الدولة الإسلامية وجهود التحديث الذاتي

فئة :  مقالات

الدولة الإسلامية وجهود التحديث الذاتي

إن سؤال "الدولة الإسلامية الحديثة" في الفكر السياسي الإسلامي سؤال تقليدي، لا يتصل بالأحداث والتحولات التي شهدتها المنطقة العربية والإسلامية في الخمسين سنة الماضية، بل يرجع تاريخ طرحه - على الأقل- إلى النصف الثاني من القرن 19م، ومنذ ذلك الحين، ورغم تعدد الإجابات والمساهمات، لازال السؤال مطروحا، وبإلحاح، على أئمة الفكر الإسلامي.

فبالرغم من مرور أزيد من قرن ونصف تقريبا على طرح سؤال الدولة في المجال العربي من جهة، والتحولات التاريخية الكبرى التي مرت بها المنطقة من جهة ثانية، وعلى رأسها انقراض الدولة السلطانية، ودخول الاستعمار، وبناء الدولة القطرية...، فإن النقاش حول مفهوم الدولة الإسلامية وشرعيتها لازال قائما ومستمرا في البلاد العربية، وبدرجات متفاوتة بينها.

فحالة اللا حسم التي ميزت الفكر السياسي الإسلامي في علاقته بمفهوم الدولة، والتي تتمثل في استمرار السؤال، وتخلف الإجابات النظرية عن مواكبة الواقع، تكشف عن اضطراب بنيوي مس آليات "الدينامية التاريخية" العربية الإسلامية، فإذا كان التقدم التاريخي –عادة- هو ثمرة التجاوب بين أسئلة الواقع والفكر بشكل عام، فإنّه في الحالة العربيّة تقدّم مجرّد عن الخبرة الفكرية والثقافية العربية، متصل بشكل وطيد بخبرة الآخر، وهو ما جعل الدولة كواقع، ونظرية، وبنية، مشكلة وليست حلا لمعضلة التخلف والتأخر التاريخي، وسببا في العديد من التمزقات الداخلية والصراعات السياسية...

إن الخلل الذي أصاب "الدينامية التاريخية للأمة"، وحالة الاضطراب التي عانت منها "إشكالية الدولة" بالعالم العربي، ترجع أسبابها - بالدرجة الأولى- إلى عوامل خارجية، وتحديدا عامل الاستعمار الذي أجهض التفاعل الداخلي الذي شهدته البلاد العربية في حقبة الإصلاحات، وحال دون بلوغه مقاصده الكبرى، وعلى رأسها إنشاء دولة حديثة قادرة على حمل هموم العرب النهضوية، أواخر القرن 19م وبداية القرن 20م. ومن ثم، فقسط عظيم من النقاش السياسي والفكري حول الدولة، والكثير من عناوين المشهد السياسي في الوطن العربي اليوم، هي من جهة علامة اضطراب "الدينامية التاريخية العربية"، ومن جهة ثانية دليل إدانة للأجنبي، وتدخله السلبي على مستوى الدينامية التاريخية للعرب، إذ لم يكن مجرد حكمة بريئة في مرمانا. في هذا السياق نطرح السؤال التالي: هل تمثل الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة العربية فرصة موضوعية واستثنائية للعرب، لتدارك ما فاتهم، وإصلاح الدينامية التاريخية للأمة، وفي صميم ذلك إعادة تعريف الدولة الإسلامية الحديثة؟

إنّ هذه المقالة محاولة فكرية-تاريخية لمعاينة الجهد النظري الذي بذل من أجل بناء مفهوم متوازن وحديث للدولة الإسلامية، متجاوب مع متطلبات العصر، والحاجات النهضوية الجديدة؛ وأيضا هي مقاربة تحليلية لإمكانية بناء "الدولة الإسلامية الحديثة".

1- سؤال الدولة في الفكر الإصلاحي العربي

لقد استيقظ العالم العربي من سباته على وقع ضربات الغرب القوية على أبوابه شرقا وغربا، ومن أبرز هذه الضربات حملة نابليون على مصر سنة 1798م، والاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830م، حيث اكتشف العرب حجم التخلف الذي يعيشونه، وأيقنوا بصورة واضحة بضياع زمام المبادرة الحضارية من بين أيديهم، وقد أدّت هذه الهزّة النفسيّة والحضاريّة التي أصابت العالم العربي إلى ظهور الإرهاصات الأولى للفكر الإصلاحي، الذي نشأت فصائله على هامش السؤال الحضاري الكبير: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟

فمن الناحية السياسية، وفي هذا السياق التاريخي الخاص والمتميز، ظهر جيل الرواد من الإصلاحيين، الذين اعتنوا بالظاهرة السياسية في المجال العربي، حيث اعتبروا "الدولة السلطانية" التي تحكمت في رقاب البلاد والعباد منذ قرون مسؤولة عن حالة التخلف والضعف الحضاري التي وصلتها الأمة، واتهموها بالعجز عن تأطير الفعل الحضاري العربي، وتطويره لتجاوز حالة التخلّف، ومن أبرز العوائق المزمنة التي أعاقت هذه الدولة، ومنعتها من التطوّر والتكيّف مع اللحظة الإصلاحيّة التي كانت تجتازها الأمّة في ق. 19م، حسب هؤلاء الإصلاحيين، عائق الاستبداد، الذي بدّد الطاقات الفرديّة والجماعيّة، ونسف جلّ إمكانات النهوض.

لقد كان جلّ الإصلاحيّين العرب في المشرق والمغرب يدركون الأثر السلبي للاستبداد على شرعيّة الدولة السلطانية، وإنتاجيتها النهضوية والحضارية، ولهذا بذلوا جهودا نظرية مضنية من أجل تخليصها من آفة الاستبداد وتطويرها. ومن أبرز رجالات الإصلاح الذين اعتنوا بآفة الاستبداد في الدولة السلطانية، ونبّهوا إلى أخطارها: الشيخ جمال الدين الأفغاني، وتلميذه الإمام محمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وخير الدين التونسي، ورفاعة رفعت الطهطاوي، والحاج علي زنيبر السلاوي...، وسنحاول فيما يلي التذكير بمنتخبات من أفكار بعضهم، التي رامت تحديث هذه الدولة، وتخليصها من عوائقها:

أ- محمد عبده (ت. 1905م)

يعتبر الشيخ عبده من رجالات الإصلاح الأفذاذ الذين تركوا بصمات واضحة في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، وشنّوا حربا لا هوادة فيها على التخلّف بمظاهره المختلفة. وإذا كان عبده آمن بأولويّة العمل التربويّ وإصلاح العقيدة على باقي الأعمال لإصلاح شأن الأمّة، عكس أستاذه الأفغانيّ، فإنّ هذا لا يعني أبدا إهماله للمسألة السياسية، وتركها كلية، بل على العكس من ذلك، فقد نبّه في أكثر من مناسبة لعلل الدولة السلطانية، وإلى سبل إصلاحها.

لقد كتب الإمام عبده مقالا في جريدة الوقائع المصرية سنة 1881م، تحت عنوان "في الشورى والاستبداد"، ردا على بعض الكتاب الذين قرنوا بين الإسلام والاستبداد، واستهله بتعريف الاستبداد قائلا: «إنّ الاستبداد يقال على معنيين: أحدهما: تصرّف الواحد في الكل، على وجه الإطلاق في الإرادة، إن شاء وافق الشرع والقانون، وإن شاء خالفهما، فيكون اتباع النظام مفوض إليه وحده، إن أراد قام به وإن لم يرد لا يؤخذ عليه، وهو الاستبداد المطلق. وثانيهما: استقلال الحاكم في تنفيذ القانون المرسوم والشرع المسنون، بعد التحقق من موافقتهما على قدر الإمكان، وهذا في الحقيقة لا يسمى استبدادا إلاّ على ضرب من التساهل»،[1] و بعد هذا التعريف، استرسل الشيخ عبده في بسط الأدلة التي تبرئ الإسلام من النوع الأول؛ أي الاستبداد المطلق، وبالمقابل يقيم أدلة الشورى، وانتهى إلى النتيجة التالية:

إن «الشورى واجبة، وأنّ طريقها مناط بما يكون أقرب إلى غايات الصواب، وأدنى إلى مضانّ المنافع ومجالبها، على أنّها إن كانت في أصل الشرع مندوبة، فقاعدة تغيّر الأحكام بتغيّر الزمان تجعلها عند مسيس الحاجة إليها واجبة وجوبا شرعيا، ومن هنا تعلم أنّ نزوع بعض الناس إلى طلب الشورى، ونفورهم من الاستبداد، ليس واردا عليهم من طريق التقليد للأجانب... بل ذلك نزوع إلى ما هو واجب بالشرع، ونفور عمّا منعه الدين وقبّحه العلماء، وشهدوا من آثاره المشؤومة ما عرفوا به قبح سيرته ووخامة عقباه...».[2]

ولم يختلف عبده عن شيخه الأفغاني في هذا الباب؛ فقد كتب إلى جانبه في صحيفة "العروة الوثقى" في مقال تحت عنوان "الأمة وسلطة الحاكم المستبد": «إنّ الأمّة التي ليس لها في شؤونها حلّ و لا عقد، ولا تستشار في مصالحها، ولا أثر لإرادتها، في منافعها العمومية، وإنّما هي خاضعة لحاكم واحد إرادته قانون، ومشيئته نظام، يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، فتلك أمّة لا تثبت على حال واحد، ولا ينضبط لها سير، فتعتورها السعادة والشقاء. ويتداولها العلم والجهل، ويتبادل عليها الغنى والفقر...»، وللتخلص من هذا الحاكم يدعو الأفغاني وعبده أهل الرأي وأرباب الهمّة من أفراد الأمة، للتعاون على اجتثاث هذه الشجرة الخبيثة، شجرة الاستبداد، وغرس -بدلا منها- شجرة طيبة...[3]

غير أنّ الشيخ محمد عبده، ورغم مقته للاستبداد نظريا، واعتباره الشورى واجبة بالنظر إلى ظروف العصر، فإنّه كان يعارض الانتقال الراديكالي والكليّ من الاستبداد إلى الشورى، ويدعو إلى التدرّج في التخلّص من الاستبداد، فقد نصح أحمد عرابي و جماعته إبّان ثورتهم سنة 1881م بتعويد العامة على الشورى والديمقراطية، وعدم التسرّع في منح الأمة حقّ الشورى، وهي غير مستعدة لها. ورأى عبده أن ذلك قد يكون سببا في اضطراب الأحوال وجلب الاحتلال، وقال في هذا المعنى: «إنّ أوّل ما يجب أن يبدأ به: التربية والتعليم، لتكوين رجال يقومون بأعمال الحكومة النيابية على بصيرة مؤيّدة بالعزيمة، وحمل الحكومة على العدل والإصلاح، ومنه تعويدها الأهالي على البحث في المصالح العامة واستشارتها إيّاهم في الأمر بمجالس خاصة تنشأ في المديريات والمحافظات، وليس من الحكمة أن تعطى الرعية ما لم تستعد له، فذلك بمثابة تمكين القاصر من التصرف بماله قبل بلوغه سن الرشد، و كمال التربية المؤهلة والمعدة للتصرف المفيد».[4]

وعموما، كان موقف الإمام محمد عبده من الدولة السلطانية واضحا، وتجلّى هذا الموقف بشكل رئيسي في علاقته بالدولة العثمانية ورأيه في سلاطينها، فقد كانت علاقته بها متوتّرة، واتهمها في أكثر من مناسبة بالفساد، واعتبر السلطان عبد الحميد الذي عاصره سلطانا مستبدا قبيحا،[5] كما تجلى أيضا في رفضه الأوضاع البائسة التي كانت تعيشها مصر في عهد الخديوي إسماعيل و الخديوي توفيق أواخر ق. 19، وميله إلى الحكم الشوري والنيابي، والإيمان بالدستور والقانون،[6] ومع مقته للاستبداد ورفضه لسلطته، لم يكن الإمام عبده يؤيد الثورة وإقامة الحكم النيابي جملة واحدة، بل كان يطالب بمستبد عادل ينقل البلاد والعباد تربويا و فكريّا من طور الاستبداد الفاسد إلى الشورى العقلانية.[7]

ب- عبد الرحمن الكواكبي (ت. 1902م)

يعتبر عبد الرحمن الكواكبي من أشدّ خصوم الاستبداد الذي تحلّت به الدولة السلطانية، وبشكل خاص الإمبراطورية العثمانية في آخر عهدها، واعتبره أصل العلّة التي تعاني منها الأمة، ولا أمل في نهضتها، وتقدّمها دون القطع مع الحكم الاستبدادي؛ يقول الكواكبي في هذا السياق شارحا سبب تأليفه الكتاب، وموقع وجهة نظره في الإصلاح بين وجهات النظر التي كانت رائجة في وقته: «هجرت دياري سرحا في الشرق، فزرت مصر واتخذتها لي مركزا...، فوجدت سراة القوم في مصر، كما في سائر الشرق، خائضة عباب البحث في المسألة الكبرى، أعني المسألة الاجتماعية في الشرق عموما، وفي المسلمين خصوصا، إنما هم كسائر الباحثين، كل يذهب مذهبا في سبب الانحطاط وفي ما هو الدواء. وحيث إني قد تمحص عندي أن أصل هذا الداء هو الاستبداد السياسي، ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية. وقد استقر فكري على ذلك... بعد بحث ثلاثين عاما...».[8] فانطلاقا من هذه القناعة، صمّم الكواكبي كتابه، وقسّمه إلى تسعة فصول تناول فيها مفهوم الاستبداد ومظاهره المختلفة في الدين والعلم الأخلاق والتربية...، وفي الفصل الأخير نبّه إلى سبل التخلّص منه، وحددها في ثلاثة عوامل: الشعور بآلام الاستبداد، وهذا لا يتأتّى إلا بالتربية والتعليم؛ التدرّج في رفع الاستبداد واللين فيه؛ وضوح الرؤية المستقبلية، أو التمكن من البديل.[9] وممّا يلفت الانتباه في أطروحة الكواكبي للقضاء على الاستبداد، استعمال السياسة والتدرّج في معالجة الاستبداد، شأنه في ذلك شأن محمد عبده، حيث يقول: « يلزم أوّلا تنبيه حسّ الأمة بآلام الاستبداد، ثمّ يلزم حملها على البحث في القواعد الأساسية السياسية المناسبة لها بحيث يشغل ذلك أفكار كلّ طبقاتها، والأولى أن يبقى ذلك تحت مخض العقول سنين بل عشرات السنين حتى ينضج تماما»، ويحذّر في هذا السياق من اضطراب الأحوال والصراع والتمرّد الذي قد يؤدي إلى الاحتلال الأجنبي.[10]

ت- خير الدين التونسي (ت. 1890م)

ألف خير الدين التونسي كتابه "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" ما بين 1862 و 1869، وخصّص الجزء الأكبر منه للتعريف بأحوال الأمم الأوروبية وغيرها، غير أن مقدّمته التي تناول فيها أمور السياسة والتدبير، استقطبت اهتمام الباحثين والنظار، وطرح فيها تصوراته حول الإصلاح، وسبل مقاومة أوروبا الرأسمالية، ولم تختلف آراء خير الدين في هذا الباب عن آراء معاصريه، فيما يتعلق بالاستبداد، والشورى، وحاجة الأمة إلى الحرية.

فقد قرن خير الدين التونسي بين الظلم والاستبداد في الممالك الإسلامية المتأخرة، واعتبر حسن سيرة الأمة الإسلامية في سالف عهدها، أحد ثمار الشورى المأمور بها شرعا، و قال في هذا الصدد: ومن أهمّ أصول السياسة الإسلامية «وجوب المشورة التي أمر الله بها رسوله المعصوم (ص) مع استغنائه عنها بالوحي الإلهي، وبما أودع الله فيه من الكمالات، فما ذاك إلا لحكمة أن تصير سنة واجبة على الحكام بعده. قال ابن العربي المشاورة أصل في الدين، وسنة الله في العالمين، وهي حق على عامة الخليقة من الرسول إلى أقل الخلق».[11]

غير أنّ الموقف السياسي الحقيقي لخير الدين التونسي من الأوضاع في عصره، وخاصة حالة الصراع بين الدولة العثمانية، وتيارات الحريّة السياسية داخلها سواء كانت في المركز أو الأطراف، يتجلى في موقفه من مطلب حزب من المسلمين بإطلاق الحرية بمقتضى قوانين يكون تأسيسها وحمايتها من مجلس مركب من أعضاء تنتخبهم الأهالي، حيث قال: «إنّ هذا المطلب الذي طلبوه هو من أعظم الوسائل في حفظ نظام الدول، و قوة شوكتها، و نمو عمران ممالكها، و رفاهية رعاياها، خصوصا في هذه الأزمان، كما نسلم أيضا أن مقصد المسلمين من أهل الحزب المذكور بطلبهم، لما ذكر، إنما هو إصلاح حال الدولة و الرعية، لكن لنا أن نسألهم: هل ثبت عندهم أن مقصد غيرهم ممن معهم موافق لمقصدهم، حتى تحصل لهم الثقة بهم، و يصدر منهم ما ذكر، فإنا نرى خلاف ذلك منهم، بما دلت عليه القرائن من أن مراد أكثرهم التقصي عن سلطة الدولة العثمانية، حيث لم يظهر منهم بعد نيل الحرية الموجودة الآن شيء من أمارات النصح للدولة، بل ربما أظهروا حب النزوع إلى بني جنسهم بالتظلم من تصرفاتها...، و ذلك لاستمرار إفساد الأجنبي لهم...، فربما كان تأسيس الحرية على الوجه المطلوب آنفا قبل التبصر في العواقب مما يسهل غرضهم المذكور، إذ من لوازم هذه الحرية تساوي الرعايا في سائر الحقوق السياسية، التي منها الخطط السامية، مع أن من الشروط المعتبرة في إعطاء تلك الحرية تواطؤ جميع الرعايا على مصلحة المملكة، وتقوية شوكة دولتها».[12]

إنّ موقف خير الدين التونسي مختلف بشكل كبير عن موقف الإصلاحيين السابقين؛ فعلى الرغم من قناعته النظرية بأهمية الحرية للخروج من أزمة الدولة السلطانية، ومنافع إرساء المؤسسات النيابية في الدولة العثمانية، فإنه من الناحية العملية كان ضدها –حسب النص السالف- بسبب استغلالها من طرف خصوم الدولة في الداخل و الخارج لإضعافها والإجهاز عليها، وبالتالي كان اختياره الإصلاحي محكوما بهذه الخلفية، ومتساوقا مع خطوات الدولة.

ج- الحاج علي زنيبر (ت. 1914م)

ينتمي هذا الرجل إلى مدينة سلا المغربية المجاورة لمدينة الرباط، له رحلة طويلة إلى الشرق، استغرقت حوالي 24 عاما، تأثّر فيها بأجواء الشرق الإصلاحية في أواخر القرن 19م، وربّما هي التي ألهمته المشروع الإصلاحي الذي اقترحه على السلطان المولى عبد العزيز، الذي حكم المغرب ما بين 1894 و1908؛ فبعد عودته إلى المغرب سنة 1904، وجد الجوّ مضطربا، و الضغط الأجنبي في ازدياد، سواء منه الدبلوماسي أو العسكري، و بعد سنتين من استقراره بالمغرب انعقد مؤتمر الجزيرة الخضراء في إسبانيا لتدارس المسألة المغربية (1906م)، الذي أعطى الضوء لكل من فرنسا وإسبانيا للتدخل في المغرب، ونصّ على مجموعة من الإصلاحات الواجب إقرارها في المملكة الشريفة.

فالنص الدستوري الذي ألّفه الحاج زنيبر هو محاولة لإصلاح الدولة السلطانية، تفاديا للاحتلال وصونا للاستقلال، وقد مهّد له بشرح مفهوم الاستقلال والاحتلال، ومما يستوقف القارئ لهذين المفهومين، وخاصة مفهوم الاحتلال هو إشارة زنيبر إلى ما أسماه "الاحتلال الوطني" الذي عادة ما يمارسه الراعي على رعيته، ويؤدي بالرعية إلى الموت، وفي هذا السياق يقول: « ولا فرق في المرارة بين ثمرة الاحتلال الأجنبي، وثمرة الاحتلال الوطني، لأنّ الأوّل يقضي على سلطة القابض على زمام حكم الجهة، وربّما نفع مبدئيّا التابع لها، والثاني يقضي على حرية تمتّع التابع بفوائد الوطن حتى يلحقه بالموتى، و ربما دام تمتع القابض على الزمام إلى أن يجرف سيل القوة كل العوالي».[13]

إنّ الهاجس الأساسي الذي هيمن على الحاج علي زنيبر أثناء كتابته لمشروعه الدستوري، هو تخليص الدولة السلطانية المغربية من آفة الاستبداد، أو الاحتلال الوطني، والسعي لإشراك النخبة المستنيرة في السلطة والتدبير، موقنا أن هذه الوسيلة الأساسية لمواجهة تحرّشات الأجنبي، وإفشال مشاريعه الاستعمارية، ولعلّ أكبر دليل على ذلك، دعوته في أول فصل من فصول دستوره إلى انتخاب لجنة أعيان تقوم بدراسة سبل الإصلاح، وإخراج الدولة من مأزقها الداخلي والخارجي، حيث قال: «انتخاب لجنة من أعيان متنوري الأمة تحت رئاسة أفضلهم، لاتخاذ الوسائل الإصلاحية، وتعميم أصلحها في كل مصالح الحكومة برا وبحرا، جلبا للأمن والراح، ودرءا لكل فساد».[14]

وصفوة القول؛ إنّ جل الإصلاحيين الذين فحصنا آراءهم في هذه المناسبة، سواء من المشارقة أو المغاربة، مجمعون على أنّ الداء الأساسي الذي عانت منه الدول السلطانية في البلاد العربية، مهما اختلفت فيما بينها هو داء الاستبداد، وعليه فقد طالبوا بصراحة ووضوح نظري وأحيانا عملي بإقرار الشورى، وتوسيعها، والتخلّي عن حكم الفرد المطلق، وبيّنوا في هذا السياق عورات النظام الاستبدادي، وبالتالي فالمدخل للحداثة السياسية والاستعداد لمواجهة الأجنبيّ في نظر إصلاحيي القرن 19 وبداية القرن 20، هو إقرار سلطنة شورية عن طريق التدرج، وبعيدا عن الثورة، وبمنهج توافقي لا تنازع فيه، خوفا من تمهيد السبل أمام الأجنبي المتربص بالبلاد العربية، غير أنّ الزمان والأحوال لم تمهل هؤلاء المصلحين، حتى يروا نتائج نظرهم مجسّدة على أرض الواقع، وفاجأهم الاستعمار، الذي أجهض جلّ محاولات التحديث الذاتي التي عانت من أجلها طائفة واسعة من أبناء الأمة.

2- المغزى التاريخي للدولة القطرية

لقد عانت البلاد العربية بدرجات متفاوتة من الاستعمار الأجنبي، ودخلت تجربة سياسية مختلفة عن السابق؛ فقد وضع الاستعمار الأجنبي سواء كان انتدابا أو حماية أو احتلالا مباشرا حدّا لتجربة الدولة السلطانية، أو في أحسن الأحوال حافظ عليها كشكل من أشكال الفلكلور السياسي، وأسّس بدلا عنها نواة الدولة الحديثة على الطراز الأوروبي، و بعد رحيل الاستعمار عن البلاد العربية في منتصف القرن العشرين تقريبا، لم تستطع البلاد العربية التخلص من التركة الاستعمارية والمنجز السياسي الحديث، والعودة إلى الوراء للاتصال بالدولة السلطانية والمشاريع الإصلاحية للقرن 19، وهكذا وجدت نفسها مضطرة لتبني نموذج الدولة الحديثة الغربية.

فالدولة القطرية التي حكمت البلاد العربية في طور الاستقلال، منذ الخمسينيات من القرن الماضي، هي ثمرة مباشرة للحداثة القسريّة التي زرع بذورها الاستعمار، وقد عانت هذه الدولة من عوائق مزمنة، وعلى أكثر من صعيد، فمن جهة لم تطق حمل النموذج الديمقراطي الغربي إلى المجال العربي، ومن جهة ثانية اصطدمت مع الخصوصية العربية، حيث اقتصرت الحداثة على المظهر دون الجوهر، ولم تقدر على الانفتاح الديمقراطي، والاعتراف بسيادة الأمة واحترامها، وقد وصفها الأستاذ عبد الله العروي في كتابه حول مفهوم الدولة بدولة التنظيمات.[15]

ومن أبرز مظاهر فشل الدولة القطرية باعتبارها دولة حديثة "منزلة":

-عجزها عن استيعاب الوظيفة الدينية للدولة في المجال العربي- الإسلامي، أو استيعابها بشكل سلبي، وهو ما أدى إلى ظهور تيار الإسلام السياسي، الذي كافح من أجل الاعتراف بخصوصية السياسة والكيان السياسي في البلاد العربية.

-مصادرتها للحريّات المدنية والسياسية، واستغناؤها عن الشعب.

-تبديدُ الثروات وسوء التدبير.

وبالتالي كانت أهم المعارك السياسية وأقساها في المجال العربي، عموما في الخمسين سنة الماضية وإلى اليوم، معارك تدور حول هوية الدولة، وشرعيتها، وأصالتها، معارك حول مفهوم الدولة بالأساس... في حين توارت معارك النهضة والتنمية، فهل استطاعت الدولة القطرية العربية، بعد مرور حوالي ستة عقود، التقاط الرسالة، وإدراك عوائقها البنيوية، التي تحول دون حداثتها العقلانية و الإيجابية؟

وعموما، إنّ الدولة القطرية في السياق الإصلاحي العربي-الإسلامي الممتد من القرن 19م وإلى اليوم، لم تستطع تحديث الدولة السلطانية (الدولة الإسلامية)، بقدر ما أضافت لها تحديات جديدة، وعلى رأسها تحدي الدين، الذي كان محسوما في الدولة السابقة، إضافة إلى تحدي الاستبداد، والاستفراد بالحكم.

3- خاتمة: أفق الدولة الإسلامية الحديثة

ما هي الغاية السياسية التي كان يسعى لتحقيقها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والطهطاوي وخير الدين التونسي وعلي زنيبر...؟ ألم يكن هدفهم تحديث الدولة السلطانية وتخليصها من عوائقها الذاتية، وعلى رأسها عائق الاستبداد؟ إنّ غاية الغايات بالنسبة للجيل الأوّل من الإصلاحيين العرب خلال القرن 19م وبداية القرن 20م، كانت هي بناء "دولة إسلامية حديثة"، قويّة، وقادرة على مواجهة التحديات النهضوية التي فرضت عليها، غير أن آمال هؤلاء لم تتحقّق، وحال دونها التدخّل الأجنبي المباشر وغير المباشر، غير أنّ هذه الغاية لم تمت في وجدان الإنسان العربي وقواه الحية، باعتبارها ملمحا من ملامح الأنا مقابل الآخر، وعادت للظهور مرة ثانية، وفي شكل جديد مع تيارات الإصلاح الإسلامي بعد موجة الاستقلالات الوطنية، وفي إطار الدولة القطرية، وقد أثارت هذه التيارات انتباه الدولة إلى أعطابها في أكثر من بلد عربي، ودعتها إلى التطابق مع الخصوصيّة، وطموحات التحديث الإسلامي.

إنّ العالم العربي منذ الاستقلال وإلى اليوم، لازال يبحث عن نموذجه السياسي والحضاري الخاصّ، وتعتبر الأحداث التي يعيشها منذ سنتين تقريبا نهاية دورة من دورات التاريخ العربي المعاصر، انتهى معها نموذج الحداثة القسريّة، ليبدأ طور جديد من تاريخ العرب عنوانه الرئيس الحداثة الأصيلة، التي تشكل استمرارا لمشاريع التطور الذاتي، الذي استهلها منذ أزيد من قرن الرعيل الأول من الإصلاحيين في المشرق والمغرب.

ويعتبر التيار الإسلامي الوسطي - المعتدل المرشح الأوفر حظا لقيادة الانتقال التاريخي للعرب من الدولة القطرية (نموذج الحداثة القسريّة) نحو الدولة الإسلامية الحديثة؛ فالاستفتاءات الشعبية في أكثر من بلد عربي، والتي أظهرت ميلا واضحا للتيار الإسلامي، هي -في العمق- تثبيت للحق في الاختلاف الحضاري، أكثر مما هي اختيار حزب من أجل ممارسة السلطة، وبالتالي وجب أن يكون الإنجاز في مستوى اللّحظة ومغزاها التاريخي و الحضاري.


[1]- محمد عبده، في الشورى والاستبداد، الأعمال الكاملة، تحقيق محمد عمارة، ج. 1، دار الشروق، بيروت، ط. 1/ 1993، ص.381، 382

[2]- نفسه، ص. 386

[3]- جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، العروة الوثقى، الآثار الكاملة (1)، إعداد و تقديم سيدهادي خسرو شاهي، منشورات المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب –طهران، و مركز البحوث الإسلامية- قم، ط. 2/ 1221هـ، ص. 171، 172

[4]-نفسه، ص. 343

[5]- نفسه، ج. 1، ص. 871

[6]- حول هذه الأحداث و التطورات يرجى العودة إلى الدراسة التي مهد بها محمد عمارة للأعمال الكاملة لعبده. (محمد عبده، الأعمال الكاملة، ج.1، إعداد محمد عمارة، م. س. ص. 39- 58)

[7]- محمد عبده، إنما ينهض بالشرق مستبد عادل، م. س. ص. 845

[8]- عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد، دار الشرق العربي، بيروت، ط. 3/ 1991، ص. 15، 16.

[9]- نفسه، ص. 151.

[10]- نفسه، ص. 158.

[11]- خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، طبعة الدولة التونسية، 1285هـ، ص. 11.

[12]- نفسه، ص. 35، 36

[13]- انظر نص هذا المشروع الإصلاحي في إحدى ملاحق كتاب مظاهر يقظة المغرب. (محمد المنوني، مظاهر يقظة المغرب، ج. 2، منشورات المدارس، الدار البيضاء، ط. 2/ 1985، ص. 411).

[14]- نفسه، ص. 415، 416.

[15]- عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط. 8/ 2006، ص. 129-141.