الدين في حدود المجتمع

فئة :  مقالات

الدين في حدود المجتمع

«La cohésion sociale est due, en grande partie, à la nécessité pour une société de se défendre contre d’autres, et (…) c’est d’abord contre tous les autres hommes qu’on aime les hommes avec lesquels on vit»[1].Henri Bergson.


يحظى الدين، ضمن دائرة مفهوم الأمة، بمكانة خاصّة، وغالباً ما يشكل مشتركاً وجدانياً لجميع الأفراد في العالم، من دون أن يثير ذلك إشكالاً لديهم، فيكون الانتماء الفيزيقي إلى رقعة جغرافية معيّنة، ويكونُ الولاء الميتافيزيقي لقطبٍ آخر. إنَّ الدين بهذا المعنى مكوّن عابر للحدود في حالة الأمة، في وقت يفترض فيه مجتمع الدولة القومية أن يكون الدين محدوداً بحدود رقعة المجتمع. فماذا يعني أن يكون الدين محدوداً بحدود المجتمع؟

ليس التفكير في حدود الدين جديداً، فمنذ القرن الثامن عشر (وربّما قبله أيضاً) والمحاولات الكبرى لتحديد مجال خوض العقل في الدين تصوغ أطروحات تلو الأخرى، ومن ثمّ كانت دعوة الفلسفة إلى أن يكون "الدين في حدود مجرّد العقل".يمكن وصف هذه اللحظة بأنها مرحلة تعيين جدار فاصل بين ما يمكن للعقل أن يستوعبه وبين ما هو خارج إمكاناته. فإنْ كان هذا التحديد الفاصل بين العالم النوميني-Noumène والفينوميني-Phénomène، هو ما هذّب عمل العقل، فإنّ محاولة البحث عن سُبلٍ لربط الدين، بالمجتمع لا بالعقل، تُعدُّ ضرورة حاسمة اليوم في مجتمع مُلزَمٍ بأن يؤمن بالاختلاف ويعترف به بوصفه "حق-Droit". ولينتبه إلى وجود فوارق وأنظار متباينة، عوض التصديق المطلق بمقولة الأمة التي ينضوي مريدوها تحت مسلّماتها. ومن هنا جاء التفكير في أنّ التحديد الإبستيمولوجي للعقل أمام الدين دعا إلى التفكير في تحديد سوسيولوجي للدين أيضاً.

يتّصف المشهد الحواري بين الدين والحضارة المعاصرة بطابع التجاذب ومحاولات الاحتواء؛ فبينما يوسّع الدين، في كل مرة، من إمكانات النص المقدس، لمواكبة التطورات المفاجِئة في السياسة، والاقتصاد، والمجتمع، تبحث الحضارة المعاصرة عن سُبلٍ جديدة لتقليص دور الدين في المناحي العملية من الحياة. ويمكن التركيز أساساً في هذا الإطار على الخصوصية التي أضحت تميز الهوية المجتمعية، والتي جعلت الجماعة البشرية تعترف مبدئياً بالخصوصية المحلية: ثقافياً ودينياً، ممّا يحتّم بشكل ضروري رفض كلّ إخضاع آتٍ من خارج حدود هذه الجماعة. في ظل هذا الوضع، يكون مجتمع الدولة القومية أمام وعيٍ بكينونته الثقافية والسياسية، مما سيعود بالأثر على المضمون الديني الذي لن يخرج هو الآخر عن الحدود الجغرافية لهذا المجتمع. بموازاة مع هذا، فإنّ فكرة الأمّة، وإن ظلّت قائمة سواء باسم الدين أو العرق أو اللغة، ستفقد قاعدتها الشعبية المنتشرة في مجتمعات عديدة. وبالتالي فإنّ ما تحمله الأمّة من القيم الشمولية التي تسعى إلى غرسها في نفوس من تغريهم مقولاتها، ستعيش "أزمة-Criseبمعناها الإبستيمولوجي، حيث سيصعب عليها تصريف الفائض القيمي المهيأ لاستدماج المكونات البشرية من شتى أقطار العالم، وسيحصل لها وعي ذاتي بضرورة مراجعة المساحة الجغرافية التي تفكر في تأطيرها بالنظر إلى الظرف السياقي للمجتمعات المعاصرة.

إنّ الوضعية المعقدة التي تسم العلاقات الدولية، وتطورات الأوضاع سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، لا تسمح بأيّ شكل من الأشكال بتبني أطروحات جاهزة ومستوحاة من التاريخ الوجداني للشعوب، وإنْ كان رأس مال الأمة هو الموروث الوجداني الذي يحفظ القيمة المطلقة لمضامينها، فإن المجتمع يستذكر موروثه الخاص أيضاً، ويحصره في حدوده الواقعية، ويعتبره نموذجاً محلياً يُعلن بشكل أو بآخر انفصاله عن كل تبعية خارجية، تدّعي حمل قضية بعث زمن أو مجد أو حقيقة. والدين، بما هو من الناحية الأنثروبولوجية موروث ثقافي، يخضع هو الآخر لمنطق هذه الصيرورة، فنجدُ أن التاريخ الديني المشترك، الذي يوحّد جماعات بشرية معينة، يصعب النظر إليه اليوم كمعيار للائتلاف، إنْ لم يكن مدعاة للاختلاف، نتيجة تحولات سوسيولوجية في بنيات المؤسسات الداخلية للمجتمع.

وبهذا المعنى، فإنّ تحولات الرّاهن، التي فرضت على مفهوم الأمّة التّراجع، قدمت أيضاً بديل مجتمع ينطلق من الخصوصية المحلية للانخراط في المشترك الكوني. ولمّا كان هذا الأخير براديغما-Paradigme[2] أعلى وأشمل من كل تأسيس إيديولوجي آخر، كان لزاماً أنْ تتحوّل قِبْلات الجماعات إلى تبني أطروحاته مُبتعدين عن ثقل الموروث الذي تضعه الأمّة على كاهلهم. منذ هذه اللحظة المفصلية، تأسّس مساران مُتوازيان: يَسْلُكُ أحدهما المجتمع المُنفتح على القيم الكونية انطلاقاً من السياق المحلي، ويسلكُ الثاني المجتمع الراغب في العودة إلى مضامين الأمة للتّشبّث بها، والانخراط في مشروع "بعثها"، وهما لا يلتقيان أبداً.

يكون انتماء الفرد إلى المجتمع، في الغالب، على شكلين اثنين: أولهما، يمكن وصفه بأنه انتماء كامل (كلّي)، ويعتمد في جوهره على شعور وجداني بِتَجَذُّرٍ تاريخي وأنطولوجي في تلك الرقعة الجغرافية، وضمن تلك الجماعة. أما ثانيهما، فيمكن اعتباره انتماءً غير كامل (جُزئي/منقوص)، يكون في شقه المادي براغماتياً صِرفاً، وتربطه بتلك الجماعة رابطة مصالح ضرورية، وفي المقابل يكون انتماؤه الروحي عابراً لحدود المجتمع. هذا النوع الثاني من الانتماء هو ما تسببت في نشأته خطابات الأمة، دافعة بالفرد إلى أن يعيش انفصاماً بين جسد قارٍّ وقاطنٍ وروح مهاجرة.

يتفاقم اتساع الهوة بين الشعور بالانتماء الاجتماعي والانتماء الروحي والوجداني، كلّما تعالت أصوات الدعاية التي تسرق من الأفراد وعيهم بالمجتمع لصالح "حلم شمولي". حين يكون الدين هو الوسيلة التي تتم بها هذه الدعاية، ينتقل الدين، في هذه الحالة، من عنصر التئام للمجتمع إلى عنصر انفصام. وتتوزع الولاءات الروحية لأفراد المجتمع الواحد عبر بقاع العالم، وكلٌّ حسب عِلَلِ اختيار قِبْلَتِهِ، وحسب المغريات التي جذبته، فيتأسس على أعقاب ذلك شرخٌ في بنية المجتمع؛ ذلك أنه سرعان ما يتحول الولاء الروحي للخارج، إلى ولاء سياسي، في الوقت الذي ينبغي فيه للولاء الروحي ألا يتجاوز حدود المجتمع الحاضن. وقد انتبه الفكر السياسي المعاصر إلى خطورة هذه التجاذبات، وما يمكن أن تعود به من آثار سلبية على المجتمعات. فنجد أنّ هابرماس- Jürgen Habermas- مثلاً-، يدعو إلى وعي وطني ملتزمٍ بحدود المجتمع، مما سيضمن تآزراً وتوافقاً بين المواطنين.[3]

إنّ الدين، بهذا المعنى، عنصرٌ فاعل في المجتمعات، لا يمكن اجتثاثه بسهولة من النظام القيمي للأفراد، ولكن تنظيم مجال عمله أمر ممكن، ما دامت التجربة الأنوارية قد "نجحت" في رسم حدود خوض العقل في الدين، ورفع الوصاية عن الإنسان. وعليه، يمكن القول إنّ الإمكانية متاحة اليوم للتفكير في المساحة التي يغطيها الدين من مجتمعات العالم.

عاد التفكير في الدين، من منظور فلسفي، بعد أحداث 11 سبتمبر[4]، وطرح أمام المشتغلين في حقل العلوم الإنسانية إشكالية معقّدة، انبثقت عنها أسئلة عن ظروف وملابسات نشأة فكر ديني يخترق الحدود المرسومة دولياً، ويدعو إلى وحدة روحية وسياسية معيّنة، وفق تصور مطلق للأمة.

أمام بزوغ هذا الفكر، حصل انتباه جديد إلى أنّ المواثيق الدولية، كإطار قانوني عالمي، ليس أفراد العالم جميعهم يعترفون بها، مما يعني أنّ المرجعية التي انبثقت عنها مواثيق الأمم المتحدة، واختارت أن ينضوي تحتها جميع سكان العالم، تُعدّ "ظالمة" من منظور هذا الفكر الديني الذي اعتُبِرَ مسوؤلاً عن أحداث 11 سبتمبر. لقد كانت مناسبة بعث التصورات الشمولية للعالم من داخل الدين، وقيام فكر مناهض للمواثيق الدولية، دعوة، ليعود الفلاسفة أيضاً إلى فكرة "المواطنة الكونية"عند كانط-Emmanuel Kant)1724-1804م)، ولينظروا في حدود إمكاناتها الإبستيمولوجية كي تؤطّر تصوراً جديداً، ينخرط بموجبه مواطنو العالم في القيم التي تتقاسمها الإنسانية. هذا إلى جانب تصحيح التصور السياسي في التعامل مع الأقليات الدينية والثقافية داخل المجتمعات الغربية، بالإضافة إلى مراجعة طبيعة العلاقات بين الشرق والغرب. هذا بالموازاة مع محاولة تجاوز فكرة الأمة، وتخطي عقبة الوطنية التاريخية-Patriotisme historique، كي يتسنى تأسيس معنى جديد لـ"الهوية" على ضوء متغيرات العصر الحالي، وبما يضمن السلام الدائم.

حين رسم الفكر السياسي والاجتماعي المعاصر حدوداً للهوية المحلية، بما لا يجعلها في تناقض مع الهوية الإنسانية والكونية، فغاية ذلك منع كل قيام لتصور آخر للهوية قد ينشأ بينهما. ورسم حدود الهوية هو في عمقه رسم لحدود الدين، بما هو حالة ثقافية محلية، يحق لأفراد المجتمع الواحد تدبير مضامينه وفق ما يتواءم مع تطلعاتهم ويتقاطع مع الاختيارات السلمية العالمية. ومن هذه النقطة يتأسس دين كوني يحترم الخصوصية وينخرط في الكونية، ويحتفظ بجوهره الإنساني-Humaniste.

ليست للمجتمع هوية أخرى خارج حدوده، اللّهم إلا ما يتقاسمه مع الإنسانية في إنسانيتها. لا يشفع التاريخ المشترك لأطروحة تبحث عن توليفة "عجيبة" للمتناقضات باسم وجدان روحي، أو عرقي، أو لغوي. كما لا يُتصَوّرُ تأسيس وعي ديني عابر لجغرافية المجتمعات، إلا أن يكون مُرهِّبًا غير مُرغِّب، في زمن لا يمكننا فيه التصديق بوجود حقيقة لم ينتجها المجتمع المحلي، وهو أمر أشبه بإسقاطات عنيفة لمفاهيم وتصورات في غير حقلها الطبيعي، لا يترك فرصة للمجتمع كي يتصالح مع ذاته، ويشعر بوجوده، وينشئ حقائقه بنفسه، ووفق خصوصياته.

إنّ رفض شمولية الدين على المجتمعات المتقاطعة تاريخياً وعرقياً وروحياً، ليست حُجَّتُهُ في عدم كفاءة الدين نفسه، ولكن في غياب ما يضمن سلامة الفُهومِ التي سيتعرّض لها. لقد بات الحديث اليوم عن مدى صلاحية-Validité الدين على مستوى الواقع، أكثر تأثيراً، وأقرب إلى متغيرات العالم المعاصر. ولم يعد بالمُكنة تقديم المضمون الديني كمنظومة حقائق، ولكن كإطار مُتَعيّن في رقعة جغرافية محدّدة، يستطيع توفير الحد الأدنى من الوجدان للجماعة. وبهذا يكون الدين حلاًّ إجرائياً لتأطير المجتمع في حدود الممكن.


[1]- Bergson (Henri); Les deux Sources de la morale et de la religion; Cérès productions, 1993

[2]- هو مفهوم نستخدمه هنا بشكل إجرائي للتعبير عن الإطار النظري الذي يشمل منظومة متكاملة من القيم والحقائق. يمكن الرجوع إلى:

Kuhn (Thomas Samuel); La Structure des révolutions scientifiques; Flammarion, 1983

[3]- يقول هابرماس:

«La conscience nationale apporte à l’Etat territorial (…) le substrat qui lui assure la solidarité citoyenne».

Habermas (Jürgen) ; Après l’Etat-nation: une nouvelle constellation politique; Fayard, Paris, 2000. P: 52

[4]- يُلاحَظُ أن التفكير الفلسفي قد عاد بقوة لمدارسة قضايا الدين، بعد أحداث 11 سبتمبر، في ظل التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها العالم. وكنموذج عن ذلك كتاب هابرماس الذي نُشر سنة 2005م، حيثُ حاول تطوير نظرية السياسة التشاورية على ضوء الإشكالات الدينية والعلمية التي تصطدم بالديمقراطية وتشكل عائقاً أمام تحقّقها:

Habermas (Jürgen); Entre naturalisme et religion: Les défis de la démocratie; Gallimard, Paris, 2008