العنف والسياسة

فئة :  مقالات

العنف والسياسة

هل العنف ملازم للسلطة والمجتمع، أم إنه ظاهرة تاريخية متغيرة عارضة مرتبطة بطبيعة السلطة والمجتمع في تركيبته وبنيته؟وكيف يمكن تفسير العنف عندما يصل إلى أقصاه ويتحوّل إلى الشرّ الراديكالي؟

سنحاول في هذا المقال تلخيص بعض أطروحات أهم الفلاسفة من عهد الإغريق إلى زمننا المعاصر حول نظرتهم للعنف في علاقته بالسلطة، محاولين تبين أوجه التداخل بين العنف والسياسة وأوجه التعارض.

*- التعارض بين السياسة والعنف:

سنتطرق في هذا الجزء للفلسفة الكلاسيكية والمعاصرة التي نبذت العنف واعتبرته عملاً غير سياسي، فربطت السياسة بالأخلاق، بل إن بعضها هربت من الواقع، وكانت كتابات مثالية خيالية تتحدث عن السياسة كما يجب أن تكون لا كما هي موجودة بالواقع، ومثال ذلك "أفلاطون" و"الفارابي" و"طوماس مور" والقديس "طوما الأكويني" والقديس "أغسطين"، وربما كان ذلك بسبب التأزم السياسي في تلك الفترات، لكننا هنا سنكتفي بالتطرق إلى بعض الفلاسفة، وذلك على النحو التالي:

1-في الفلسفة السياسية الكلاسيكية:

أ- أفلاطون: نجد أن أغلب حواراته تدور حول العدالة والمساواة والسعادة والفضيلة والعلم، ولا تدور حول العنف، وتتميز بالوحدة والانسجام. لكن وإن كان ينتقد الديمقراطية وينعتها بسلطة الدهماء وخطاب الديماغوجية، لأنها في نظره من أدت إلى إعدام سقراط، فإنّه ينبذ العنف صراحة، حيث يذهب إلى القول إن السياسة لا تقاس بالقوة ولا بالأسلحة، بل بالتمسك بالفضيلة، لأنّ غاية الدولة عنده هي إسعاد الإنسان لا الدفع به نحو الاقتتال.

ب- أرسطو: يرى أن السياسة كامنة في ذات الإنسان، وذلك في توفيقه بين الديمقراطية والأرستقراطية، فإنّ السعادة تنبثق من خلال هذا التوفيق بين هذين النظامين، وتنعدم في ظل سيادة نظام على آخر، حيث يسود العنف.

ت- الفارابي: يرى في كتابه "المدينة الفاضلة" أنّ الغلبة والقهر من خاصية المدينة الضالة، في حين أنّ السياسة الحكيمة والقويمة هي التي تؤدي إلى إسعاد الإنسان، ولا يمكن إلاّ أن تسود المدينة الفاضلة وحدها، وهي المتميزة بالعدل والعقل.

2-في الفلسفة السياسية المعاصرة:

أ- حنا أراندت: ترى في السياسة التفاعل والتواصل الذي يطبع العلاقات بين الناس في إطار من الاختلاف والتمايز بينهم وتساويهم، رغم اختلافهم وتمايزهم، إذ إنّ هذا الاختلاف والتمايز في نظرها هو ما يضمن ألا تتحول السياسة إلى العنف.

وفي كتابها "في العنف"، ترى "حنا أراندت"أنّ العنف يرتبط بأفعال غير سياسية، لأن العنف في نظرها فعل غير سياسي ويحتاج إلى تبرير؛فالعنف المضاد للسياسة يظهر في غياب الحرية التي تسمح بالقدرة على الفعل.

ب- هانس كلسن: يرى أنّ العنف لا يخضع لضوابط سياسية، بل لضوابط قانونية؛ فالقانون عنده هو من ينظم مجال الحرية، وهو من يقيد اللجوء إلى العنف.

*- التلازم العضوي بين العنف والسياسة:

سنحاول في هذا الجزء التطرق لأهم أفكار الفلاسفة، سواء في الفلسفة الكلاسيكية أو المعاصرة، والتي تنحو منحى مخالفًا للمنحى الأول، حيث ترى تلازم كل من العنف والسياسة، وتجعل من القوة والعنف من مميزات السياسي الناجح، وذلك كما يلي:

1.في الفلسفة الكلاسيكية:

أ- الحركة السوفسطائية: في إطار الواقعية السياسية التي يتميز بها "السوفسطائيون" وفي إطار إيمانهم بأنّ التاريخ هو المؤثرفي تطور المجتمعات الإنسانية وفي وجودها، فإنّ الأنظمة السياسية في نظرهم هي نتيجة إفرازات تاريخية تعبّر عن صراعات اجتماعية، لذلك، فإن القوة في نظرهم هي الحاكمة في المجال السياسي.

ب- ابن خلدون: يرى ابن خلدون أن الدولة ضرورية للحد من نزوات الإنسان الأنانية بواسطة العنف، لأن الطرق السلمية في نظره غير مجدية للفصل بين الأطراف المتناحرة التي يحكمها ما أسماه "قانون العصبيات"؛ لذلك فالسياسة عنده تقترن بالقوة والعنف.

2.في الفلسفة السياسية الحديثة:

أ- ماكيافيلي: يعد العنف من القواعد التي ينبغي على الأميرالناجحوالفاعل التمسك بها، وبالتالي فالعمل السياسي عنده لا علاقة له بالمجال الأخلاقي.

ب- هوبز: يعد العنف عنصرًا أساسيًا في العلاقات الاجتماعية؛ فالناس في حالة الطبيعة في حرب دائمة من أجل البقاء، أو ما أسماه حرب الجميع ضد الجميع، لذلك نجده يقترح من أجل الخروج من هذه الحالة دولة مستبدة قاهرة تتبنّى العنف وتحتكره لإخضاع كل المتصارعين والمتحاربين.

3.الفلسفة السياسية المعاصرة:

أ- باتريو: ينظر إلى القوة والعنف على أنهما قوتان طبيعيتان موجودتان في كل الكائنات الحية، وشرط ضروري لتحقيق التوازن داخل المجتمع للحفاظ عليه في فترات الأزمات.

وعليه، فالسياسة عنده صراع دائم بين النخب، في أي مجتمع، حول القيادة والزعامة بعد أن تكون قد قضت على نخب أخرى.

ب- كارل سميث: يرى في كتابه" مفهوم السياسة" أنّ السياسة تخضع لمعيار الصديق والعدو ولاستراتيجيات وتحالفات، لذلك نجده ينتقد "هانس كلسن" في وضعه القانون مقابلاً للعنف، لأنّ القانون في نظره يخضع في بداية وضعه لإرادة سياسية وقرار سياسي لا ينفصل عن الصراعات السياسية.

ت- أنجلز: يرى في كتابه "دور العنف الثوري في التاريخ" أنّ العنف ضرورة تاريخية لتنظيم الثورة وتأطير العنف الجماهيري؛ فالعنف الثوري وسيلة للقضاء على العنف للوصول إلى مجتمع جديد تغيب فيه السياسة والعنف.

ث- فرانز فانون: في كتابه "المعذبون في الأرض" يرى أنّ العالم الكلونيالي مقسم إلى قسمين؛ مستعمِرين ومستعمَرين، وأن الحدود الفاصلة بينهما هي الشرطة والجيش، وأنّ الناطق الرسمي بين الجانبين هو رجل السلطة، ويرى بأن القضاء على هذه الدول لا يمر إلا عبر العنف، أو ما يسميه عنف مطلق ضد استعمار مطلق. وعليه، فالعنف يعيد الحياة إلى الإنسان المقهور ويكشف له عن إنسانيته التي طمسها الاستعمار.

وفي السياق نفسه، نجد فلاسفة آخرين يجعلون من العنف أداة سياسية للتغيير؛ "فجورج سوريل" يؤكد أنه عن طريق العنف يمكن إحياء مجتمع جديد، الأمر الذي أثر على الفاشيين في إيطاليا كما أن "روسو" يجعل منه أداة للوصول إلى الديمقراطية، وكذا "جون لوك" في الوصول إلى الليبرالية وكذا "جوليان فروند" و"ميشيل فوكو" و"كارل ماركس" من قبل وغيرهم.