العقد الاجتماعي عند جون رولز

فئة :  مقالات

العقد الاجتماعي عند جون رولز

يعتبر جون رولز في كتابه المعروف "نظرية العدالة"[1] أنّ مفهومه للعقد الاجتماعي هو مواصلة للمشروع التعاقدي الذي انطلق مع لوك و روسو، و خاصة إمانويل كانط الذي يتشابه إلى حد كبير مع جون رولز من جهة نقده للنفعيّة، وحرصه على الانسجام مع التصوّر الواجبي (Déontologique) للأخلاق. إلاّ أنّ "جون رولز"، سيحاول أن يتحرّر من الأفق الميتافيزيقي للنظريّة الكانطية، محاولا البرهنة على نظرية جديدة في العقد الاجتماعي تختلف في جذورها عن الفهم الكلاسيكي الذي نشأ مع ميلاد مدرسة العقد الاجتماعي، وهو ما سنحاول أن نوضّحه في هذه الورقة التي سنركّز فيها على الحجج التي استخدمها هذا الفيلسوف المعاصر في البرهنة على تصوّره التعاقدي. لقد اعتمد "رولز" على حجتين أساسيتين للبرهنة على العقد الاجتماعي. غير أنّه يعتبر أن حجّته الأولى أقلّ أهميّة من الثانية. يبدو أن شرح التصور الرولزي للعقد الاجتماعي يفترض أوّلا عرض إجابة عن السؤال المتعلّق بالعدالة، وهو ما يمهّد بعد ذلك لتناول الحجّتين الرئيستين لنظرية العقد.

يتمثل التصور العام للعدالة الذي يصوغه رولز في فكرة أساسيّة مؤدّاها أنّه يجب أن توزّع كلّ الخيرات الاجتماعية الأصلية مثل الحرية والحظوظ، والدخل والثروة، وأسس تقدير الإنسان لذاته بالتساوي، إلاّ إذا كان التوزيع غير المتساوي يخدم مصالح الشخص الأقلّ حظّا من غيره.[2] يفهم "رولز" فكرة العدالة في علاقة وطيدة بالقسمة المتساوية للخيرات الاجتماعية . يجب أن نعامل كل البشر بشكل متساو وذلك دون إزالة كل أشكال اللامساواة، بل إنّ إزالة اللامساواة تقتصر على اللامساواة غير العادلة التي تسيء إلى وضع الأفراد الأقل فقرا . أمّا إذا كانت بعض الأشكال من اللامساواة لا تتعارض مع المصلحة العامة من خلال تطويرها للمواهب و للطاقات الاجتماعية النافعة، فلا شكّ في أنّها ستكون مقبولة من الجميع. فإن كان نصيب شخص ما في الثروة يفوق ما حصل عليه يسهم في تطوير شروط تحقيقي لمصالحي الخاصة، فلا بدّ من السماح بتلك اللامساواة بدل رفضها. وهكذا، فإنّ رولز لا يرفض اللامساواة بشكل مطلق، لأنّه يستثني اللامساواة العادلة. يمكن أن تكون الفوارق الاجتماعية مقبولة إذا أسهمت في الترفيع في الحصة العادلة مقارنة بما أحصل عليه في البدء. كما يمكن لهذه الفوارق الاجتماعية ألا تكون مقبولة إذا كانت تلحق الضرر بتلك الحصة العادلة، وهو ما يمكن أن يحصل في إطار النظرية النفعية. لقد احتاج رولز في عرضه لمبادئ العدالة إلى ترتيب تفاضلي لمختلف العناصر المكوّنة للنظريّة. و يتمثّل المشروع الذي اختاره "رولز" في تفكيك التصوّر العام إلى أقسام ثلاثة منظمة : وفق مبدأ "الأولوية المعجمية".

المبدأ الأوّل: لكلّ شخص حق متساو مع غيره في النسق الشامل من الحريات الأساسية المتساوية؛ حيث ينسجم ذلك مع نسق مماثل من الحرية للجميع.

المبدأ الثاني: يجب أن ننظم مظاهر التفاوت الاجتماعي و الاقتصادي على النحو التالي:

- أن تكون لصالح الأقل حظا.

- أن تكون مرتبطة بوظائف و بمواقع مفتوحة للجميع و في إطار من المساواة العادلة في الفرص.

لئن واصل رولز المشروع التعاقدي الشائع في عصره، وذلك من حيث اعتماده على مفهوم الوضع البدئي Position originale الذي يتشابه مع مفهوم الحالة الطبيعية état de nature، فإنّه من جانب آخر قد اختار طريقا مغايرا لفلاسفة العقد الاجتماعي السابقين له، لأنّ العقد عند رولز لا يهدف إلى تأسيس المجتمع السياسي، بل إلى تأسيس مبادئ العدالة. تشكّل هذه المبادئ "التصور الخاص"، وتهدف إلى بناء النظرية المنسجمة التي عجزت النزعة الحدسية عن بلورتها؛ ويمكن أن ننطلق من هذه المبادئ لنبيّن أن هناك خيرات اجتماعية ما، أكثر شأنا من غيرها، و لذلك فلا يمكن التضحية بها من أجل تنمية الخيرات الأخرى. وبالتالي، فإن المساواة في الحرية تكون سابقة على المساواة في الحظوظ التي تكون بدورها ذات أولويّة على المساواة في الثروة. كما نجد في كلّ شكل من المساواة المنطق الداخلي نفسه: لا يكون تفاوت ما مقبولا إلاّ إذا استفاد منه من هم الأقل حظا من غيرهم، وهو ما يعني أنّ قاعدة الأولوية لا تتعارض مع المبدأ الأساسي للقسمة العادلة، لأنّ هذا المبدأ ينطبق على كلّ أشكال المساواة. يحرص رولز في "نظرية العدالة" على تأكيد أولويّة الحريّات الأساسيّة التي يعني بها الحقوق المدنية و السياسية التي عادة ما تكون سائدة داخل الديمقراطيات الليبرالية: كحق الانتخاب، والترشح للوظائف العمومية، والحق في محاكمة عادلة، و الحق في حرية التعبير والتنقل.

لا تحظى أولوية الحقوق المدنية و السياسية بقبول واسع داخل المجتمعات العربية الإسلامية؛ وذلك نظرا لطغيان التفكير الجماعاتي communautarienne Pensée الذي يقوم على إقصاء حرية الفرد. فمسألة ضرورة حماية الحريات الأساسية للأفراد هي الجانب الذي يثير العديد من التساؤلات التي أصبحت تحاول مقايضة الحرية بالأمن . فمهما كانت حاجتنا إلى الأمن و الاستقرار فلا يجب التضحية بالحرية، لأنّ الأمن الحقيقي الدائم هو الأمن الذي ينجح في الانسجام مع أولوية الحرية التي تبقى حريّة مطلقة لا يمكن تحديدها إلاّ بمقتضى الحرية ذاتها، و ذلك داخل نسق مماثل من الحرية للجميع. صحيح أنّه لا يمكن قبول تلك الحرية المطلقة التي لا تترك المجال لحريّة الآخرين، غير أنّ هذه الحريّة لا يكمن مقايضتها بمقتضيات الأمن القومي أو النجاعة الاقتصادية و الحاجة الاجتماعية، لأنّ هذه الاعتبارات هي في أعماقها مجموعة من التبريرات الواهية التي تريد استغلال حاجتنا إلى الأمن و الغذاء من أجل حرمان الأفراد من حريّاتهم الأساسية التي يعتبرها رولز مبدأ أوليّا لا يمكن التضحية به في سبيل النجاعة الاقتصادية كما هو شان النظرية النفعية. أمّا فيما يتعلّق بالمبدأ الثاني، فهو يثير العديد من الإحراجات، لأنّ البعض يرفض على نحو قطعي، صياغة نظرية في القسمة العادلة للموارد الاقتصادية في حين أن البعض الآخر يبالغ في نزعته المساواتية égalitarisme إلى حد التعارض مع الحرية الفردية للتملك؛ فمسألة توزيع الموارد ذات أهمية متعاظمة، و ذلك لتمزق نظريات العدالة بين المساواتية الماركسية المطلقة أو التحررية المطلقة عند روبير نوتزك.[3] لذلك سأحاول التركيز على شرح رولز لمبدأ التباين. يقيم رولز مبدأه في العدالة على حجتين؛ تعتمد الأولى على مقارنة نظريته بما يعتبره الإيديولوجيا السائدة في مجال العدالة التوزيعية أو المساواة في الحظوظ كمثال أعلى. و يعتبر رولز أن نظريّته هي أحسن تعبير عن مثل الإنصاف التي تنادى هذه الإيديولوجيا باحترامها.

أما الحجّة الثانية، فهي مغايرة تماما للأولى، وتتمثل في اعتبار "رولز" أنّ مبادئه تتفوق على مبادئ النظريات الأخرى، وذلك لأنّها حصيلة عقد اجتماعي افتراضي. و يرى مؤلّف كتاب "الليبرالية السياسية"، أنّه لو سنحت للأفراد فرصة تحديد قبلي لنوع المبادئ التي تحكم مجتمعهم، فسيختارون مبادئه هو. فلكل شريك، في حالة ما قبل اجتماعية يسميها رولز" الوضع الأصلي" مصلحة عقلية في قبول المبادئ الرولزية من أجل تنظيم العلاقات الاجتماعية. ولقد كانت لهذه الحجة الثانية أهميّة متعاظمة عند أغلب النقّاد، حتّى إنّ البعض يعتبرها السبب الرئيس لشهرة صاحبها.

* نوفل حنفي باحث جامعي - كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بالقيروان / تونس


[1]Rawls John, Théorie de la justice, Paris, seul, 1987

[2] Ibid., P91

[3] Nozik Robert, Anarchie, Etat et Utopie, PUF, paris, 1988.