الديني في الثقافة أم الثقافي في الدين

فئة :  مقالات

الديني في الثقافة أم الثقافي في الدين

 الديني في الثقافة أم الثقافي في الدين*



حضور الدين في الاجتماع، وبالتالي في الثقافة، واقعة مادية يتعذّر نفيها. وبالاستقراء المباشر يبدو حضوره في الذات الإنسانية عميقاً حدّ الغريزة وعادياً حدّ البديهية. ومع ذلك، يظلّ التدين سبباً لموجات مزمنة من التوتر في الفضاء الاجتماعي الذي يعي ذاته الآن كفضاء أو مجال مستقل عن الفضاء الديني من ناحية، وعن الفضاء الفردي من ناحية ثانية.

منذ البداية، كان ثمة فضاء اجتماعي على الدوام، لا يتطابق تماماً مع الفضاء الديني ولا مع الفضاء الفردي. ولكن وعي الفضاء الاجتماعي بذاته في مواجهة هذين الفضاءين، لم يكن حاضراً بالدرجة ذاتها من الوضوح قبل المراحل الحديثة، بسبب نمط التدين الجماعي الملزم الذي فرضته المؤسسة الدينية، وهي نشأت ابتداءً في كنف الدولة ثم تحالفت معها غالباً؛ ففي التجربة العبرية التي ستلعب دور القدوة في مسار التدين التوحيدي اللاحق بدأ المعبد جزءاً من هيكل الدولة، واستمر قريباً من دوائرها حتى نهاية الحقبة الرومانية. وفي المسيحية ولدت الديانة الرسمية بمساعدةٍ صريحة من الدولة (الرومانية) حتى قبل تنصرها، ثم دخلت الكنيسة في أشكال من التحالف مع دولتها الخاصة طوال العصور الوسطى فيما يشبه تقسيم الأدوار. وفي الإسلام نصَّبت الدولة "السنية" ذاتها حارسة للدين، مؤممةً لصالحها دور المؤسسة الدينية في مراحل الخلافة القوية المبكرة. ومع تفكُّك الدولة الحارسة سنياً كانت المنظومة الفقهية التراثية قد برزت كمؤسسة ذات سلطة معنوية، ولكن الدولة ظلّت تحافظ تقليدياً على نوع من الهيمنة في علاقتها بممثلي هذه المؤسسة. المعنى هنا أن التحالف المتواصل بين المؤسسة الدينية والدولة قبل المرحلة الحديثة، أدى إلى تملّك الدين أو بالأحرى نمط التدين الرسمي للمجال العام في ظلّ مناخ عقلي وثقافي مواتي.

على المستوى العقلي أسهم نمط التفكير المثالي الذاتي الذي كرسته التقاليد اليونانية في تغييب الوعي بالاجتماعي مقابل الفردي. ومع ذلك، فإن الوعي النظري الفرداني لم يستطع أن يفرض ذاته في منطقة الدين، أعني في مقابل الهيمنة الجماعية للتدين، حيث ظلّت المؤسسة الدينية تمارس تنميط الدين في أشكال جاهزة ونهائية، فارضة بذلك سلطة قمع متواصلة على الذوات الفردية، نجحت من خلالها في تحجيم نزوعاتها الطبيعية للتعبير عن حساسية الروح.

هيمنة الديني على الاجتماعي (الثقافي) ظاهرة تاريخية لم تتعرّض لنقاش جدي طوال العصور السابقة على الحداثة، وهي أدّت إلى حجب الوعي بمشكل التوتر الذي يسبِّبه التدين داخل الفضاء الاجتماعي. من زاوية رؤيتنا المعاصرة نستطيع مباشرة رصد الوتيرة المتصاعدة لهذا التوتر، وهو يسفر عن ذاته في أشكال متعددة من الصراع والعنف. الجديد هنا ليس حضور المشكل، بل حضور الوعي به. المشكل حاضر منذ البداية في جميع صور الصراع التاريخية التي صاحبت التديُّن، وهي من الأعنف في سجل الحروب المقروء، ولهذا فهي تكشف -بالنسبة لي- عن تناقض عميق بين نمط التدين التقليدي، وبين الاجتماع الخام.

وفقاً لمصادرات العقل التوحيدي على الأقل – الدين كلي مطلق قادم من خارج الاجتماع ومن خارج الثقافة، بينما التدين – في الواقع – هو ممارسة الدين من داخل الاجتماع، ولذلك فهو في جميع الأحول ثقافة اجتماعية، وإن كان موضوعها الدين. تاريخياً كان فعل التدين يسفر دائماً عن إلحاق كتلة من الاجتماع بمنطوق الدين؛ أي يسفر عن إدخال كتلة من الثقافة ذات الطبيعة المتغيرة في نطاق المطلق المقدس؛ أي الثابت الملزم، الأمر الذي يفضي إلى صِدام ضروري مع حركة الاجتماع الخام بما أنها بطبيعتها متغيِّرة لا تقبل الثبات. بالطبع، لا معنى للحديث عن تقابل بين مجالين ثقافي وديني دون الإقرار بمفهوم "الدين في ذاته" كمطلق مفارق للاجتماع، لأنّ اعتبار الدين ظاهرة اجتماعية خالصة؛ أي من صنع البشر، كما ذهب الاجتماعيون الكلاسيكيون، يعني اعتبار الدين برمَّته منتجاً ثقافياً؛ أي القول بمجال واحد هو المجال الثقافي.

كيف تدخل الثقافة إلى بنية الدين الملزم؟

من مَدخَلين:

1- من خلال النص التأسيسي ذاته.

2- ثم من خلال الإضافات التي تتراكم عبر التعاطي مع النص بالتأويل وبالتنصيص.

1- النص التأسيسي:

أتكلم هنا عن النص الديني "الصحيح"؛ أعني النص المجمع على صحته توثيقياً داخل سياقه الخاص، القرآن مثلاً في السياق الإسلامي. هذا النص يحتوي، إلى جانب الألوهية والأخلاق الكلية، على معطيات ومضامين من طبيعة زمنية صريحة؛ فمن خلال التشريع يتبنى النص عدداً من الخيارات الاجتماعية المستمدة من الواقع، والتي تكتنز –بالطبع– في داخلها مفاهيم إقليمية وتاريخية خاصة. تبني النص لهذه الخيارات لا يعني أنها تتحوّل إلى فكرة مطلقة لها ثبات القيم الكلية، بل يعلن أنّ شقاً من البنية الدينية اجتماعي وبالتالي قابل للتطور. هذا الشق هو ما أسميه بـ "الاجتماع المنصوص" المشكل هنا في تغافل العقل الديني عن حقيقة التنوع داخل بنية النص، التي تتضمن ما هو مطلق ثابت يمكن وصفه بأنه من الدين في ذاته، وما هو اجتماعي قابل للتغير لا يجوز إلحاقة بالدين في ذاته؛ أي لا يجوز القول بتأبيده، لأن طبيعته النسبية المتغيرة، سوف تفرض ذاتها في أرض الواقع بحركة الاجتماع وقانون التطور.

بوجه عام، النص مفهوم أساسي متكرِّر في التاريخ الديني، وهو كفعل تدين، آلية مناسبة تماماً لأغراض المؤسسة الدينية في تأطير الدين وتنميطه جماعياً. يمثِّل النص نقطة الالتقاء بين الدين والاجتماع التي يمكن إدراكها مادياً وتوصيفها كظاهرة واقعية، وهي نقطة التقاء غير مباشرة قياساً إلى الحدس الذاتي الذي يمثل نقطة الالتقاء المباشرة بين المطلق والذات الفردية، حيث التدين تجربة جوانية تعكس حساسية الروح. ما من تديّن أصلاً دون مرور بهذه التجربة –التي في الحدّ الأدنى– تترك أثرها على النص، وقد تتضخّم إلى حدّ الاستغناء عن النص، كما نقرأ في المعنى العميق للتصوف فيما تنكمش مثيراتها نسبياً داخل أطر التدين النمطية المفروضة من قبل المؤسسة.

2- التأويل والتنصيص:

الإنسان هو الذات التي تتدين؛ أي التي تتصل بالدين في ذاته (الله – الأخلاق) بالحدس المباشر ومن طريق النص. يتمّ ذلك على المستويين الفردي والجماعي بشكلٍ تفاعلي مركّب. تحمل كل ذات فردية تصورها المتفرد للمطلق الديني. وعند التعامل مع النص بشقيه المطلق والاجتماعي، يتلون المضمون النصي بألوان الذوات المدركة والمعبّرة، التي تتأثر تلقائياً بإكراهات الواقع الاجتماعية ذات الطابع الكليّ. فالنص ذاته –من حيث هو بناء لغوي حامل لمضمون معرفي وتكليفي– يخضع لآليات اشتغال اللغة، وهي كائن اجتماعي خاضع بدوره لضرورات التعدّد والتطور. يعني ذلك أن الفهم الناجم عن ملامسة النص ينبصم ببصمة الذات مرتين: الأولى عند إدراكه (تلقيه داخل الذات) ولدى التعبير عنه (تعديته خارج الذات)، إذ لا يكون الشيء في ذاته بعد دخوله إلى الذات وخروجه منها هو الشيء ذاته، بل هو الشيء من منظور الذات المدركة. ولأنّ الخصائص والمثيرات الكلية للبنى الاجتماعية تلعب دوراً في تكوين الذوات الفردية، أمكن القول بوجود ذات كلية ذات قوام اجتماعي تمارس –بطريقتها– عمليَّتي الإدراك والتعبير.

نتيجة ذلك، تتراكم حول النص منظومات من الرؤى والمفاهيم والأحكام، مكوّنة ثقافة دينية أوسع من منطوق البنية الدينية التي يحملها النص. وبامتداد التاريخ التوحيدي، كانت مفردات من هذه الثقافة التي أفرزها التدين تدخل إلى منطوق البنية الدينية الملزمة، ومن خلالها تسرّبت إلى الدين عقائد وتكاليف ذات أصول ودوافع سياسية واقتصادية، فضلاً عن نزعات الغرائز البدائية التي تدفع إلى الكراهية والقتل. وهكذا أدّى التدين إلى تضخيم الدين، حيث صار ما هو اجتماعي أكبر ممّا هو مطلق في منطوق البنية الدينية، التي تعمِّم على مكوناتها، تلقائياً، صفة القداسة المؤبدة.

عبر التاريخ العام للتدين، كان الجيل الثاني (اللاحق على حقبة التأسيس) يبدأ في التحول من الدين إلى ثقافة التدين، حيث ينبثق الوعي بضرورة توثيق المواد الشفوية الصادرة عن المؤسس أو ذات الصلة به، وحيث تبدأ في التكوّن منظومات التدين النظري في الكلام والتفسير والفقه. ولكن عملية التوثيق لم تكن تُسفر عن ضربٍ من إعادة الهيكلة لبناء النص "الأصلي" فحسب، بل كانت تلعب على الدوام دوراً إنشائياً في تكوين بنية نصية جديدة أوسع من منطوق النص الأصلي. أتكلم هنا عمّا أسميه بـ "التنصيص"؛ أي اصطناع النص، أو نحل الوحي على الله عمداً، أو على سبيل الخلط الناجم عن تداخل المفاهيم.

في الحالة الإسلامية – كنموذج – كان على النصّ التأسيسي بعد إغلاقه بفترة قصيرة، أن يواجه محيطاً اجتماعياً أوسع، بمؤثرات بيئية أكثر تنوعاً وأسرع إيقاعاً. بدا النص القرآني المُتاح أضيق مساحة من حجم التطورات اللاهوتية التي أسفر عنها التمذهُب من جهة، ومن حجم الحاجات التشريعية التي أسفر عنها التوسُّع (الجغرافي) من جهة ثانية. كان ثمة حاجة إلى "نصوص" إضافية، لتستوعب فائض الحركة المتوترة للاجتماع، وهو في حالة التدين القصوى، وهي حالة متكررة في التراث الاجتماعي الديني تصاحب عادةً المرحلة التالية على التأسيس.

في الحالة الإسلامية – حيث تحوّل الصراع السياسي إلى مذهبية دينية – عبّر التدين الاجتماعي عن ذاته باستحداث نصّين جديدين، كلٌّ منهما أكبر حجماً من القرآن ومكافئ له في الحجية؛ الأول: مجموعة الروايات الآحادية التي ستُعرف نسبياً بالأحاديث، والتي سيرادف الشافعي بينها وبين مصطلح "السنة" كمصدر إلزامي متصل الإسناد بالله. والثاني: مجموع الروايات الآحادية التي أسندها الشيعة لأئمة أهل البيت. وعبر هذين النصين، انفتح الباب واسعاً أمام كتلة مباشرة من التاريخ الاجتماعي (الثقافة الإقليمية) لتدخل إلى صميم الدين الملزم. ولذلك، فعلى مستوى الديانات التوحيدية الثلاث يمكن الحديث دائماً عن حقبتين تأسيسيتين لا عن حقبة تأسيس واحدة.

والآن علينا ملاحظة الآتي:

الوعي بمفهوم "النصية" لا يكتمل إلا في مرحلة التأسيس الثانية، وهي المرحلة التي يبدأ فيها تحول الدين من روح عملي أخلاقي، شفاهي عادة، إلى ثقافة مدونة، المحور الأساسي فيها نص مكتوب. وفي الإسلام انطلقت الخطوة الأولى لهذه المرحلة من عملية جمع القرآن في المصحف، واستأنفت طريقها بتدوين الروايات. هنا صار النص موضوعاً للمعرفة، وجرى التعامل معه كمعطى ثابت (غير زمني) مقدّس في هيئته البنيوية، وقبل ذلك كوثيقة شمولية منغلقة على أحكام نهائية تشرع للمستقبل.

في التدين المنظم (المؤسسي)، يرتبط مفهوم "النص" بمفاهيم ثلاثة: مفهوم الوحي (كلام الله)، ومفهوم الكتاب (اللغة المدونة)، ومفهوم المقدس (سلطة معرفية ذات مضمون تكليفي). فالنص في النهاية: وحي، مدون، ملزم.

إسلامياً، وعلى مدى حقبة التأسيس الأولى، يصعُب القول بانطباق هذا التوصيف المثلث بشكلٍ تام على المواد الشفوية القرآنية التي كانت تنزل ملتبسة بالوقائع على نحو متقطع. وبشكل أوضح لا ينطبق هذا التوصيف على المواد الشفوية غير القرآنية التي ستكسب في وقت لاحق وصف السنة. بالنسبة إلى القرآن، فإنّ التدوين بمعنى الجمع الشامل بين دفَّتَي كتاب واحد وحصري لم يكتمل حتى عصر عثمان. كما أنّ النقاشات النقدية التي دارت حول عملية الجمع من جهة المنهج وجهة الموضوع، استمرت لفترة أطول بفعل التشقُّق المذهبي الذي نجم عن الفتنة، وظلت تلقي بظلالها لبعض الوقت، ليس على موثوقية الجمع العثماني فحسب، بل على لزومية الجمع الحصري من حيث المبدأ.

أما مفهوم السلطة الملزمة، فيحتاج إلى بعض النقاش:

ففي هذا الوقت المبكر (فترة التنزيل المتقطع)، حيث كان النصّ يلتبس بالوقائع، كان الجيل الأول يعاين الواقع والنص معاً في لحظة التفاعل. ولذلك كان يُدرك النص، باعتباره معالجة لهذه الوقائع. طول هذه الفترة لا نستطيع الجزم بتوافر وعي نظري لدى الصحابة بمفهوم الإلزام النصي كمصدر تشريعي مُسمى ومستقل عن قوة العرف. لقد توفّر الوعي بقداسة المعاني اللاهوتية المتضمنة في الآيات، والتي شكلت صلب الإيمان بالدين الجديد، وهنا مركز الثقل في التغيير الذي أحدثه القرآن. ولكن هذا الوعي، لم يكن حاضراً بالمعنى ذاته ولا بالقوة ذاتها فيما يتعلق بالنواحي التشريعية التي لم يعالجها القرآن بلائحة مسبقة، بل عالجها كحالات واقعية في سياقات مفرقة وثيقة الارتباط بالأعراف المحلية السائدة. تعاطى الصحابة مع القرآن من خلال التنزيل المنجم ترك أثره في تشكل الوعي بالنص (التشريعي خصوصاً) كمصدر لأحكام مرتبطة بالواقع؛ أي تشكل رؤية للنص أكثر واقعية (أكثر وعياً بغرضه الوظيفي الآني) من رؤية الأجيال اللاحقة على الجمع والتنظير. في هذا السياق علينا التمعُّن في النص الآتي:

"روى الطبري في التفسير عن ابن عباس: أنه لما نزلت آية الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم وقالوا: تُعطى المرأة الربع والثمن، وتُعطى الابنة النصف، ويُعطى الغلام الصغير وليس من هؤلاء أحدٌ يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة. اسكتوا عن هذا الحديث لعلّ رسول الله ينساه أو نقل له فيغيره. فقال بعضهم: يا رسول الله أنَعْطي الجارية (البنت) نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم، ونعطي الصبي الميراث وليس يغنى شيئاً. وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية. لا يعطون الميراث إلا من قاتل، يعطونة الأكبر فالأكبر" هذه الرواية تشير بوضوح إلى وعي الصحابة في هذه المرحلة المبكرة بأن الأحكام التشريعية ليست من المطلق الإيماني، بل من العادات الاجتماعية، ومن ثم فهي قابلة للنسيان، وقابلة أيضاً للمراجعة والتغيير. هؤلاء الذين أملوا أن ينسى الرسول هذه الأحكام وراجعوه فيها قصد تغييرها كانوا من الصحابة الذين يُفترض فيهم العلم بأنها منصوصة في القرآن. المنصوصية هنا لم تكن حائلاً دون المراجعة والنقاش. مجرد ورود الحكم في النص لا يحوله إلى مطلق، كما سيفهم لاحقاً من المعنى الاصطلاحي للنصية.

وسيفسر لنا ذلك الكثير من الممارسات التشريعية المبكرة التي أبدى الصحابة من خلالها نزعة اجتهادية صريحة لا تتطابق نتائجها مع أحكام منصوصة في القرآن، ممّا يمكن أن نقرأ نماذج له في الأحكام التي كان يصدرها عمر بن الخطاب من موقع الحاكم، كقرارات تشريعية واجبة الطاعة، رغم تجاوزها لدلالات صريحة في النص القرآني (راجع على سبيل المثال: موقف عمر من رجم الزاني المحصن، حظره لزواج المسلم من كتابية، موقفه من متعة الزواج ومتعة الحج، موقفه في تحريم تغطية الرأس على الإماء، وراجع أيضاً ما نقله عبد الرزاق في مصنفه عن الحسن قال: "همَّ عمر أن يكتب في المصحف أن رسول الله (ص) ضرب في الخمر ثمانين".

بحسب هذا الطرح، المشكل ليس في حضور الدين في الثقافة؛ أي ليس في حضور الدين في ذاته، أو المطلق الأخلاقي كمقدّس ملزم، بل المشكل في حضور الثقافة في الدين؛ أي في كتلة الاجتماع التاريخية التي تمّ ضمها إلى دائرة المقدس الملزم، وهو ما يعني التغول على المجالين الفردي والاجتماعي لصالح سلطة إلزام غير إلهية.

بعض الاجتماعيين المحدثين، مثل "أكوا فيفا" يتحدث عن النزعة الاجتماعية أو الوظيفة العمومية للدين، باعتبارها انبعاثاً مستجداً (من فعل الأصوليات الحديثة) يشي بأنّ الدين يتطور ليصير شأناً عاماً (عملية تطور).

في واقع الأمر النزعة الاجتماعية أصلية في الدين كما فرضته المؤسسة الدينية منذ البداية من خلال نمط التدين الجماعي. كلّ ما هنالك أنّ التديُّن المسيحي في أوروبا تراجع بعض الشيء في مواجهة المجال العام، وبدرجة أقلّ في مواجهة المجال الخاص، وذلك لأنه واجه تحدياً حقيقياً من قبل قانون التطور (تغير جذري في الهياكل الكلية الاقتصادية والاجتماعية والعقلية). كتلة الاجتماع التاريخية المتضمنة في المسيحية، والتي نشأت أصلاً في ظلّ الهياكل القديمة لم يعُد بوسعها احتواء الهياكل الجديدة، خصوصاً فيما يتعلق بالشأن العام. السهولة النسبية التي تمّ بها هذا التراجع، يمكن فهمها أكثر بالنظر إلى التاريخ الخاص لعلاقة المسيحية بالدولة؛ فقياساً إلى اليهودية والإسلام، تأخرت عملية التحالف بينها وبين الدولة، حتى نهاية القرن الرابع، كما أنها لم تتحول قط إلى اندماج عضوي كامل كما في اليهودية المبكرة أو في الإسلام، ومنذ البداية اعترفت الكنيسة للدولة بحيازة المجال العام مقابل اعتراف الدولة لها بالمجال الفردي الخاص. التحدي الذي يمثِّله قانون التطور لا يزال قائماً، ولذلك فإنّ ظاهرة المدّ الديني المعاصرة في الغرب لم تحرز أكثر من نجاح نسبي داخل الدائرة الفردية، ولم تسجِّل اختراقاً واضحاً للمجال العام. (نماذج لمحاولات بروتستانتية في أميركا لـ New Cons).

لقد ظلّ المجال الفردي لوقت طويل عُرضة للاحتواء من قبل المجال العام الخاضع باستمرار لهيمنة مزدوجة من الدولة ونمط التدين الرسمي. المواجهة التي نشبت في لحظة النهضة الأوروبية، لم تسفر عن تراجع الكنيسة فقط، بل أيضاً عن تراجع ملموس في سلطة الدولة لصالح المجال الخاص أو الحقوق الفردية. ولكن الدولة الديمقراطية، ظلت تحتل بشكل متدرج المساحة التي انسحب عنها الدين من الدائرة العامة، فيما ظلت هذه الدائرة العامة تسعى إلى اكتساح الدائرة الخاصة واحتلالها على حد تعبير "هابرماس".

تحتاج المسألة إلى قراءة مختلفة بعض الشيء بالنسبة إلى الحالة الإسلامية، بسبب التأخر النسبي لحركة التغير في الهياكل الكلية (الاقتصادية، العقلية، الاجتماعية)، وبسبب الوتيرة المتباطئة التي تجري بها هذه الحركة، وهو ما يعني أن نمط التدين السائد لا يزال يعاين مناخات اجتماعية قريبة من المناخات التي نشأ فيها، ومن هنا قوة حضوره المستمرة في الحالة الإسلامية.

سيفسر ذلك أنه: رغم حضور الدولة العلمانية كردّ فعل للتطور النسبي في الهياكل نتيجة الاحتكاك بالغرب، لم تكتمل علمانية الدولة، ولم تستطِع مع كل آليات القمع الشرقي التي توفّرت عليها، أن تحتكر لصالحها دائرة المجال العام، بل ظلت تتقاسم هذه الدائرة مع السلطة التي يفرضها نمط التدين.

التحدي، الذي يمثله التطور في الهياكل الكلية، يتصاعد ولكنه لم يصل إلى ذروته بعد. ويمكن أن نقرأ الصخب الاجتماعي والسياسي الجاريين حالياً في المنطقة الإسلامية كتعبير عن الصدام بين نمط التدين التقليدي، وبين لحظة تطور اجتماعي. نموذج صريح لديالكتيك "هيجل": التدين التقليدي لا يزال يحتفظ بعناصر قوة في ظل استمرار المناخات الاجتماعية التي أفرزتها الهياكل القديمة، بينما إيقاع التطور يزداد تسارعاً. وفي هذا السياق بالذات، يلزم أن نقرأ ظاهرة الصعود السياسي لتيارات من نمط التدين التقليدي، في مقابل مقاومة صريحة يتزايد باضطراد وعيها بذاتها كنقيض مقابل. فهذه المقاومة، تمثِّل الثقافة التي أفرزها التطور السطحي في الهياكل الكلية خلال القرنين الماضيين، وهي مرشحة للتزايد مع استمرار حركة التطور.

وفي هذا السياق أيضاً، سنقرأ ظاهرة الإحياء الأصولية ذاتها، باعتبارها ضرباً من الاستجابة الدفاعية حيال مؤثر التطور. المؤثر الذي وضع نمط التدين السائد في موقع الدفاع أمام سطوة العلم، وأفكار الحرية، وتمدد صلاحيات الدولة. وسنفهم لماذا كانت الظاهرة الأصولية في الغرب المسيحي مغايرة لمثيلتها في الشرق الإسلامي في خطابها الموضوعي كما في الآليات والنتائج، (رغم مظاهر التشابة مع بعض الأصوليات البروتستانتية في أميركا).


* هذا نص المداخلة التي ألقاها المستشار عبد الجواد ياسين في المؤتمر الافتتاحي لمؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 25 و26 أيار/ مايو 2013، مدينة المحمدية، المغرب.