأولى: إن علاقات الأفكار في التزاوج ليست مثل الواقع الاجتماعي الإنساني؛ ففي عالم الأفكار يمكن للأفكار أن تتزاوج مع أصولها وفروعها إن صح التعبير، وهذا يعني ذرية برقم قياسي.

2 - وتقول الفكرة الثانية: الذرية التي تخرج من هذا الاقتران ليست (نُسخاً = كوبي) ولا أصول، بل هي أفضل من الأصول، بل وكل ذرية هي أفضل من التي قبلها، كما يحصل في أولادنا الذين ننجبهم؛ فأولادنا نسخ أصلية أفضل منا ويحملون نفس القدرة الإنتاجية.

3 - وتقول الفكرة الثالثة: الفكرة كائن حي، بمعنى أنه يحمل صفتي (الحركة والتكاثر)، وهكذا فالفكرة تحمل في ذاتها قدرة الاندفاع الذاتية، لذا يجب علينا أن لا نزهد بأية فكرة ندلي بها في أي وسط إنساني واعٍ. والقرآن اعتبر الكلمة الطيبة أنها كائن حي (كشجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها).

4 - وتقول الفكرة الرابعة: هناك في عالم الأفكار قانون (النمو أو الفناء الذاتي)؛ فالفكرة السيئة فيها خلل كروموزومي، يقودها إلى وضع سرطاني فتنمو إنما بشكل شاذ، مما يؤدي بها في النهاية إلى حتفها (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة). خلافاً للفكرة الجيدة التي فيها صفتي (الخيرية والديمومة).

5 - وتقول الفكرة الخامسة: اعتبر القرآن أن العاقبة هي للأفكار الصالحة؛ فهي التي ستبقى في حين أن بقية الأفكار السيئة تمتاز بالجزئية وعدم الصمود مع عنصر الزمن؛ (فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، وهكذا سقطت الشيوعية ومضت الفاشية وانقرضت النازية ؛ فهو قانون تاريخي صارم.

6 - وتقول الفكرة السادسة: إن الكون يقوم على مبدإ التعددية؛ فالجبال مختلفة ألوانها، والألسنة متعددة، والشعوب متباينة، والأفكار متضاربة، وهذه القاعدة متأصلة في الوجود، وعلى أساسه تمت برمجته (ولذلك خلقهم)، فهو جل جلاله لو أراد جعل الناس أمة واحدة، ولكنه خلقهم مختلفين، حتى تبقى الحياة في حالة صحة ونمو وحركة ومدافعة ويقظة.

وكما أن العقم ليس حالة مستعصية في كل الأحوال وبشكل مطلق، وثبت علمياً أنه يمكن معالجة العقم كي يصبح منتجاً، كذلك العقول والأفكار واللقاءات. قد يحصل اجتماع، وتبادل آراء بين العُقماء، ولكنه من نوع تبادل الجهل، وكثير من الاجتماعات هي في الواقع إما في صورة (مجاملات) أو إذا حصل خلاف في الرأي حدث (نزاع)، فكثير من الناس يدرجون في لقاءاتهم على الانعكاس على أحد طرفي علاقة مشؤومة هي (مجاملات - منازعات) وبذلك يتعطل الجهد العقلي في هذا اللقاء فلا يثمر. إن جو المجاملة في البحث يعني بكلمة أخرى التهرب والالتفاف حول الموضوع، والاحتفاظ بالخنادق الفكرية، وبذلك لا تتعرض الأفكار للتجلية والتمحيص، وبالتالي النمو والبللورة، فهو تهرب لبق من البحث تحت ضغط فكرة: إن البحث سيقودنا إلى النزاع واختلاف القلوب، ولذا وحفاظاً على علاقاتنا الشخصية، يجب أن نتجنب البحث الجدي والحوار الفعَّال.

والكثير لا يتصور خلاف الرأي إلا في صورة (النزاع)، مع أن الله خلق البشر بالأصل مختلفين، لأن في الاختلاف تفاعل وصحة وخصوبة وكشف لصورة الحق ((ولذلك خلقهم)) (11: 119) وإذا حصل النزاع حصل تبادل الجهل، وارتفعت الأصوات، وعم الصخب، وتفشت المهاترة، لذا كان من الأفضل في مثل هذه الأجواء أن يتوقف العقل عن المتابعة، لأن العتبة العقلية تتوقف هنا، وتبدأ عتبة الحنجرة والحبال الصوتية !! ..

وجرت سنة الله في خلقه أن رفع الصوت في مثل هذا الجو، يتماشى بشكل طردي مع ضعف الحجة، فكما يلجأ البعض إلى ثخانة الصوت وذبذبات الحبال الصوتية، كتعويض عن عمق الحجة وقوة البرهان، فإن آخرين قد يلجأون إلى رفع العصا أو فوهة البارودة، بل وحتى سبطانة المدفع والرأس النووي الموجه؟!

وفي البلاد المتخلفة، توقف العقل عن العمل منذ فترة طويلة، فهو في إجازة مفتوحة حتى إشعار آخر، وعندما ينطق العقل، فعليه أن يقول قولاً لا يوقظ نائماً ولا يزعج مستيقظاً ؟! فلا يرحب بمقلقي (النوم العام)، ذلك أن حركة العقل خطرة أكثر من الانشطار النووي ((وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات)) (35: 19).

يجب أن نعترف أن الحوار الفعال النشط يحتاج بدون شك إلى أرضية فكرية خصبة، وطاقة نفسية، وتحرر فكري وانكسار قيد التقليد، ولكنه مع هذا يبقى مفتاح دخول وتجاوز العقبة (فلا اقتحم العقبة).

إن العقل يتحرر تماماً عندما يتجاوز عتبة الخوف من البحث، إن الأمان للعقل هو في البحث لأنه يتأسس على أرض صلدة. أما الانعكاس على الطرف الآخر للعلاقة المشؤومة، فهو النزاع والانفعال في البحث، وفقد ضبط النفس، والحزبية، والأسلوب التبريري لدعم الأفكار، فهذا الجو يعتبر غير منتج، فهو محاولة دفاع عن الآراء بأي ثمن من أجل الاحتفاظ بها، وليس أسلوب تنمية الأفكار أو تبين وجه الصواب فيها.

وكما أن الحوار وتبادل الآراء _ أي جو النقد الذاتي _ هو جو زوجية الفكر فإن (الصممية) هي عقم هذا الجو. والصمم أنواع: فقد يكون عضوياً فيزيولوجياً، وقد يكون لغوياً، وقد يكون ثقافياً. فالصوت حركة في وسط مادي، تنتقل هذه الحركة عبر غشاء الطبل وعظيمات السمع، فإذا حدث خلل في هذا الطريق العضوي في أية نقطة من شريط الانتقال، تعطل انتقال الصوت، وكان الصمم في مثل هذه الحالة عضوياً فيزيولوجياً بحتاً.

وقد يحدث صمم من نوع آخر، وهو ليس قصوراً في انتقال حركة الصوت، وإنما في تفسيرها في الفص الصدغي في الدماغ، فيحدث عجز في التفاهم، ويحدث (حديث طرشان) من نوع جديد، كذلك الصمم الثقافي عندما يتحاور شخصان بلغة واحدة ولكن بخلفية ثقافية متباينة، فكما أن الحروف لها شيفرتها الخاصة بها، لكل حرف وكلمة في الدماغ، ولكل لغة، كذلك هو في عالم الأفكار. فإذا اجتمع مثلاً من يؤمن بمادية التاريخ وفائض القيمة وآلية وسائل الإنتاج، مع آخر قضَّى عمره في دراسة النحو والصرف والمعلقات الشعرية فقط، فإن ما يحدث بينهما سيكون عجباً، ليس لأن الحروف والكلمات غير مفهومة، بل لأن موجة الحديث كلها متباينة، كما في جهاز الراديو عندما يوضع على الموجة القصيرة والبث على الموجة المتوسطة ؟!. كذلك حتى يحصل تبادل الآراء وإمكانية التفاهم لابد من تغيير موجة الاستقبال الفكرية بكبس أزرار خاصة في تلافيف الدماغ !! فالصمم هنا ليس فيزيولوجياً ولا لغوياً، بل ثقافيا ببعد جديد.[5]

العقل على مفترق الطرق:

أحسن الفيلسوف الفرنسي (ديكارت) حينما اعتبر أن أفضل الأشياء توزعاً بين الناس وبالتساوي هو العقل، لأن كل فرد يعتقد أنه اوتي منه الكفاية، فلا يريد المزيد ولا التغيير، وعندما ينظر الإنسان إلى نفسه في المرآة، فقد يشتهي أن يجعل أنفه أصغر، أو شفتيه أكثر حمرة، أو جسده أكثر رشاقة، أو قامته أكثر طولاً، ولكنه لا يفكر ولا للحظة واحدة أن يجعل عقله أفضل بناءً، وأكثر نضجاً، وأحسن توجيهاً، فعنده شعور الاطمئنان لهذا الجانب، أكثر من اطمئنان التماسيح، وهي تتشمس على شطآن الأنهار !! ويصل ديكارت إلى تقرير حقيقة على غاية من الأهمية.

يقول ديكارت: ((إن قوة الإصابة في الحكم وتمييز الحق من الباطل، وهي في الحقيقة التي تسمى بالعقل أو النطق تتساوى بين الناس بالفطرة، وكذلك يشهد بأن اختلاف آراءنا لا ينشأ من أن البعض أعقل من البعض الآخر، وإنما ينشأ من أننا نوجه أفكارنا في طرق مختلفة، ولا ينظر كل منا في نفس ما ينظر إليه الآخر، لأنه لا يكفي أن يكون للمرء عقل، بل المهم هو أن يحسن استخدامه، وإن أكبر النفوس لمستعدة لأكبر الرذائل، مثل استعدادها لأكبر الفضائل))[6]، وإذا كان الأمر بهذه الأهمية، فيمكن وضع قاعدتين عقليتين مهمتين في الحوار والبحث، تتولد منهما نتائج في غاية الخطورة في أرض الواقع، سلباً وإيجاباً حسب الزحزحة العقلية.

1 - القاعدة الأولى تقول: في أي حوار عقلي اعتبر أن ما عندي صحيحاً ويحتمل الخطأ، وما عند الآخر خطأ ويحتمل أن يكون صحيحاً.

2 - وتقول القاعدة الثانية: وهي ((آلية الفيلسوف الألماني ليسنغ))[7] إن الرغبة إلى البحث أهم من امتلاك الحقيقة، لأن امتلاك الحقيقة الحقيقية المطلقة إدعاء، وخدعة، وتعطيل للجهد الإنساني، وغير ممكنة لأنها ملك لله وحده فقط. فالعقل بين احتكار تفسير النصوص، أو تشغيله لفهم النصوص؛ فالأول يقع في مغالطة أن فهمه للنص يساوي النص، والثاني يتحرر بإدراكه أن فهمه للنص هو (كم) أقل من النص دوماً _ وإلا أصبح هو النص - ويتناهى إلى الصفر، لا بل قد ينقلب تحت خط الصفر فيصبح سلبياً، كما حصل للخوارج في التاريخ الذين قتلوا المسلمين وأبقوا على المشركين، وظاهرة الخوارج هي (عقلية) قابلة للتكرار دوماً.

يقول ليسنغ: ((لو أخذ الله الحقيقة المطلقة في يمناه والشوق الخالد للبحث عن هذه الحقيقة في يسراه، ومعها الخطأ لزام لي، وسألني أن أختار، إذاً لجثوت ذليلاً عند يسراه بكل تواضع، ثم قلت يا رب: بل أعطني الرغبة إلى البحث، لأن الحقيقة المطلقة لك وحدك)).

والآن ما هي النتائج المباركة أو المريعة المترتبة على العقليتين والتفكيرين؟؟

هذا التحليل يترتب عليه نتائج خطيرة وعظيمة للغاية، فطالما رأت العقلية الأولى أن هناك هامشاً للخطأ والصواب في الفكر الذي تحمله، فإنها تميل إلى المراجعة والنقد الذاتي، وبالتالي تفتح المجال أمام تصحيح الأخطاء والنمو والنضج، في حين أن العقلية الثانية تنبع منها نتائج مختلفة تماماً؛ فطالما امتلكت (الحقيقة النهائية) فهذا يعني وبشكل آلي أنه ليس هناك هامش للخطأ بل كل ما عندها صواب، وهذا يعني بالتالي ألا حاجة للمراجعة، وبالتالي لا داعي لتصحيح الأخطاء إذ لا أخطاء، وكيف يخطيء من هو مقدس؟؟ إذن، لا نمو ولا نضج ؛ أي (لا حياة) وبذلك يُستل نور الحياة تدريجيا من هذه العقلية، فتنتقل بالتالي إلى مرحلة توقف نبض الحياة، وبالتالي التجمد والتحجر والتحول إلى كائنات محنطة في متحف الحياة المتحرك.

إن الله الذي خلق الطرفين، وأنعم بالوجود على جانبي الخلاف والصراع، لم يلغ طرف على حساب طرف، بل منح الوجود للطرفين، إلا أن الطرف الأول لا يرضى بهذا، بل يعمد إلى إلغاء الطرف الآخر وأحياناً بأسلوب (لأقتلنك)، فإذا قال الطرف الأول إن الله أوجدني ومنحني المشاركة يكون جواب الطرف الآخر (العملي): نعم، إن الله منحك الوجود. أما أنا فسوف ألغيك؟ (إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه).

ومن الناحية العملية تفضي العقليتان، إما إلى مجتمع مزدهر، أو إلى حرب أهلية مبطنة أو قائمة فحين تترك العقلية الأولى المجال لهامش من الخطأ، وبالتالي قدرة المراجعة والنقد الذاتي، فإن هذا ينبني عليه التسامح مع الطرف الآخر، بل احترامه، بل حمايته، بل طلبه، لأنه مع جدلية الطرف الآخر يميل الطرف الأول إلى التصحيح، وتقويم الأخطاء، ولذا، فإن الطرف الثاني يصبح ضرورياً، ليس فقط للفرملة والتوازن، بل ضرورياً لصحة الأول ودوام استقامته ونضجه، لذا كان على الطرف الأول ليس احترام وجود الطرف الثاني، بل أن يسعى لإيجاده إن لم يكن موجوداً، وليس على العكس إلغاؤه، إن كان موجودا! ..

فرق رهيب إذن، بين العقليتين ...........

العقلية الأولى تقوم على (ثنائية التفكير = الديالوج)، تفسح المجال للأخطاء، للنقد المضاد، للمراجعة الذاتية، للتسامح مع الطرف الآخر، لاحترامه لما فيه من خير عميم، ولحمايته لأنها بذلك تحمي نفسها بالذات[8] لإيجاده إن لم يكن موجوداً، لأنها تضمن وجودها باستمرار وجوده. وإذا اختلفت مع الآخرين، اتخذت بعين الاعتبار أن الموضوع لا يتعدى (خطأ في الفهم) يمكن إصلاحه بالحوار، والصبر عليه، و (قتل الموضوع بحثاً) وليس (قتل الإنسان إعداماً)، بل والاستعداد ليس لقتل الآخرين، بل أن تموت هي من أجل فكرتها، كي تحول القاتل ليس إلى بطل، بل إلى مجرم.

العقلية الثانية ليس عندها قدرة المراجعة، ولماذا المراجعة طالما كانت تملك الحق المطلق؟؟ فمهمتها إذن محصورة في نشر ماتعرفه، وعلى الآخرين أن يحظوا بشرف الاستماع، من مصدر المطلق!!.

هي عقلية (أحادية التفكير = المونولوج)، لا تقبل الاعتراض ولا تسمح به، فإذا قام اعتراض العقل كان شاذا غير مرحب به، فكان مبررا لتصفيته (ELIMINATION) وحذفه من الوجود غير مأسوف عليه، وهي على ما يبدو طريقة سريعة واقتصادية!! فلماذا الحوار الطويل في ساعات غبية تافهة، لمردود هزيل!! في حين أن طلقة واحدة و(كلمحٍ بالبصر) تحل المشكلة ودفعة واحدة !! كما يحدث في قصف كابول اليومي الآن!! (ألا ساء ما يحكمون). والتهم جاهزة، فإذا اختلف السياسيون تقاذفوا بـ (العمالة والخيانة)، وإذا اختلف العقائديون كانت الجعبة أدسم فتراشقوا بـ (الهرطقة)، وما هو جزاء الهرطقي سوى القتل؟؟

العقلية الثانية تلغي الطرف الثاني إن كان موجوداً، وبكل حماس وإخلاص وطمأنينة بال، بأنها نفذت إرادة الوجود، كي تنفرد هي بالوجود.

إذن، فالاتجاه الأول يوجد ملغياً، والثاني يلغي موجوداً، وهذا هو الفرق بين العقليتين، وبالتالي هذا هو الفرق بين الحياة والموت، فلا يستويان ... من كان له أذنان للسمع، فليستمع ......


[1]- مجلة 15 - 21 مجلة الفكر الإسلامي المستقبلي، العدد 11 السنة الثالثة - ص 4 - نقلت بشيء من التصرف.

[2]- تأمل الآية: وعلم آدم الأسماء كلها _ البقرة - الآية رقم 21

[3]- جان بياجييه عالم نفس سويسري ومؤسس مدرسة علم النفس الارتقائي، وهو اتجاه من خمسة اتجاهات بين (مدرسة علم النفس التحليلي _ وعلماؤه فرويد ويونج) و (المدرسة السلوكية وأبرز روادها سكينر وباندورا) و (مدرسة الجشتالت وتنسب إلى فرتهايمر وكوفكا وكوهلر) وأخيراً الاتجاه الأخير (مدرسة علم النفس الإنساني) الذي شق الطريق إليه أبراهام ماسلو وفيكتور فرانكل) وينضاف للمدرسة الارتقائية الاتجاه المعرفي المعروف بـ (الفلاسفة الفينومينولوجيون = أي علم الظواهر) وكذلك علماء النفس الوجودي بدءًا من كيركيجارد وسارتر، ويرتكز الاتجاه الوجودي على الفكرة القائلة بأن شخصية الفرد تتكون من خلال نضاله الذاتي لتشكيل ذاته الداخلية إلى أن يجد لنفسه في الحياة معنى وقيمة وأسلوباً يحقق به ذاته.

[4]- راجع في هذا كتاب (الإنسان وعلم النفس) سلسلة عالم المعرفة - تأليف عبد الستار إبراهيم - ص 57

[5]- يراجع بالتفصيل كتاب النقد الذاتي للمؤلف بحث لماذا النقد الذاتي - مؤسسة الرسالة ص 93

[6]- رينية ديكارت - المنهج لإحكام قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم - ترجمة فواز الملاح - دمشق - محمود صالح - ص 22

[7]- من فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر

[8]- ومفهوم الجهاد في الإسلام ينبع من هنا في حماية الإنسان بما فيه المخالف، حتى لا يبقى إنسان يفتن ويضطهد من أجل آراءه (حتى لات كون فتنة) لأن المجتمع الإسلامي هو مجتمع اللا إكراه (لا إكراه في الدين) أي مجتمع حرية العقيدة.