"الرؤية التداولية للتراث في مشروع طه عبد الرحمن الفكري" من سياسة الخطاب إلى منطق الخطاب

فئة :  مقالات

"الرؤية التداولية للتراث في مشروع طه عبد الرحمن الفكري" من سياسة الخطاب إلى منطق الخطاب

"الرؤية التداولية للتراث في مشروع طه عبد الرحمن الفكري"

من سياسة الخطاب إلى منطق الخطاب


لقد ساهم طه عبد الرحمن، من أفق عربي إسلامي، في بلورةِ فلسفة تداولية ستعيد النظرَ في اْسباب تعطل العملية الإبداعية في ثقافتنا العربية الإسلامية المعاصرة، عبر تشخيص ونقد المشاريع الفكرية المحلية من جهة، وتشريح المقولات المركزية في الفكر الغربي من جهة أخرى، من خلال اْداة منطقية رصينة تجمع بين الآليات المنهجية والمعرفية التراثية وبين مستجدات الثقافة الغربية، إذ أبدع رؤية جديدة مؤطرة بنزعة تداولية تجعل من مفهوم المجال التداولي بؤرة أساسية لمشروعه الفلسفي. فما هي خصوصية تداولية طه عبد الرحمن؟

إن الجوابَ على هذا السؤال جدُّ صعبٍ، لكن سوف نثير بعض القضايا التي وقع عليها طه عبد الرحمن وميزته داخل دائرة المبدعين في ثقافتنا. فأول ما بدأ به مشروعه هو تفكيك المفاهيم وإنتاج مفاهيم أخرى تنطلق من المجال التداولي وخصوصياته سواء أكانت عَقَدية أم معرفية اْم قيمية، فلا يمكن أن يكون أي إبداع في الفكر أو الفلسفة إلا استجابة لهذه المقتضيات التي تشكل فيها اللغة منطلقها الأساسي؛ فالمجال التداولي يشمل اللغة المستعملة والثوابت العقلية، وجانبًا من الممارسة المعرفية، إذ يكون العمل الذي تختص به هذه العناصر حاصلاً بالتراكم ومتغلغلاً في تاريخ المجتمع.[1] وعلى ضوء هذه الفكرة قرأ التراث العربي والغربي، وكشف عن دور اللغة في إبراز إمكانات التفكير والإبداع سواء داخل ثقافتنا أم خارجها.

يترجم طه عبد الرحمن تداوليته اِجرائيًّا من خلال مفهوم المجال التداولي ومختلف القضايا المرتبطة به والمتحكم فيه، فماذا نعني بالمجال التداولي؟ وما هي أصوله؟ وكيف يشتغل لبلورة فلسفة تبدد أصول النزعة المركزية الغربية وكل نزعة كونية؟ يعتبر المجال التداولي في نظر طه عبد الرحمن نطاقًا مكانيًا وزمانيًا لحصول التواصل والتفاعل،[2] حيث يحمل كل ما يرد عليه من ألوان الثقافة ومظاهر الحضارة على التبدل بحسب مقتضياته التواصلية والتفاعلية، انطلاقًا من ثلاثة أسباب: لغوية وعقدية ومعرفية. فاللغة من أقوى الأدوات التي يستخدمها المتكلم لتبليغ مقاصده إلى المخاطب وللتأثير فيه بحسب هذه المقاصد، وبقدر ما تكون هذه الأسباب مألوفة للمخاطب وموصولة بزاده من الممارسة اللغوية فهمًا وعملاً، يكون التبليغ أفيد والتأثير أشد في نظر طه عبد الرحمن.[3] ولولا الصبغة العقدية لما سعى إلى الحث على النهوض واستئناف العمل الذي بدأه السلف. فلا تواصل ولا تفاعل إلا بالمعرفة المتوسلة باللغة والمبنية على العقيدة،[4] التي على أساسها تتوسع المدارك العقلية وتنفتح بها آفاق العالم بالنسبة للمتفاعلين. يقوم المجال التداولي إذن على تطبيق المعارف والمقاصد تطبيقًا شاملاً على جميع أفراد المجال، وعلى تحقيقها وتقويمها، فلا معرفة بدون مقصد ولا مقصد بدون معرفة.[5] وتبرز حركية التقسيم الثلاثي لعناصر المجال التداولي وتداخل عناصره على مستوى الاستعمال والاستكمال، فلا تتعين الوظيفة التداولية لأي عنصر حتى يقع استعماله وتكامل وظيفته مع العناصر الأخرى. يقول طه عبد الرحمن: "فاستعمال اللغة إذن أن تكون مبينة، واستعمال العقيدة أن تكون راسخة، واستعمال المعرفة اْن تكون نافعة... واستكمال اللغة، إذن، أن تكون مبلّغة، واستكمال العقيدة أن تكون مقومة، واستكمال المعرفة أن تكون محققة".[6]

والملاحظ أن اللغة تعمل، داخل كل مجال تداولي، على الجمع بين البيان والتبليغ، وأن العقيدة تجمع بين الرسوخ والتقويم، والمعرفة تجمع بين النفع والتحقيق.[7] وتشتغل هذه العناصر وفق قواعد تداولية تنظم الاْدوار وتحدد العلاقات التفاعلية بين مختلف العناصر، لكي يتميز كل مجال تداولي بالأوصاف التداولية التالية: وهي التفاضل والتواصل والتفاعل.[8] وكل صنف من هذه الأوصاف يختص بوظيفة من الوظائف الثلاثة: وظيفة الإنهاض، ووظيفة الإنتاج، ووظيفة التوجيه. واْي إخلال بهذه القواعد يعطل الوظائف وينتج السقوط في الجحود العقدي، والخمود اللغوي، والجمود المعرفي،[9] ومن ثم السقوط في التقليد والابتعاد عن كل أسباب الإبداع، والانقطاع عن كل أسباب التقريب بين الثقافات والحضارات.

تعمل النزعةَ التداوليةَ عند طه عبد الرحمن جاهدة على بلورة مشروع فلسفي يرومُ محليًا القضاء على آفة التقليد والاتباع نحو يقظة فلسفية، ويروم كونيًا نقد النزعة المركزية الغربية من خلال الكشف عن إمكانات الإبداع التي يتوفر عليها مجالنا التداولي، فالمشروع التداولي الذي وضعه طه عبد الرحمن يتوجه إلى تحرير المثقف من اغتراب مزدوج: اغترابه عن مجاله التداولي، واغترابه عن تمثل خصوصية الفكر الغربي، وإدراك خصوصية مجالنا التداولي يمر عبر تخليص عقولنا من قوالب الفكر الغربي حتى نكون قادرين على الرؤية الموضوعية، ورد الفكر الغربي إلى ثوابته التداولية، يقول طه عبد الرحمن: "وليكن مثالنا على المفاهيم الفلسفية المنقولة عن الفضاء الفلسفي العالمي، والتي تتطلب تقويم اعوجاجها هو مفهوم الحداثة... فلا أحد يمكن أن يتجاهل الظروف الاجتماعية والسياسية التي نشأ وتطور فيها هذا المفهوم في الأقطار الأوربية... حتى زعم المثقفون العرب أنه ينبغي اْن يتحقق في هذا السياق العربي بنفس الأسباب التاريخية التي تحقق بها في أصله الأوربي، لتسليمهم بمبدأ منقول هو الآخر، وهو مبدأ التاريخ الإنساني الكلي."[10] إن تداولية طه عبد الرحمن تنطلق من مستوى قراءة التراث وتفكيكه وإعادة بنائه عبر الوقوف على أهم القراءات السائدة في الثقافة العربية المعاصرة، وذلك من أجل زرع روح الإبداع فيها من جهة، وتشييد تقليد فلسفي جديد مختلف عن القوالب الغربية من جهة أخرى.

تعد مساهمة طه عبد الرحمن مغامرة فكرية لمعالجة قضية التراث، باعتباره بعدًا أساسيًا من اْبعاد الوجود الإنساني، فالتراث، في نظره، جملة من المضامين والوسائل الخطابية والسلوكية التي تحدد الوجود الإنتاجي للمسلم العربي في اْخذه بمجموعة مخصوصة من القيم القومية والإنسانية، حية كانت اْم ميتة.[11] فهو أداة لتحرير الإنسان، وعائق، في الوقت نفسه، يعطل تقدم المجتمع. إلا أن طه عبد الرحمن استخدمه بالمعنى الأول، وتناوله ركنًا أساسيًا لبعث الإنسان العربي، فقد جاءت محاولة طه عبد الرحمن إلى جانب محاولات عديدة لمفكرين عرب معاصرين كالعروي والجابري وأركون وآخرون. فهذه النماذج وغيرها، وإن اختلفت في طريقة القراءة والتأويل، فإنها في نظر طه عبد الرحمن اعتمدت على مقاربات تجزيئية للتراث أسقطت فيها مفاهيم منقولة من المجال التداولي الغربي دون مراعاة لمقتضيات المجال التداولي العربي الإسلامي التي تشمل العقيدة واللغة والمعرفة.[12]

إن الارتباط بالتراث قدر تاريخي وليس اختيارًا عفويًا، والعودة إليه تأتي نتيجة الوعي بالتهديد الذي تشعر به الذات، مما يجعلها تتلمس فيه القوة والمناعة والملاذ. ومن يعود إلى تراث غير تراثه، فكأنه يحاول استبدال توابثه بتوابث غيره، بدعوى الموضوعية والعلمية والعقلانية معاييرَ وضعت لهذا التراث ذاته. إن الطابع التداولي لهذه القيم، والنتائج التي حققتها على المستوى العلمي، جعل كثيرين يعتقدون أنها قيم شمولية وكونية، وهذا ما دفع طه عبد الرحمن إلى تشريحها وتبيان مدى تداوليتها وميزتها المحلية والنسبية كذلك. وهذا ما أثبته طه عبد الرحمن في دراسته التي تقوم على النظرة التكاملية للتراث مقابل النظرة التجزيئية التي فرضتها في نظره ضغوطات ظرفية استعجالية ذات طابع سياسي بالخصوص دون الأخذ بعين الاعتبار الأدوات المنهجية الكفيلة بإنتاج هذه المضامين. إن النظرية التكاملية جمعت بين الآليات التي تم بها إنشاء هذه المضامين وتبليغها وتقويمها، آلياتٍ تجمع بين المنقول والمأصول حسب مقتضيات المجال التداولي، وبين أحكام مضمونية أعادت النظر في العديد من الأفكار المتداولة، كموقفه من ابن رشد الذي يُعد إلى حدود اللحظة الراهنة مختلفًا عن جل الباحثين في التراث العربي الإسلامي.

إن النظرية التكاملية في التراث التي يدعو إليها طه عبد الرحمن هي الرؤية التي تتجه إلى البحث في التراث آلياتٍ ومحتوياتٍ من أجل معرفته من حيث هو كذلك، على اعتبار أنه كل متكامل لا يقبل التفرقة بين أجزائه، وأنه وحدة مستقلة لا يقبل التبعية لغيره[13] ويتجلى الجانب الثوري والتجديدي في هذه المقاربة، في نظره، في ثلاث محددات هي:

- المحدد التداولي: فكل مظهر من مظاهر الإنتاجية في التراث، عقيدة أو لغة أو معرفة، حامل لخاصية العمل من أجل منفعة الذات والغير، حاضرًا ومستقبلاً.

- المحدد التداخلي: ويتجلى، في نظره، من خلال اشتراك وسائل إنشاء المعارف التراثية بمضامينها نقلاً ونقدًا ونظرًا وعملاً وربط مقدماتها بنتائجها.

- المحدد التقريبي: والمتمثل في تحوير المنقول من الغير، مادةً وشكلاً، بما يلائم السياق التداولي للتراث،[14] حيث يجعله قابلاً للخضوع للتحولات العلمية التي تحصل فيه.

أي أن التفكير يندرج في التراثِ عند طه عبد الرحمن ضمن النظرة التكاملية التي تعتبر التراث وحدة مستقلة لا تقبل التجزئة بين مكوناته، حيث يجمع فيه بين البعد المنطقي والبعد التاريخي، وذلك من أجل مقاربة موضوعية وصفية محايدة، لا تنتصر للتراث ولا للعلم، واِنما تأخذ منهما بالقدر الذي يجعل الواحد منهما فاعلاً في الآخر، ينفعه وينتفع به.[15] فالحقيقة التكاملية للتراث هي التداخل الذي حصل بين المعارف والعلوم على درجات مختلفة، والالتزام بتفاعلها على وجوه متباينة، والعمل بأساليب التكوين والتأليف بطريقة موسوعية. إذ يبرز تراتب العلوم علاقات التقارب والتشابه والتدرج في تحصيل المعارف حسب طبيعة كل مجال، وتفاعل العلوم يبرز مدى التعالق والتشابك بين المجالات المعرفية وارتباط بعضها ببعض إلى درجة امتزاج مصطلحات العلم الواحد بمصطلحات غيره من العلوم.[16] ويميز طه عبد الرحمن في النظرة التكاملية بين وجهين مشكلين لها: - الاْول هو التداخل الداخلي، ويعني حصول الاندماج بين علمين أصليين كحصوله بين علم الأصول وعلم الحديث، أو بين علم الكلام وعلم اللغة، أو بين التصوف والفقه... إلخ، من دون اعتبار الاتجاه الذي يتخذه هذا الاندماج.[17] إذ قدم أنموذجًا له متمثلاً أساسًا في علم أصول الفقه، من خلال الشاطبي شاهدًا أمثل، في نظره، على هذا التداخل بين علم الأصول وعلم الأخلاق، لأن الحكم الشرعي في نظر طه عبد الرحمن يجمع بين وجه فقهي ووجه أخلاقي متشاكلين في البنية ومتكاملين في الوظيفة ومتفاضلين تفاضل المقصد والوسيلة.[18]

- والثاني هو التداخل الخارجي، ويعني حصول الاندماج بين علم أصلي وعلم آخر غير أصلي، مع ضرورة ضبط اتجاه هذا الاندماج، فيكون التداخل الخارجي على نوعين يختلفان باختلاف هذا الاتجاه: التداخلُ الخارجي القريبُ؛ ومفاده تحقق مبدأ الاندماج من العلم المنقول إلى العلم الإسلامي حسب مقتضيات المجال التداولي الأصلي. والتداخل الخارجي البعيد؛ ومفاده تحقق مبدأ الاندماج من العلم الإسلامي الأصلي إلى العلم المنقول، مع إمكانية الابتعاد عن المجال التداولي الإسلامي الأصلي، والتوجه الى المجال التداولي المنقول منه.[19]

ويرى طه عبد الرحمن أن ابن رشد شاهد أمثل على هذا النوع من التداخل الخارجي البعيد من خلال إدخال علم الكلام في الفلسفة الإلهية في خطابه. ويؤكد طه عبد الرحمن أن السبب في تداخل علم الكلام مع الإلهيات راجع إلى كون الواحد من هذين العلمين ينزل من إحدى الثقافتين المنقولة والأصلية بمنزلة الآخر في الثقافة الثانية، فكل واحد منهما علم نظري يتبوأ في ترتيب العلوم النظرية، في إحدى الثقافتين، المرتبة التي يتبوؤها في الثقافة الثانية، فمكانة الإلهيات من العلوم النظرية المنقولة كمكانة الكلاميات من العلوم النظرية الأصلية.[20]

تعدُ مقاربة طه عبد الرحمن للتراث منعطفًا جديدًا في الدرس التراثي، لما تحمله من مستجدات وخيارات على مستوى مسلماته ونتائجه، إذ قدم الجانب المنطقي والأدوات المنهجية على المضامين التاريخية، لأنه يعتقد ألّا سبيل إلى معرفة تاريخها بغير معرفة المنطق الذي ينبغي أن يستند إليه هذا التاريخ.[21] لذلك جاءت قراءته للتراث مزدوجة ومتمثلة في استنطاق المأصول من التراث مركزًا على الآليات المنطقية واللغوية دون إغفال النظر المضموني، وفي تقريب المنقول الغربي من خلال تصحيحه وإخضاعه لما يلائم مقتضيات المجال التداولي العربي الإسلامي منهجًا ومضمونًا.

يهدف مشروع طه عبد الرحمن إلى تأسيس نقد مزدوج: نقد الذات/التراث، ونقد الآخر/الحداثة، خاصة اْن الثقافة العربية الإسلامية، شئنا أم أبينا، تعيش واقعًا مزدوجًا تتداخل فيه إبستيميتان: شرقية وغربية. وهذا النقد المزدوج تؤطره رؤية تداولية تضع بوضوح ومنهجية مقومات هذا التراث ومصادره الضرورية وأدواته المتحكمة في نسج عناصره وقضاياه ومضامينه. إذ أنتج دراسة تكاملية للتراث، باعتباره وحدة منسجمة، مقوضًا كل المقاربات سواء اْكانت تراثية اْم حداثية. وقدم نقدًا لأفضل شاهد في نظره ممثلاً في المشروع الفكري لمحمد عابد الجابري، وخاصة كتبه الثلاثة: "نحن والتراث" و"تكوين العقل العربي" و"بنية العقل العربي".

وينطلقُ نقد طه عبد الرحمن من فحص دعوى الجابري المتعلقة بالنقد الإبستيمولوجي للتراث، إذ شكك في هذه القراءة ومدى صلاحيتها، وذلك من خلال الوقوف على اْسسها والإمساكُ بمفاهيمها المفاتيح. وقد اْحصى العثرات المنهجية والثغرات المعرفية في كتابه "تجديد المنهج في تقويم التراث". فقد جعلته مسألة التأصيل التي اعتمدها يقوم بنقد مزدوج ومضاعف: الأول يتمثل في رصد المفاهيم التي استثمرها وتوسل بها الجابري في بحث التراث آلياتٍ منقولة من المجال التداولي الغربي، مثل مفاهيم: القطيعة، والبنية، والإبستيمي، واللامعقول، والعقل المكون... إ لخ التي تعكس منطلقاته النظرية المتنوعة: كالإبستيمولوجيا الباشلارية، وعلم النفس التكويني والبنيوية وفلسفة التاريخ الهيجيلية والماركسية. ويتجلى الثاني من خلال مساءلة هذه المفاهيم وشروط إنتاجها سواء داخل مجالها التداولي الأصلي، أو كيفيات نقلها إلى مجال تداولي غريب عنها، إذ كشف اْن الجابري لم يقف عند دقائق الآليات المنقولة التي استعملها في أنموذجه التقويمي، باعتبارها لا تشكل نسقًا متماسكًا بسبب تضارب اقتضاءاتها المنهجية والمعرفية من جهة، وعدم وضعه معايير تبرر اختياره لهذه الآليات من مجالات معرفية مختلفة: البنيوية والتكوينية والعقلانية والجدلية من جهة أخرى. بالإضافة إلى اْن هذه الآليات وضعت، حسب طه عبد الرحمن، في اْصلها لموضوعات مغايرة لموضوع التراث، وعلى مقتضى شروط مخالفة لشروطه، فيكون إنزالها على التراث من غير ممارسة اْشد أساليب النقد عليها سببًا في التصرف فيه بغير أحكامه اللازمة له، فيؤدي هذا التصرف إلى إخراج التراث على صورة لا تحافظ على بنيته في تداخل اْجزائها وتساند عناصرها.[22] ويقدمُ طه عبد الرحمن مجموعة من الأمثلة تعبر في نظره عن تهافت دراسة الجابري، سواءً حينما استعمل الآليات المنطقية كآلية المقابلة، إذ يقول: "إن استخدام الجابري لآلية المقابلة يخرج خروجًا عن الضوابط المنطقية المقررة فيها، سواء فيما تعلق منها بالمطابقة اْو ما تعلق منها بالمعارضة، فقد طابق بين اللامعقول العقلي ونقيض المعقول الديني... فيصير المعقول الديني عنده بمنزلة اللامعقول العقلي، خلافًا للمسلمة التي صرح بها."[23] وآلية التقسيم، حينما قسم الجابري الأنظمة المعرفية التي اختص بها التراث العربي وحددها في ثلاثة هي: "البرهان"، و"البيان"، و"العرفان"، وبين خصوصيات كل نظام على حدة ووجوه تعالقاته، إذ يقول: "فالبيان كفعل معرفي هو الظهور وإظهار الفهم والإفهام، وكحقل معرفي هو عالم المعرفة الذي تبنيه العلوم العربية الإسلامية الخالصة، علوم اللغة وعلوم الدين... وكنظام معرفي هو جملة من المبادئ والمفاهيم والإجراءات التي تعطي لعالم المعرفة ذاك بنيته اللاشعورية... وأما العرفان كفعل معرفي فهو ما يسميه اْصحابه بـ "الكشف" أو "العيان"، وكحقل معرفي هو عبارة عن خليط من هواجس وعقائد وأساطير تتلون بلون الدين الذي تقوم على هامشه لتقدم له ما يعتقد العرفانيون بأنه "الحقيقة" الكامنة وراء ظاهر نصوصه... (وكنظام معرفي يتمحور) حول قطبين رئيسين؛ أحدهما يستثمر اللغة بتوظيف الزوج الظاهر/الباطن، والثاني يخدم السياسة... وذلك، بتوظيف الزوج الولاية/النبوة، وأما البرهان كفعل معرفي فهو استدلال استنتاجي، وكحقل معرفي هو عالم المعرفة الفلسفية العلمية المنحدر إلى الثقافة العربية عبر الترجمة، ترجمة كتب "أرسطو" خاصة، (وكنظام معرفي، يتمحور) حول قطبين: أحدهما يخص المنهج ويوظف الزوج الألفاظ/المعقولات... والآخر يخص الرؤية ويوظف الزوج الواجب/الممكن."[24]

وقد وقع هذا التقسيم الثلاثي لأنظمة المعرفة في التراث عند الجابري في مغالطة منطقية، حسب طه عبد الرحمن، تسمى بمغالطة "ازدواج المعايير"، وتتجلى في استخدام معايير متعارضة في بناء التقسيم وما يتعلق به من ترتيب، ذلك أن كل نظام ينتمي إلى إطار مقولي مختلف؛ فالبرهان مقولة متعلقة بالصورة الاستدلالية العقلية، بينما البيان مقولة متعلقة بالصيغة اللفظية، والعرفان مقولة متعلقة بالمضمون المعرفي. هذا يعني أن الجابري لم يعتمد معيارًا موحدًا في هذا التقسيم، بل تعددت معاييره بين "اللغة" و"المنطق" و"المعرفة"، وهذا ما جعل طه عبد الرحمن يقول: "إن التقسيم الثلاثي: "البرهان" و"البيان" و"العرفان" تقسيم فاسد، ودليل فساده ازدواج المعايير المتبعة في وضعه، هذا الازدواج الذي لا يؤدي إليه إلا عدم تحصيل الملكة في العلوم الصورية والمنهجية، ولو أن الجابري اعتمد معيارًا موحدًا، لكان له الخيار في تقسيمات متعددة."[25] وهكذا، فإن نقد طه عبد الرحمن لمشروع الجابري أطّرته الرؤية التداولية للتراث، والتي تأسست على مقتضيات المجال التداولي المتميز عن غيره من المجالات بأوصاف خاصة، ومنضبط بقواعد محددة يؤدي الإخلال بها الى آفات تضر بهذه الممارسة سواء على مستوى التأصيل اْو مستوى التقريب. كما تجلت هذه الرؤية التداولية من خلال التقويم الشمولي التكاملي للتراث الذي يجمع بين الاشتغال بمضامين النص التراثي، وبين الآليات المنطقية واللغوية التي أنتجت هذه المضامين التراثية. الأمر الذي جعل طه عبد الرحمن يعتبر دعوى الجابري في تقويم التراث، دعوى تجزيئية لم تقف على دقائق الآليات المأصولة اْو المنقولة التي استعملها في أنموذجه التقويمي.

لقد مس نقد طه عبد الرحمن لمشروع الجابري مرتكزات ومرجعيات خطابه، مما يعكس اختلاف المنطلقات والمقاصد، بل الرؤى، بالرغم من أن الجابري يقر بأن معالجته للتراث سيغلب عليها الطابع الشمولي، يقول: "إن النظرة الكلية لها ما يبررها سواء تعلق الأمر بعلم البلاغة أو بعلم النحو أو علم الفقه وأصوله أو بعلم الكلام، فهذه العلوم مترابطة متداخلة بصورة تجعل منها مظاهر أو فروعًا لعلم واحد (هو البيان)".[26] فهذا الوعي بطبيعة المادة التراثية وكيفية معالجتها لدى كل من الجابري وطه عبد الرحمن، يجعلنا نقدم مجموعة من الملاحظات تخص خطابيهما، وهي:

- إذا كان خطاب طه عبد الرحمن يتوخَى تقويمَ التراث من خلال استكشاف الأدوات اللغوية والمنطقية التي أنشأته، واستغراقه في استخراجها وتحديدها وتبويبها بكثير من التدقيق والتنسيق والتجريد، اْو لنقل انشغاله بـ"منطق الخطاب"، فإن خطاب الجابري لا يندرج ضمن استراتيجية محايدة وموضوعية لقراءة النص التراثي، لأن الأدوات المنهجية التي توسل بها ليست غاية في ذاتها، بقدر ما هي وسيلة للكشف عن المعاني المتعددة التي اكتسبها هذا النص في صيرورته التاريخية التي تستوجب الحفر والتأويل الذي يستجيب لأسئلة الحاضر ورهاناته، أو لنقل إن الجابري كان منشغلاً بـ"سياسة الخطاب" اْكثر من منطق الخطاب.

- إذا كانت الرؤيةُ التداولية لطه عبد الرحمن محكومة بالهاجس المعرفي الصرف، بغية تحرير المتفلسف العربي من آفة التقليد والاتباع، وتأسيس حداثة إسلامية جوهرها الأخلاق، فإن رؤية ناقد العقل العربي مشغولة بهاجس التأخر التاريخي وسؤال النهضة والحداثة والتنمية والتقدم.

- إذا كانت الرؤية التداولية لطه عبد الرحمن تتعالى على السياسة وتنظر إلى السياسي نظرة شك وريبة وتحتقر الفيلسوف المشتغل بالسياسة خشية اتباعه لمصالحه الضيقة دون نشدان الحقيقة والفضيلة، فإن رؤية الجابري النقدية يحركها الموقف السياسي والالتزام السياسي بقضايا المجتمع وهموم الناس والانخراط في حركية التاريخ بكل نجاحاته وإخفاقاته. وهذا ما جعل صاحب الرؤية التداولية خارج حركة التاريخ ومفعول السياسة.[27]

- لقد شدد طه عبد الرحمن في نقده للأدوات والمفاهيم التي توسل بها الجابري في قراءته للتراث، إذ بيّن عدم اتساقها مع طبيعة المادة المدروسة، وتهافتها في الإمساك بحيثيات سياق اشتغالها، بالإضافة الى كونها متقادمة ولا تساير تطور المعرفة ومستجدات البحث العلمي. لكنّ المتتبع لمشروع الجابري يلاحظ أن أطروحته الخاصة بالتراث لم تأتِ دفعة واحدة، بل خضعت لمراحل في عملية تشكلها، حيث استندت إلى رصيد هائل من النصوص التراثية والمعطيات التاريخية، كما اعتمدت على أدوات منهجية مستمدة من حقول معرفية معاصرة، موظفة في سياق بناء البحث واستخلاص النتائج.[28] وحاصل القول إن صاحب الرؤية التداولية للتراث قدمت أنموذجًا في "العمارة المعرفية" لا يضاهيه فيها إلا مكابر اْو جاحد، لما يتميز به من قدرة خارقة على الترتيب والتنسيق واشتقاق المفاهيم وتوليدها بلغة قوية ذات نفحة تراثية، وبآلة منطقية رهيبة في بناء الاستدلالات واستخلاص النتائج، وبعدة معرفية قوية تجمع بين النصوص التراثية وما استجد في الفكر الغربي مادةً ومنهجًا. لكن، بالرغم من كل هذه الإمكانات والنتائج المتحصّل عليها من خلال هذه القراءة، فإنها تفتقد إلى "بوصلة سياسية" تؤطرها وتجعلها محايثة للتاريخ والمجتمع، ومنخرطة في صراعاتنا وقضايانا الراهنة في كل أبعادها المحلية والإقليمية والجهوية والدولية، لأن سؤال التراث هو سؤال الحاضر، سؤال الذات وسؤال الآخر، وليس سؤال الماضي.

تعاملت الرؤية التداولية للتراث مع مشروع الجابري من زاوية "الصواب والخطأ" وتناست التعامل معه "فيما وراء الصواب والخطأ"[29]، إذ يقترح بنعبد العالي، في قراءته لمشروع الجابري، التوقف عند ما يدعوه بـ"مفعول الجابري" في التراث وعلى التراث،[30] حيث اعتبر أن تصنيف الجابري لحقول المعرفة في الثقافة العربية فرض إعادة النظر في اْسلوب التناول ومنهج الدراسة، بل إعادة النظر في الفلسفة الثاوية وراء التصنيفات المتوارثة. ولن يعود بإمكاننا أن نفهم تراثنا على النحو المتداول الذي تصنف وفقه معارفنا إلى نقلية وعقلية، وإنما سينقسم إلى أنظمة ثلاثة تستوعب كل الاختلافات الداخلية والخارجية لمجالات المعرفة، وتغدو علوم البيان، وعلوم العرفان، وعلوم البرهان بالتتالي مجال المعقول الديني واللامعقول العقلي والمعقول العقلي.[31] هذا فيما يخص مفعول الجابري في التراث، أما فيما يتعلق بمفعوله على التراث، فقد لاحظ بنعبد العالي أن الجابري حقق ما يسمى بـ"شيوعية تراثية"؛[32] أي أنه جعل النص التراثي في متناول الجميع بعد أن كان محتكرًا من طرف شرذمة من المحققين ومحجوبًا عنا كما تحجب الذخائر والكنوز. إن مفعول الجابري على التراث مكن من تيسير إدراكه وتقريب المسافة الزمانية والمكانية التي تفصلنا عنه، إذ أعطى لكل منا الحق في تملكه. وما عسى تكون السياسة لو لم تكن بالضبط هي هذا السعي نحو توفير الحق للجميع، على حد تعبير الأستاذ بنعبد العالي.[33]


[1]- طه عبد الرحمن، سؤال العمل، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط1، 2012، ص 39

[2]- طه عبدالرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط 1، 1994، ص 244

[3]- المرجع نفسه، ص 245

[4]- المرجع نفسه، ص 246

[5]- المرجع نفسه، ص 247

[6]- المرجع نفسه، ص 248

[7]- المرجع نفسه، ص 249

[8]- المرجع نفسه، ص 257

[9]- المرجع نفسه، ص 271

[10]- طه عبد الرحمن، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط 1، 2002، ص 75

[11]- طه عبد الرحمن، حوارات من أجل المستفبل، منشورات الزمن، 2000، ص 16

[12]- طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، ص 248

[13]- طه عبد الرحمن، حوارات من أجل المستقبل، ص 28

[14]- المرجع نفسه، ص 29

[15]- المرجع نفسه، ص 29

[16]- طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، ص90

[17]- المرجع نفسه، ص 125

[18]- المرجع نفسه، ص 123

[19]- المرجع نفسه، ص ص 126-125

[20]- المرجع نفسه، ص 142

[21]- طه عبد الرحمن، حوارات من اْجل المستقبل، ص 23

[22]- المرجع نفسه، ص27

[23]- طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، ص 48

[24]- محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1986، ص ص 575- 574

[25]- طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، ص 55

[26]- محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، ص 88

[27]- إدريس جبري، الحوار المعطل، ضمن كتاب التراث والحداثة في المشروع الفكري لمحمد عابد الجابري، منشورات دار التوحيدي، 2012، ص 163

[28]- كمال عبد اللطيف، نقد العقل أم عقل التوافق، سلسلة شراع, 1999, ص 73

[29]- عبد السلام بنعبد العالي، سياسة التراث، ضمن كتاب التراث والحداثة في المشروع الفكري لمحمد عابد الجابري، منشورات دار التوحيدي،2012، ص 109

[30]- المرجع نفسه، ص 109

[31]- المرجع نفسه، ص 111

[32]- المرجع نفسه، ص 112

[33]- المرجع نفسه، ص 113