الشرعيّة والمتخيّل في الخطاب السياسي الإسلامي

فئة :  أبحاث عامة

الشرعيّة والمتخيّل في الخطاب السياسي الإسلامي

مقدمة:

إذا كان لا بدّ من تقديم لهذا البحث فليكن متعلّقًا بما يطرحه عنوانه من إشكاليّات قد تتبادر إلى ذهن القارئ الحديث، بالمعنى القيمي للحداثة لا بالمعنى الزمني لها، فما هي علاقة الشرعيّة السياسيّة بالمتخيّل؟ ثمّ هل يمكن الحديث عن خطاب سياسيّ إسلاميّ في المفرد؟ قد يكون السؤالان إنكاريّين إذا كان السائل الحديث لا يفهم من الشرعيّة سوى أنّها نتيجة لعمليّة انتخابيّة، تواضعت المجتمعات البشريّة على أنّها الطريقة المثلى الّتي توصّل إليها العقل الإنسانيّ لتنظيم الحياة الاجتماعيّة بصورة عامّة، وهذا، فيما يُحسب، يُبعد الشرعيّة عن مجال المتخيَّل الّذي اقترن في كثير من الأحيان بالإعراض عن الواقعيّ والمحايث، وعُدّ في الفلسفات ضرباً من ضروب الزيف.

ثمّ إنّ ذلك السائل الحديث نفسه لا يؤمن بوحدة خطاب سياسيّ إسلاميّ فالأجدر بالنسبة إليه أن نتكلّم على خطابات سياسيّة في الجمع. والحقيقة أنّ للسائل من الحجج الواقعيّة ما يكفي، ليدلّل على رجاحة ما ذهب إليه من القول بالتعدّد الّذي يراد له الطمس والتغييب عبر الإيهام بالوحدة الحُلم عند الكثيرين. 

لا نروم التسرّع وتقديم الإجابات تسويغا لعنوان أردناه إشكاليّاً ولكن إذا كان كلّ بحث يقوم على فرضيّة واحدة على الأقلّ فلتكن فرضيّتنا هنا هي التالية: (لئن كانت هناك خطابات سياسيّة إسلاميّة متعدّدة فإنّها تتوحّد في مستوى الآليّات المتحكّمة فيها). ولأنّ في تلك الخطابات السياسيّة مفاهيم كثيرة سنقصر نظرنا هنا على مفهوم الشرعيّة السياسيّة عبر طرحه للدرس والتقليب وإعادة النظر.

مفهوم الشرعية:

الشرعيّة واحد من أهمّ المفاهيم في العلوم السياسيّة ويرتبط أساساً بقضيّة الالتزام السياسي المحيل على واجب الخضوع للدولة واحترامها، وهو أمر طرحه فلسفيًّا الكثير من منظّري الفكر السياسي بداية من القرن السابع عشر ونقصد بالخصوص (هوبز ولوك)، ومدار البحث عند تقليب مفهوم الشرعيّة وأسسه يتلخّص في السؤال التالي:

ما هو سبب خضوع النّاس للدولة؟ وما الّذي يجعلهم يرضون بقراراتها وبما تفرضه من أشكال انتظام وقوانين وضوابط؟ وهذا التساؤل يختلف جوهريّاً عن سؤال آخر قد يلتبس به هو: لماذا يجب على النّاس الخضوع للدولة؟

إنّ الشرعيّة مرتبطة بمدى الحقّ في الحكم، ولذلك فإنّ مفهوم الشرعيّة كما حدّده (ماكس فيبر) يعني قدرة نظام سياسيّ ما على كسب اعتراف النّاس به. ومن هنا كانت الشرعيّة السياسيّة مرتبطة بقدرة النظام على كسب الاعتراف به والحفاظ عليه أيضاً، فالشرعيّة ليست أمرًا ثابتًا، فهي تُكتسب وقد يُكتب لها البقاء والترسّخ وقد تتلاشى وتضعف.

إنّ الأمر يتعلّق في الحقيقة بضرب من العقد الاجتماعيّ بين الحاكم والمحكوم قد يتمّ الالتزام به وقد يُنقض من أحد الطرفين أو كليهما.

أمّا من جهة التصنيف فإنّ أهمّ ما يمكننا ذكره في هذا المجال يبقى ما اقترحه (ماكس فيبر) الّذي استند إلى مصادر الشرعيّة وأسس تشكلّها ليحدّد ثلاثة أنواع للشرعيّة السياسيّة هي:

1.  الشرعيّة التقليديّة: وهي شرعيّة قائمة على الماضي والتاريخ والعادة، ويتمّ توارثها.

2. الشرعيّة الكارزماتيّة أو الكارزميّة: وهي مستندة إلى فذاذة فرديّة وقوّة شخص يراه المحكومون شخصًا قادراً على إدارة الدولة، أو أن أولئك المحكومين يُصَوَّرون على أنّهم راضون بالحاكم الكارزمي وقابلون به.

3. الشرعيّة القانونيّة: وهي ما توّصل إليه الفكر الحديث وانتهى إليه، حيث يتمّ الرضا والتوافق في إطار قوانين وانتخابات ودساتير.

  والجدير بالملاحظة هنا، أنّه رغم ما يبدو من اختلافات جوهريّة بين هذه الأنواع الثلاثة فإنّه قد يجمع بين نوعين أو حتّى بين الثلاثة في نظام حكم واحد.

يبدو من خلال ما قدّمنا سريعًا أنّ مسألة الشرعيّة تتجاوز الشأن السياسي في بعده الضيّق المتعارف عليه لتصبح أمراً ثقافيّاً واسعاً، فالسلطة السياسيّة رغم امتلاكها للقوّة الماديّة وأدوات الحكم المتمثّلة في أجهزة الدولة، فإنّها تبقى في حاجة دائمة إلى شرعيّة تحقّق بها الاحترام ورضا المحكومين بها، وهو أمر قد يتحقّق بالمشروعيّة القانونيّة، وقد يتمّ السعي إليه عبر تأسيس شرعيّة رمزيّة باعتبار العلاقة الوثيقة بين الشرعيّة والقيم.

وبتلك العلاقة تحديداً تكون الشرعيّة السياسيّة مرتبطة بطبيعة الثقافة السائدة في مجتمع ما. فإن ارتبطت الشرعيّة السياسيّة بالصنفين الأوّلين حسب التصنيف الفيبري المذكور، أي الشرعيّة التقليديّة والشرعيّة الكارزماتيّة، فإنّ ذلك يدلّ على طبيعة ثقافة المجتمع الّذي لم يصل بعدُ إلى تكريس الشرعيّة القانونيّة، بمعنى أنّه لم يتحوّل من مرجعيّاته الرمزيّة، وكثيراً ما تكون مفارقة، إلى مرجعيّة الحداثة المحايثة والمستندة إلى المنجزات الفكريّة والماديّة، حيث يكون الإنسان في مركز المنظومة القيميّة التي جسّدتها الثورات العلميّة والفلسفيّة في الغرب ابتداء من القرن السابع عشر.

نحسب أنّ مثل هذه التحديدات النظريّة، على سرعة تقديمها، كانت ضروريّة لتأطير الموضوع الأصليّ لهذا البحث الّذي نوجّه فيه النظر إلى الفكر الإسلامي. ولعلّ أوّل ما يمكننا أن نلاحظه، أنّ مفهوم الشرعيّة مرتبط دلاليّاً بألفاظ أخرى من قبيل الشرع والشريعة، أي بما يحيل على الجانب الديني أو لنقل على المفارق ممّا يحقّق للحاكم أو الخليفة أو الأمير السلطة الرمزيّة إلى جانب النفوذ الزمنيّ، اللّذين يبدو أنّ المسلمين ومنذ تجربتهم الأولى بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وسلم) كانوا على وعي بالفوارق بينهما، وهذا على عكس ما ذهب إليه )روزنتال (Rosenthal من أنّ المسلمين لم يميّزوا بين السلطة والنفوذ (Rosenthal 1968, p22.) ولعلّ هذا التمييز كان من الأسباب لاستخلاف أبي بكر دون عليّ أو العبّاس، حتّى لا يتمّ الجمع بين الرمزيّ والزمنيّ في يد واحدة (الشرفي، 2001، ص 103).

تجربة الصحابة الكرام في الخلافة:

إنّ تجربة الصحابة الأولى في الخلافة سيتمّ استحضارها باستمرار في التاريخ الإسلامي، إضفاء للشرعيّة على الأنظمة المتعاقبة ابتداءً من الحكم الأمويّ. ولا نقصد هنا تحديدًا كيفيّات تداول الحكم من إجماع وتعيين وشورى وولاية عهد،  فهذا ما يمكننا إدراجه ضمن المشروعيّة لا الشرعيّة، وإن كان مستلهماً من تجربة الخلفاء الأربعة الأوائل، وهو يهدف أساسًا إلى تبرير الواقع التاريخيّ، مما يسمح بالقول بغياب نظريّة سياسيّة لدى المسلمين القدامى فيما عدا بعض الاستثناءات القليلة لدى الفلاسفة بالخصوص، فما عد أحكاماً سلطانيّة هو في نهاية المطاف لا يتجاوز أن يكون تشبّثاً بما كانت عليه "الخلافة الراشدة" وما عد مثاليّاً يجب التمسّك به.

وفي هذا الإطار تحديداً يمكننا أن نفهم وإلى حدّ بعيد تضخّم فضائل الخلفاء الأوائل في مجاميع الحديث السنّيّة، فقد كان ذلك التضخّم وليد حاجة الخلفاء الأمويّين والعبّاسيّين إلى شرعيّة لحكمهم، يلتمسونها في تمثّل خاص لمن سبقهم من الخلفاء الأوائل. فيجد الخليفة الأمويّ أو العبّاسيّ ما يشرّع به لحكمه وقراراته، انطلاقًا ممّا صيغ من أخبار حول خلافتي المدينة والكوفة، فإن نصّبه أهل الحلّ والعقد وجد في وصول أبي بكر إلى الحكم مستنداً، وإن عيّن كان عمر مثالاً، وإذا قامت الشورى تمّ الرجوع إلى تنصيب عثمان.

بذلك كلّه يمكن القول إنّ ما عد تنظيراً سياسيّاً إسلاميّاً، هو في الحقيقة يوهم بالتنظير بالإضافة إلى أنّ المبادئ النظريّة قائمة على التمثـّل لا على التاريخ، فاحتاج المسلمون إلى رسم صورة متعالية للتجربة الأنموذج لديهم قبل أن ينظّروا للأحكام السلطانيّة والولايات الدينيّة، وهو أمر اضطلعت به كتب التاريخ والطبقات والحديث والكلام والأدب ومرايا الملوك وغيرها. والصورة المتخيّلة هي الّتي سيتمّ استحضارها باستمرار لإضفاء الشرعيّة على الحكم القائم.

إنّ ما نقف عليه في تلك الكتب يؤسّس لشرعيّة سياسيّة رمزيّة مفارقة، فأخبار الخلفاء الأوائل وفضائلهم تلحّ تلميحاً أو تصريحاً على مبدأ اصطفائهم إلهيّاً لتقلّد منصب الخلافة، وهو اصطفاء نلاحظ أنّه سيتكرّر باستمرار وبأشكال مختلفة في التاريخ الإسلامي بعدهم. ونرى أنّ ما ينسب من أقوال إلى الخلفاء بداية من الأمويّين والعبّاسيّين ومن جاء بعدهم، أو ما ورد في شأنهم من أخبار في كتب التاريخ أو كتب الآداب السلطانيّة وغيرها من أنّ الخليفة، يحكم بتفويض واختيار إلهيّين يندرج في إطار هذا الاصطفاء، بل إنّ ما يُقال عن تبنّي الأمويّين لعقيدة الجبر لإضفاء الشرعيّة على حكمهم يمكن أن يدرج في هذا الإطار، باعتبار أنّ عقيدة الجبر في جوهرها ترجع كلّ الحوادث إلى مشيئة إلهيّة مسبقة، أي إلى اختيار إلهيّ لا يمكن مناقشته.

وكذا كانت صورة أبي بكر في المنظور السنّي، فإذا سألت عامّة الناس عن أبي بكر فلن يذكر لك ما شجر بين الصحابة في سقيفة بني ساعدة، ولن يستحضر المجادلات حول من أسلم أوّلاً من الصحابة، ولن يسرد عليك أخبار قتاله مانعي الزكاة، سيجيب الناس إنّ أبا بكر هو أوّل المسلمين، وأنّ الله اختاره لصحبة نبيّه في الهجرة، وأنّه صلّى بالناس في مرض الرسول (صلى الله عليه وسلم) الّذي مات فيه، وكان كلّ ذلك دليلاً على أنّ الله قدّمه ليكون خليفة للمسلمين، فكانت خلافته خلافة نبوّة اصطفاها الله لأمّة محمّد. ولهذا كلّه اعتبر عدم الاعتراف بأحقيّة تولّي أبي بكر الخلافة مباشرة بعد النبيّ ضرباً من المروق في الدين باعتباره معارضة لأمر الله وقدره وخروجاً على إجماع المسلمين. فخلافته إرادة إلهيّة لصالح المسلمين، وشاءت الأقدار بالنسبة إلى تتابع الخلفاء بعده.

صحيح أنّ الخلفاء الأوائل لم يُرو عنهم صراحة أنّهم أعلنوا أنّ الخلافة اصطفاء أو تفويض إلهيّ، ولكن صورتهم الّتي رسمت لهم لاحقاً تشي باعتقاد من تبعهم بذلك، فالإقرار بأنّ ترتيب الخلفاء من ثوابت الإيمان وأركان العقيدة القويمة، وتكثيف النصوص في ذلك بشتّى أنواعها من الأدلّة على ذلك. ووقفنا على روايات تشير إلى أنّ عمر بن الخطّاب اعتمد عبارة «سلطان الله في الأرض» في إشارة إلى مكانته أمام الناس، فقد روي أنّ عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه) أتي بمال، فجعل يقسمه بين الناس، فازدحموا عليه، فأقبل سعد بن أبي وقاص يزاحم الناس حتى خلص إليه فعلاه عمر بالدرّة وقال: إنّك أقبلت لا تهاب سلطان الله في الأرض فأحببت أن أعلمك أنّ سلطان الله لن يهابك“ (الطبري ، ج 2، ص 571).

وسيتدعّم الإلحاح على طابع القداسة هذا والإلحاح على مبدأ التفويض الإلهي زمن الفتن والخصومات السياسيّة ، فهذا عثمان بن عفّان يؤكّد عندما حُوصرَ أنّ الخلافة قميص كساه الله إيّاه. وها أنّ عليّ بن أبي طالب يخاطب أهل المدينة وهو متوجّه إلى الكوفة قائلاً: ”إن في سلطان الله عصمة أمركم فأعطوه طاعتكم غير ملويّة ولا مستكره بها والله لتفعلن أو لينقلنّ الله عنكم سلطان الإسلام ثمّ لا ينقله إليكم أبدًا حتى يأزر الأمر إليها. انهضوا إلي هؤلاء القوم الذين يريدون تفريق جماعتكم لعل الله يصلح بكم ما أفسد أهل الآفاق“ (ابن الأثير، ج 3، ص 95.).

ولعلّه من اللافت للنّظر في هذا المجال أن يتمّ السعي إلى جعل مقولة أنّ السلطان هو ممثّل الله في الأرض حديث مرفوع إلى النبيّ (صلى الله عليه وسلم) فروي مثلاً ”عن أبي بكر قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: }السلطان ظلّ الله في الأرض، فمن أكرمه أكرمه الله ومن أهانه أهانه الله{“ (ابن أبي عاصم، ج 2، ص 492.).

هل قال فعلاًالخلفاء الأوائل والنبيّ ذلك أم أنّ الأجيال اللاحقة قوّلتهم ذلك؟ الإجابة تبقى محلّ أخذ وردّ ولكنّ الثابت أنّ المسلمين بعدهم استغلّوا ذلك لبناء صورة متعالية للخلفاء تلحّ على شرعيّتهم، ومدخلاً مناسبًا لتأكيد مبدأ الاصطفاء الإلهي للخليفة، وعنصراً مساعداً من بَعْدُ لتبنّيه من قِبلِ الدول الإسلاميّة المتعاقبة، وقد يكون ذلك إحدى الزوايا الّتي يمكن من خلالها فهم خطب الخلفاء حين يلحّون على أنّهم خلفاء الله على الأرض، وأنّ الخروج على السلطان يستوجب القتل باعتباره تمرّدًا على حكم الله.

ولا أدّل على ذلك من خطبة زياد بن معاوية الشهيرة في أهل البصرة ”أيّها الناس إنّا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا ونذود عنكم بفيء الله الذي خوّلنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا ولكم علينا العدل فيما ولينا، [...] فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم فإنهم ساستكم المؤدّبون لكم وكهفكم الذي إليه تأوون ومتى تصلحوا يصلحوا، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك غيظكم ويطول له حزنكم ولا تدركوا حاجتكم مع أنّه لو استجيب لكم كان شرّا لكم. أسأل الله أن يعين كلاّ على كلّ وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على أذلاله، وأيم الله إنّ لي فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل امرىء منكم أن يكون من صرعاي“ (الطبري، ج 3، ص ص 197- 198).

ولن يختلف الأمر مع خلفاء بني العبّاس فها هو المنصور يخطب في بغداد يوم عرفة أو يوم منى قائلاً: ”أيّها الناس إنّما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وأنا خازنه على فيئه أعمل بمشيئته وأقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه. “(الطبري، ج 4، ص533.).

هذا الاصطفاء الإلهيّ وترسيخه في الأذهان، هو الّذي سيؤسّس لمفهوم الطاعة، والملاحظ أنّ الطاعة وفق هذا المنظور الاصطفائيّ شرط من شروط عدل الحاكم، بمعنى أنّ الطاعة شرط من شروط تحقّق العدل وليست من تبعاته. وكلّ ذلك يُعتبر من مقوّمات السلطة الرعويّة كما حدّدها (ميشال فوكو)، ومن دعائمها السهر على الرعيّة المطيعة.

وفي هذا الإطار تحديدًا يمكننا تنزيل الأخبار الكثيرة المتعلّقة بعدل عمر فقد صوّرته تلك الأخبار يطوف بالأسواق مراقباً، ويتعهّد العجائز والصبيان في الليل والناس نيام، ويسهر على تجارة الوافدين، ويطعم الصبية الجياع، ويحرس الشجر والزرع، ويشرف على الصدقات بنفسه (ابن الجوزي، ص ص 67- 82). غير أنّ اللافت للنظر بالنسبة إلينا أنّ هذه الصورة للراعي الساهر على شؤون الرعيّة قد تمّت محاولة سحبها على خلفاء لاحقين ووقفنا على ذلك بالخصوص في كتب الأدب، وهذا (الأبشيهي) يورد أخبارًا كثيرة عن سهر عمر على رعيّته، ثمّ يقول :”وكان معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه قد سلك طريق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في ذلك، وكان زياد بن أبيه يسلك مسلك معاوية في ذلك [...] ثم جاء بعدهم من اقتدى بهم وهو عبد الملك بن مروان والحجّاج ولم يسلك بعدهما ذلك الطريق واقتفى آثار ذلك الفريق إلاّ المنصور ثاني خلفاء بني العباس“ (الأبشيهي، ج 2، ص208).

قد يشي هذا النصّ بأنّ عددًا قليلاً من الخلفاء والولاة قد اقتدوا بعمر بن الخطّاب في مراقبة الرعيّة، ولكن اختيار الأسماء المذكورة من بينهم فيها دلالة فهي رموز كبرى بالنسبة إلى الدولتين الأمويّة والعبّاسيّة، ممّا يسحب الأمر على كامل خلفاء الدولة المقصودة، فيكفي في كثير من الأحيان بيان شرعيّة المؤسّس لتتأسّس من ورائه حجّيّة من يخلفه من بَعْدُ، ففضائل معاوية على سبيل المثال ليست مقصودة لذاتها بل لتتأسّس عليها شرعيّة الأمويّين في الخلافة، وكذلك الأمر مع العبّاسيّين فإنّ نسبة المناقب إلى العبّاس بن عبد المطّلب هي في آخر المطاف سند لخلفاء بني العبّاس.

وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم خبر (الأبشيهي) فنسبة مراقبة الرعيّة إلى الأمويّين ممثّلين في فرعيهم السفياني والمرواني وإلى أشهر ولاتهم الحجّاج بن يوسف، ثمّ نسبة المراقبة إلى أبي جعفر المنصور المؤسّس الفعلي للدولة العبّاسيّة، ما هو إلاّ سحب لصورة الراعي الساهر على شؤون رعيّته على كلّ الخلفاء الأمويّين والعبّاسيّين. إنّ تمثّل صورة الفترة الّتي عُدّت مرجعيّة في الفكر السياسي الإسلامي واستحضارها المستمرّ، يعبّر بوضوح عن أنّ الشرعيّة السياسيّة لدى المسلمين تنتمي بامتياز إلى الصنفين الأوّلين وفق تحديد (ماكس فيبر) أي الشرعيّة التاريخيّة والشرعيّة الكارزميّة المرتبطة بشخص الحاكم.

ولئن كانت محاسبة القدامى على عدم مرورهم إلى الصنف الثالث أي الشرعيّة القانونيّة فيه الكثير من التعسّف والتجنّي بحكم وجوب مراعاة الظروف الحضاريّة والبنى الذهنيّة، فإنّ المساءلة تبقى ضروريّة بالنسبة إلى المحدثين، وهم في كثير من الأحيان يعيدون نفس الآليّات القديمة من حيث احتسبوا أو لم يحتسبوا.

فروّاد الإصلاح في القرن التاسع عشر، من مثل: الطهطاوي، خير الدين، الكواكبي، وإن انبهروا بأنموذج الحكم الغربيّ معتبرين إيّاه السبيل لمقاومة الاستبداد، إلا أنهم كانوا دائمي الاحتراز الّذي برز من خلال تأكيدهم أنّ ذلك الأنموذج لا يخالف الشرع الإسلاميّ، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك حين اعتبروا أنّ ذلك الأنموذج من مقتضيات الإسلام نفسه. ولكن رغم محاولات التأصيل هذه وإيجاد نوع من المصالحة فإنّ الأمر على ما يبدو سرعان ما تقهقر ليعود من جديد إلى الدائرة الأولى دائرة استلهام المثل الأعلى المتجسّد في الخلافة الراشدة، وتركيز خلافة إسلاميّة قائمة على ما استقرّ قديماً في علم الكلام والأحكام السلطانيّة، وهذا ما دعا إليه مثل (محمّد رشيد رضا).

ونحسب أنّ الاتّجاهين مازالا حاضرين بقوّة في الفكر السياسي المعاصر وحتّى في الكثير من الكتابات الّتي تدرج أحياناً في إطار الحداثة انطلاقاً من نقد العقل العربي ومحاولة تفكيكه، وهنا نستحضر محمّد (عابد الجابري)، فرغم أهمّيّة ما قدّمه في "العقل السياسي العربي" فإنّ ما ذهب إليه من أنّ الشورى يمكن أن تعضد الفكر الديمقراطي الحديث هو سقوط آخر في شرعيّة ماضويّة تستلهم ما تراه مناسباً لحاضرها من تجربة تاريخيّة متخيّلة في قسم كبير منها.

للاطلاع على البحث كاملا المرجو الضغط هنا

* قائمة المصادر والمراجع

1. الأبشيهي: (1986)، المستطرف من كلّ فنّ مستظرف، بيروت: دار الكتب العلميّة.  

2. ابن أبي عاصم: (2004)، السنّة، بيروت: دار ابن حزم.

3. ابن الأثير: (1995)، الكامل في التاريخ، بيروت: دار الكتب العلميّة.

4. ابن الجوزي: (د،ت)، مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، الإسكندريّة: دار ابن خلدون.

5. الشرفي عبد المجيد: (2001)، الإسلام بين الرسالة والتاريخ، (ط.1)، بيروت: دار الطليعة. 

6. الطبري: (2003)، تاريخ الأمم والملوك، (ط2)، بيروت. دار صادر.

7.  Rosenthal, Political Thought in Medieval Islam, Cambridge, 1968.