الشّيخُ والمريدُ اليوم

فئة :  مقالات

الشّيخُ والمريدُ اليوم

غالبًا ما تكون طموحات الشباب اليوم - الذي زهِد في الاهتمام بما هو تديّن ظاهري، وضجر من أفعال أهل هذا التدين - نازعة إلى كل ما هو إنساني جامعٌ وراق، يهتمّ بالإنسان وحده دون النظر إلى خلفياته الدينية أو صورته الآنية، هو يريد أن يشبع عاطفة وجدانية، لكنه لا يراها في المنتشر والمعيش، فمن ثم يبحث عمن يهتم بأمور الروحانيات، فتجده لا يتردد في الذهاب إلى الكنيسة، وهو مسلم ليتعرّف على لون جديد من ألوان الطقوس والعبادات كان بمعزل عنه، فلا مانع لديه أن يحضر صلاة أو يردد بعضًا من كلماتها، وإن لم يكن على سبيل العبادة فعلى سبيل الراحة أو على سبيل إظهار شيء للآخرين لم يعرفوه أو يود أن يُعرف عنه...

لا يقترب الشباب كثيرًا من الكهنة والقساوسة على مستوى العقدي، وإن طارحوهم بعض الآراء وتناقشوا سويًّا فيما هو حادث في الواقع المعيش، وفي حدود ضيقة يمكن أن يتناقش الشباب معهم حول مسائل الإيمان، وهنا تستدعى المسائل الجدلية القديمة التي طُرحت على الساحة الإسلامية منذ القرن الثاني الهجري/التاسع الميلادي، لأنه يناقش فيما ورثه أولاً وفيما تلقّنه من الأهل والمشايخ والمعارف، وإن تطوّر الوعي لدى المناقش انتقل في أحسن الأحوال إلى مناقشة دور المؤسسات الدينية في المجتمع والاهتمام بقضاياه، حتى إذا ما حصّل بغيته، وجد من المكرر في الأحاديث ما يجعله زاهدًا فيه، ويخفت الاهتمام بالروحانيات التي لدى الآخر الذي لم يكن يعرف عنه شيئًا سابقًا، وينتقل الاهتمام - إن ظلّ - بالأمكنة من باب السياحة والترويح مع الأصدقاء في كل عام مرّة إن استطاع.

يبحث الشباب عن لون جديد من ألوان التدين المتاح، يُحدّثه أحدهم عن شيخ صوفي راقي التفكير، يهتم في خطابه بالمرأة والأقليات ويتابع ما يجري في ساحة الفكر والإبداع، ويمكنه أن ينطق أحيانًا ببضع كلمات بلغة أعجمية، وأحيانًا يستخدم مفردات ومصطلحات مما يجري على ألسنة الشباب، لا يبدي الشباب كثير اهتمام في البداية بما يُلقى عليه أو يُخبر به، فقد زهد في ثقافة السماع، يتابع عن بعد خطاب الشيخ وآرائه، حتى إذا ما مسّ قلبه أو عقله شيء مما يقول أو ما يراه ينتقل إلى الاهتمام بشخص الشيخ، يسعى للقائه أو حضور مجالسه، يحاول الاقتراب منه قدر الإمكان؛ فالاقتراب من الشيخ عند الشاب اقتراب من (الأنا) على عكس ما يؤمن به الصوفي القديم أن الاقتراب من الشيخ اقتراب من الله للرابطة التي بين الشيخ والله؛ فالمريد القديم حين ذكره لله، يسعى جاهدًا ألا يغفل عن ذكر شيخه؛ فهو واسطته للوصول، وهو صانعه وناحت مثاله الجميل.

بعد الاقتراب يتلقى الشاب مباشرة عن الشيخ، يسمع منه، يقرأ ما نصحه به من كتابات له ولغيره، يسعد الشيخ بذلك ويسعد الشاب، يسأل الشيخَ في أمور عدّة، يخبر الشابُّ الشيخَ رأيه في بعض المسائل، يبتسم الشيخ مرة، ويستمع مرة، ثم يخبر الشابَّ الأصل في المسألة كذا وكذا، يتوافق رأي الشاب والشيخ لكن الأصل أن ينبعث رأيه من الشيخ لا من عقله وتفكيره بمفرده...لا يفكّر الشاب في المرة الأولى في تعليق الشيخ على أفعاله، يصمت ويمتثل من باب محبة الشيخ وصلات القرب التي انعقدت بينه وبينه ويودّ أن يحافظ عليها، في المرة الثانية يخبر صديقًا له بما جرى من محاورة بينه وبين الشيخ ليستأنس برأي الصديق، وليحصل على رأيّ يؤيده فيما استقر في عقله وقلبه، في أحيان كثيرة تجتمع كلمة الشاب مع الصديق على رفض ما يفعله الشيخ من ممارسة سلطوية، وفي أحيان أخرى يحاول أحد أصدقائه تأويل فعل الشيخ وحمله على وجه يليق بالشيخ، رابطًا بين الشيخ والميراث الصوفي القديم، كما يربط بعض أبناء التدينات الأخرى بين الشيخ والله، وبين الشيخ وكلام الله؛ فكلاهما واحد!

في وقت لاحق تنقلب الأحوال، فتتحول حرارة القرب إلى فتور في الشغف بالحضور، يستمع الشاب إلى خبر انعقاد جلسة للسماع أو الذكر وكأنه يستمع إلى أحوال الطقس، ولا يبدي اهتمامًا كما السابق، إلاّ إذا كان في الجلسة جديد من أشخاص أو مكان يُنتقل إليه أو حدث معين يهتم به الشارع بشكل كبير... تغيب الأسئلة الكثيرة التي كانت تُقلق الشاب ويتشارك بها مع مجموعات الأصدقاء... يتلاشى اهتمامه الكثيف بالكتابات القديمة والحديثة التي تعبّر عن التصوف والصوفية، يبحث عن جديد في مجال آخر!

هو يرفض بالأساس السلطة من أي اتجاه، في العمل، في الجامعة، في الدولة، في البيت، في المسجد، ويثور عليها بالصمت والنطق، يبحث عما هو أرحب من الأيديولوجيات والمذاهب والتيارات، يرى من فوق أكتاف الأعلام، ولا يحب أن يرى يومًا من خلال المفتوح من النوافذ في عالمه، فكل النوافذ عنده سواء، تنظر من عين الإبرة، ولا ترى من الفيل إلاّ جزءًا من حقيقته وتظن أنها أدركت الحقيقة وحدها! عنده لا حقيقة قارة وتامة هو يرى الحقيقة تتكون منذ وقت ميلاد إنسانه أو شعوره بذاته، وحتى ينتقل من هذا العالم إلى عالم آخر. لذلك، فالحد عنده يختلف عما عند المناطقة، فلا جامع ومانع بل سؤال مستمر، ولا توضع نقطة لتمام السطر، بل نقاط عديدة تكثر في تقاسيم أسئلته وفي سطوره المكتوبة!

بسهولة يدرك الفواصل ومحال الافتراق والاختلاف والائتلاف والاجتماع، يمكنه أن يرى الخطاب الواحد، وإن تغيرت صور الناطقين به وانتماءاتهم وتوجّهاتهم، هو زاهد في كل ما يُطرح، هو يريد أن يتوحّد لا أن يعبد الأصنام ويقدّم القرابين!