الدِّين في الحياة السِياسيّة: أيُّ مستقبل؟

فئة :  مقالات

الدِّين في الحياة السِياسيّة: أيُّ مستقبل؟

1- محوريّة دوْر الفكرة الدّينية:

يعدّ الدِّين واحداً من أهمّ المظاهر التي أسّست للكائن البشري رؤيته الشّاملة للحياة، بما في ذلك علاقاته الإنسانيّة والطّبيعيّة والكونيّة. وأيّاً كان الدّين في الميزان الإنساني، فإنّه قناة رئيسة في تشكيل الوعي الجمعيّ للثّقافات الإنسانيّة، بغضّ النّظر عن مصداقيّة فرضيّاته وأطروحاته عند البعض، أو بطلانها، وسواءٌ اتّفقنا مع طبيعة هذا التفكير، أم لم نتّفق معه، يبقى الدِّين هو الموجِّه الأساسي لنظرة الإنسان لما حوله، بما في ذلك علاقته بالتّشريع والسِّياسة والاجتماع والاقتصاد، ولو أنَّ المجتمعات العلمانيّة المتطرِّفة تحاول أنْ تقصي هذا الدّوْر عن الحياة الإنسانيّة. ولعلّ مصطلح العلمانية المتطرّفة كما يسمّيها البعض، هو نفسه ما تحدّث عنه عبد الوهّاب المسيري وسمّاه بالعلمانية الشّاملة ويعرِّفُها بـ:" «العلمانية الطبيعيّة/ الماديّة» أو «العلمانية العدمية»، وهي رؤية شاملة للكون بكلّ مستوياته ومجالاته، لا تفصل الدِّين عن الدّولة وعن بعض جوانب الحياة العامّة وحسب، وإنّما تفصل كلّ القيَم الدِّينية والأخلاقية والإنسانية عن كلِّ جوانب الحياة العامّة في بادئ الأمر، ثمّ عن كلّ جوانب الحياة الخاصّة في نهايته، إلى أنْ يتـمَّ نزع القداسـة تماماً عن العالم (الإنسان والطبيعة). وهي شاملة، فهي تشمل كلاً من الحياة العامّة والخاصّة، والإجراءات والمرجعية. والعالم، من منظور العلمانية الشّاملة (شأنها في هذا شأن الحلوليّة الكمونيّة الماديّة)، مكتفٍ بذاته، وهو مرجعيّة ذاته...".[1]ويقابل هذه العلمانيّة المتطرّفة، ما سمّاه الكاتب نفسه بالعلمانيّة الجزئية، وهي: "رؤية جزئيّة للواقع تنطبق على عالم السّياسة وربّما على عالم الاقتصاد، وهو ما يُعبَّر عنه بفصل الكنيسة عن الدّولة".[2]

في حين أنّ الغرب المسيحي من خلال إصلاحاته الدّينية، استطاع أنْ يدمج قيَم الدِّين في مؤسَّساته السّياسية، مقصياً دوْر الدّين في صيغته الشّمولية التي لا تترك مجالاً للتحرّك الإنساني. وبالتّالي، منْح الشّرعية والسّيطرة لرجال الدّين، أو المؤسَّسة الكهنوتية، لتقبض على المجال الدّيني، ومنه على الحياة العامّة كما حدثَ في أوروبّا في صراعها المرير مع الكنيسة. وهنا نستحضر أطروحة مارسيل غوشيه الذي يرى بأنّ ما سمّاه بالخروج من الدّين لا يعني التخلّي عن المعتقد الدّيني، وإنّما الخروج من عالم يكون الدّين بحدّ ذاته فيه منظّماً بنيوياً يوجِّه الشّكل السّياسي للمجتمعات، ويعيِّن البنية الاقتصادية للرِّباط الاجتماعي. ..فالخروج من الدّين هو في المحصّلة الانتقال إلى عالم يستمرّ وجود الأديان فيه، ولكن ضمن شكلٍ سياسي، وتنظيم جماعي لم تعد تُعنى بهما.[3]

انطلاقاً من هذا التصوّر والمعطى المهمّ لحركيّة الدّين في حياة الإنسان، بوصفه مرجعاً ومعياراً للعقل الدّيني، فإنّ حركةَ وجود الكائن البشري ظلّت مرتبطة بهذه الظاهرة، حيث ترسمُ للإنسان الإطار النّظري والعملي - (البراكسيس بتعبير غرامشي) - الذي يحيا ضمنه، مهما تعدّدت مظاهر اختلاف هذا الإنسان جغرافيّا، أو لغويّاً، أو عرقيّاً. لقد استعملنا كلمة الدّين الحركي هنا بمفهوم فلسفي، لا بمفهوم سياسي، كما يروِّج له أصحاب نظريّات الإسلام السّياسي. فالمقصود هنا بالحركة ما أطلق عليه مالك بن نبي أثر الفكرة الدّينية في بناء الحضارة، ومن ثمّ كيف يتاح لهذه الفكرة ذاتها أنْ تمدَّنا بتفسير عقلي لدوْر إحدى الدِّيانات في توجيه التّاريخ.[4]

من هنا يظلُّ سؤال الدّين ومستقبل الإنسانيّة، سؤالاً له أولويّته في عالمنا المعاصر، وله خطورته أيضاً إذا ما نظرنا إليه من زاوية ما يمثِّله الدّين عموماً في الذّاكرة الإنسانيّة. ناهيك عن كون الدّين يمثِّل بشكلٍ من الأشكال أحد المحرّكات الأساسيّة الموجّهة للأحداث العالمية في وقتنا الحالي. وطرْحُنا سُؤال الدّين ومستقبله من جديد يأتي ضمن هذا السّياق العامّ الذي يعيشه كلّ متتبّع للمجريات والأحداث المعاصرة. وسؤالٌ مثل هذا يمكنُه فتح آفاق النّقد الذّاتي الذي تنأى عنه كلّ الأنساق الدّينية، وتعتبر مجرّد الدّخول في دهاليزه نوعاً من الانتحار الفكري، وخروجاً عن الدّين. كما يمكننا أنْ نستشرف من خلاله آفاق المستقبل عبْر رؤية موضوعيّة للواقع الدّيني، تجعلنا نتوقّع مآلات هذه الجدليّة القائمة بين الدّين والإنسان.

2- الخطاب الدّيني والصّراعات العالميّة:

لا بدّ لنا، ونحن نتحدّث عن الصّراع العالمي، من أنْ نستحضر قضيّة محوريةً أسَّست لفكرة الصّراع، وما زالتتؤسِّس لها. هذه الفكرة لها خطورتُها إذا تمّ تغييبها، أو استبعادُها في الصّراع العالمي الذي يعدّ الدّين أحد محرّكاته الأساسيّة. إنّها قضيّة الخلط بين الفكر والدّين التي يمكنُها أنْ تنسِف جهود البشرية، وتراكماتها-عبْر فترات التاريخ- في ترسيخ مبادئ العدل والسّلام والإخاء. كما تستطيع أنْ تقضي بشكلٍ نهائيّ على أمل التّواصل الحضاري مع الآخر. إنّها قضيّة محوريّة في أيّ دين، يتناسى كلّ من ينتمي إلى عقيدة أو مذهب أو دين، عن عمدٍ أو غير عمدٍ أنّ أيّة رؤية للدّين ليست سوى ثمرة تفاعل الإنسان معه. وأنّ أيّة رؤية للدّين مهْما اعتقد النّاس في صحته، هي رؤية إنسانيّة نسبيّة في أبعادها، ومراميها، ومحدودة بسقفها المعرفي، وبدرجة تأثُّرها بالعوامل المختلفة من زمان ومكان وثقافة.

إنّ التوحيد بين الفكر والدين، أو بين النّصوص الدينية وقراءة الإنسان هذه النّصوصَ، من الأمور الخطيرة في بنى الفكر الديني عموماً والإسلامي منه على وجه الخصوص. وتزداد خطورة هذا الدّمج وضوحاً حينما يلغي الفكرُ الدّيني كلّ الشّروط المعرفيّة المنتجة للفكر، ويدّعي بشكلٍ وُثوقيّ الوصول إلى القصد الإلهي. هذه الوثوقيّة التي ترمي الإنسان في منطقة الحديث باسم الله التي مثّلتها الكنيسة في العصور الوسطى، ومارسها علماء الدّين بشكلٍ ضمنيّ على مرّ الحقب التاريخيّة.[5]

يعدّ الدّين أحد المجالات الخصبة التي تستنبت فيها إشكاليّة التحيّز بشكلٍ جليٍّ، إذ أنّ أيّ إنتاج فكري ديني نابع من تربة معيّنة، ويكون منطلقه الفكر والواقع الإنساني، لابدّ له أنْ يصطبغ بلون هذا العقل المنشئ له، ويتأثّر بالواقع النّابت فيه، حيث يكون هذا المنتوج الفكري معبِّراً عن ثقافة المجتمع، ودرجة وعيه، وتحصيله المعرفي، الذي يمثّل عقل الإنسان الذي أنتجه، كما يعبّر عن الواقع الاجتماعي الذي كان له دور ما في تأسيسه من خلال قضاياه وأولويّاته.

إنّ خطورة التحيّز في الفكر الديني عموماً تكمُن في فكرة محورية مفادها "التّمركز حول الذّات"، وهي تفرض على الإنسان التقوقع، والانغلاق في رؤية الذّات الضيّقة، وقياس الآخر بناءً عليها، ممّا يؤدّي بالبداهة إلى إنكار الآخر، وعدم الاعتراف بشرعيّة وجوده، ومصادرة حقِّه في التّفكير...

ومن العوامل المنشئة لهذا التحيّز نجد:

-عوامل نفسيّة: وتتمثّل في كون الإنسان ابن بيئته وتاريخه وواقعه، وكلّ هذه المكوّنات تشكّل نفسيّته، وعلى ضوء هذه النّفسية يصطبغ فكره، وقد يصبح التحيّز ظاهرة جماعيّة تتجاوز الفرد، عندما يصير تحيّزاً مؤسَّساتيّا، تسهر عليه مؤسّسات ومعاهد وطوائف، تتبنّى فكراً متحيّزاً إلى فئة، أو مذهب، أو فلسفة، ملغيةً بذلك الوجود المتميّز للهويّة الأخرى.

- تجزيء الدين: وهي نظرة تغيّب النّظرة الشّمولية للفكر الديني، باعتباره نتاج مجموعة من العوامل، مما يؤثّر سلباً في مصداقيّة الفروض، والنّظريات، والتّفسيرات التي يعطيها هذا الفكر الديني.

- إيديولوجيّة الفكر الديني: وذلك لأنّ الفكر مهْما كان انتماؤه، أو انتسابه، هو إفراز لواقع متأثِّر به، ونزع الإيديولوجية عن الفكر الدِّيني أمر يكذّبه الواقع التاريخي.

وللأسف الشديد، فالخطاب الدّيني أيّاً كان انتماؤه في العالم المعاصر، ما زاللم يستوعب هذه الفكرة بالشّكل السّليم، وما زال الارتفاع بالنّسبيّة البشرية إلى أقصى درجات القدسيّة، واضحاً عبْر إلغاء كلّ الشّروط المعرفيّة المنتجة للفكر، والادّعاء الوُثوقي بالوصول إلى القصد والمراد الإلهي. هذه الوثوقيّة، وذاك الادّعاء الممتدّ في كلّ الأنساق الدينيّة، هو المولِّد الحقيقي لفكرة التسلّط باسم الدّين، وهي الفكرة الأساسيّة التي تنطلق منها فكرة الصّراع والصّدام، حين يتحوّل الفهم البشري النّسبي إلى معرفة المراد والمشيئة الإلهيّة. فيصير حينها الإنسان تحت مسمّى الدّين، أو فهْم الدّين أو تطبيق الشّريعة، معول هدمٍ لقيم الدّين التي لا يمكنُها أنْ تكون إلاّ قيم الحياة بكلّ معانيها. فتموت بذلك الحضارة، وينعدم التّعايش، وتفنى قيَم المحبّة والتّعاون.

لم يستطع الخطاب الدّيني المعاصر في الكثير من الأحيان أنْ يخرج من هذه الفكرة، حينما يعتبر نفسُه امتداداً طبيعياً لفكر السّلَف، عبْر أصوله، وعلومه، وقواعده. وهذا يسهم بشكلٍ، أو بآخر في تمركُز الإنسان حول ذاته، والانغلاق في رؤية هذه الذّات الضيّقة، وقياس الآخر بناءً عليها، مما يؤدّي بالبداهة إلى تأجيج نار الصّراع الديني المحرقة لكلّ القيم، والمنكرة للآخر، والمصادرة لحقِّه في التّفكير.

لمعرفة صحة هذا الكلام من بطلانه، نخرج من الإطار الضّبابي الذي قد يشكِّله الجانب النظري، وننزل إلى مسألة التّطبيق لنتبيّن بوضوح معالم خطورة الخطاب الديني المؤسّس على قاعدة الوصول إلى القصد الإلهي. وستكون مقاربتنا لهذا الجانب إسلاميّة من خلال أحاديث قد ضمّها علماء الإسلام في مصنّفاتهم الصّحيحة، ودافعوا عنها عن قصدٍ، أو بغير قصد، عبْر تأويلات وتخريجات كثيرة. وهذه المقاربة، تهدف أساساً إلى توضيح ما سبقَتْ الإشارة إليه، كما تهدف إلى إبراز مدى التّناقض الحاصل في بنية الفكر الإسلامي بين النّظرية والتّطبيق.

قبل خوض غمار هذا المبحث، لابدّ من التّذكير بقاعدة قرّرها علماء الحديث عموماً، واعتبروها من أولويّاتهم، وإنْ ظلّ تطبيقها على المستوى الفعلي رهين التّنظير. هذه القاعدة هي أنّ صحّة الأحاديث، تستلزم صحّة السّند والمتن معاً، ولا يكفي أنْ يكون السّند صحيحاً لنحكُم بنسبة الحديث إلى رسول الله. ومن شروط صحّة المتن عدم الغرابة أو الشّذوذ أو النّكارة.

وفي هذا الصّدد يقول ابن الصّلاح في المقدّمة كما نقله عنه ابن كثير: "أَمَّا اَلْحَدِيثُ اَلصَّحِيحُ، فَهُوَ اَلْحَدِيثُ اَلْمُسْنَدُ اَلَّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ اَلْعَدْلِ اَلضَّابِطِ عَنْ اَلْعَدْلِ اَلضَّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ، وَلَا يَكُونَ شَاذًّا وَلَا مُعَلَّلًا" وقال: "والحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه بذلك على المتن، إذ قد يكون شاذا أو معللا".[6] وبالجملة فصحّة متن الأحاديث تستلزم أن تكون حصيلة معانيها ومقاصدها موافقة موازين القرآن الكريم، والعقل والمنطق بعدم تعارضها مع مضمون آيات الله في القرآن الكريم، أو مقاصد الخلق والقيم الإنسانيّة، أو ما توصّل إليه العلم وصار حقيقة علميّة في الكون، والمجتمع والتاريخ.

*- في الصّحيحين حديث يقول فيه الرّسول: "نُصرت بالرّعب مسيرة شهر..."[7]

هذا مقتطف من حديثٍ طويل قد حوَته أمّهات كتُب السُنّة الصّحيحة، وعُدّ على مدى قرون طويلة من الأحاديث الصّحيحة، بالرّغم من مخالفته الصّريحة لما قرّره علماء الحديث أنفسهم، وذلك بوجوب ألاّ يخالف المتن آيةً من القرآن الكريم، فكيف إذا خالف تصوُّراته ومنظوره للحياة والإنسان، والكون.

ومن المخالفات الخطيرة التي يحملها هذا الحديث، هو أنّه جعل نصر الله رسولَه الرحيم مرتبطاً بالرّعب وهذا أدهى وأمرّ؛ فالرّسول الكريم رحمةُ للعالمين: "وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ"[8]، ولم تكن دعوتُه المخالفين له إلاّ إحدى هذه الطّرق الثلاثة التالية:دْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَة وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"[9]، ولو كان غير ذلك لانفضّت من حوله الجُموع، ولما أسّس حضارة السِّلم والسَّلام التي امتدَّ صيتها إلى بقاع الأرض كلّها: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ".[10] وهذا هو رسول الله المرسل بالسّلام لمن لا يعرفه: "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ".[11]

*- عن رسول الله: "أمرت أنْ أقاتل النّاس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّ الإسلام وحسابهم على الله".[12]

فهل أمر الرسول بهذا البيان الخطير المهدّد للسّلم والسّلام العالميّين؟ وهل يمكن أن يؤمر بما يخالف القرآن؟ وهل عصمة الدم والمال مرتبطة بالشهادتين أم هي حقٌّ مكفول من طرف الله بعدم الإكراه على الدين؟.

إنّ رسول الله كما سنوضّح كان لا يصدُر إلاّ عن أوامر الله الموحى بها إليه في القرآن وكان مأموراً باتّباعها: "وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ، وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ"[13]، والوحي هو القرآن وحده: "وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ"[14] "وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا"،[15] كما أنّ وظيفته اقتصرت على البيان والبلاغ، ولم تكن تشريع أحكام لم ينزل بها الوحي القرآني: "وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ"[16] "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ".[17]

والحديث بمتنه مخالف لما جاء في القرآن الكريم، ومخالف لطبيعة الرّسول الرحيم، ومباينٌ للمنطق القرآني الذي يشرِّع القتال لدفع الظُّلم والعدوان، لا للتهجُّم على النّاس لإرغامهم على اعتناق الدّين تحت أيِّ مسمّى: "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ".[18] فعصمة المال والدّم مكفولة بالبيان القرآني: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"[19]، ولا يحقُّ لأيّ أحد مصادرة هذا الحقّ الطبيعي للإنسان، بحديثٍ يخالف التصوّر القرآني الممتدَّ برحابته إلى الأفق الإنساني، البعيد عن النوازع المتطرِّفة التي تأخذ أشكالاً متعدّدة باختلاف الزّمان والمكان.

*- في الصحيح قال رسول الله: "من بدّل دينه فاقتلوه".[20]

والحديث بهذا العموم يخلق إشكالاً؛ فهل يُقتل كلّ من بدّل دينه؟. أم الأمر متعلِّق بالمسلم الذي يرتدّ عن دينه؟. وإذا كان الأمر كذلك فالأمر يحتاج إلى مخصّص. فأين المخصّص؟. وهل يمكن لرسول الله أنْ يخالف أمر ربه: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"[21]، ويقتل نفساً زكيّة بذنب جعل الله جزاءه أخروياً لا شأن لأحدٍ به؟.ألا يعدّ هذا ضرباً من التجاوز، على فرض صحّة الحديث، للأمر الإلهي، وبالتّالي يصدُق عليه قوله تعالى: "وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ * لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ".[22]

وهكذا، نرى أنّ القرآن الكريم سعى لإثبات حقّ اختيار الدّين، من خلال اعترافه بهذا الحقّ لبني البشر جميعاً دون تمييز أو تحيّز، ورفع الوصاية على النّاس تحت أيّ مسمّىً، دينياً كان أو غير ديني. لأنّ هذه هي مشيئة الخالق في وجود الاختلاف: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ".[23] بينما تذهب الكثير من الأحاديث النبوية التي اعتبروها صحيحة منحى آخر، يضيِّق على الإنسان حريّته في اختيار عقيدته، ودينه بكلّ حريّة وإرادة، ممّا يطرح التّساؤل من جديد: إلى متى سيبقى هذا التّناقض الحاصل بين أفُقٍ رحْب يضمن للإنسان كرامته وحرّيته، وأفُق ضيّق ساهم في تشكيله ثقافة ارتبطت بواقع تاريخي معيّن؟.

3- الخطاب الدّيني والعولمة:

يتحدّث الكلّ عن العولمة، وشبَح تأثيراتها الخطيرة في كلّ المستويات الإنسانية. ولعلّ الثّورة العلميّة والتكنولوجيّة المتسارعة في عالم اليوم، ساهَمتْ في كشف الفوارق بين العالمين الفقير والغنيّ، وصارت تشكِّل خطراً حقيقياً على البنى المؤسِّسة للأفكار، سواءٌ كانت هذه الأفكار اقتصاديّة، أو اجتماعيّة، أو دينيّة.

إنّ الدِّين عموماً باتَ مهدَّداً في ظلّ واقع العولمة الكاسر. ولم تعد البنى ولا الحواجز قادرة على إيقاف هذه العجلة المترامية الأطراف. ويزداد هذا الأمر خطورة إذا ما نظرنا إلى واقع الخطاب المنتَج من هذه الأنساق الدّينية. فعالم اليوم يتكلَّم لغة واحدة، هي لغة الجودة والمصلحة، فما سينفع النّاس سيمكُث في الأرض، وستدافع عنه الإنسانيّة بكلّ ما أوتيتْ من قوة. وأمّا الزّبد والتمسُّك بالسّراب تحت أيّ مسمًّى فسيذهب جفاءً، ولن يجد له مأوى أو مكاناً في ظلّ عولمة لا تستسيغ إلا الجيّد أو الأجود. وواقع الدّين والفكر الديني عموماً، لا يسمح بمشاركة فعَّالة في مسلسل العولمة والاستفادة من إيجابيّاتها، والمساهمة في تصحيح مسارها، إن وُجِدتْ هناك سلبيات. وهذا أمر خطير، إذا تمّ إغفالُه وتجاهله. فلا بقاء في هذه الأرض إلا للأصلح، والأصلح هو ما ينفع الإنسانيّة في تعارفها، وتعايشها، باختلاف مكوّناتها العرقيّة والدّينيّة والثقافيّة. أمّا غير ذلك، فلا مكان له إلاّ خارج التّاريخ.

4- الإنسان هو المستقبل:

وأخيراً وصلنا إلى الفكرة المفصليّة داخل هذا المقال، وهيأنّ أي إصلاح، أو أيّ حديث عن مستقبل للدّين، سيبقى مجرّد همهمات تتلى، وطقوس تؤدّى، ما لم يمرّ الإصلاح بقناة الإنسان. فالحديث عن أيّة مقاربة تُبعِد الإنسان عن حسبانها، هو حديثٌ خالٍ من المضمون. فلا إصلاح في ظلّ واقع دينيٍّ يحرِم الإنسان من حقِّه في الاختلاف، ويتعامل معه على أساس الأفضليّة العِرقيّة أو الدّينيّة أو الطَّائفيّة. ولا إصلاح في واقع دينيّ يُهدر كرامة الإنسان، عبْر جرّه إلى مستنقعات الفقر والتّهميش، وذلِّ العيش. فمستقبل الدّين هو الإنسان، إذ الدّين للإنسان، وليس العكس. ولا إنسان إلا بالحرّيّة، ولا حرّيّة بغير إرادةٍ، تتحقَّق بها مسؤوليّة الإنسان أمام خالقه ووطنه والنّاس أجمعين.


[1]- التعريف منقول عن موقع الدكتور عبد الوهاب المسيري على الرابط التالي:

http://www.elmessiri.com/encyclopedia/JEWISH/ENCYCLOPID/START/MAFAHIM/M0042.HTM

[2]- المسيري، عبد الوهاب، (2000)، العلمانية تحت المجهر، (ط1)، دار الفكر، ص 119

ويمكن مراجعة المفهوم نفسه بتعبيرات مختلفة في كتابه الآخر. المسيري، عبد الوهاب، (2002)، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، (ط1)، دار الشروق، ص 16

[3]- غوشيه، مارسيل، (2007)، الدين في الديمقراطية مسار العلمنة، ترجمة وتقديم شفيق محسن. مراجعة بسام بركة، (ط1)، المنظمة العربية للترجمة، ص 27

[4]- ابن نبي، مالك، ترجمة عمر كامل مسقاوي، وعبد الصبور شاهين، (1986)، شروط النهضة، دمشق، دار الفكر، ص 62

[5]- أبو زيد، نصر، حامد، نقد الخطاب الديني، ص 78

[6]- ابن كثير، إسماعيل الدمشقي، اختصار علوم الحديث، ص 12، على الرابط التالي:

http://www.almeshkat.net/books/open.php?cat=9&book=976

[7]- البخاري، محمد بن اسماعيل، صحيح البخاري، كتاب التيمم/باب قوله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا، ح 328،

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?bk_no=0&ID=235&idfrom=329&idto=343&bookid=0&startno=2

[8]- سورة الأنبياء، الآية 107

[9]- سورة النحل، الآية 125

[10]- سورة آل عمران، الأية 159

[11]- سورة التوبة، الآية 128

[12]- البخاري، محمد بن اسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الإيمان / باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، ح25،

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?bk_no=0&ID=235&idfrom=329&idto=343&bookid=0&startno=

[13]- سورة يونس، الآية 109

[14]- سورة الأنعام، الآية 19

[15]- سورة الشورى، الآية 7

[16]- سورة العنكبوت، الآية 18

[17]- سورة المائدة، الآية 67

[18]- سورة الممتحنة، الآية 8

[19]- سورة البقرة، الآية 256

[20]- البخاري، محمد بن اسماعيل، صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم/ باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم، ح 6524، على الرابط التالي:

http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=6633&idto=6634&bk_no=0&ID=3821

[21]- سورة البقرة، الآية 256

[22]- سورة الحاقة، الآية 44-46

[23]- سورة هود، الآية 118- 119