الديني و السياسي عند جون روولز

فئة :  مقالات

الديني و السياسي عند جون روولز

الديني و السياسي عند جون روولز*


تحاول هذه المداخلة أن تطرح العلاقة الشائكة بين الديني والسياسي من حيث أنهما يندرجان داخل ثنائية السياسي والتفهمي Compréhensif. فإذا اعتبرنا أن خاصية التعددية هي خاصية قارة للمجتمع الديمقراطي فكيف نجعل العقد الاجتماعي محكوما بنظرية دينية أو ميتافيزيقية قد لا تكون مقبولة من الآخرين؟ أما إذا حاولنا الفصل التام «للسياسي Le politique» عن كل المصادر الدينية والميتافيزيقية فان ذلك سيعيق مفهوم الوفاق التقاطعي Consensus par recoupement من الاستفادة من ثراء المعايير التي تنطلق من الاعتقادات الدينية والتي يمكن أن تترجم في مفهوم العقل العمومي. وهو ما يحيرنا ويدفعنا إلي إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الديني والسياسي انطلاقا من التصور الليبرالي الجديد عند جون روولز.

لقد تناول روولز مسالة العلاقة بين الديني والسياسي وذاك من اجل تجاوز الصعوبات النظرية للايدولوجيا الفرنسية التي لا تميز بوضوح بين التصور السياسي والتصور ألتفهمي. فالصراع بين المجموعات الدينية في العصر الراهن يختلف عن الحروب الدينية في القرن السابع عشر والتي أدت إلي ميلاد الليبرالية الكلاسيكية عند جون لوك في رسالته حول التسامح 1689. لاشك أننا نعيش مشكلا جديدا لأنه شديد الصلة بالتثاقف Multiculturalisme المعاصر الذي ترك المجال للتنافس بين المجموعات الدينية المختلفة التي تتعارض مع اللبرالية لأنها لا تقتسم معها نفس الموروث الثقافي. لقد حافظت الدول الديمقراطية الحديثة علي هوية دينية مشتركة متمثلة في التقليد المسيحي مما جعلها بعيدة عن التناقضات الحادة التي ما انفكت تهدد تماسك بعض المجتمعات المعاصرة. يبدو إن تعدد المذاهب والمدارس الإسلامية من المغرب العربي إلي الشرق الأوسط ومن جنوب آسيا إلي الصحراء الإفريقية هو الذي يسبب الانقسام والتشتت لأنه يدعو إلى إخضاع الفرد إلي الجماعة مما يتعارض مع الديمقراطية الليبرالية. فالمشكل الأساسي داخل المجتمعات العربية الإسلامية يتمثل في تلك المجموعات المغالية التي تكون محكومة ببعض القراءات السطحية للدين الإسلامي والتي تدعي امتلاك الحقيقة الدينية إضافة إلي بعض المجموعات التي لا تبحث عن الحقيقة الدينية بل أنها تدعي امتلاك حقيقة فلسفية تجعلها تعمل علي إقصاء الآخرين. وهو ما يتسبب في العديد من الصراعات والانقسامات التي تهدد التماسك الاجتماعي مما يشكل أرضية خصبة لإمكانية الاستغلال السياسي لحالة الصراع تحت ثنائيات مختلفة مثل العلمانية والإسلام أو الشيعة والسنة...

لقد بات من الصعب أن نعمل علي الدفاع عن المساواة في الحقوق والحريات بين المواطنين ليس فقط نتيجة الاختلافات الاقتصادية والاجتماعية الثقافية بل لان هناك صراعات حادة من الناحية الدينية والعقائدية والتي غالبا ما يقع استغلالها لتصنيف المواطنين في إطار نظرة تراتبية وعمودية متعارضة مع المجتمع الديمقراطي. إن المشكل الأساسي للمجتمعات العربية الإسلامية هو مشكل المساواة بين المواطن المتدين و المواطن غير المتدين أو بين الشيعي و السني خاصة في غياب فكرة التعددية الدينية داخل الفضاء العمومي رغم حضورها الواضح في النص القرآني)[1](. قال تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" ) سورة يوسف: 118-119(. إن احترم مفهوم التعددية الدينية هو ركن أساسي من أركان مجتمع الحرية والتسامح. إلا أن هذا المفهوم كثيرا ما يتعارض مع القراءات الدينية الشمولية التي تريد أن تفرض نفسها علي كل المجتمعات غير عابئة بالحرية الدينية للأفراد. يمكن أن نؤكد في هذا الإطار علي طغيان مقولة الانتماء الديني وذلك بكل العادات والاديولوجيات التي ترافقها والتي قد تتضارب مع بناء المؤسسات الديمقراطية نتيجة غياب الحرية الفردية والنظر إلي الفرد لا ككائن مستقل بذاته بل كمجرد عضو داخل مجموعة ما بحيث أننا لا ننظر إلي الفرد إلا من خلال قربه وبعده عن المجموعة.

وهكذا تجد الديمقراطيات المعاصرة نفسها في مواجهة بعض الظواهر الثقافية الشائكة والتي تجعلها تسعي للمراوحة بين حماية الهوية الوطنية واحترام المساواة بين المواطنين رغم انتماءاتهم المختلفة. أصبحت هذه الديمقراطيات مدركة لحدودها ولقدراتها الذاتية التي لا تكاد تتجاوز التصور الكوني لعصر الأنوار الذي يؤكد على مسار العلمنة sécularisation التي وجدت نفسها عاجزة أمام عودة الديني في أشكال مختلفة. فهناك العديد من التجارب التي تؤكد فشل السياسة المعاصرة في التعامل مع عودة الديني للفضاء العام بحيث نجدها تنزلق نحو التسلط والديكتاتورية لأنها تتجرأ على إخضاع بعض المجموعات الدينية بالاعتماد على سلوك غير ليبرالي للدولة وذلك على غرار سلوك السلطة الحاكمة في تونس قبل انتفاضة 17ديسمبر 2011 والذي سعي إلي الهيمنة علي الرموز الدينية داخل المؤسسات مما جعله يعرف العديد من الانتقادات نتيجة تعارضه مع الحرية الدينية.

أما المشكل الآخر فهو الذي يتعلق بفكرة النسبية التي يمكن أن تنزلق في اتجاه الفهم الخاطئ للتسامح من حيث هو لامبالاة تجاه المجموعات الدينية والذي يمكن أن يؤدي إلى الانقسام واستحالة التعايش بين هؤلاء المجموعات وهو ما عرفته المملكة المتحدة والذي تسبب في مرحلة متقدمة في الأحداث العنيفة لجويلية 2005. إن الفلسفة السياسية في حاجة إلى تجاوز حالة الانقسام بين المجموعات من خلال التفكير في التعايش عبر التعاقد بين هذه المجموعات. فهل يمكن أن نصل إلى مسار وسطي يراوح بين إكراه الدولة وبرغماتية التعايش بين كل المجموعات؟([2])

لا شك أن المشكل لا يرتبط فقط بالاختلافات الثقافية المتعلقة بفهم الإسلام بل كذلك بطريقة تصورنا للاندماج بين هذه المجموعات داخل الدولة الديمقراطية. فالمشكل الأساسي حسب روولز لا يتعلق بالإسلام بل بعجز الليبرالية عن فهم خصوصية الظاهرة الدينية.

يعتبر روولز أن أعظم رهان معاصر للديمقراطيات الليبرالية و التعددية هو تغيير نظرتنا للمواطنين المتدينين إذ يعتبر أن المشكل الأساسي هو المبالغة في الدفاع عن الدولة اللائكية بالرجوع إلى أسس فلسفية مثل العلمانيةsécularisme في حين أنها ليست السبيل الوحيد إلى ضمان التعايش الديمقراطي بين المجموعات المتصارعة. وهكذا يدعو روولز إلى تجديد فهمنا لليبرالية من خلال الوقوف على المشاكل الأساسية التي يمكننا تلخيصها على النحو التالي:

أولا: تعاني الليبرالية من تلك النزعة الشمولية التي تعمل على تأسيس الاتفاق السياسي على قيم فلسفية وأخلاقية ودينية مرتبطة بنظريات تفهميه تتجاوز حدود ما هو سياسي([3]) تجاه ما يشمل كل مجالات الحياة.إن مشكل التصور الليبرالي الكلاسيكي هو الارتباط الدوغمائي بالحقيقة الدينية والفلسفية ذلك أن الحوار السياسي في المجتمعات المعاصرة يعاني كثيرا من ادعاء البعض امتلاك الحقيقة وكل ما ينجر عن ذلك من استعراض البراهين الفلسفية والمذاهب الدينية التي لا تتعايش مع العقل العمومي لأنها تبقى سجينة النظريات النخبوية المغلقة والشاملة، إذ أن المشكل الأساسي هو التعويل على اللائكية من حيث بناءها الداخلي الذي يرتبط أساسا بالإبستيمولوجيا الوضعية التي هي عبارة عن نظرية فلسفية لائكية غير منسجمة مع طرق البرهنة للعقل العمومي.([4])

ثانيا: يكمن المشكل الثاني لليبرالية في كونها عاجزة عن مراعاة مطلب التعددية المذهبية والثقافية لأنها تعتقد أن العلمانية sécularisme هي السبيل الوحيد لبناء الدولة الديمقراطية. فهي عاجزة عن الانفتاح على الآخر.

وهذا لا يعني الدفاع عن الغيرية المطلقة التي تؤكد على التسامح من حيث هو لامبالاة أي أن المشكل الجوهري لليبرالية المعاصرة يرتبط بشكل وثيق بادعاءات فلسفة الانوار المتمثلة في البرهنة علي الحقيقة الكونية للمبادئ وهو ما يحيرنا ويجعلنا عاجزين عن إدراك إمكانية التوفيق بين أولوية الحرية الإنسانية وغياب الحقيقة دون الانزلاق في مخاطر النسبية واللامبالاة التي تعيقنا عن إدراك المعنى الحقيقي للتسامح الديني.

فإذا اعتبرنا أنه لا يمكن إجبار المواطنين على التوافق حول مبادئ دولة الحق فلا بد من الحوار مع المذاهب الدينية المختلفة وذلك عوض إقصاءها من الفضاء العمومي مما يفتح المجال أمام إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة.([5])

ثالثا: يمكن أن نعتبر أن الليبرالية الكلاسيكية لا تحرص بشكل كاف على فهم الظاهرة الدينية وخاصة الظاهرة الإسلامية.ويرجع ذلك إلي اللامبالاة التي ينظر بها الفكر الليبرالي إلي ما هو ديني مما يترك العنان لذلك الفهم المحدود للتسامح نظرا لعجزه عن الاعتراف بالغير والحوار الحقيقي معه.

ينطلق روولز من هذه العيوب من أجل الدعوة إلى فهم الأديان والمذاهب الدينية إلى جانب الاكراهات التي تفرضها هذه الأديان على الأفراد والتي قد تبدوا لنا متعارضة مع القيم الديمقراطية. فلا بد اللبرالية أن تفتح أفاقا جديدة حول نظرتنا للدين وهو ما يحاول روولز توضيحه من خلال تحليله للانسجام بين الإسلام والديمقراطية.([6])

كل ذلك يتطلب مقاومة الأوهام النظرية التي تتجاهل إمكانية التقارب بين الشعوب والثقافات والأديان المختلفة. فالإسلام ليس غريبا عن الأديان الأخرى وهو ما يمكن أن نلاحظه في فترة العصر الذهبي الأموي في الأندلس نتيجة وجود قواعد مشتركة بين كل الأديان التوحيدية.

وعلى كل فلئن كان لا بد من تغيير نظرة الفكر الليبرالي تجاه ما هو ديني ومحاولة فهم آلياته التي قد تنسجم مع الديمقراطية فلا بد كذلك من تجديد قراءاتنا للقرآن والسنة من أجل التأكيد على التأويلات التي تنشد الانسجام مع الديمقراطية من خلال المشاركة في الاتفاق السياسي الذي يبقى مستقلا عن المذاهب الدينية والفلسفية رغم تعويله على البراهين الدينية والفلسفية التي يمكن أن تبرر العقد الاجتماعي أي أن روولز يشترط في آخر المطاف إرجاع الليبرالية والمذاهب الدينية إلى كل متطلبات العقل العمومي والحوار السياسي العمومي. وهكذا فإن روولز يرفض بناء المجتمع الديمقراطي على أي نظرية دينية أو فلسفية تتجاوز حدود ما هو سياسي وهو ما يفسر نقده لللائكية.

فماهي خصوصية النقد الروولزي لللائكية؟

وهل يمكن لللائكية أن تساعد الليبرالية على فهم ظاهرة العودة إلى «الديني» ؟

يرتبط مفهوم اللائكية laïcité بالتاريخ السياسي الفرنسي([7]) إذ أن الليبرالية لا تعتمد إلا على مفهوم العلمانية sécularisme من اجل التأكيد على النموذج السياسي الذي يضمن الدفاع عن حرية المواطنين والمساواة بين كل اعتقاداتهم الدينية إلى جانب السلم المدني والفصل بين الدولة والكنيسة.

يعتبر روولز إن المشكل الأساسي هو مشكل تبرير الدولة للديمقراطية داخل سياق جديد يتميز بتعدد الثقافات والمذاهب الدينية.

فالليبرالية الجديدة لا ترفض الدولة اللائكية بل أنها تريد إعادة النظر في طريقة البرهنة على هذه الدولة بحيث يمكن أن تتحرر من سيطرة النظريات التفهمية Compréhensive من أجل الانفتاح على خاصية التعددية([8]). لقد نشأت اللائكية داخل فلسفة الأنوار إذ أنها شديدة الصلة بالتيار الوضعي الذي نشأ في القرن التاسع عشر وهو ما يفسر ارتباطها الوثيق بالمذاهب الفلسفية التفهمية.([9])

دافعت الليبرالية منذ نشأتها في القرن السابع عشر عن تصور براغماتي للعلمانية والذي يطلب من الدولة إن تستقل بنفسها عن الصراعات الدينية وذلك بالتأكيد على ضرب من الحياد neutralité الذي يجعلها لا تنطلق إلا من القيم المشتركة التي يمكن أن تكون موضوع اتفاق بين أغلبية أفراد المجتمع الواحد. لم يكن هذا الفهم للعلمانية مغاليا في التأكيد على الطابع الفردي للدين بحيث انه لم يكن قط يطمح إلى إقصاء الدين بشكل تام عن الفضاء العمومي وان لا يكون له أي تأثير أخلاقي على الحوارات التشريعية بل إن هدفه الأساسي هو تنظيم ومراقبة هذا الدور الذي يلعبه الدين وذلك من اجل عدم الانجرار إلى إقصاء ثقافة الأقليات ومعتقداتها والتأكيد على المساواة بين كل التصورات الفردية للخير.([10])

وبالتالي فان المشروع الأساسي للدولة اللائكية يتمثل في رفض استبداد الأغلبية مما يفسر نقده لكل دولة لا ترى في نفسها سوى مجرد تعبير عن الأغلبية. إن هدف الدولة اللائكية هو الدفاع عن المساواة في الحرية بين كل المواطنين وذلك رغم انتماء بعضهم إلى الأقليات الدينية. لم يمنع هذا الطابع البراغماتي الليبرالي من الانزلاق في ضرب من التبرير الذي سيكون موضوع دراسة ونقد من طرف جون روولز.

لقد كان تبرير العلمانية مشابها لطرق تبرير اللائكية الفرنسية لأنه ينطلق من مبدأ الوحدة المطلقة عند الفلاسفة. يمكن أن نشير إلى تأكيد العلمانية الليبرالية على فكرة حياد الدولة وذلك دون إقصاء الدين من القضاء العمومي. إن هدف الدولة اللائكية هو أن تكون محايدة تجاه كل الأديان والمذاهب الدينية وهو ما يجعلها تعتمد على الفصل بين الدولة والكنيسة من أجل ضمان عدم تدخل الأديان في المجال العمومي. إلا أنها من جانب آخر تتناقض مع نفسها. فلئن حاولت أن تفتح الفضاء العام لكل المفاهيم والاعتقادات من خلال التأكيد على التسامح الديني والمساواة بين كل الأديان والمذاهب فإنها من جانب آخر قد عملت على تهميش سلطة الأديان من اجل تشريع مسيرة الإنسان نحو الحداثة والتقدم.

وهكذا فلابد من العودة إلى جون روولز من اجل دراسة فكرة الحياد الاكسيولوجي للدولة اللائكية تجاه الأديان المختلفة.

يمكن أن نذكر بان هناك فكرة أساسية داخل التفكير الليبرالي وهي ضرورة امتناع الدولة عن تفضيل مذهب عن آخر، لكن هذه الفكرة الأساسية لم تكن حاضرة على الدوام داخل الفكر الليبرالي لأنه يميل في جذوره العميقة إلى ضرب من الفر دانيةindividualisme ([11]).

كيف يمكن آن نفهم الحياد الاكسيولوجي للدولة؟

يثير مصطلح الحياد Neutralité العديد من المفارقات نتيجة عدم انسجامه مع مقتضيات الفعل السياسي الذي يفترض اتخاذ بعض القرارات الحاسمة التي تجعلنا نجزم بأنه لا وجود لحياد مطلق في مجال السياسة.

يفهم جون روولز الحياد السياسي على انه حياد إجرائي procédurale لأنه يقتصر على المسارات المعتمدة في التعاقد حول مبادئ العدالة. يعول روولز على الحياد الإجرائي من اجل تجاوز حالة الفراغ بين المجموعات الدينية أو بين المجموعات الدينية والدولة ويدعونا إلى أن لا ننطلق من القيم الأخلاقية بل من القيم السياسية مثل الحياد والكونية (impartialité) والانسجام في تطبيق القانون إلى جانب المساواة في التعامل مع الأطراف المتصارعة.

يبدو أن قانون الفرنسي (2004) حول الحجاب عادلا في تعامله مع الديانات الثلاث الكبرى التي عرفتها الإنسانية إذ يمكن أن نستنتج حياد الدولة في تطبيقها لنفس القانون على كل الديانات.

إلا أن هذا الحياد لا يعدو أن يكون سوى حيادا ظاهريا لأن هناك مغزى خفي يهدف إلى استبعاد الرموز الإسلامية التي تختلف في معانيها وأبعادها عن الرموز الدينية الأخرى. فرغم أهمية هذا الحياد الإجرائي فلا شك انه لا يضمن معاملة كل المواطنين بشكل متساوٍ.

يمكن أن نجد طريقة أخري نعرف بها حياد الدولة وهي إن نفهمها في علاقة بأهداف السياسات العمومية وبالقيم التي تفترضها. لابد أن نشير إلى انه ليس هناك أهدافا محايدة في السياسة وخاصة دفاع الدولة اللائكية على ضرورة تحرير الفضاء العمومي من التأثيرات الدينية. فليس هناك أي معنى لحياد الأهداف في هذا المجال لان الديمقراطية ستلتزم بالدفاع عن المساواة في الحقوق والمساواة في الحرية للمتدين ولغير المتدين كما أنها ستدافع عن تصور جوهري للعدالة يمكن أن يجعلها متعارضة مع الاعتقادات الدينية والفلسفية([12]) وهذا لا يعني غيابا مطلقا للوسائل المحايدة التي يمكن أن توجد إذا ضمنت الدولة فرصا متساوية للجميع في تحقيق الغايات الأخلاقية والدينية وامتنعت بشكل جدِّْي عن تفضيل إيديولوجيا عن إيديولوجيا مغايرة. يمكن أن نشير في مرحلة ثالثة إلى علاقة الحياد بغايات السياسات العمومية التي لا تفضل مجموعة دينية عن أخرى. وفي هذا الإطار نؤكد انه لا وجود لحياد وخاصة عندما تتجه هذه السياسات إلى التعاون بين الجميع. فرغم حياد هذه القيم المذكورة فلا شك أنها ستؤثر في فرص نجاح بعض التصورات الدينية على حساب غيرها من التصورات.

يمكن أن نضرب مثال شخص ما يجد سهولة في الاندماج والنجاح داخل المجتمع بفضل انتمائه إلى مجموعة دينية محددة. وهذا يعني أن الأفراد الآخرين سيجدون أنفسهم مضطرين إلى تفضيل تصور ديني على تصور ديني آخر وهو ما يفتح المجال أمام عدم تكافئ الفرص بين المذاهب الدينية المختلفة([13]) لأن الأفراد سيفضلون المذاهب الدينية التي تساعدهم أكثر على الاندماج داخل المجتمع.

وبالتالي فإن المشكل الأساسي حسب روولز هو مشكل الأقليات الدينية التي يمكن أن ترصد بسهولة عدم تكافئ الفرص بينها وبين المجموعات الأخرى مما يجعل تصوراتها الدينية والثقافية مهددة بالتلاشي والانقراض رغم أنها تعيش داخل مجتمع ديمقراطي يرتكز على الحرية الدينية والمساواة بين الرجل والمرأة، وهو ما يؤكد أن فكرة الحياد لا تكفي من اجل تبرير الدولة اللائكية مما جعل روولز يبحث عن قراءة جديدة لليبرالية التي نشأت مع لوك ومنتسكيو من اجل تجديد طرق البرهنة على الدولة اللائكية وذلك بالتخلي عن الكونية الميتافيزيقية المغالبة في وحدتها وتجريدها من اجل التأكيد على التعددية أي الانفتاح على الحوار بين مختلف التصورات وطرق البرهنة داخل الثقافة العامة للمجتمع الديمقراطي([14]).

وهكذا فان احترام التعددية و"عدم الخضوع إلى أي نظرية عامة وشاملة" هو مصدر مشروعية الدولة الديمقراطية.

فعوض إقصاء التصورات الدينية من الفضاء العمومي بتعلة الحياد الالكسيولوجي لابد من احترام المساواة الحقيقية بين المواطنين رغم اختلاف انتماءاتهم الدينية والفكرية مما يترك المجال لضرب من إيتيقا النقاش المطبقة على الحوار بين المتدينين وغير المتدينين.([15])

وهذا يعني أن التصورات اللبرالية المغالية لم تكن على صواب لأنها اعتقدت أن الحل الوحيد الذي يجب أن ينتهي إليه هذا الحوار بين المتدينين و غير المتدينين هو اللائكية.

أما روولز فيرى أن اللائكية ليست الحل الوحيد الذي يُمَكن من تجاوز الصراع بين التيارات المتعارضة كما أن المجتمعات غير المتدينة لن تكون بدورها قادرة على تجاوز الخلاف الحاد بين المتدينين واللائكيين وهو ما تؤكده التجربة التاريخية داخل الديمقراطيات المعاصرة. يدعونا روولز إلى التخلي عن اللائكية من أجل التأكيد على التعددية من حيث إنها ظاهرة قارة للمجتمع الديمقراطي. فهو يعقلنها ويميزها عن النسبية والريبية فكما أن احترام تعدد القيم لا يؤدي ضرورة إلى النسبية فإن تحديد الهوية الوطنية على أنها هوية متعددة ومتنوعة لا يهدد تماسكها الداخلي بقدر ما يحررها من النزاعات الدغمائية التي تنادي بالصفاء الجهوي والعرقي والثقافي والديني.

نستنتج من ذلك أن إيتيقا النقاش المطبقة على طبيعة العلاقة بين المتدين وغيرالمتدين تفترض التركيز على التعددية الديمقراطية التي يبدوا أنها وحدها القادرة على الانفتاح على التنوع الديني والثقافي([16])، فهي العمود الرئيسي للديمقراطية لأنها لم تعد تعتبر مجرد مرحلة عرضية لا بد من تجاوزها بل هي حسب روولز نتيجة طبيعية لفعل العقل الإنساني داخل سياق المؤسسات الحرة و المستقرة.([17])

فكيف يمكن أن نفهم العلاقة بين الدين والديمقراطية؟

لقد ساهم النقد الروولزي للعقل الفردي monologique في تطوير الفهم الليبرالي ألتعددي للعلاقة بين الدين والعقل. هناك فكرة تفهم الإنسانية على أنها تعدد في الثقافات و طرق العيش والقيم وان العقل الإنساني هو بالضرورة عقل تواصلي وحواري لا عقل فردي وكوني. فإذا ركزنا علي مفهوم العقل العمومي فان كل الأديان يمكن أن تعتبر مذاهب معقولة raisonnables لأنها قادرة على تقديم البراهين التي يمكن أن تكون مقبولة داخل الفضاء السياسي خاصة إذا تجنبت إدعاء امتلاك الحقيقة.

إذا انطلقنا من ثراء العقل التواصلي ومن احترام تعددية القيم فلاشك أن الانتماء الديني ليس محل ريبة لأنه يمكن أن يكون له معنى داخل المجتمع الديمقراطي. فيجب أن نعتبر الأديان حسب روولز عبارة عن مذاهب معقولة يمكن أن تتفاعل بشكل خلاق مع نموذج العقل العمومي([18]). إن المذاهب الدينية التي تنخرط في العقل العمومي هي مذاهب معقولة raisonnables لأنها قادرة على المساهمة بشكل لإيجابي في الحوار الهام الذي يبحث عن الخير العمومي بالاعتماد على براهين مقبولة من طرف الآخرين. فهناك تحول حاسم في تعاملنا مع الأديان داخل الفضاء العمومي وذلك بالمقارنة مع العلمانية التي تبقى حسب روولز عاجزة عن بناء أسس الوفاق السياسي. ينطلق روولز من تمييز معروف عند كانط بين المعقول raisonnable والحقيقي vrai والذي يمكن أن نجده بشكل مغاير عندها هابرماس. تتكون الأديان من الاعتقادات والقواعد والأوامر والتعليمات والطقوس التي تنشد بلوغ الحقيقة. وهي تعبير عن العقل ألبرهاني لا بمعنى الأداة الكونية التي تبحث عن الحقيقة بل من خلال ذلك المجهود الذي يعتمد على براهين صادقة داخل الفضاء العمومي أي التعويل على حجج مقبولة من أجل الدفاع عن وجهات نظر قد تكون غير منسجمة مع بعضها البعض. وهذا يعني أن روولز يحاول إدماج الأديان داخل الحوار العمومي وذلك بالتعويل على فهم خصوصي للعقل raison discursive من حيث أنه تفاعل متبادل بين أطراف مختلفة réciprocité.([19])

لقد حاول روولز إدماج الأديان داخل الحوار العمومي وخاصة الأديان السياسية التي تكون قادرة على استعمال خطاب مفهوم ومقبول من قبل الآخرين وذلك مراعاة لما يسميه روولز واجب المدنية devoir de civilité ([20]) أي عدم الاكتفاء بالبراهين الدينية في طرحنا لبعض قضايا الشأن العام ([21]) فلا بد من التعويل على العقل العمومي الذي يؤكد علي الحوار والتواصل بين التصورات الفكرية والدينية المختلفة. والمعقول عند روولز هو القدرة على التعويل على العقل العمومي وعلى احترام واجب المدنية إلى جانب الانفتاح على التعددية الدينية.لا ينم تركيز روولز على ما هو معقول عوض ماهو حقيقي عن أي موقف ريبي باعتبار أن روولز لا يرفض وجود الحقيقة فهو لا يضع محل شك حقيقة الاعتقادات الدينية داخل الفضاء العمومي غير أنه يفضل أن يركز المتدين على أهمية ما هو معقول raisonnable في بناء التوافق السياسي. وهنا يجب أن نؤكد أنه لا يجب على النقاش العمومي أن يركز على القيم لأنه في هذه الحالة سيستمر إلى ما لا نهاية له دون أن يكون قادرا على الوصول إلى نتيجة محددة وذلك نظرا لتجاوزه لماهو سياسي بالمفهوم الروولزي للكلمة فعوض التركيز على القيم لا بد من الاهتمام بالبراهين والحجج التي هي في الحقيقة غير متعارضة مع القيم.

وهكذا فإن القيم الدينية في ذاتها غير قادرة على بناء اتفاق سياسي لأنها في حاجة إلى الحجج التي تؤسسها والتي يمكن أن تكون موضوع توافق كوني.

إن المسائل الأخلاقية الصعبة لا يجب أن نبحث لها عن حلول بالعودة إلى نظرية دينية أو فلسفية جامعة لأنه من المستحيل أن يحصل إجماع حقيقي حول أي نظرية ما وهوما يبرر ضرورة العودة إلى تصور مشترك لدولة الحق والعدالة على شرط أن يعمل العقل العمومي على شرحه وتأويله بشكل كاف. أما الحجج التي تعتمدها الاعتقادات الدينية فلا بد من إعادة صياغتها داخل خطاب يفهمه الآخر ويعترف بصدقه رغم أنه لا يتفق معه في مستوى النتائج التي يمكن أن يؤدي إليها.

وبالتالي فإن الأديان حسب رولز هي عبارة عن مذاهب معقولة خاصة إذا تفهم أصحابها أهمية الاعتماد على حجج تتجاوز نظرتها الخصوصية ومنطقها الداخلي من أجل الانفتاح على المجتمع السياسي بشكل واسع. إن هذا الفهم للعلاقة بين الدين والسياسة هو تعبير صادق عن أولوية التسامح داخل الليبرالية السياسية الجديدة عند روولز. فهناك سعي واضح إلي الانفتاح على تنوع وتعدد طرق التفكير والفهم والاعتقاد وذلك انطلاقا من إيتيقا نقاش تعترف بقدرة كل المذاهب والتيارات الدينية والفلسفية على التحاور والتعارف وتبادل الحجج والبراهين.

يمكن للمواطن المتدين كغيره من المواطنين أن يدافع عن وجهات نظره بكل حماس وأن يحترم وجهات نظر الآخرين رغم عدم اتفاقه معها بحيث يمكن لجميع المواطنين أن يعيشوا تجربة جديدة يتدربون فيها على شروط المواطنة دون إقصاء الآخرين وتهميشهم. لقد حاول مؤلف نظرية العدالة أن يبين أن الوعي أللائكي هو شرط غير كاف من اجل التعاون والتسامح و الصداقة المدنية. لابد أن نتعلم كيف نعتبر الخلافات الدينية خلافات معقولة لأنها تدور بين كائنات حرة ومتساوية. وهو ما يشترط قراءة نقدية للعقل في ذاته بحيث ننتهي إلي رفض النزعة العلموية والنزعة العقلانية المتحجرة. فهناك دعوة خفية إلي الاعتراف باللوغوس المحايث للأديان إلي جانب إدراك منزلة الدين داخل الحداثة. وهو يدعو الباحثين إلي التركيز علي مفهوم التعددية الديمقراطية الذي يجعل الفضاء السياسي العمومي قابلا لاستيعاب كل المذاهب والتصورات الفكرية والأديان المختلفة وذلك بالتركيز علي دور العقل العمومي في المصالحة بين وجهات النظر المتخالفة مما يفتح المجال لضرب من الاستقرار السياسي الذي يراوح بين الوحدة و التعدد.

أما النتيجة الثانية التي نستنتجها من تركيز روولز علي التعددية الديمقراطية بدل مفهوم اللائكية فهي سعيه الواضح إلي تدعيم ففكرة المواطنة والصداقة الوطنية. تبقي المواطنة مسؤولية ثقيلة وهي مسؤولية فاعلة رغم أنها تختار الامتناع عن الفعل في بعض الأحيان. وهي المحرك الأساسي للمشاركة في اختيار السلطة الحاكمة. يجب أن نتجنب الانزلاق في إقصاء الاعتقادات والمذاهب الدينية من دائرة الفضاء العام. فمن المستحسن أن نتصالح مع المواطنين المتدينين وان نعتبرهم مكون أساسي من مكونات المجتمع مما يجعلهم يتصالحون بدورهم مع الجميع بما في ذالك الفئات التي لا يقتسمون معها نفس الأفكار. إنها الطريقة الوحيدة التي تمكننا من بناء توافق سياسي هو ابعد ما يكون عن توجه غير ليبرالي للدولة أو مجرد تحالف وقتي بين الأديان أو بين المواطنين المتدينين والمواطنين غير المتدينين. وهي دعوة صريحة إلي عدم التفكير في التعاقد لاجتماعي وفق منطق الغلبة أو توازن القوي بين الأطراف المتعارضة لان مثل هذا التعاقد لن يستطيع الصمود أمام فعل الزمن و تبدل المصالح.

المراجع:

1-Amselle,J.L, Vers un multiculturalisme français, Paris , Aubier, 1999

2-Audard, Catherine « John Rawls et le concept du politique », publié in Justice et démocratie, p13.33, « Pluralisme et consensus: Une philosophie pour la démocratie ? », in Critique, n 505, 506,1988 et « John Rawls et les alternatives libérales à la laïcité », Raisons politiques, 2, 2009(n 34), p101-125

3-Bauberot, Jean, La laïcité, quel héritage? Genève Labor et Fides, 1990 et Cécile Labore, Critical Republicanism, The Hijab Controversy and political philosophy, Oxford University Press, 2008

4-Bayard, J ,F, L’illusion identitaire, Culture et Conflit, 1996

5-Dumont, L, Essais sur l’individualisme, Paris, Seuil, 1983

6-Fleury, Cynthia, Dialoguer avec l’orient, P U F, 2003

7-Gerard Noiriel, A quoi sert l’identité nationale, Marseille, Agon, 2007

8-Habermas, J, (Religion in the Public Sphere), European Journal of philosophy, vol, 14, no 1, avril, 2006

9-Malek Chebel, Islam et libre arbitre ? La tentation de l’insolence, Ed.Dervy, 2003.

10-Rawls, John, Théorie de la justice, trad, de langl.par Cathérine Audard, Paris, Seuil, 1987. Libéralisme politique, Paris, P U F, 1995. The Idea of Public Reason Revised (P R R). Universty of Chicago Law Review, vol 64, 1997

11-Reza Aslan, No god but god, Londres , Random. House, 2005

12-Taylor, Charles, (Modes of secularism), in Rageev Bhargava(dir), Secularism and its Critics, Oxford, Oxford University Press, 1998.

13-Tocqueville, A, De la démocratie en Amérique, Paris, Grannier Flammaron, 1997

14-Zarka, Yves charles, Difficile tolérance, Paris, P U F, 2004


*- نص المداخلة الذي ألقي في الندوة التي نظمتها مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث تحت عنوان:"الديني والسياسي وإشكالية الدولة الحديثة"، بتاريخ11-09- 2013، تونس.

[1]- وردت عبارة التعددية في القران علي معنيين. معني مذموم ومنهي عنه، ويقصد به التنازع الذي يؤدي إلي التفرقة والشقاق والبغي، ومعني محمود مطلوب ويقصد به التعدد والتنوع الذي من شانه أن يثري الحياة في كل مجالاتها ويؤدي إلي التعارف والتفاعل مع الآخر المغاير وتبادل التجارب معه.

[2]- « Le débat sur la citoyenneté a fait rage au royaume –uni depuis les attentats de 2005 à Londres ». « Catherine Audard , John Rawls et les alternatives libérales de la laïcité », Raisons politiques, 2, 2009(n 34) p 101

[3]- يعرف روولز مفهومه » للسياسي « من خلال التركيز على ثلاث خصائص جوهرية (أ) كل ما تربطه بتنظيم نسق المؤسسات الأساسية:

(ب) كل ما هو مستقل عن النظريات الشمولية والتفهمية.

(ج) ما يمكن صياغته انطلاقا من الثقافة العامة للمجتمع الديمقراطي.

[4]- Rawls, John, The idea of public reason revisited, (PRR) University of chicago law review vol 64, 1997, P148

[5]- Il faudrait rapprocher des positions défendues par Rawls celle de Habermas dans (Religion in the public).

[6]- Voir PRR page 151, note 46 ou Rawls analyse les travaux de Abdullahi Ahmed An-Naim:

« La connaissance mutuelle que les citoyens ont de leurs diverses doctrines religieuses reconnait que les bases de l’allégeance à la démocratie se trouvent dans des ces doctrines. Ainsi L’adhésion à l’idéal démocratique se fait pour de bonnes raisons ».(PRR, p153).

[7]- Jacques Zylberberg, « Laïcité, connais pas: Allemagne, Canada, Etats-Unis », Pouvoirs, vol. 75, 1995, p37.52.

[8]- « Le sécularisme raisonne en termes des doctrines compréhensives. De telles doctrines sont trop larges pour servir les buts de la raison publique. Les valeurs politiques ne sont pas des doctrines morales (…) qui sont de même nature que la religion ou la philosophie première ». (PRR, p143).

[9]- PRR, 166

[10]- PRR, p166

[11]- Rawls, John, Libéralisme politique, PUF, Paris, 1995, 235, 239.

[12]- Rawls, John, Débat avec Habermas sur la justice politique, Paris, Le cerf, 1997, p121-127

[13]- «Si un régime constitutionnel prend certaines mesures à fin de renforcer les vertus de tolérance et de confiance mutuelle en s’opposant par exemple aux diverses formes de discrimination religieuse et raciale, il ne devient pas pour autant un Etat perfectionniste au sens de Platon ou d’Aristote et il n’établit pas non plus une religion particulière comme religion d’Etat ». L.P, 239

[14]- Reza Aslan, No god but God, Londres, Random House, 2005, p262

[15]- Taylor Charles, « Mode of secularism » in Rajeev Bhargava (dir), Secularism and its Critics, Oxford, Oxford University Press, 1998

[16]- Voir Jean Baubérot , La laicité: quel héritage ? De 1789 à nos jours, Genève, Labor Fides, 1990

[17]- Rawls, John, L P, oc, p13

[18]- Rawls, John, PRR, p260, note 1

[19]- Ibid,p132

[20]- PRR, p135

[21]- «Par exemple, dans la lutte contre le droit à l’avortement, il est exclu de faire appel à des arguments tirés des commandements religieux ». Catherine Audard « John Rawls et les alternatives libérales à la laicité », Raisons politiques, 2/2009.(n° 34) , p101-125