الدخول في الدين ... الخروج من الدين حالة الإسلام اليوم مثالا !

فئة :  مقالات

الدخول في الدين ... الخروج من الدين حالة الإسلام اليوم مثالا !

لن أعود إلى نماذج المؤمنين الأوائل لأعلل الأسباب والدواعي التي جعلت هذا أو ذاك منهم يدخل في الدين الجديد، ولأستدل من ذلك تمثيلا أو حصرا، على بواعث هذا الفعل، ولأجري عملية تعميم تطال أتباعه عبر العصور، وتطالنا بوجه أخص اليوم. والسبب عندي بين، وهو أن عملية "الهدي" أو "الاهتداء" عملية فردية ذاتية، نسبية، تتفاوت وتختلف وتتنوع وفقا لحالات المؤمنين التي لا يصدق قديمها على حديثها ولا حديثها على قديمها.

ما يقفني من المسألة هنا ابتداء، هو أن أبين ما الذي يسوغ الارتباط النفسي، العضوي، الفكري، عند أتباع هذا الدين اليوم في تعلقهم به ورجائهم في أن يكون مصيرهم النهائي على محجته، وعلى طريقه وغايته، من وجه؛ وما الذي يشخص اليوم في حياتهم، مما يجور على هذا الاتباع ويخرق قواعده وحدوده من وجه آخر.

أعلم حق العلم، أن مبدأ الأمر يتمثل في قدومنا إلى العالم في حدود ثقافة تغرس فينا منذ نعومة أظافرنا الاعتقاد الديني، وذلك على أنحاء مختلفة وأشكال متباينة، وعلى غير إرادة أو وعي منا. بيد أننا، في الغالب الأعم، ما نلبث، وفقا لشروط النمو والوعي والنضج ومعطيات الحياة المشخصة، أن "نعتمد" مبدأ الإيمان ونثبت حالة "التصديق العالم"؛ أي المسوغ الذي يضفي على الدين معنى ومصداقية وغائية جوهرية تدخلنا فيه من بوابات العقل المعرفي أو العقل الوجداني أو الحدس أو المحبة أو الكمال المذهبي، أو الإحساس بالجمال، أو الثقة بنموذج إنساني، أو رؤية اسكاتولوجية، أو غير ذلك. لأن الواقع الشاهد، يوجهنا إلى الاعتقاد بأن الدروب إلى الدين كثيرة، وأنها قد تكون بعدد المؤمنين أنفسهم. والمبدأ فيها واحد، وهو "الاقتناع" أو "فعل الإيمان" أو "التصديق" الذي يجسد الحقيقة ويحولها إلى واقع معيش ويقدر على الاستبداد بالكينونة الأنثروبولوجية المحورية للمؤمن.

بيد أن ثمة نواة مركزية في الدين هي التي يدور حولها كل وجود المؤمن، وهي تتجلى وتتبلور في ثلة مشخصة من المبادئ النظرية والقيم المعيارية التي تجسد ماهية الدين وقصديته، وتضفي عليه قوته الذاتية الجاذبة التي هي في الآن نفسه مسوغ وجوده وأس منطقه.

وفي أمر دين الإسلام ليست التجربة التاريخية، تجربة الأوائل والأواسط والأواخرهي التي تؤسس عندي "الإيمان العالم" ـ لأنها تجربة مشوبة ومثقلة بالأوهام والاختلالات والعقابيل والحيدات؛ ما يؤسسها عندي تمثلي المباشر للنص الديني البين بذاته، في حدود علاقة بالنص قوامها حضور معطياته المعرفية والوجدانية والحدسية، الواقعية و"الميثية"،في وعي المباشر.

سأختزل القول هنا، وأذكر بأن بنيان دين الإسلام العقيدي الذي يجتمع عليه كل المؤمنين بهذا الدين، يستند إلى ثلة من العقائد "الركنية": الألوهية، النبوة، التكليف، المعاد ومتعلقاته من الثواب والعقاب.

ذلك هو الأصل، وكل ما عداه "رسوم" وتوابع. تقترن بهذا قيم معيارية مركزية تضفي على دين الإسلام أصالته وفرادته وقوته القمينة بتوجيه من لا يتمثل هذا الدين إلى حالة "الاعتراف والتقدير"، أو إلى حالة التمثل والدخول فيه. نحن هنا في قبالة "سلم للقيم" له في النص الديني أصول بذرية- غيبتها "التجربة التاريخية" العضوض ـ وأصول صريحة، تتمثل سلما من المطلوبات والمطالب المعيارية "الإنسانية" العميقة في الكينونة الإنسانية ـ قد تكون "مغروزة " فيها على سبيل الطبع أو مزودة بها من الخالق-: الخير، العدل، المساواة، الرحمة، الحرية، الإحسان والمحبة والتعاطف، العقل، الكرامة، السعادة. بها يسمو الإنسان ويرقى من حال الطبيعة إلى حال الإنسانية. هي قيم دينية لكنها أيضا قيم إنسانية. أعلم جيدا أن السوفسطائيين قديما والليبرتاريين بخاصة حديثا، ينكرون الجوهري من هذه القيم أو يوجهون بعضا منها في طرق أخرى. لكنني أعتقد أن هذه القيم بالذات هي التي تضفي على الدين القوة والجاذبية، وهي في الوقت نفسه التي تجسد في تمثلي واعتقادي، ماهية دين الإسلام، والوجه الجميل الجاذب لهذا الدين، هذا الوجه الذي يجب "بنيات الطريق" التاريخية التي علقت بها عصور الإسلام المختلفة، وانحرفت إليها من جديد إغراءات زمننا الحاضر. وإذا كان لدين الإسلام من معنى حقيقي وقيمة سامية جاذبة وديمومة فاعلة، فذلك لن يكون عندي إلا في حدود هذه المبادئ والقيم المعيارية التي مررت بها، وهي ببداهة وإطلاق أخلاقية في ماهيتها، إنسانية في غايتها.

2- لكن أمر دين الإسلام غير منبت الصلة بوضع الدين في العالم الحديث، لأن الدين لا يشكل في هذا العالم مملكة قائمة بذاتها، وإنما هو منخرط في عالم متعدد الوجوه والأبعاد والفواعل والمقاصد والتطورات. وليس سرا أن "الحداثة" بجملة سردياتها الكبرى، قد فعلت فعلها في كل معطيات الحضارة المنحدرة من العصور السابقة، وأن العقلانية الموضوعية ومن بعدها العقلانية الأداتية قد حررتا العالم من الطابع السحري الذي كان يلفه ويغشاه، وفقا لتعبير ما كس فيبر المشهور، وأن العقلانية عبدت الطريق لما يشبه السيادة الدنيائية، الزمنية؛ أي للعلمنة، على نحو جعل مفكرا كمارسيل غوشيه يتكلم في حدود فضاءات الغرب، على "الخروج من الدين" من حيث إن هذا الخروج يمثل في الصيرورة التاريخية، النهاية الحتمية لتطور عقلاني علماني صاعد جارف هجوم. لكن فعل العلمنة في الفضاءات الغربية لم ينجم عنه خروج الدين من الحياة الفردية للإنسان الغربي أو انسحاب الدين من هذه الحياة، وإنما انحصر هذا الخروج في تقليص دور الدين وتحديد سلطته في الحياة العامة وفي المؤسسات والنظم السياسية والاجتماعية العمومية. وإذا كانت "علمانية الفصل" تضيق الفضاء الديني والدور الديني في الحياة العامة، فإن علمانية الحياة تظل رحيمة بهذا الفضاء. وذلك ما يتجلى في ثراء الحياة الدينية في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا، وفي مساحات واسعة من الفضاءات الغربية الأوربية. وعلى الرغم من الشكوى المريرة التي تعبر عنها الكنيسة الكاثوليكية مثلا في شأن عدد من القضايا الإنسانية الدقيقة المستحدثة- كالإجهاض و قتل الرحمة وزواج المثليين...-إلا أننا لا نستطيع أن نزعم أن العلمانية الغربية قد أخرجت المسيحية من السياق الغربي، مثلما أننا لا نستطيع أن نتسمر عند الاعتقاد بأن المسيحية هي التي توجه الغرب وحداثاته، ومثلما أننا أيضا لا نستطيع أن نزعم أن حضور الدين وتأثيره في السياقات الثقافية أو الحضارية الأخرى - أعني غير الغربية، كاليهودية والبوذية والهندوسية والشنتوية- قد تراجع أو انسحب. لا بل إننا نلاحظ تجذرا في كثير من هذه الأوساط وتجليا صارخا للأصوليات الدينية. وليس يخفى أن العالم العربي والإسلامي يشهد منذ أواخر القرن الماضي انبعاثا دينيا خارقا يتلبس تشخصات سياسية ومذهبية ومعرفية متعددة الوجوه، وأن الطموح قد بلغ ببعضها إلى حدود رؤيا تطلب إنفاذ مشروع إسلامي يقود العالم بأسره، وذلك مما أثار دعوى الترويج لخطر عودة الدين، وعلى وجه التحديد الدين الإسلامي. والحقيقة هي أن هذه "العودة" لم تكن عودة للدين من حيث هو دين وتدين، وإنما هي شكل من أشكال إغراء السلطة أو السلطان السياسي الذي يتقوى بالدين، ويعيد إنتاجه على نحو يبتعد به عن القيم الماهوية والغائية التي تمثلتها له واختزلتها في مبتدإ هذا القول.

3- تستوقفنا هنا في هذه الحقبة نجوم ظواهر بارزة تتلبس الدين، وتعيد تمثله بأشكال متباينة، نتبين في بعضها وجوها مما أسمته الأدبيات الفلسفية "ما قبل الحداثة". لكن أخطر هذه الظواهر يشخص في ما أسماه الإعلام الغربي "الإسلام السياسي"، الذي لا يقترن في مبتدإ أمره بالحركات والجماعات الدينية - السياسية الراديكالية التي أعلنت عن نفسها في السبعينيات من القرن الماضي، وإنما بالدعوة التي جسدها الشيخ تقي الدين النبهاني في الحزب الذي أسسه في القدس في العام 1951 وأطلق عليه اسم (حزب التحرير الإسلامي)، حيث قدم الغائية السياسية ومبدأ العودة إلى دولة الخلافة على مبادئ الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي التي شددت عليها (جماعة الإخون المسلمين) في مبدإ نجومها، ثم ما لبثت، لدواع لا أعرض لها هنا، أن انحرفت عنها لتسير هي وجملة الحركات الراديكالية التي توالدت بعد ذلك منها أو على تخومها في طريق المنظور السياسي للدين.

نحن حقا نحيا زمن هذا المنظور أو هذه الرؤية، ونشهد بأنفسنا كيف يغرق الدين في عقابيل السياسيات الدنيوية الذرائعية، ويتحول إلى نظام نفعي يجري خلف السلطة ومتعلقاتها الزمنية، فتعلق به كل اللاأخلاقيات التي تتلبس الفعل السياسي. ونحن ندرك في الوقت نفسه أن ذلك مضاد لماهية الدين وغائيته من حيث إن ماهية الدين تكمن في "التقوى"- وهذا المفهوم يتطلب بحثا أكاديميا معمقا أهمله العالم الإسلامي الحديث والقديم أيضا- بينما تكمن ماهية السياسي في السلطة وفي المنفعة. والسياسي قسري، خارجي، بينما الديني طوعي داخلي. وليس سرا أن الفلسفات السياسية الحديثة قد أجرت فصلا قاطعا بين السياسي وبين الأخلاقي، مثلما فعلت في شأن السياسي والديني. أعلم جيدا أنه سيقال لي هنا أن هذه علمانية مقنعة أو صريحة، وإن ذلك يعني إقصاء الشريعة وإخراجها من وظائف الدولة. وجوابي، باختصار شديد، هو ما عبرت عنه في القسم الخاص ب (تحرير الإسلام) من كتابي (تحرير الإسلام ـ ورسائل زمن التحولات)، وفي البحث المنشور في هذا الكتاب وعنوانه: "هل يمكن قيام علمانية إسلامية؟"، حيث زعمت أن قيم الشريعة المعيارية ومقاصدها وغاياتها العليا "موافقات" للمبادئ والقيم العليا التي يتعلق بها العقل الإنساني الذي لم تطله ولم تجبه تجاوزات (ما بعد الحداثة)، وأن الدولة الإنسانية "العادلة"، وأضع خطا تحت كلمة العادلة- تحقق غائيات الدين ومقاصده، وأنه، مثلما يؤكد بعض فقهاء السياسة الشرعية حيثما ظهرت أمارات العدل فثم شرع الله! ذلك أجدى وأنفع وأنبل وأتقى من التعلق بمفهوم للدين سياسي، براجماتي، ذرائعي، مكيافيلي ـ بالمعنى الشعبي المتداول للفظ- لدين الإسلام، مفهوم يعرض هذا الدين لأفدح المخاطر والنوازل، وينكب القاصدين إلى حياة الإيمان والتقى ومكارم الأخلاق عن طريقه وجادته، وأصرخ من ذلك كله وأفدح أنه يوقع الدين، لا محالة، في "اللاأخلاقي". وسأكتفي، من بين الأمثلة التي لا حصر لها، بمثل واحد، دال، هو هذا الذي قدمه الرئيس الذي كان يقود "المشروع الإسلامي" في مصر، قبل فبراير من هذا العام، إذ خاطب رئيس دولة إسرائيل شمعون بيريز، واصفا إياه بالصديق الوفي العظيم، ومتمنيا لشعب إسرائيل الرفاهية والتقدم، أو ما أشبه ذلك! لقد كان يعلم جيدا أنه يكذب وينافق ويرائي، ومن المؤكد أنه سأل( المرشد) رأيه في الأمر قبل أن يقدم على ذلك... ولابد أنه كان يعلم أن الكذب والنفاق ليسا من "آيات المؤمن"، وأنهما كذلك، من منظور القيم المعيارية "الإنسانية"، ليسا أخلاقيين، ومع ذلك اقترفهما... لماذا؟ لداعي الذرائعية السياسية ... اللاأخلاقية... اللاعادلة... ومن المؤكد أنه محكوم على اختلاط السياسي بالديني على هذا النحو أو سواه، أن يشهد الواقع حشدا هائلا من الأفعال التي تجرد الديني من نزاهته ونقائه وصد قيته، وتخرجه من الفضاء الأخلاقي.

4- وليس يقل "الافتراق المعرفي"ـ ولأقل المذهبي ـ طردا عن دين الإسلام من فعل المنظور السياسي؛ لأن الوليد القادم إلى العالم، الداخل في رحاب هذا الدين، لن يلبث أن يتلبسه الفزع لهذا الترافع الصارخ الذي يتقابل فيه أصحاب المذهبين الرئيسين اللذين احتفظ بهما التاريخ من جملة اثنتين أو ثلاث وسبعين فرقة، أعني من يسمونفي الاصطلاح والاستخدام : أهل السنة والشيعة. والأسباب سياسية، حتى لو اقترنت بالاعتقاد أن الإمامة بالنص لا بالاختيار، وأنها ركن من أركان الدين، وأن الإمامة استمرار للبنوة: أو أن يكون الأمر على نحو آخر. اذ ما كان ينبغي، وليس ينبغي أن يتجسد الاختلاف المشؤوم في المجزرة التي اقترفت في كربلاء، أو في الاقتتال الأبدي، والزعم أن صاحب المذهب وحده على حق، وأنه هو المسلم الحقيقي. وما ارتبط في هذين العقدين الأخيرين من تجذير وتبديع وتكفير وذبح وسحل وامتهان يقترفه الجهلة ويسهم فيه علماء مثيرون للاستفزاز والقلاقل، موظفون لإشعال الفتن وإصدار الفتاوى الكارثية- على شاكلة يوسف القرضاوي وأضرابه، أو على شاكلة أولئك النابتة الذين يطعنون في السيدة عائشة- لن يبعث إلا على التدمير الذاتي وعلى اليأس والقنوط من مستقبل "الأمة الواحدة"؛ أي على "الفشل" و"ذهاب الريح".

ومن وجه آخر يشخص دين الإسلام في حدود الصراع المستفحل المروع منذ سنوات في بلدان ما يسمى بهتانا (الربيع العربي)، بما هو إيديولوجيا لا ضابط لها، وبات أحد الأسئلة الدرامية الحادة المتداولة هذا السؤال: ما هي حقا ماهية هذا الدين وما هي طبيعته المطابقة؟ وما هي غائيته الحقيقية؟ وهل نحن حقا بإزاء إسلام واحد أم إسلامات عدة؟ وحين تتبلور الأجوبة بطرائق لا تعرف الرحمة، أمام سمع العالم كله وبصره، فإن المرء لا يملك إلا أن يلوذ بالفرار، أو باعتزال الفتنة، مثلما فعلفريق من الصحابة والتابعين وسواهم قديما، أوبـ "الخروج". وليس يخفى أن هذه الحال قد أسهمت على نحو خارق في مراجعة الآخرين، المختلفين، لآرائهم واعتقاداتهم التقليدية ـ الطيبة على وجه العموم ـ في شأن دين الإسلام. والحقيقة أن كل القرائن تشي بأن ما كنا نسميه (الإسلام الحضاري) الأخلاقي، العلمي، الروحي، الجمالي ... الجاذب... قد انسحب ليخلي الطريق في عيون هؤلاء الآخرين إلى إسلام العنف والقسوة والكراهية والإرهاب والتعصب واضطهاد المرأة واحتقار الحرية ومناهضة "القيم الإنسانية". ويبعد تماما ألا تطال آثار هذا كله المسلم نفسه في مجاله الثقافي والإنساني وفي عقيدته نفسها، وأنه يخضع هذا كله، عنده، للمراجعة والنقد.

5- ونبت في أعطاف الدين نابتة أصابوا الخطاب العقلاني والعلمي في الصميم. ولم يقف الأمر عند حدود فاعلية رد "الجهل المناضل" الذي يوجه سهام الشبهة والبدعة والضلال والزندقة والكفر إلى كل مخالف، فتلحق بالليبرالي والعلماني والحداثي والتنويري والمجتهد بدون تدقيق ولا تمييز، وإنما تجاوز ذلك إلى إشاعة ثقافة "سحرية"تبث في الفضائيات المختلفة، وفي "الأماكن الخلفية" على وجه الخصوص، الشعوذة والسحر والتنجيم والطب الديني والبكائيات الانفعالية والحزن والطلسمات والعجائبيات، حيث تختلط الملائكة والجان والشياطين بحياة البشر في أحوال الصحة والمرض والبؤس والغم والشقاء والزواج والطلاق والسعادة، طاردة العقل والعلم والحكمة والعزيمة وكل ما أعلت من شأنه النصوص الدينية ودعت إليه، وخارجة على "التجربة العلمية" المرموقة التي انطوى عليها الموروث الحضاري. كل ذلك جاء باسم الدين معززا بنصوص منحولة أو منتزعة من سياقاتها أو أسيء فهمها. لكنه الدين الطارد، الدين الذي لا موئل له ولا مثوى إلا في أحضان الجهل والخرافة؛ أي في ظلام الكهف الذي مثل له أفلاطون في "الجمهورية".

6- وكيف نقدر اليوم على أن ندافع عن دين الإسلام، وأن نسوغه في حضور الفهوم الفقهية والممارسات الاجتماعية الثقافية المتداولة عند أهل الدين حين يتعلق الأمر بقضية اجتماعية مركزية كقضية المساواة بين الجنسين، أو على الأقل تصميم تخطيطات عادلة في مسألة المرأة؟ أو حين يتعلق الأمر بفتاوى عجائبية تخص "الطبيعة البشرية" أو غير البشرية للنبي (طهارة بول النبي وكل ما يخرج من بدنه)، أو رضاع الكبير، أو نكاح الصغيرات حتى الموت، أو نكاح الوداع، أو قيادة المرأة للسيارة، أو حظر التظاهر، أو الطاعة المطلقة لولي الأمر، أو طاعة المرأة للرجل ... وكله باسم الشريعة والدين ! لن أسهب في الكلام على هذه المسائل، واكتفي منها بما سقته في كتابي (خارج السرب ـ بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية) من تدليل قاطع على أن الفهوم الفقهية التقليدية ـ الذكورية في حقيقة الأمر والمرتبطة بأمزجة الفقهاء وشروطهم وأوضاعهم التاريخية والاجتماعية ـ هي التي دفعت، على سبيل التمثيل، جحافل من المسلمات إلى "النفور" من "الدين الفقهي" والإنكار للأحكام "الظاهرية"، وإعلان "الخروج الأقصى". وذلك ما يحتم هجر القراءة الحرفية الظاهرية للنصوص "المتشابهة" أو المربكة، أو غير البينة بذاتها، والجنوح إلى منهج التأويل والأخذ بمبدإ الاقتران بين النصوص ذات الطبيعة العملية وبين ظروفها التاريخية أو الوضعية.

7- لن أستأنف القول في الآثار "الطاردة" التي تشكلها اليوم في عالم الإسلام الوقائع اللا إنسانية اللا معقولة الممهورة بالقتل والذبح والتدمير الذاتي للإنسان والعمران والبناء والتقدم، والمعززة باستراتيجيات التدخل الدولي، فذلك بين بذاته، وسأنحصر في منتهى هذه المقاربة، في معرض المقابلة بين دواعي الدخول في الدين وبين دواعي الخروج من الدين، في الزعم، على سبيل الوهم والتوهم أو الظن وربما اليقين، أن ميزان الطرد يغلب على ميزان الجذب، لكنني على يقين تام من أن ذلك يقترن بأعراض مرضية حقيقية يلحقها المسلمون بدينهم، أعراض تفت في عضد هذا الدين وتلقي ظلالا بائسة على المنظور من حياته القابلة، وأن الخروقات العميقة والاختلالات البنيوية التي تطاله، ليست عوارض يسيرة؛ فثمة:

1-خرق لمبدإ الاتساق في الدين وتجذر التناقضات والترافعات الماهوية في تمثله؛

2-وخرق لمبدإ الرحمة، وتغول وغلو خارق في الكراهية والقسوة والعنف؛

3-واحتقار لموازين العقل والعلم واستغراق في التدين السحري الأسطوري؛

4-واستبدال للبراجماتية السياسية النفعية بالماهية الأخلاقية والتقوية للدين؛

5-وامتهان للكرامة الإنسانية ولشروط التقدم الاجتماعي والدنيوي؛

6-وانحصار في "القفص الفولاذي"، للقراءة الظاهرية الشكلانية للمعطى النصي الديني.

اختلالات في الفهم وفي الفعل والممارسة، وخروقات لكل بوابات "الدخول في الدين"، ودواع تغري بهذا الشكل أو ذاك من أشكال "الخروج من الدين". وبوابات الخروج عديدة: الإهمال وعدم الاكثراث، والشك أو الوقوع في اللا أدرية، النقد الراديكالي، الامتهان الضمني أو الصريح، الإنكار والجحود والرفض "الأقصى". في قبالة هذه الأحوال، لا بد من استحضار الدرس الخلدوني بكامل معانيه وأعماقه، القريبة والبعيدة. لكن قانون الجدل يظل حيا فاعلا ويومئ إلى أنوار واعدة، لأننا نشهد اليوم جيلا جديدا من الشباب يرتد على هذه الاختراقات ويوظف "الحرية" في الفهم والنقد ويطلب منظورا تنويريا إنسانيا منفتحا لدين الاسلام.