الخروج من الدين

فئة :  مقالات

الخروج من الدين

هذه جملة اقتبستها من كتاب مهمّ جدًا للمؤرخ والفيلسوف الفرنسي "مارسيل غوشيه" بعنوان: "الدين في الديمقراطية"، وفيه يتحدث عن علاقة الدين بالسياسة وتاريخ تطور هذه العلاقة في الفضاء الأوروبي، ومسيرة تشكل العلمانية والإشكاليات البنيوية التي تطرحها على مستوى تحديد مساحات الدين والسياسة، ثم تمظهرات الصيغة البديلة التي تفرضها الديمقراطية لتنظيم وعقلنة تطور الدين داخل مجتمع يجعل من الإنسان المرجع الأسمى لكل التشريعات والقوانين المنظمة للاجتماع البشري. ويقول في أحد فصوله الملخصة لفكرة الكتاب: "إن الخروج من الدين لا يعني التخلي عن المعتقد الديني، وإنما الخروج من عالم يكون الدين فيه بحد ذاته منظمًا بنيويًا، يوجه الشكل السياسي للمجتمعات، ويعين البنية الاقتصادية للرباط الاجتماعي؛ فالخروج من الدين هو بالمحصلة، الانتقال إلى عالم يستمر وجود الأديان فيه، ولكن ضمن شكل سياسي وتنظيم جماعي لم تعد تُعنى بتحديدهما."

قد يكتسي هذا الكلام أهمية قصوى لدى طارحي الفكرة العَلمانية من المفكرين والمثقفين، دعاة العلمانية الجزئية خاصة، بتعبير الراحل عبد الوهاب المسيري، الذين يصارعون أي تضخم للدين في الحياة العامة من دون أن ينفوا أهميته ومكانته بالنسبة إلى لأفراد أولاً وأخيرًا. وبالمقابل، فلن يثير هذا الكلام فضول أصحاب "العَلمانية الصلبة"، بتعبير المفكر العربي عزمي بشارة، وهم أولئك الذين يسعون لإزاحة الدين من الحياة العامة، ويسعون إلى اعتباره مرجعية قيمية، بل يتصدون للدين بالقوة بعدما كوَّنوا صورة سلبية عنه جعلتهم يعتبرونه مصدر شرور الإنسان. فيما سيعتبر المتدينون والإصلاحيون معًا هذا الكلام حربًا مباشرة ضد الله وضد رسالاته في الأرض، وضد الإنسان المؤمن، فمازال المتدينون ونخبهم يعتبرون العَلمانية مصدر شقاء الإنسان، وهي تنتزع منه أسمى عهد يربطه بالله، وهي كذلك تحارب الدين وتمنع الفرد من ممارسة حقه الطبيعي في التدين وممارسة الشعائر الدينية. إن العَلمانية بالمقابل تؤنسن الدين وتجعل منه إطارًا مرجعيًا متساويًا مع غيره من المراجع الدنيوية؛ أي أنها تسعى إلى استيعاب الدين دون الإساءة إليها وفقًا لمشروع يكون أعلى منها ويكون في الوقت نفسه مقبولاً منها نهائيًا.

كان الدين وما يزال، الدافع للعديد من المشاريع الفكرية والفلسفية التي تروم الإجابة عن أحد هذه الأسئلة الجوهرية: كيف سيتم تدبير علاقة الإنسان بالمقدس في الحياة اليومية؟ وهل الدين ضرورة مجتمعية أم مجرد إطار أخلاقي مثله مثل باقي مصادر الأخلاق الطبيعية؟ وهل من الممكن تجاوز الدين ونفيه عن حياة الإنسان مادام هو مصدر الحروب البشرية؟ وهل يمكن للإنسان أن يجد سببًا لخلاصه الدنيوي ولسعادته بعيدًا عن التفاسير اللاهوتية للعالم والإنسان؟ ولقد تولَّدت إجابات ومقاربات معرفية عديدة تروم إيجاد وضع ملائم للمقدس في حياة الإنسان والمجتمع، ومنها مشاريع "عقلنة الدين" و"أنسنة الدين" و"دمقرطة الدين" و"علمنة الدين" و"تحديث الدين". وكل هذه المشاريع تطورت بتطور التاريخ الإنساني وبحث الإنسان المتواصل عن إيجاد مخرج لأزماته المتنامية مع الاستبداد والطغيان. فلقد كانت الثورة مثلاً، ومنها الثورة الإنجليزية وبعدها الثورة الأمريكية ثم الثورة الفرنسية، هي التي "أعادت السلطة إلى الأرض بعدما كانت السلطة منزلة من عند الآخر، كانت تهبط من فوق وتفرض نفسها من فوق إرادة البشر". لقد كان الدين مصدر قداسة مقولبة استغلها البشر ضد البشر، وذلك عبر الكلام باسم الله والقتل باسمه والحكم باسمه وممارسة الطغيان باسمه.

ظهرت في العالم العربي والإسلامي، بعد توالي الانتكاسات المعرفية والسياسية للعقل العربي الإسلامي، مشاريع فكرية نخبوية لمفكرين كبار رأوا أن سبب تراجع الفعل الحضاري الإسلامي يرجع إلى الدين وإلى ارتباط الإنسان بمقدس تضخم بفعل التاريخ والجغرافيا حتى أصبح يفرض عليه عدم مراوحة مربع زمكاني في التفكير والعيش. وبالتالي، فقد كانت هذه المشاريع تنصب على دراسة الدين من داخله وبآلياته المعرفية محاولة تفكيك شيفراته البنيوية مستعينة بمختلف أدوات التحليل والتفكيك المعرفية القديمة والحديثة. ولقد كانت من بين أهم هذه المشاريع، مشروع "إسلامية المعرفة" الذي تبناه المعهد العالمي للفكر الإسلامي، والذي تبين فيما بعد أنه مجرد تنويريةإسلاميةعامة،سقفهالايتجاوزسقفالمدرسةالإصلاحيةفيمنتصفالقرن الثامن عشر، ومشروع "العالمية الإسلامية الثانية" للمفكر السوداني الراحل "محمد أبو القاسم حاج حمد"، والتي صنفها الراحل ضمن المنهاج التجديدي لجدلية الغيب والإنسان والطبيعة للجمع بين القراءتين ومراتب الفعل الإلهي الثلاث؛ عالم الأمر المنزه، وعالم الإرادة المؤسسة، وعالم المشيئة المنزهة، والتي انتهت إلى تثبيت دعائم هذا المنهج علميًا بمعزل عن الفكر الإيديولوجي التراثي للدين، وبرؤية نقدية تحليلية انتهت إلى أن أطلق عليه "إبستمولوجية المعرفة الكونية". ثم ظهرت مشاريع فكرية ضخمة أخرى ساهم روادها في زعزعت البنى المعرفية للتراث الإسلامي، ومنها مشروع محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي، ومالك بن نبي في شروط النهضة، ومحمد أركون في النزعة الإنسانية والإسلام، ومشاريع فكرية أخرى كثيرة. لكن أين مكمن الجدة في هذه المشاريع كلها؟

تكمن جدة هذه المشاريع التي تتعامل مع التراث الإسلامي، سواء تلك التي تنتهج النقد من أجل التفكيك، أو النقد من أجل التحديث، أو النقد من أجل التجاوز، أو النقد من أجل القطيعة الإبستمولوجية، أو النقد من أجل النقد، تكمن جدتها في نتائجها المعرفية وفي الآفاق التي ستفتحها أمام الدارسين والباحثين المساهمين في تشكيل وعي حداثي من الظاهرة الدينية وفي إنتاج فعل تنويري جديد. فلا نشك أن جل مشاريع نقد الدين أو الموروث التي تعتبر تتمة لمشاريع النهضويين العرب والمدرسة الإصلاحية عمومًا، ساهمت في إعادة قراءة التاريخ الإسلامي وفق مناهج التحليل التاريخي الحديثة، وفي فهم صيرورة تشكل الوعي الديني الحديث. كما ساهمت في تفكيك الظاهرة الدينية وإفراز تقابلات الدين والتدين، والمقدس واللامقدس، والثابت والمتحول، والأصل والفرع، والعقل والنقل، والديني والسياسي، والمطلق والنسبي، والعام والخاص، والأسطورة والحقيقة، إلى غيرها من المحددات البنيوية للظاهرة الدينية. لقد أدت إلى تبيان بواعث الأصولية والتطرف والتقليدانية والتاريخانية كذلك، وإلى نفي القداسة عن الدين واعتباره تجربة بشرية محضة وظاهرة اجتماعية تتداخل فيها عوامل التاريخ والجغرافيا والسياسية والثقافة والتنشئة الاجتماعية. لقد لزم للوصول إلى هذه النتائج المعرفية، التي تحاكي إلى حد كبير تجربة نقد الدين في الفضاء الأوروبي قبيل عصور النهضة، المرور عبر إنتاجات الفلسفة الحديثة والأخذ بمناهجها التحليلية، ثم عبر دراسة إنتاجات الاستشراق التنويري النقدي، وصولاً إلى ترجمة إنتاجات الفكر السياسي العالمي، حتى لا نقول الغربي فقط. لكن حتى هذه اللحظة التاريخية، والتي تميزت بظهور ثورات الربيع العربي، فلم يكتمل مسلسل الخروج من الدين بعد، وهنا نطرح الأسئلة التالية: هل سيتم تجاوز مرحلة نقد الدين إلى مرحلة إنتاج معرفي فلسفي حداثي؟ أم أنه سيتم المرور إلى القطيعة الإبستمولوجية مع الفكر الماورائي التوراتي إلى الأبد؟ أم أنه سيتم الوقوف في المربع نفسه؛ أي نقد الدين وحتى نقد نقد الدين؟

لقد وضعت ثورات الربيع العربي هذه الأسئلة على المحك، وهي تنادي بالحرية والديمقراطية، وجعلت النخب تتسارع من أجل فهم ما وقع، وهل ثمة علاقة وصل مع ما أنتجه الفكر العربي الإسلامي إلى حد الساعة، أو مع ثورات عصور الأنوار الأوروبي التي بدأت بالإصلاح الديني والفكر النهضوي، أم أن الأمر مجرد تشابه مقولب بين عالمين متفاوتين حضاريًا؟ بعض المثقفين السكولائيين الذين يتشددون في نسبة أية ظاهرة مجتمعية إلى مسبباتها العميقة وإلى حيثيات نشوئها وغاياتها المستقبلية، نظروا للحراك العربي نظرة تشاؤمية بسبب عدم اكتمال شروطه الثقافية والتنويرية. في حين أن هذه النخب نفسها تناست أن الثورات هي ظواهر اجتماعية وسياسية وفكرية استباقية، مما يعني أنها قد تنتج عن تنويريات ثقافية فكرية كما أنها قد تنتج عن انسداد ثقافي وفكري وسياسي، وقد تكون متزامنة وحركة تحديثية عامة. ولقد رأينا كيف تزامن الإصلاح الديني اللوثري في القرن السادس عشر مع عصر النهضة، فلوثر كان معاصرًا لإيراسموس، وبالتالي فقد تحرك الفكر الإصلاحي والتنويري والسياسي معًا لكي تحدث طفرة تحديثية عالمية. ولا تعمل الأفكار هنا بمفردها دون أن تأخذ بها طبقة اجتماعية قوية تقود التغيير والإصلاح العميقين؛ فالطبقة البورجوازية أولاً ثم العمالية ثانيًا هي التي كانت وراء إنجاح ثورات أوروبا، وهي القوة الماهرة في الصناعة والخدمات والتعليم والتجارة والمقاولة والفلاحة والمهن الحرة المختلفة.

لا يعاد التاريخ، وإنما يتطور بصورة تراكمية بفعل تطور الفكر الإنساني وحاجياته وتطلعاته، لذلك فإنه من اللامعقول ومن اللاموضوعي الدعوة لثورة تنويرية معزولة عن إنتاجات وإنجازات الفكر الإنساني العالمي. والعالم الإسلامي مطالب اليوم باللحاق بالركب الحضاري العالمي فقط، وهذا أكبر تحدٍّ يواجهه لعسر المهمة، ولتباعد الفجوة الحضارية بين فكر ما بعد الحداثة وبين فكر الخلافة الإسلامية الذي مازال ينهش عقول الجماهير والنخب الإسلامية. وما زال العالم العربي والإسلامي اليوم مراوحًا مكانه في لحظة ذهول حضاري وشك ذاتي مع محاولات محتشمة هنا وهناك، من أجل محاولة الانطلاق نحو المستقبل عوض الوقوف على الماضي واجتراره بندم أحيانًا، وبافتخار أحيانًا أخرى.

إن الخروج من الدين هو انطلاقة ضرورية من أجل تحرير الإنسان وصوغ مجتمع حر وديمقراطي، والمقصود هنا الخروج من دين الخرافات والأساطير والماورائيات، ومن دين الاستبداد والطغيان، ومن دين الاستلابات المعرفية، ومن دين العبودية والرق، ومن دين طائفي تعصُّبي، إلى دين يسمو بالإنسان ويحرر الإنسان ويحتكم للعقل ويحترم التعددية العقدية والفكرية ويجعل من الحرية أسمى غاياته. وهذه هي محددات وضوابط العَلمانية التي يخافها الكثيرون، إنها أرقى نظرية لحد الآن تضمن أنسنة الدين وتحميه من الكهنوتية والتأله وتجعله في مكانةٍ مع العقل والعلم والأخلاق، وهما يشتركان في صياغة المعرفة الكونية المتكاملة.


المراجع:

- غوشيه، مارسيل، الدين في الديمقراطية، ترجمة شفيق محسن، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2007

- توران، ألان، براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، ترجمة جورج سليمان، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2011

- أركون، محمد، تحرير الوعي الإسلامي نحو الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، ط1، 2011

- بشارة، عزمي، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، قطر، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013

- انظر نص الحوار الذي أجريناه مع الراحل "محمد أبو القاسم حاج حمد"، بعنوان: الانقلاب على الموروث الديني ومنهجية القرآن المعرفية، قضايا إسلامية معاصرة، عدد47-48، بغداد، 2011، ص 63