الدولة: جدل الحلم والواقع

فئة :  مقالات

الدولة: جدل الحلم والواقع

الدولة: جدل الحلم والواقع*


الدولة، هذا الكيان الذي يقاتل الناس من أجل إنشائه والاستحواذ عليه هو نفسه الذي يقاتلون أحيانا من تحطيمه وإزالته، ولا أظن هناك موضوعا آخر يشغل التفكير والنقاش في البلدان العربية - إلى جانب موضوع الحرية - أكثر من موضوع الدولة. ولعل تجربة مجتمعاتنا مع الدولة القطرية التي نشأت بعد الاستعمار، والتي تتسم بكثير من المرارة والإحباط ما زالت تؤثر في فكر وسلوك النخبة المثقفة التي هربت من مواجهة الواقع، إما إلى حضن التجريد النظري أو إلى منافع السلطة المغرية، تاركة الجمهور العريض يدشن مرحلة من التجريب الذاتي العفوي في الميادين والساحات، بحثا عن الحرية والعيش الكريم. وليس هذا بغريب في التاريخ، إذ أن الدولة تتشكل في الغالب وفق موازين القوى الواقعية قبل أن يباشر الفيلسوف إلباسها أثوابه النظرية.

مفهوم متنازع:

إذا كان كل مفهوم ما يحيل عادة إلى حقل معرفي معين، فإن مفهوم الدولة مركب ومتعدد الوجوه إلى درجة أن له أثرا في جل المعارف الفلسفية والاجتماعية؛ فهو يوحي في مجال القانون الدولي إلى الكيان المتجسد في إقليم وشعب وسلطة ذات سيادة معترف بها، وتعني بالنسبة للمواطن مجموعة من الأجهزة التي تمارس السلطة وتملك حق التعبير عن الإرادة العامة، ويركز عالم الاجتماع على ما يعتبره نظما اجتماعية تجسد القيم الثقافية والمصالح المادية للفاعلين الاجتماعيين، ويدرس أشكال السلطة والهيمنة والتأثير المتبادل بين الأفراد والجماعات وتجلياتها في البنيات المختلفة. أما المؤرخ، فينشغل أساسا بكيفية نشوء الدول واضمحلالها وكأنها كائنات حية مستقلة الوجود عن وعي الأفراد وسلوكهم، في حين يهتم الفيلسوف بشرعية الدولة وغايات وجودها والتمييز بين ما هو كائن بفعل الواقع، وما ينبغي أن يكون بمقتضى الأخلاق/ ويتشعب مفهوم الدولة مخترقا كل مجالات الفكر بقدر ما يخترق مجال نفوذ الدولة نفسها كل مناحي الحياة.

الدولة ونشأة السلطة: الواقع والمفترض

ليست الدولة في الواقع إلا شكل تجسد السلطة الأكثر بروزا، وإلا فإن التنظيمات الاجتماعية التي عرفها التاريخ البشري متنوعة ومتغيرة تجمع بينها هذه الحاجة الأزلية إلى الانتظام والضبط، ورغم أن الواقع المتعين ليس في حاجة فعلية إلى وجود مبرر مقنع لكي يباشر تحققه، إلا أن التفكير النظري عموما مولع بالبدايات، سواء في شكلها الأسطوري أو الفلسفي أو التاريخي.

يورد أفلاطون في محاورة جورجياس أن الإله زوس أرسل مبعوثه هرمس إلي البشريحمل اليهم معاني الهيبة والعدالة ويوصيهم باتخاذهما مبدأين لنظام المدينة، وهكذا تستدعى الأسطورة وكأنها علة وجود الدولة، رغم أنها نشأت بعد ذلك لإضفاء الشرعية على الواقع وحمايته.

ودرج المؤرخون على إرجاع تأسيس شكل الدولة وطبيعة السلطة السياسية على المحددات الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية للإقليم أو المجموعة السكانية المكونة لها، ولذلك ينسبون الدول الشرقية القديمة، مثل مصر وبلاد الرافدين والهند والصين إلى نشوء حضارات الأنهار الكبرى التي تقتضي الاستقرار على الأرض وتنظيم عملية الري وتوزيع المساحات وتوفير الأمن، ومن هنا نشأت نظرية " ويتفوغل" حول الاستبداد الشرقي.

وفي التجربة اليونانية، يتجلى تأثير جغرافية اليونان المنقسمة وصعوبة المسالك التي مهدت لتشكل أقاليم صغيرة انتظمت فيما يسمى دويلات المدن. ويمتد نفس منهج التحليل لفهم نشوء الدولة الوسيطية الإقطاعية والدولة الحديثة على ضوء تحولات البنية الاقتصادية والاجتماعية.

وليس الفيلسوف بطبيعة انشغاله معنيا كثيرا بالحالات الخاصة المعيشة للدول، بل بما يعتقد أنه الصورة المجردة العامة لكل الحالات الجزئية، ومن هنا نشأت أهم الأفكار التي تنتظم حولها الاتجاهات الفلسفية:

-فكرة ترجع علة نشوء الدولة إلى مقتضيات الطبيعة البشرية، تجعل الانتظام حاجة ضرورية وشرطا لاستمرار الوجود.

-فكرة تعتبر أن إرادة الأفراد هي المبدأ المنشئ للدولة، ومن ثم فهي كيان مصطنع يقوم مقام الوسيلة، وينبغي التحكم فيه لتحقيق غايات الحرية والأمن وحماية الملكية.

-فكرة مغرقة في التجريد ترى أن الدولة لا تعود الضرورات الطبيعية والاجتماعية ولا إلى إرادات الأفراد، بل هي متعالية عن كل ذلك بكونها تعبر عن وعي الروح المطلق المتجلى في حركة التاريخ.

ويعبر عن الفكرة الأولى قسم من الفلسفة اليونانية متمثل في أرسطو، وقسم من الفكر التاريخي والاجتماعي الإسلامي الذي يجسده بن خلدون الذي يقول: «إن الملك غاية طبيعية ليس وقوعه باختيار ... وإنما هو بضرورة الوجود وتركيبه».

وتمثل الفكرة الثانية كل من أسهم في صياغة نظرية العقد الاجتماعي من فلاسفة الأخلاق والسياسة من الأنواريين، مثل كانط وروسو وهوبز ولوك إلى الليبراليين المعاصرين، مثل ليو شتراوس وكارل بوبر.

أما الفكرة الثالثة، فهي صياغة هيغلية بالأساس تنتمي إلى فلسفة التاريخ ذات المنحى الحتمي الجدلي الذي يختلف النقاد حول وصفها مغرقة في المثالية أو مجرد صياغة مجردة للواقع المتعين.

ويمكن تصنيف أهم الآراء المفسرة للنشوء الدولة إلى أطروحتين أساسيتين؛ إحداهما ترجع نشوء الدولة إلى غاية خارجية تتمثل في إرادة الأفراد أو الجماعات، والثانية تعتبر أن نشوء الدولة يعود إلى مبدإ ذاتي في طبيعتها ومفارق لمقاصد الفاعلين، ويشمل ذلك التصورات اللاهوتية والميتافيزيقية.

الدولة وممارسة السلطة: الواقع والمأمول

يستند الانقسام في الرؤى المؤطرة لطبيعة الممارسة السياسية على ضوء ما رأيناه من الانقسام حول أصل الدولة ونشأتها. فالاتجاهات الواقعية لا ترى في الدولة إلا معطى عينيا تطغى عليه صفات الشر والصراع والعنف والمكر، إما بسبب الطبيعة البشرية الشريرة نفسها، وإما بفعل عوامل بنيوية تعود إلى تركيبة المجتمع وانقسامه. أما الاتجاهات الاخلاقية، فعادة ما ترى في الدولة صورة استثنائية منحرفة ينبغي أن تقوم لتطابق النموذج الصالح والمأمول. وقد تتداخل هذه الرؤى أحيانا لتحدث نوعا من التعايش بين الموقفين.

يقال إن ميكيافلي هو أول من صاغ تصورا واقعيا للسياسة الدولة كما هي فعلا، رغم أن الذين يقولون ذلك يولون أهمية لكتاب الأمير، غافلين عن رسائله التي جمعت مِؤخرا، والتي تكشف عن وجهات نظرية مختلفة في تصور الرجل للدولة. ليست هذه النظرة مقتصرة على ميكيافيلي وحده، إذ نجد لها أصداء في تاريخ الفكر الانساني بأشكال مختلفة تصف الدولة والسلطة بكونها مجالا لتصريف نوازع الشر الإنساني وتدعو أحيانا إلى اعتزالها تماما مثلما الأمر بالنسبة للرواقية أو بعض الفقهاء وكتاب الدواوين، مثل ابن المقفع وصولا إلى هوبز الذي استثمر هذه النظرة السلبية إلى الطبيعة البشرية ليس لرفض الدولة، وإنما لفتح المجال أمام إمكان تقليص شر العنف المفتوح عن طريق الخضوع الجماعي لوحشية الدولة (الليفياتان)، وقد يمكن تصنيف الماركسية نفسها ضمن التصورات التي تنظر إلى الدولة بكونها أداة سيطرة وعنف الطبقات الاجتماعية السائدة ولكنها معبر ضروري في المرحلة الاشتراكية من أجل التخلص النهائي منها في المرحلة الشيوعية.

وفي مقابل ذلك تحرص الاتجاهات الاخلاقية على إبراز الجوانب الخيرة في الطبيعة الانسانية وضرورة إخضاع الدولة لمقتضيات المبادئ الاخلاقية والمصلحة العامة، وهذا ما تمثل أغلب أفكار العقد الاجتماعي والفلسفات الليبرالية التي تدعو إلى الفصل بين السلط وتشديد وسائل المراقبة والتوازن لضبط تغول الدولة والحد من استيلائها على كل المجال العمومي أو حتى المجال الخاص.

نقد الدولة الحديثة أو رفض السلطة:

ظهر تقليد نقد الدولة الحديثة أساسا مع الماركسية التي ترى أن مفهوم الدولة الحديثة المجرد الذي بدأت التنظير له فلسفة الأنوار وأحكم إغلاقه هيجل هو مجرد تبرير أيديولوجي لواقع هيمنة طبقة معينة على وسائل الإنتاج، وأن شكل الدولة ومؤسساتها وحتى قو انينها ليست سوى بنية فوقية تجسد صورة الواقع الفعلي الذي يحدث على مستوى الصراع الاقتصادي والاجتماعي، ومن تم فهي واقع متحول وليست مفهوما فلسفيا.

واستمر هذا النقد مع تيار اليسار الجديد ومدرسة فرانكفورت التي حاولت تجاوز النظرة الماركسية التقليدية إلى الدولة وكأنها مجرد بنية فوقية إلى الاقتباس من منابع مختلفة من ماكس فيبر وفرويد لإعادة النظر في مفهوم الهيمنة الذي يتعدى المستوى الاقتصادي والسياسي إلى المجالات الثقافية والنفسية والاجتماعية، واشتهر بعض الماركسيين الجدد، مثل غرامشي ولوكاش ببحثهم عن أصول هيمنة الدولة والطبقة الرأسمالية في الجوانب المعنوية والرمزية التي كانت تعدها الماركسية انعكاسا فوقيا للبنيات المادية.

وتناولت الفلسفة الفرنسية من جهتها إشكالية الدولة والسلطة من منظور مختلف، عبرت عنه أعمال مشيل فوكو وبيير بورديو التي ركزت على مفاهيم الهيمنة والسلطة والاستلاب أكثر من البحث في الإطار الشكلي للدولة.

وإذا كانت التوجهات الفلسفية ما بعد الحرب العالمية الثانية تنحو نحو نقد الدولة المتسلطة التي تجلت أساسا في بعض الأنظمة الشمولية والتجارب الاشتراكية، فإنها توجهت بالنقد أيضا لتجارب الدول الليبرالية التي تتوسل بأدوات العنف الرمزي اللطيف ووسائل التشريع والإعلام والمدرسة العمومية والتحكم في الاقتصاد.

التجربة العربية والدولة السلطانية الحديثة:

ليست الدولة غريبة تماما عن المجال الحضاري العربي، لأنها ظهرت في بلاد العراق والشام ومصر والمغرب واليمن، رغم أن التصور الشائع ينبني على كون قبائل الجزيرة العربية لم تعرف أسلوب الدولة إلا في وقت متأخر، ولعل هذا الالتباس يعود إلى أن منشأ السلطة التأسيسية كان في الجزيرة، وليس في البلدان المذكورة، ولكن مرحلة التأسيس اختفت بسرعة لتأخذ السلطة السياسية طابع الدولة المنسجم مع المعطيات الجغرافية والاجتماعية لكل بلد، مقتبسة من النموذج البيزنطي والفارسي السائدين في ذلك الوقت.

ولعل وقع صدمة الحداثة التي دخلت من نافذة الاستعمار مازال يربك الفكر والممارسة معا، نظرا لتوطين نموذج الدولة القومية القطرية التي لا تنسجم بالضرورة مع مقتضيات الاجتماع السياسي لهذا المجال الحضاري.

وقد أدى هذا التهجين الذي زود سلطة سياسية تقليدية بأدوات تحكم حديثة إلى نشوء ما أسميته تجاوزا «الدولة السلطانية الحديثة»، والتي كانت موضوع تفكير طويل وعسير، طرق كل مسالك المعرفة لفهم نوعية بنية هذه الدول وتجاوز إعاقاتها، وكان المشترك بين كل هذه الأعمال هو الرجوع المستمر إلى التراث الفكري والتجربة التاريخية التي يحسب المفكر أنها جاثمة على الواقع لا تنفك عنه، وهذا ما يتجلى في أعمال محمد عابد الجابري خصوصا في كتابيه «نقد العقل السياسي» و«نقد العقل الأخلاقي» وأعمال عبد الله العروي وخلدون حسن النقيب وجابر الانصاري وغيرهم، ممن كان يبحث عن جذور التسلط والاستبداد، سواء في المرجعيات الفكرية أو البنيات الاجتماعية أو الموروث النفسي والقيمي، وفي مقابل ذلك يركز البعض على العوامل الخارجية المرتبطة بالاستعمار والتدخل والتجزئة والتفكيك، مثل أعمال برهان غليون وسمير أمين.

أسئلة الراهن: هدم الدولة أو بناؤها

بعد توالي الأزمات الاقتصادية العالمية وتهاوي حدود الاتصال وإمكانية التدخل ضدا على مبدإ السيادة الوطنية، أصبح السؤال الراهن في الفكر الغربي يتمحور حول وظائف الدولة وحدودها وجدوى وجودها، ولقد كتب فوكوياما المعروف بنزعاته الليبرالية كتابا بعنوان: «بناء الدولة، مشكلة الحكم والإدارة في القرن الحادي والعشرين» يتساءل فيه عن دور الدولة في ظل العولمة وإمكانية التدخل في الاقتصاد لضمان الأمن القومي والعدالة الاجتماعية، مخففا من نظرته الليبرالية المفرطة. وليس هذا الكتاب سوى نموذجا للنقاش الدائر حول الدولة في المجتمعات الغربية، وسيكون من الغباء تجاوزنا لهذا النقاش تماما لكون العولمة معطى عاما يتجاوز حدود الدول. ولكن أيضا سيكون من الرعونة نقل هذا النقاش بحرفيته كما كنا نفعل دائما كلما استجد جديد، فهناك فرق بين من يراجع وظائف الدولة على ضوء التحولات الكبرى للاقتصاد والسياسة والثقافة، وبين من مازال يبحث عن نموذج الدولة المناسب.

تدل التحولات الراهنة في البلدان العربية على وجود حراك ميداني لا تسايره حركة فكرية ملائمة لترشيد وجهته؛ فهو إما أن يؤول إلى إبداع نموذج جديد للسلطة يوازي بين الحرية والتنمية أو يستمر في مسار التفكيك الذي تتوفر عناصره في القاعدة الاجتماعية ويتقوى من خلال توظيف العامل الخارجي للنزعات الجزئية الهوياتية التي لم تجد في الانتماء الوطني حضنا لآمالها.


*- مجلة يتفكرون، العدد 2، منشورات مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، خريف 2013