الخطاب الإصلاحي في المجال التداولي الإسلامي العربي..المعالم والأعطاب

فئة :  مقالات

الخطاب الإصلاحي في المجال التداولي الإسلامي العربي..المعالم والأعطاب

قياسا على مقولة "السيف أصدق أنباء من الكتب" لأبي تمام، نرفع شعار "الأمثلة أصدق أنباء، من التنظير"، وتفعيل بعض مقتضياته، في إطار الحديث عن بعض أعطاب مشاريع الإصلاح الديني السائدة في مجالنا التداولي الإسلامي. بين أيدينا ثلاثة أمثلة، تفرض ذاتها بشكل ملح في خضم الحديث عن معالم الإصلاح المنشود من قبل أهل المؤسسات الدينية الرسمية، وأتباع الحركات الإسلامية، وأهل "الإسلام النظري" على حد سواء:

أ ــ النموذج الأول:

نقرأ في حقبة ما بعد سقوط الرئيس المصري حسني مبارك، العناوين التالية في أحد أعداد أسبوعية "اللواء الإسلامي"، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أننا إزاء منبر إعلامي محسوب على المؤسسة الدينية الرسمية في مصر:

ــ أحمد الطيب، شيخ الأزهر: مطلوب دولة مدنية.. ولا تنتخبوا من يشتري الضمائر؛

ــ وثيقة أزهرية حول حقوق المرأة ومؤتمر لمساندة الحراك العربي؛

ــ طلعت عفيفي، العميد السابق لكلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر: انتخاب التيار الإسلامي.. إعلان بعودة الشعوب إلى فطرتها؛ [1]

ب ــ النموذج الثاني:

نقرأ لوزير حالي في الحكومة المغربية التي يقودها حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي، هذا التصريح، وصدر سنتان ونيف قبل اندلاع أحداث "الربيع المغربي": "أعتبر قضية إمارة المؤمنين من المؤشرات الكبيرة على عملية إجهاض كل عملية إصلاح؛ وذلك بسبب الإقرار بازدواجية النظام الدستوري ونظام إمارة المؤمنين.. ومن هذا المنطلق، يجب أن يَخضع نظام إمارة المؤمنين لعملية إصلاح توازي شعارات الإصلاح التي طُرحت على المستوى الدستوري، وتنقله من الطابع التقليدي الذي هو عليه الآن إلى الطابع التعاقدي الذي هو جوهر ماهيته؛ فأصل البيعة هو التعاقد". [2]

ج ــ النموذج الثالث:

نورد رواية وضعها فاعل إسلامي من حزب "النهضة والفضيلة" على موقعه في الشبكة الاجتماعية "الفايسبوك"، (ونوردها حرفيا تقريبا): "هذه قصة أخت سلفية تضع النقاب، كانت تقوم بالتسوق في أحد الأسواق في فرنسا، بعد الانتهاء من التبضع، ذهبت إلى الصندوق لدفع ما عليها من مستحقات...وخلف الصندوق كانت هناك امرأة من أصول مغاربية، متبرجة وكاسية عارية، فنظرت إليها نظرة استهزاء، ثم بدأت تحصي السلع، وتقوم بضرب السلع على الطاولة، لكن الأخت لم تحرك ساكنا، وكانت هادئة جدا مما زاد تلك الموظفة غضبا، فلم تصبر وقالت لها: لدينا في فرنسا عدة مشاكل وأزمات ونقابك هذا مشكلة من المشاكل التي تسببتن لنا بها، فنحن هنا للتجارة وليس لعرض الدين أو التاريخ، فإذا كنت تريدين ممارسة الدين أو وضع النقاب، فاذهبي إلى وطنك ومارسي الدين كما تشائين؛ توقفت الأخت السلفية عن وضع السلع في الحقيبة ونظرت إليها، ثم قامت بنزع النقاب عن وجهها وإذ هي شقراء، زرقاء العينين قائلة: أنا فرنسية، هذا إسلامي وهذا وطني، أنتم بعتم دينكم ونحن اشتريناه".

تتأسس هذه المقالة على ثلاث مقدمات:

1ــ نحن نُسلّم بأن مشروع الإصلاح يكاد يكون حُلم غالبية المسلمين، حكاما ومحكومين، نخبة وعوام، في الماضي والحاضر، لولا أن إصرار "الشياطين على تعقيد التفاصيل"، أسهم في عرقلة تفعيل تحقيق هذا الحُلم بالشكل المرجو من قبل الجميع، بمعنى أننا لا ندعي بأن القائم اليوم لا يمت للإصلاح بصلة، بقدر ما يُجسد بالكاد أولى محطات التأسيس لإصلاح حضاري يُشرف قيم وهوية أبناء المجال التداولي الإسلامي. بالنتيجة، لا نزعم أن المراد بالإصلاح عموما، منذ تداول المفردة على عهد جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، والبقية الباقية، كونه يُختزل فقط في إصلاح ديني أو إصلاح سياسي أو إصلاح ثقافي، وإنما إصلاح حضاري تتوزع فروعه على حقول دينية وسياسية وثقافية.. نقول هذا ونحن نأخذ بعين الاعتبار إصرار بعض التيارات الفكرية (الإيديولوجية) على اختزال معالم الإصلاح في فرع واحد من هذه الفروع دون سواه؛ فالحركات الإسلامية مثلا، تُصر على اختزال تفعيل التحدي في إصلاح السلطة الزمنية الحاكمة، ومن هنا تكمن أهم أسباب منافستها على النطق باسم الإسلام، وعلى توظيف المقدس للظفر بزمام السلطة الحاكمة، ولذلك ترفع شعار "الإسلام هو الحل. أما التيارات الموصوفة بالعلمانية، ونخص بالذكر تيارات "العلمانية الشاملة"، بتعبير عبد الوهاب المسيري، والتي تختزل الإصلاح ليس فقط في فصل الدين عن الدولة، وإنما "فصل كل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية عن كل جوانب الحياة العامة في بادئ الأمر، ثم عن كل جوانب الحياة الخاصة في نهايته إلى أن يتم نزع القداسة تماما عن العالم: الإنسان والطبيعة"،[3] ولذلك ترفع شعار "الإسلام هو المشكلة".

2ــ يمكن قراءة أهم أسباب اندلاع ما اصطلح عليه إعلاميا بـ"أحداث الربيع العربي"،[4] ولو أننا نُفضل الحديث عن "ربيع إسلامي حركي" أو "ربيع سلفي وهابي" لاعتبارات بَدَهية، ليس هذا محل التفصيل فيها، وأكدنا على ذلك مرارا بالأدلة والمؤشرات الميدانية ــ في أنها تترجم صرخة الشارع العربي، بخصوص تفعيل مقتضيات الإصلاح، لولا أنه من جهة، أسهم تعثر تأسيس أنظمة سياسية مُصلحة في الدول العربية التي عصفت بها رياح الربيع العربي، ومن جهة ثانية، صعود أسهم التيارات السلفية الوهابية والحركات والأحزاب الإسلامية [5] في تأكيد قناعات النخبة الفكرية بأن أزمة الإصلاح المنشود، أكبر من أن يتم تحقيقها عبر أحداث ربيع عربي يزداد تعقيدا، بما يحيلنا على أهم أعطاب فشل إصلاح ما تم إسقاطه في أحداث "الربيع العربي/الإسلامي، وأصبح مقدمة لتدشين حقبة جديدة من "الحرب الباردة العربية" بتعبير مالكولم كير؛ حيث يبدو كما لو أننا "إزاء ثقافتين، بل ومجتمعين، في أكثر بلدان الوطن العربي"؛ حيث إن "الصراعات الثقافية، ما كانت تجري في فراغ، بل كانت تعبر عن أزمة المشروع العربي للدولة، وللمجتمع الجديد".[6] نعتقد أن صعود نجم التيارات السلفية الوهابية والأحزاب الإسلامية ــ التي للمفارقة، ينهل أغلبها من مرجعية سلفية وهابية) ــ أعاد العقل الإسلامي إلى "الدرجة الأدنى" من النهضة الإصلاحية التي طرقنا أبوابها على خجل منذ قرن ونيف، مع أعمال محمد عبده ورشيد رضا ورفاعة الطهطاوي ــ رغم نزعتهم السلفية، ولكنها على الأقل، كانت ذات نَفَس إصلاحي ــ حيث تجديد و"إحياء" النقاش شبه البيزنطي بخصوص توظيف الوسائل الأنفع للأنظمة والدول والأمة: الرهان على السلفية الوهابية عند من يرفع شعار "الإسلام هو الحل"، أو التسريع بإحداث "القطيعة الأبستمولوجية" مع التراث العربي والإسلامي عند من يرفع شعار "الوحي لم يعد مُنتجا للحقيقة اليوم"، أو تبني الطريق الإصلاحي الثالث والغائب اليوم: التوفيق بين كنوز التراث الإسلامي ومفاتيح التراث الغربي الحداثي؛[7]

3ــ نحسبُ أنه لا يستقيم الحديث عن "ربيع سياسي" دون رهان جدي على "ربيع معرفي" أو "ربيع فكري"، ولعل أهم العوائق المسكوت عنها في معرض التفاعل النقدي مع أحداث "الربيع العربي/الإسلامي"، وخاصة التفاعل الإعلامي والصادر عن أقلام الفكرانيات الإسلامية الحركية، كونه يُقزم من دور الإصلاح الفكري في المشهد؛ حيث الرهان الأكبر على تفعيل مقتضيات الإصلاح السياسية، من منظور إسلامي حركي، ومن هنا دلالات تأكيد بعض الباحثين على أنه "من دون تفكيك العصبيات الطائفية وتنوير العقول لا يمكن أن ينجح الربيع العربي الذي يشكل صرخة احتجاج حقيقية ومشروعة ضد أنظمة الفساد". [8]

I ــ معالم مشاريع الإصلاح الديني

آن الأوان للتوقف عند أهم تجليات الإصلاح النظري والعملي كما هو جلّي في نماذج ثلاثة، ونحن نتحدث في حقل "الإصلاح الديني"، أو بتعبير أفصح، عن "التجديد الديني"، حتى لا يُختزل حديثنا عن "الإصلاح الديني" في إصلاح النصوص الدينية، بينما نحن نروم الخوض في القلاقل المرتبطة بمشاريع "تجديد فهم الدين"؛ أو مشاريع "إصلاح الفكر الديني لا الإصلاح الديني"[9] بالمرجعية الغربية، بحكم أن الحديث عن "الإصلاح الديني" ظَلّ لصيقا بسياقات الحروب الدينية التي عرفتها أوروبا إبان عصور الظلام، والتي تطلبت وانتهت بسحب البساط عن توظيف رجال الكنيسة للنصوص الدينية المقدسة، وتحرير العمل السياسي من المرجعية الدينية. يتعلق الأمر إذن، بنموذج المؤسسات الدينية الرسمية، ونموذج الحركات الإسلامية (دعوية كانت، سياسية، أو "جهادية")، ونموذج المفكرين المستقلين (أي أهل "الإسلام النظري").

أــ مشاريع الإصلاح بالمؤسسات الدينية: لا يخرج المشروع الإصلاحي اللصيق بأداء المؤسسات الدينية الرسمية، عن المشروع الإصلاحي لصانعي القرار السياسي في مجالنا التداولي الإسلامي، على اعتبار أن أغلب المؤسسات العلمية أصبحت منذ قرون تابعة للماسكين بزمام السلطة الزمنية الحاكمة، وبالتالي ناطقة باسم مشاريع الحكام (ملوكا كانوا أم رؤساء)، ومعلوم أن هذه المؤسسات تلعب دورا محوريا في تغذية وتقوية الولاء العقدي والمذهبي للمجتمع، بما أفضى بشكل أو بآخر إلى تبرير وشرعنة "السلطان السياسي وشرعنته، بقطع النظر عما اكتنف تلك الشرعية من شوائب وشبهات من وجهة نظر الدين". [10]

بــ مشاريع الإصلاح لدى الحركات الإسلامية: لا يخرج أداء المشروع الإصلاحي ــ أو الإحيائي بتعبير رضوان السيد ــ اللصيق بالحركات والأحزاب الإسلامية، عن تفعيل مجمل المقتضيات المرتبطة بشعار "عودة الخلافة" و"تطبيق الشريعة" و"الحاكمية لله"، والتي بزغت عبر مراحل منذ انهيار الخلافة العثمانية، وتأسيس جماعة "الإخوان المسلمين" على يد الإمام حسن البنا، وظهور أجيال وتيارات إسلامية حركية، تعيش هذه الأشهر على إيقاع نشوة "الاقتراب" من تحقيق هذه الأحلام/المشاريع، بفعل التطورات المقلقة التي تعرفها المنطقة العربية على وجه الخصوص، مع أحداث "الربيع العربي/الإسلامي".

جــ مشاريع الإصلاح لدى "الإسلام النظري": لا تخرج معالم إصلاح أهل "الإسلام النظري" عن أخذ مسافة نظرية وعملية من مشاريع المؤسسات الدينية الرسمية ومشاريع الحركات الإسلامية، والاجتهاد في التنظير "للأفكار الطولى"، مع الانتصار لمرجعية فكرانية (إيديولوجية) محددة، وتمتد أسماء هؤلاء المصلحين المستقلين من محمد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبد ورشيد رضا إلى طه عبد الرحمن ومحمد أركون وأبو يعرب المرزوقي وعبد الوهاب المسيري وعبد الكريم سوروش، مع اختلاف معالم المشروع الإصلاحي لهذا الاسم أو ذلك، واختلاف السياقات التاريخية المصاحبة لصدور هذا المشروع أو ذلك.

وقد تكون أهم ملامح هذا النمط النوعي من الإصلاح المستقل عن إصلاح المؤسسات الدينية الرسمية والإسلامية الحركية، أو نمط "الإسلام النظري" [11] كونه راهن على دور العلوم المعاصرة ودور العقل في التعامل مع النص القرآني المقدس/المؤسس، ومن باب تحصيل حاصل التعامل مع التراث والخطاب الديني والأدبيات الفقهية، من خلال توظيف العلوم الإنسانية والتاريخ المقارن للأديان..

II ــ أعطاب مشاريع الإصلاح الديني

بعد التوقف عند أهم معالم مشاريع الإصلاح السائدة، مؤسساتية أو إسلامية حركية أو مستقلة، آن الأوان للتوقف عند أهم أعطاب هذه المشاريع:

1ــ نبدأ بأعطاب مشاريع الإصلاح اللصيقة بالمؤسسات الدينية الرسمية؛ حيث يؤاخذ على أغلب هذه المشاريع في العالم الإسلامي، كونها اتجهت نحو شرعنة أداء السلطة الزمنية الحاكمة، وتبرير مجمل هذه مواقف السلطة، ولا حاجة للتوقف عند العديد من الأمثلة الدالة في هذا الصدد، من موقف المؤسسة الدينية في السعودية اتجاه مأزق الاستعانة بالقوات الغربية لإخراج الجيش العراقي من الكويت، ابتداء من مطلع العام 1991، ونهاية بمواقف العديد من فقهاء المؤسسات الدينية الرسمية في الدول العربية التي عصفت بها رياح "الربيع العربي/الإسلامي"، أو مواقف العديد من فقهاء المؤسسات الدينية الرسمية في حقبة ما بعد اندلاع هذه الأحداث، سواء كانوا ينهلون من مرجعية سلفية ــ من قبيل بعض الفقهاء في دول الخليج العربي، من الذين أفتوا بعدم شرعية اللجوء إلى بالإضراب [12] ــ أو صوفية، ونستحضر هنا النموذج الصارخ للصوفي السوري الشهير، شارح الحكم العطائية، محمد رمضان البوطي، ومواقفه المؤيدة لنظام الرئيس بشار الأسد أثناء اندلاع أحداث "الربيع السوري). ورُبّ معترض على أي آمال مرجوة من إصلاح يمكن أن يصدر عن أداء المؤسسات الدينية الرسمية، لولا أن التجربة التاريخية، تعلمنا أن الأمور ليست بهذه السوداوية التي تُصرّ على تمريرها أقلام الحركات الإسلامية، وبعض الأقلام الإصلاحية المستقلة؛ أي أقلام "الإسلام النظري"، والإحالة هنا على تجربة تعامل الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط مع ملك ألمانيا (بروسيا آنذاك) فريدريك الثاني؛ حيث كان يمدحه باعتبار أنه "عاهل مستنير": صحيح أنه مستبد، ولكنه مستبد مستنير يسمح للعلماء والفلاسفة بحرية البحث والتفكير والنشر، وبالنتيجة، يتساءل مترجم أعمال الراحل محمد أركون: "أليس المستبد المستنير أفضل من المستبد الظلامي على طريقة لويس الخامس عشر ملك فرنسا؟"، و"وجود المستبد المستنير في وقته أفضل الممكن، وإلا فديمقراطية الأصوليين". [13] ومن باب للتذكير، فقد كان فريدريك الكبير يستقبل في بلاطه كل مثقفي فرنسا الهاربين من بطش ملكهم الأصولي، بمن في ذلك فولتير. وكان يفتح لهم أبواب أكاديمية برلين لكي يبحثوا ويتناقشوا في شتى شؤون العلم والفكر والدين، بكل حرية. وكان يصرف عليهم الرواتب لكي يتفرغوا كليا للبحث وتنوير الشعوب الأوروبية، (بما يُذكرنا بالذي كان يقوم به المأمون في مجالنا التداولي الإسلامي)، بل كان يشارك شخصيا في المناقشات التي تدور حول العقائد الدينية المسيحية (بما يُذكرنا هذه المرة بالذي كان يقوم به الملك الراحل الحسن الثاني، في ثنايا سلسة الدروس الحسنية الرمضانية). ولعل هذا النموذج النوعي الذي توقف عنده هاشم صالح، "يشفع" لبعض فقهاء وعلماء المؤسسات الدينية، في مجالنا التداولي الإسلامي المغربي نموذجا، لتبني مواقف إيجابية من مؤسسة إمارة المؤمنين، ليس فقط في معرض سحب البساط الفقهي والعلمي عن الانتقادات التي تتعرض لها المؤسسة من قبل أغلب أطياف التيار الإسلامي الحركي، بما في ذلك التيار الإسلامي الذي يقود حكومة "ما بعد الربيع المغربي"، [14] ولكن أيضا، لإيمانهم، أن موقف إمارة المؤمنين في بعض قضايا الساعة، وبالتالي، الرؤية الإصلاحية للمؤسسة في التفاعل مع قضايا الساحة، أفضل بكثير من مواقف أغلب الحكام العرب والمسلمين.

2ــ فيما يتعلق بأعطاب المشاريع الإصلاحية اللصيقة بالحركات الإسلامية، فيُحسب لها استفزاز أهل "الإسلام النظري" (أي مشاريع المصلحين المستقلين)، من أجل الإبداع أكثر في إنتاج أدبيات تسحب البساط عن أعطاب الإصلاح الرسمي المؤسساتي والإصلاح الإسلامي الحركي، الذي اتجه لما وصفه عن الباحث الباكستاني شيما خان (Sheema Khan)، بـ"اختطاف الإسلام"[15] في سياق زمني تميز باستخلاص بعض دروس صدمة اعتداءات نيويورك وواشنطن؛ و"اختطاف الإسلام" هنا يتم عبر ثلاث تفرعات من العمل الإسلامي الحركي، العمل الدعوي والسياسي و"الجهادي"، وإذا اعتبرنا أن العمل الإسلامي الدعوي [16] يدخل في صميم الدعوة الإسلامية، مادام الإسلام دين دعوة وهداية ودين رحمة ــ "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" [17] ــ فإن الأمور تختلف مع أهداف ومعالم مشاريع أهل الإسلام السياسي[18] وأهل "الإسلام الجهادي". [19] نحسبُ أن غلبة الهم السياسي على الهم المعرفي والفكري، يسهم في عرقلة مشاريع الإصلاح المرجوة من أداء الحركات الإسلامية، إلى درجة جعلت أسماء إسلامية حركية، تُعلن مسبقا عن الفشل المنتظر لأداء هذه الحركات بفعل غلبة الهاجس السياسي على هواجس الفكر والدعوة إصلاح الذات، قبل إصلاح الدولة والسلطة والحاكم، [20] ومعلوم أن رهان هذه الحركات (سياسة على الخصوص، حن نترك "الجهاديين" جانبا)، على الخيار السياسي، يُؤسس بشكل أو بآخر لتوظيف الخطاب التبريري الذي يملك بالتالي قابلية التصدي والوقوف ضد المشاريع العلمية الإصلاحية التي من شأنها تطوير الفكر الديني الذي تقتات عليه هذه الحركات الإسلامية السياسية. [21] مع هؤلاء، وبرأي أحد الباحثين، لا يضيفون "شيئا [جديدا] إلى التراث العقدي الإسلامي"، لاعتبارات عدة، منها أنهم "يكتفون بالنصوص الشرعية، فلا يكادوا" يحيدون" عنها إلا لكي يعيدوا إدراكها في شبكة تأويل نصية مع الأشعري، أو الغزالي، أو ابن تيمية؛ ولأنهم لا يطرحون على أنفسهم هذه المهمة " النظرية"، ثم لأنهم لا ينتمون إلى فئة الفقهاء وعلماء أصول الدين: التي نهضت ــ في الثقافة الإسلامية الوسيطة ــ بدور بناء وإعادة بناء مسائل العقيدة في وعي الجماعة الإسلامية. ولأن إشكاليتهم تنتمي إلى السياسة لا إلى الدين، حتى وإن هي قامت على الدين، أو عرضت نفسها في لغة دينية، لعل الشيء الجديد الذي يضيفونه إلى تراث الإسلام هو مساهمتهم في إنتاج مقالة في السياسة على قاعدة ما يعتقدون أن الأساس الشرعي الصحيح لها"، [22] في حين يرى عبد الله العروي، أن هذه الجماعات تؤسس مشروعها على إحياء "مقالة فقهاء القرون الماضية". [23] ومما يُزكي خشية الباحث من تبعات نجاح مشاريع الحركات الإسلامية في كسر احتكار السلطة للدين في البلاد العربية المعاصرة على الأقل ــ لنأخذ بعين الاعتبار أن هذه المخاوف المشروعة، ولو أنها صدرت عن قلم محسوب على المرجعية العلمانية، حُرّرت قبل أحداث "الربيع العربي/الإسلامي" – بخصوص تحول هذه المشاريع إلى مناسبة لـ"تأسيس احتكار جديد مقابل لعقيدة الأمة، وثقافتها، والتصدر للنطق باسمها، وفي الظن أنها سوف تقترف خطيئة إستراتيجية إن هي أعادت إنتاج ما ناضلت طويلا ضده في سعيها إلى إعادة تقويم العلاقة بين السياسة والإسلام"، يضيف بقلزيز، ذلك أنها ستقود إلى "صناعة استقطاب اجتماعي جديد قد يهز استقرار الاجتماع الوطني، ويكفي أن قوى العنف والتكفير تنافس الحركات الإسلامية العاقلة على احتكار " الرأسمال الديني" وعلى ادعاء تمثيل الإسلام"؛ [24] ولنا أن نستحضر ما الذي يمكن أن يصدر عن نفس الباحث وباحثين آخرين في حقبة ما بعد اندلاع أحداث "الربيع العربي/الإسلامي". صحيح أن بعض الأصوات تُقزم من أي مخاوف مُروجة بخصوص تبعات إمساك الحركات والأحزاب الإسلامية بزمام السلطة في الأنظمة العربية التي سقطت ضحية أحداث "الربيع العربي/الإسلامي"، من قبيل تأكيد رضوان السيد مثلا أنه "ليست هناك أخطار كبيرة على الدولة والنظام السياسي من الإسلاميين الذين وصلوا للسلطة؛ وذلك لأنّ الشبان سبقوهم وحدَّدوا شروط المسابقة، التي ما عاد يمكن الخروج عليها. ثم إنهم يتلاءمون بشكلٍ جيد، وما ارتكبوا أخطاء كبرى حتى الآن"، [25] إلا أن تطورات الساحة العربية بعد اندلاع هذه الأحداث، وارتفاع أسهم التيارات السلفية الوهابية، وصدور لائحة من الفتاوى المثيرة عن رموز هذا الربيع، من شأنها تغذية تلك المخاوف، خاصة وأننا لم نشهد مراجعات إسلامية، مشهود لها بالجدة والنوعية بشكل عام، ونحن نستثني مراجعات التونسي راشد الغنوشي، وهي مراجعات تُفسر تميز "الربيع التونسي" عن باقي أحداث "الربيع العربي/الإسلامي" في المنطقة العربية"، بما يٌخول لرضوان السيد التقليل من "الحديث عن "نهوضٍ" في الفكر الإسلامي يحمله السلفيون أو الإخوان"، والذي يقصده بالنهوض هذا "التمييز الضروري بين الدين والسياسة أو الشأن العام. فهذا الأمر الذي تحدث عنه مؤسِّس الإخوان حسن البنا ــ يقصد مقولته الشهيرة "الإسلام دينٌ ودنيا، مصحفٌ وسيف" ــ لا يخدم قضية الدولة ولا الدين بعد الثورات، ولا بد من النقد والمراجعة لمسارات خطاب الاحتقان، من أجل الخروج منه بالفعل".

3ــ وأخيرا، فيما يتعلق بأهم أعطاب أهل "الإسلام النظري"، فتكمن على الخصوص في تكريس وتأسيس نوع من العزلة الميدانية لرموز هذه المشاريع على أرض الواقع، فيما يُعتبر تحصيل حاصل في واقع الأمر، على اعتبار أن مواقفها النقدية من المشاريع الإصلاحية الصادرة عن المؤسسات الدينية الرسمية أو الحركات الإسلامية، لا تؤسس لتوطيد أي "مصالحة" أو تعاون مفترض بين هذه الأعلام وهذه المؤسسات والحركات. نقول هذا، ونحن نستحضر آخر الأمثلة التطبيقية والنموذجية في هذا الصدد، ونتحدث عن خلاصات الكتاب الذي صدر مطلع العام الجاري في المكتبات العربية، ونتحدث عن كتاب "روح الدين" لطه عبد الرحمن؛ حيث يحمل الرجل مطرقة نقدية تحلينا على أعمال نيتشه أو درديا في التفكيك والنقد، مقابل الإتيان بالبديل، والنقد يهم الجميع: صناع القرار الديني، ومعهم المؤسسات الدينية الرسمية، وبالتالي، أهل المشاريع الإصلاحية الرسمية، ويهم أيضا التيارات العَلمانية والحركات الإسلامية، ناهيك عن مجمل التفرعات التي أنتجتها منظمة "الحاكمية" عند أهل السنة و"ولاية الفقيه" عن الشيعة، بل إن النقد يهم حتى أهل التصوف، وهو ــ المؤلف ــ الذي كان يُحسبُ على مرجعية صوفية، قبل أن يتبنى خيار النقد الذاتي، ويوجه سهام النقد إلى مجمل الطرق الصوفية، إلى درجة عدم استعمال عبارة "العمل الصوفية" أو "الطرق الصوفية"، مفضلا الحديث عن "العمل التزكوي".[26] ولعل الخدمات الإصلاحية الكبيرة التي حَفِلَ كتاب "روح الدين" لطه عبد الرحمن، تخول للمنافسين الفكرانيين الإقرار بأن "قوى الإسلام النظري أقرب الإسلام المعاصر جميعا إلى مهمة الإصلاح الديني، بسبب غَلَبة الطابع الفكري على نشاطها، وبسبب ميلها إلى عدم المبالغة في العويل على السياسة حلا سحريا لإعضالات الواقع، فضلا عن حرصها على الاستقلال بنفسها- وبحرفتها العلمية- عن أي ارتهان أو ولاء سياسي يخرج بها عن طموحها في الكينونة والتنزل ضميرا للدين والأمة، إلى الصيرورة مجرد فرقة في الدين وحزب في السياسة". [27] ومن بين أهم أعطاب الخطاب الإصلاحي لأهل "الإسلام النظري"، عدم اهتمامها بالقضاء على الأمية، وخاصة في الأرياف، وتكفي الإحالة هنا على نتائج النموذج الإصلاحي الياباني؛ حيث تم الحس في موضوع استئصال الأمية وتشجيع البحث العلمي وفتح أوراش الترجمة على عهد إمبراطورى الميجي سنة 1868، وهذا عمل لا زال العقل العربي الإسلامي عاجزا اليوم عن تقليده، وهو يطرق باب الألفية الثالثة؛ وبرأي المفكر اللبناني جورج قرم، ومن سوء حظ العرب، لم تتم الاستفادة من دروس التجربة اليابانية، "فلا محمد علي، ولا جمال عبد الناصر، ولا الأنظمة العربية المختلفة، تمكنت من القضاء على الأمية بشكل كامل، وإخراج العالم الريفي العربي من وضعه التاريخي كفئة مهمشة وفقيرة ومتمسكة ــ من ثمّ ــ بالأوجه السلبية لتقاليد عديدة كانت النهضة العربية تهدف إلى القضاء عليها، ونحن نعلم أن ثمة، إلى اليوم، جيوبا واسعة جدا من الأمية المطلقة في مصر والمغرب والسودان على سبيل المثال، ومن شبه الأمية في معظم الأقطار العربية". [28]

III ــ الفاعل الغربي.. العطب الغائب الحاضر

تطرقنا سابقا إذن إلى بعض الأعطاب اللصيقة بأهم مشاريع الإصلاح في مجالنا التداولي، ونصفها بالأعطاب الذاتية، دون التقزيم من ثقل وخطورة أعطاب ذاتية موازية، لا تقل خطورة، لعل أهمها إن لم نقل في مقدمتها، غياب الإرادة السياسية، وتخلف النظام التعليمي (بإقرار المسؤولين أنفسهم، قبل إقرار التقارير الدولية)، والارتفاع المهول لمستويات الأمية (الأبجدية والوظيفية)، ومن باب تحصيل حاصل، غياب "الأطر الاجتماعية للمعرفة"، المعنية بالتأسيس النظري والعملي لمشاريع الإصلاح، سواء كانت دينية رسمية أو إسلامية حركية أو محسوبة على أهل "الإسلام النظري". بقي أمامنا عطب كبير، خارجي هذه المرة، وبالتالي، فهو عطب موضوعي، يسهم في تعقيد مشهد الإصلاح، ونقصد بالتحديد عطب الغير/الآخر، أو العطب اللصيق بحسابات صانعي القرار في المجالات التداولية غير الإسلامية، وفي مقدمتها اليوم، المجال التداولي الغربي. من المثير أن نطلع في العديد من المؤلفات والدراسات المخصصة لموضوع الإصلاح في المجال التداولي الإسلامي على إغفال لدور وأهمية العوامل الخارجية في التأثير الإيجابي أو السلبي على مسارات الإصلاح الإسلامي المنشود. وعلى فرض أن صانعي القرار في دولة إسلامية اليوم، قرروا تدشين مشروع إصلاحي حضاري، [29] فلا يمكن وضع الخطوط العريضة لهذا المشروع أو ذلك دون الأخذ بعين الاعتبار حسابات الآخر الغربي، وتكفينا دلالات صادمة، التطورات الدموية الكونية التي سوف تنتجها سياسة التمويل الغربي الأمريكي عبر وكالة "US AID" للمدارس الإسلامية الباكستانية إبان الغزو السوفياتي، ووصف المقتلين الأفغان والعرب بأنهم "محاربون في سبيل الحرية"، قبل أن يصبحوا اليوم على رأي المطلوبين في بقاع العالم بأسره؛ ويكفي أيضا، تأمل معالم التدخل الأمريكي اليوم في مصر ما بعد حسني مبارك، سواء كان التدخل عبر بوابة المؤسسة العسكرية أو عبر جماعة "الإخوان المسلمين"، وبإقرار هؤلاء جميعا. ومن الأمثلة الدالة في هذا الصدد، ما أشار إليه الباحث محمد أيوب (أستاذ مرموق في العلاقات الدولية بجامعة ميتشغان الأمريكية)، بخصوص الدور الذي قامت به السوق الأوروبية ومن بعدها الاتحاد الأوروبي في "تيسير عملية التحديث وإرساء الديمقراطية لدول جنوب أوروبا، ومنذ التسعينيات قامت بمساعدة دول شرق أوروبا، كما ساعدت الحماية الأمنية الأمريكية في مسيرة تحديث اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية. وعلى النقيض، واجهت دول العالم الثالث، خصوصا الواقعة في الشرق الأوسط الإسلامي، بيئة خارجية معادية وغير مواتية إلى حد كبير"، [30] مضيفا أنه "لو أمكن تحرير نسخة أخرى مغايرة من تاريخ الشرق الأوسط ترسم فيها صورة مغايرة للمنطقة بدون الصراع العربي الإسرائيلي والشتات الفلسطيني لأمكن أن يظهر نص مسرحي أكثر ديمقراطية وليبرالية، ولدخلت مصر وسوريا والعراق ولبنان ضمن عملية التجارب الوليدة في الحكم الديمقراطي". [31] لم يقتصر الأمر فقط على تدخل صانعي القرار الاستراتيجي في الساحة الإسلامية، وإنما امتد أيضا إلى مراكز الدراسات والمفكرين الغربيين، سواء صدرت هذه الدراسات الأكاديمية في إطار التنسيق مع صانعي القرار (في الداخل والخارج)، أو بناء على اجتهادات ذاتية، بعيدة عن توظيفات مشبوهة، ونتوقف عند نموذجين بارزين في هذا الصدد، ويهم تعامل بعض الأقلام الغربية مع المشروع الإصلاحي الإسلامي في حقبة ما بعد اعتداءات نيويورك وواشنطن، من خلال التوقف عند تقييم المشروع الإصلاحي الوهابي، بحكم أن سهام النقد وجهت بشكل كبير إلى النزعة السلفية الوهابية بُعيد هذه الاعتداءات؛ حيث نجد من جهة، قراءات عراب المستشرقين الأكبر برنارد لويس يُشيطن العقل الإسلامي المعاصر، من خلال كتابه المثير للجدل: أزمة الإسلام.. الحرب المقدسة ضد الإرهاب غير المقدس"، [32] حيث خَصَّص فصلا كاملا في الكتاب من أجل "شيطنة الوهابية"، مقابل ما صدر عن المؤرخ الفرنسي شارل سانت برو، الذي خصص فصلا كاملا أيضا هو الآخر، ينتصر فيه للوهابية باعتبارها "حركة دينية إصلاحية ومجددة أكثر منها إيديولوجية طائفية متشددة"، [33] وبالنتيجة، يجد الباحث المشهد أقرب إلى حروب "العمالة الأكاديمية" تنتصر لهذا الخيار الإصلاحي أو ذلك. بالعودة إلى أهم خلاصات الأمثلة الميدانية التي افتتحنا بها هذه المداخلة، حري بنا التوقف عند الأسئلة التالية:

في ثنايا النموذج الأول، لنا أن نتساءل عن احتمالات نشر صحيفة "اللواء الإسلامي" لنفس العناوين في حقبة ما قبل "الربيع العربي/الإسلامي"؟ وواضح أن الفصل في الأجوبة عن هذا السؤال، يحيلنا على طبيعة العلاقة الوطيدة بين رموز المؤسسات الدينية الرسمية وصانعي القرار السياسي، أو رموز السلطة الزمنية الحاكمة في مجالنا التداولي الإسلامي، إلى درجة أصبحت فيها هذه المؤسسات علامة فارقة على خيار "تأميم الدين" الذي لجأت إليه الأنظمة السياسية عبر التحكم في أهم المؤسسات الدينية من أجل فرض رؤية رسمية وتعميمها ضمانا لحد أدنى من السلم العقدي والمذهبي. وفيثنايا النموذج الثاني، لنا أن نتساءل أيضا، عن احتمالات تكرار نفس القيادي الإسلامي لنفس التصريحات اليوم، في مرحلة ما بعد الظفر العابر بثمار أحداث "الربيع العربي"، وأخذا بعين الاعتبار غَلَبة الحسابات السياسية على الحسابات الدعوية، وتأجيل فتح أوراش "الربيع المعرفي" أو "الربيع الفكري"، وتمرير نموذج مثير في العمل الإسلامي البراغماتي، فلنا أن نتصور مآل "المشاريع الإصلاحية" لهذا النموذج الإسلامي الحركي، وهي المآل الذي لا يبدو أنها ستخرج عما تنبأ به الراحل فريد الأنصاري، في أعماله النقدية، والتي لخصها يوما الباحث الفرنسي بشعار صادم: "فشل الإسلام السياسي".[34] وفيثنايا النموذج الثالث، لا يسعنا إلا أن نستحضر أعمال المفكر البوسني الراحل علي عزت بيغوفيتش، وأعمال المفكر التونسي من أصل مصري، طارق رمضان، في معرض التأكيد على المهام الحضارية الملقاة على أمثال هذه الأقلام الفكرية، لأن أهم خلاصات هذا النموذج، لا تخرج عن السؤال الصادم الذي يهم إسلام الأقليات الإسلامية في الغرب؛ أي إسلام يريد هؤلاء بالضبط؟ نقول هذا ونحن نأخذ بعين الاعتبار أن اعتناق الإسلام في المجال التداولي الغربي، يتم خلال العقود الأخيرة عبر بوابة التسلف، أو عبر بوابة التصوف.


[1] اللواء الإسلامي، القاهرة، السنة الأولى، الإصدار الثاني، العدد 5، 3 مايو 2012.

[2] مصطفى الخلفي، الإصلاح في المغرب (ندوة أدارها عبد الحق لبيض)، مجلة الآداب، بيروت، العدد 7 ــ 8 يوليو ــ غشت 2009، السنة 57، ص 108. مصطفى الخلفي هو وزير الاتصال الحالي والناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية التي أفرزتها الانتخابات التشريعية ليوم الجمعة 25 نونبر 2011، وهو أيضا عضو المجلس الوطني لحزب "العدالة والتنمية"، وعضو المكتب التنفيذي لحركة "التوحيد والإصلاح"، وكان مديرا سابقا ليومية "التجديد"، الصحيفة الناطقة باسم حركة "التوحيد والإصلاح" والمحسوبة على حزب "العدالة والتنمية".

[3] اعتمدنا هنا على التصنيف الشهير الذي سطّره الراحل عبد الوهاب المسيري بين "العلمانية الجزئية" والعلمانية الشاملة"، فالأولى، (العلمانية الجزئية)، رؤية جزئية لواقع (براغماتية ــ إجرائية) لا تتعامل مع أبعاده الكلية والنهائية (المعرفية)، ومن ثَمّ لا تتسم بالشمول؛ أما الثانية (العلمانية الشاملة)، فتُجسّد رؤية شاملة للعالم ذات بُعد معرفي (كلي ونهائي)، وهي رؤية عقلانية مادية، تدور في إطار المرجعية الكامنة والواحدية المادية".

لمزيد من التفصيل الدقيق، أنظر: عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، المجلد الأول، دار الشروق، القاهرة، ط 1، 2002، ص 220 و221.

[4] من أهم الدراسات المغربية التي صدرت في معرض تفكيك مقدمات "الربيع العربي"، نجد كتاب "ربيع الغضب.. مقاربة أولية" للباحث سمير الحمادي، صدر عن مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط 1، 2012.

[5] تطرقنا لهذه الجزئية ببعض التفصيل في كتاب "الوهابية في المغرب"، وبالتحديد في ثنايا الفصل الثاني من الكتاب ويحمل عنوان: "السلفية الوهابية في المغرب بين المؤسسات الدينية والحركات الإسلامية"؛ أنظر منتصر حمادة، الوهابية في المغرب، دار توبقال، الدار البيضاء، ط 1، 2012، ويمكن العودة إلى مبحث مرجعي في هذه الجزئية الدقيقة، وصدر عن الراحل حسام تمام، ويحمل عنوان: "تسلف الإخوان.. تآكل الأطروحة الإخوانية وصعود السلفية في جماعة الإخوان المسلمين"، وصدر عن سلسلة "مراصد"، العدد الأول، وحدة الدراسات المستقبلية، مكتبة الإسكندرية، نونبر 2010.

[6] رضوان السيد، من الإصلاح إلى الإحياء: مصائر مواريث التفكير النهضوي الإسلامي، قضايا إسلامية معاصرة، بغداد، السنة 14، العدد 41 ــ 42، شتاء وربيع 2010، ص 70.

مع التذكير الضروري في هذا المقام أن رضوان السيد ومالكولم كير يتحدثان عن تبعات "الحرب الباردة" على المنطقة العربية، ويبدو أننا نتجه إلى "حرب باردة جديدة" داخلية هذه المرة، بين التيار الإسلامي الحركي، وباقي التيارات الفكرانية (الإيديولوجية) في حقبة ما بعد اندلاع "أحداث الربيع العربي/الإسلامي".

[7] منتصر حمادة، الوهابية في المغرب، مرجع سابق، ص 107.

[8] هاشم صالح، هل يمكن أن يستنير العرب في المدى المنظور؟ الشرق الأوسط، لندن، 30 ابريل 2012.

[9] مقابلة مع محمد حسين فضل الله، أجراها يسري الأمير، الآداب، بيروت، العدد 4 ــ 5، أبريل ــ يونيو 2009، السنة 57، ص 50.

[10] عبد الإله بلقزيز، الإسلام والسياسة، المركز الثقافي العربي، بيروت ــ الدار البيضاء، الطبعة الثانية 2008، ص 207.

[11] بتعبير الباحث المغربي عبد الإله بلقزيز في كتابه "الإسلام والسياسة.

[12] والإحالة هنا على تأكيد الداعية الإسلامي الكويتي الشيخ ناظم المسباح من أن الإضرابات "بدعة تحدث الخلل والفوضى في البلاد وتعطل مصالح الناس"، مؤكدا أنها "لا تجوز شرعا، خصوصا أن هناك عقدا وقع بين الموظف والدولة يتبين فيه حقوق وواجبات كلا الطرفين على الآخر"، حسب تصريحات أدلى بها لصحيفة "الرأي" الكويتية، عدد 19 مارس 2012.

[13] هاشم صالح، هل يمكن أن يستنير العرب في المدى المنظور؟ الشرق الأوسط، لندن، 30 أبريل 2012، ويضيف الباحث، أنه "لولا كانط وفيخته وهيغل وسواهم، لما كان بسمارك، لولا الفكر المستنير لما كانت السياسة المستنيرة".

[14] كما توقفنا عند ذلك في النموذج الثاني الذي افتتحنا به هذه المقالة.

[15] أنظر: Sheema Khan, The Language of Islam has been hijacked, The Globe and Mail, 17 December,2002.

[16] من قبيل جماعات "الدعوة والتبليغ".

[17] سورة الأنبياء، الآية 107.

[18] أي الحركات والأحزاب الإسلامية المعنية بالمشاركة في اللعبة السياسية.

[19] أي حركات والجماعات "الجهادية"، من طينة تنظيم "القاعدة".

[20] نستحضر في هذه الجزئية، أعمال فريد الأنصاري، القيادي السابق في حركة "التوحيد والإصلاح"، والذي قدم استقالته من الحركة، بسبب ما اعتبره استفحال الهاجس السياسي على حساب الهاجس الدعوي، كما تطرق بذلك بالتفصيل في العديد من أعماله النقدية، نذكر منها على وجه الخصوص، كتاب "البيان الدعوي"، وكتاب "الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب"، ودراسة مطولة تحت عنوان: "من الحركة الإسلامية إلى حركة الإسلام"، وصدرت في مجلة "البيان" اللندنية.

[21] عندما جاء رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في زيارة رسمية، ونصح المصريين باتباع التجربة التركية، ناقَضَهُ الإخوان المسلمون هناك، وقالوا إنّ ظروف مصر غير ظروف تركيا، قبل أن يتراجع مرشد الإخوان محمد بديع بعد ذلك، ويُصرّح بأنّ الإخوان يقولون بـ"الحكم المدني، ومبدإ المواطنة، والتعددية الديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة".

[22] عبد الإله بلقزيز، الإسلام والسياسة، مرجع سابق، ص 111.

ويضيف بلقزيز، أن "القارئ في نصوص معظم إسلاميي ما بعد الإصلاحية، يلحظ الجموح المتزايد لديهم إلى الدفاع عن ممارستين شاذتين: ممارسة السياسة في الدين، بإخضاع الإسلام إلى مطالب السياسة والمصلحة والصراع، وممارسة الدين في السياسة، من خلال بناء موقع قوي فيها باسم المقدس"، لقد حصل ذلك في ما مضى وكان عنوانا لما سوف يدعى اليوم، منذ ذلك الحين، باسم" الفتنة الكبرى". وهو يتجدد اليوم- بالأدوات عينها- لتجدد معه الفتنة، وكما كانت تلك الممارسات (ممارسة السياسة في الدين، وممارسة الدين في السياسة) شاذة في الإسلام ( وإلا ما كانت لتنتج فتنة)، فهي اليوم أيضا شاذة، وإلا لماذا تنذرنا بالحرب الأهلية الفكرية والسياسية"، ونحسبُ أن تأمل عبد الإله بلقزيز لكتاب "روح الدين: من ضَيق العَلْمانية إلى سَعَة الائتمانية" لطه عبد الرحمن، سيساعده على تجاوز تمرير مثل هذه القراءات المؤسسة على مرجعية علمانية، وحظيت بالنقد الرصين في ثنايا الكتاب، وتحديدا في الفصل الرابع الذي جاء تحت عنوان: "دعوى العلمانية وتضييق الوجود الإنساني" (من ص 181 إلى ص 238).

[23] عبد الله العروي، مفهوم الحرية، المركز الثقافي العربي، بيروت ــ الدار البيضاء، الطبعة الرابعة، 2008، ص 102، جاء هذا التقييم من طرف صاحب "المفاهيم" في معرض تقييم عابر لأدبيات الجماعات الإسلامية لمفهوم الحرية.

[24] عبد الإله بلقزيز، الإسلام والسياسة، مرجع سابق، ص 32.

[25] رضوان السيد، الدولة والدين والعمل السياسي بعد الثورات، الحياة، لندن، 17 مارس 2012.

[26] طه عبد الرحمن، روح الدِّين.. من ضَيق العَلْمانية إلى سَعَة الائتمانية، المركز الثقافي العربي، بيروت ـ الدار البيضاء، ط 1، 2012.

[27] عبد الإله بلقزيز، الإسلام والسياسة، مرجع سابق، ص 215.

[28] مقابلة مع جورج قرم، أجراها يسري الأمير، الآداب، بيروت، العدد 4 ــ 5، أبريل ــ يونيو 2009، السنة 57، ص 68.

[29] نستحضر في هذا المقام، نموذج مشروع "الإسلام الحضاري" في ماليزيا، على عهد عبد الله أحمد بدوي ومحمد مهاتير.

[30] أنظر محمد أيوب، السجل الهزيل للعالم الإسلامي في التحديث وإرساء الديمقراطية: التفاعل بين العوامل الخارجية والداخلية، ضمن كتاب: "التحديث والديمقراطية والإسلام"، تحرير: شيرين ت. هنتر وهوما مالك، ترجمة أيمن حامد، نهضة مصر، ط 1، 2009، ص 188. (نشر الكتاب بالتعاون مع مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية، في واشنطن العاصمة).

ويضيف الباحث أن واقع "ابتعاد ماليزيا عن ساحة التنافس بين الشرق والغرب، وعدم سقوطها في صراعات إقليمية أو ثنائية ممتدة، ساهما بقوة في نجاح تحديث ماليزيا وإحلال الديمقراطية فيها". محمد أيوب، نفس المرجع، ص 248.

[31] محمد أيوب، السجل الهزيل للعالم الإسلامي في التحديث وإرساء الديمقراطية، نفس المرجع، ص 194.

[32] Bernard Lewis. L’Islam en crise, Editions Gallimard. Paris 2003. traduction française du livre The Crisis of Islam, Holy War and Inholy Terror. P 138.

[33] Charles Saint-Prot. Islam: l’avenir de la Tradition entre révolution et occidentalisation. Editions du Rocher. Monaco. 2008.

[34] الأدهى، أنه حتى مع الأسماء الفكرية التي تشتغل تحت لواء هذا النموذج الإسلامي الحركي، في شقه البراغماتي، والمؤهلة لتحرير بعض الاجتهادات في هذا الصدد، من قبيل سعد الدين العثماني (وزير الخارجية في حكومة "الربيع المغربي") في الحالة المغربية ورفيق عبد السلام في الحالة التونسية (وزير الخارجية في حكومة "الربيع التونسي")، نجد أن الاستغراق في اللعبة السياسية، من المفترض أن يتم على حساب العمل الفكري والبحثي، وبالتالي على حساب التنظير للإصلاح الديني المرجو من المشروع الإسلامي الحركي.