الحوار الدّيني في الأندلس بين التـأسيس القرآني والفعل التّاريخي

فئة :  مقالات

الحوار الدّيني في الأندلس بين التـأسيس القرآني والفعل التّاريخي

إنّ اختلاف الألسنة والألوان يعقبه بالضّرورة تغاير الثّقافات وتعدّد الأعراق، ولعلّ قيمة الحياة الدّنيا وصيرورتها المبدعة تكمن في هذا التّغاير. فكيف تعامل النّصّ التّأسيسيّ مع هذا التّغاير والتّنوع ؟ وكيف انعكس ذلك في نسيج الفعل التّاريخي بين المسلم والذّميّ في الأندلس؟

ينقسم البشر بالاستناد إلى الشّريعة الإسلامية إلى فريقين اثنين : فريق يؤمن بالإسلام دينا وفريق غير مؤمن، بغضّ النّظر عن أيّ اختلاف يهمّ الجنس أو اللّون أو اللّغة أو أيّ اختلاف آخر. وعلى أساس هذا التّقسيم، يتحدّد مركز الإنسان في الدّولة الإسلامية فضلا عن مركزه في الآخرة، ولهذا يقسّم فقهاء المسلمين العالم إلى دارالإسلام ودار الحرب، وقد منح الإسلام لهذا المخالف مساحة واسعة وقبل التّحاور معه، ودليل هذا ما جاء في القرآن من آيات كثيرة (سورة الجاثية 45، (30_31)، سورة التغابن64، (10)، سورة محمّد 47، (1_2)، سورة البقرة 2، (253)، سورة الحجرات 49، (13)، سورة الممتحنة ( 60).)؛ فقد أصبح المجتمع الإسلامي بحركة الفتح مجتمعا خليطا، ضمّ أعدادا كبيرة من الأجناس والأديان والأقوام والجماعات والفرق، وقد اتبع المسلمون سياسة واضحة في الاستيطان عن طريق عرض الأحلاف والتنازلات عن المدن، وتمّ إبرام معاهدات الصّلح التي حدّدت القاعدة القانونيّة، ورسمت الخطوط العريضة لإطار التعايش الجديد على أساس النّظريّة الإسلاميّة في التّعامل مع الأهالي في البلاد المفتوحة؛ فقد نصّت هذه المعاهدات (مثل تلك التي كتبت بعد غزوة خيبر( 7 هجري) مع اليهود ومع أهل جرباء وأذرج) (ابن سعد. 1325هـ) على ضمان حماية أهل الذّمّة وحرّية التفكير والاعتقاد، وأباحت لهم إقامة شعائرهم وإعلان طقوسهم في كنائسهم، كما أباحت لهم الجهر بها في أحيائهم ومحلاتهم، وأقرت على إتباع أهل دينهم فيما ينشأ بينهم من معاملات، ما لم يتحاكموا إلى المسلمين.

لقد كانت معاملة المسلمين للمعاهدين منذ الفتح تنّم عن الجانب الإنساني الذي غرسته العقيدة الإسلامية في معتنقيها، حتّى وهم يخوضون غمار الحرب. ومقابل هذه الحقوق التي يتمتّع بها أهل الذّمة كان عليهم واجبات ماليّة، تتمثّل في الجزية والخراج؛ فأمّا الجزية فقد أوجبت استنادا إلى ما جاء في القرآن والسّنة والإجماع قال تعالى: " قاتلوا الذين لا يِؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"(سورة التوبة 9(29)). وكانت الجزية تؤخذ لقاء تعهّد المسلمين بالمحافظة على أرواح المعاهدين وأموالهم ولقاء إعفائهم من الخدمة في الجيش، فلمّا كانت نصرة أهل الذمّة للمسلمين يشكّ فيها لاتفاقهم في الاعتقاد مع أعداء المسلمين؛ فقد أوجب الشّرع الإسلاميّ عليهم الجزية لتؤخذ منهم وتصرف على المقاتلة المسلمين فتكون خلفا للنصرة . وقد كانت تسقط حال اشتراك الذميّين مع المسلمين في مهمّة الدّفاع عن بلاد الإسلام أو عجز المسلمين عن حمايتهم أو حال دخول الذمي في الإسلام. أما الخراج، فهو ما يفرض على الأرض من ضريبة سنويّة ولا تسقط بإسلام الذميّ.

كانت هذه إذن أسس التّعامل بين المسلمين والذميين كما دعت إليها الشّريعة الإسلامية وبدايات الحوار بين الدّاعين للإسلام والراغبين عنه. فهل تمكّن المسلمون الفاتحون في الأندلس من الاستجابة لتحدّيات التّنوّع الدّينيّ في مجتمعهم الجديد؟

لقد كانت أرض الأندلس أحسن مثال على إنجاز تاريخي يصعب وجوده في الوقت الحاضر؛ فكانت أرض التعايش والتّسامح وأرض الحرّيّات، وكانت نموذجا لإقرار الاختلاف. فقد اتبع المسلمون مبدأ حرّيّة المعتقد الذي دعا إليه الإسلام، فاتسمت البيئة الأندلسيّة بالتّنوّع والتّعدّد؛ حيث تشكّلت من أجناس وأعراق صهرها الإسلام في بوتقته غير مفرّق بين سكّانها الأصليين المسيحيين من أصل قوطي أو روماني والوافدين عليها من عرب وبربر(الجراري، 2003، ص 41) والمتساكنين اليهود.

لقد لبث النّصارى واليهود الإسبان الذين يعيشون في القواعد والثّغور الإسلاميّة عصورا، يتمتّعون في ظلّ الحكم الإسلامي بضروب الرّعاية والتّسامح، وكانت الحكومات الأندلسيّة، حتّى في أزهى عصورها، تحافظ على مبدأ الحرّيّة التي اتّبعت إزاءهم منذ الفتح وتعاملهم برفق، وتحترم شعائرهم الدّينيّة وتقاليدهم القوميّة، وتجتنب أيّة محاولة لإرغامهم اعتناق الإسلام، وهكذا حافظ الذّمّيّون في الأندلس على عاداتهم وتقاليدهم، واعتلوا مناصب عالية ووظائف سامية في الدّولة (الجراري، 2003، ص 48). في حين أنّهم كانوا يعانون من اضطهاد سلطة الكنيسة لهم قبيل الفتح الإسلامي.

ومن مظاهر حرية المعتقد في الأندلس اندماج عناصر المجتمع وانصهار مكوّناته عبر المصاهرات والزواج المختلط والأمثلة على ذلك متعدّدة ( كحيلة،1993)

كما برزت أواصر التّواصل الحضاريّ الأندلسي بين مختلف مكوّناته الفسيفسائيّة عبر الاحتفال المشترك بأعياد المسيحيين واليهود والمسلمين، ولا شكّ أنّ هذه المشاركة الاجتماعيّة بين المسلمين والنصارى واليهود ترجع إلى أجواء الحرية التي كان يعيش فيها أصحاب الديانات؛ فعاشت هذه الأطراف جنبا إلى جنب قرونا طويلة، وتحرّرت العادات من أواصر الرّوابط التقليدية العشائرية، وتسارع نسق الاختلاط والانصهار، وأفضى إلى خلق أجواء مميزة تعدّدت ألوانها ومظاهرها؛ ممّا أفضى إلى صورة جديدة للمجتمع الأندلسي جمعت بين التناقضات؛ فشارك المسلمُ المسيحيَّ واليهوديَّ في أعيادهما الدينية ومناسباتهما العائليّة، وبالمقابل شارك المسيحيّ المسلم واليهوديّ أعيادهما. هذه إذن كانت أبرز تجلّيات الحوار من خلال المعاملات، فكيف برز الحوار الدّيني الأندلسي من خلال المناظرات؟

إنّ من أبرز سمات الحرية في الأندلس الجدل الديني بين معتنقي الديانات السماوية الثلاثة؛ فقد كان نبراس الرقي المعرفي وقبول الآخر، وقد كان الحوار الإسلامي اليهودي النصراني أو ما يعرف الآن بحوار الأديان هو ما اختاره المسلمون الأوائل في الأندلس طريقا للتعايش وتكريسا لمبدأ الحريّة، وقد شكلت النقاشات بين فقهاء الإسلام ورهبان النصارى وأحبار اليهود مقدمة ضرورية لمزيد من التعرف على الآخر، وقد تراوحت هذه المجادلات الدينية بين مجادلات اتسمت بطابع الهدوء والرصانة واعتمدت مهذّب الكلام، وبين مجادلات طغى فيها الشتم والإفصاح عن التباغض، ومن أبرز مجادلي العصر الوسيط في الأندلس ابن حزم أبو محمد علي بن سعيد (ت456) (ابن حزم، 1981، ج 3). وأبو جعفر أحمد بن عبد الله الخزرجي صاحب كتاب مقامع هامات الصلبان وروائع رياض الإيمان"(بنشريفة، 1995، جوان، ص 26). وأمّا من اليهود، فقد برز إسماعيل بن النغريلة اليهودي (ت 448) (الأندلسي، 1985، ص 206) وموسى بن ميمون (ت 603) (شحلان، 1979، ص 6).أمّا المسيحيون، فقد كان جلّ قساوستهم ورهبانهم يجادلون، ومن أبرزهم رامون مارتي الذي يصفه مناظره ابن رشيق بقوله : "كان فصيح اللسان مدركا للكلام معتدلا في المناظرة ...ولم أنفصل إلاّ وهم كالمسلمين بانقطاع شبهتهم"(الونشريسي، 1981، ج 11، ص 155).

ويبدو أنّ النقاش بين المسلمين والمستعربين من اليهود والنصارى حول أمور تتعلّق بالدين، كان سببا في فتح حوار هادئ بين الجانبين، كما أدّت إلى بعض المواجهات العنيفة بسبب تجاوز أهل الذمة لحدودهم. وهكذا، فقد استفاد المستعربون أقطاب هذه المناقشات من أجواء الحرية التي اتبعها المسلمون في الأندلس منذ عهد الولاّة وحتى آخر حكم بني الأحمر؛ فقد ضمنت لهم هذه الحرية عدم التّعرض للمسائلة أو العقاب من قبل المسؤولين الحكوميين بسبب أفكارهم لدرجة أنّ بعض القضاة الّذين يشهدون المحاورات الدينية، يغضون الطرف عندما يتلفظ أحد المتحاورين من أهل الكتاب بما يعدّ قذفا.

لقد كانت التعدّدية في الأندلس (تعدّد الأديان وتعدّد الأجناس) الصورة الحيّة لواقع الحرّيات الدينية، ولم تكن تتوقف عند الإقرار بحق الآخر في الوجود، بل تتجاوز ذلك إلى احترام حريته في إقامة شعائره واختيار معتقده بلا تضييق ولا ممارسة لأي ضرب من ضروب الضغط المادي والمعنوي، وهي حالة نادرة خاصة في المجتمعات القروسطية التي تقف على خطوط المواجهة الجهادية، كما هو الشأن في الأندلس.

* قرصاف عمار قراجة باحث تونسي


المصادر والمراجع

1)ابن حزم. (1981). الرسائل. (إحسان عباس، تحقيق). ( ط 1). المؤسسة العربية للدراسات والنشر..

2)ابن سعد، محمد. (1325). كتاب الطّبقات الكبرى. (ادوار سخاو، تحقيق). ليدن _بريل.

3)الأندلسي، صاعد. (1985). طبقات الاسم. (حياة بوعمران، تحقيق). (ط1). بيروت: دار الطليعة..

4)بنشريفة، محمد. (1995، جوان). حول التسامح الديني. ضمن مجلة دراسات أندلسية. العدد 14..

5)الجرّاري، عبّاس. (2003). التّسامح الدّيني وأثره في حضارة الأندلس. مداخلة ضمن فعاليات ندوة الحضارة الإسلامية في الأندلس ومظاهر التّسامح. ( ط1). منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات.

6)شحلان، أحمد. (1979). من الفكر الفلسفي اليهودي العربي : أبو عمران موسى بن ميمون وكتابه دلالة الحائرين. ضمن مجلة كلية الآداب الرباط. العدد 5-6.

7)كيحلة، عبادة. (1993). تاريخ النصارى في الأندلس. ( ط 1). المطبعة الإسلامية الحديثة

8)الونشريسي. (1981). المعيار المغرب والجامع المغرب. بيروت: دار الغرب الإسلامي.