الغرابة و"الهوية المُقعَّرة"

فئة :  مقالات

الغرابة و"الهوية المُقعَّرة"

تفترض عملية استدعاء الغرابة والحديث عن الأجنبي، الانتباه إلى أهمية الاعتبارات النفسية في البحث عن الهوية، والإصغاء، بموازاة ذلك، إلى طبيعة حضور الغير في صيرورة هذا البحث. يبدو مفهوم الهوية الفردية، في هذا السياق، وكأنّه مفهوم خادع؛ لأنّه لا يمكن أن يتقدم بوصفه مجرد حركة في اتجاه الفردية من خلال مساءلة المكتسبات الجمعية، التي قد يكون من مضاعفاتها الحد من حجم تأثير ما هو جمعي في الهوية. ومن ثم، فإنّ كل تأكيد على الهوية، تغلب عليه الادعاءات الفرديّة، يكرس الفارق بينها وبين الخطاب الجمعي.

وإذا كانت "الغرابة"، بوصفها تعبيرًا عن المأزق الوجودي الذي يعيشه الكتاب المغاربة باللغة الفرنسية في علاقتهم بذاتهم وبالآخر، فإنّه يبدو من المثير الاقتراب من هذه المفارقة من زاوية نظر المهاجر؛ أي من منطلق تلك الحالة الوجودية التي تجعل الإنسان كائنًا مُعلقًا، يعيش انزياحًا دائمًا بين الأنا والآخر، وتمزقًا بين الهوية والاختلاف، فكيف يتحمل خطاب المهاجر هويته الإشكالية؟ كيف تتحرك كتابات الشباب في المهجر معبرة عن تمزقها وعن غرابتها وعن مفارقتها الوجودية؟

لقد كانت فرنسا هي الآخر الغازي بالنسبة إلى المغرب العربي، امتد احتلالها للجزائر 132 سنة، وللمغرب 44 سنة وتونس أكثر من ذلك قليلاً، أحدث الاختراق الفرنسي للتاريخ وللجغرافيا المغاربية اهتزازًا وجوديًا في الكائن المغاربي، خلخلت أنماط النظر، بل وخلقت رضَّات واقعية في الجسد، والبناء النفسي، وفي تصورات المغاربيين؛ وباسم الهوية العربية الإسلامية "طُردت" فرنسا من المنطقة دون أن تنسحب كلية، وقد تم ذلك باسم هوية مُناضلة. إلاّ أنّه، وعلى الرغم من هذه المواجهة، خلقت ظاهرة الهجرة إلى فرنسا معطيات شائكة ومُفارقة، ولّدت علاقة صراعية تتميز بتأرجح مثير بين الانجذاب والاستبعاد، بين الرغبة في تبني النموذج الفرنسي وبين الخوف من الفقدان.

وقد أفرزت ظاهرة الهجرة آلياتها الخصوصية، عندما أعادت إنتاج ذاتها من خلال الأجيال التي رأت النور على أرض الاستقبال، وبالاختلاط والتمازج تعرضت الذاتية المغاربية، وما تزال، لهزات تاريخية وثقافية مؤلمة، أحيانًا، بسبب أبعادها المأساوية. ذلك أنّ الجيل الثاني أو الثالث يطالب بـ "فرنساته" الخاصة؛ أي بانتمائه المميز للفضاء الوجودي والثقافي الفرنسي. ولا يكتفي بالمطالبة، فقط، بل يصوغ أنماطًا مختلفة من التدخلات المادية والرمزية. قد يتم ذلك من خلال سلوك عنيف، وقد يحصل بواسطة الإبداع. فهناك فن مهاجر "بور" Beur – كما يقال في فرنسا – هناك سينما ومسرح ورواية وغناء يميز هذه الفئة المغاربية؛ فأبناء المهاجرين يبدعون أيضًا، يكتبون تمزقهم وازدواجيتهم، يتحدثون عن آلامهم وأفراحهم، ويصرخون بتفاصيل "هوية مقعرة" ومعلقة، وهم يقومون بذلك لخوض نضال جديد ضد العنصرية المتنامية ورفض الآخر واللاتسامح، بالحركة والفعل والكتابة، محاولين نحت لغة جديدة تبرز تمزق الكائن المهاجر، وتصف غرابته، دون أن تنسى المطالبة بالحق في الانتماء المختلف وفي المواطنة المغايرة. تعيش الأنا المهاجرة، في دواخلها الحميمية، مأزقاً حقيقيًّا، ذلك أنّه، ولخلق المسافة مع الغرابة التي يشعرني بها الأجنبي، ولحماية هويتي النفسية والجسدية من التحطيم، فإنّني سوف أذوب في الجماعة التي تؤمن لي بعض الطمأنينة. وبإعادة التضامن مع شبيهي أستعيد الدرع الواقي لهويتي الجماعية التي تساعدني على استبعاد الآخر، الغازي والمضطهد، الذي سأعمل، بدوري، على الانتقام منه، باكتساحه (من خلال التماثل معه)، أو باضطهاده، سواء في هويته الخاصة (الفردية، الجنسية، النفسية والعائلية)، أو في هويته العمومية (الجماعية، المهنية، السياسية، والوطنية). يواجه الأجنبي هوية جماعية، أحادية الشكل، متضامنة، حين يتطلع إلى اختراق دائرة هوية جماعية غير تلك التي يحمل أصلًا. لكي يختلط بالغير ويندمج في الهوية الجماعية المستقبلية، عليه أن يقر، في مقابل ذلك، باحتمال فقدان هويته الأصلية، هنا يجد الأجنبي، المهاجر المغاربي نفسه أمام اختيار مقلق، فهو إذا رفض التسليم بفقدان هويته الفردية- الأصلية- فإنّه يعاند عملية التجانس الجماعي ويتبرم من الانصهار فيه. إنّه يتقدم، هنا "باعتباره اختلافًا في مواجهة هوية جماعية، وباحتلاله لفضاء الاختلاف الذي يؤكد مغايرته، ينتزع من الآخر مبادرته ويوجه، بذلك، للهوية الجماعية الفرنسية تحدي هويته الخاصة. وهكذا يموضع ذاته بوصفه آخر المواطن - حتى ولو حصل على الجنسية - وكتهديد، إن لم يكن كعدو للهوية الجماعية المركزية "[1].

إلاّ أنّ خطاب الاختلاف كثيرًا ما يكون إشكاليًا، كما هو الشأن بالنسبة إلى خطاب الهوية أيضًا، لاسيما حين يريد استعراض مكوناته داخل سياق من الانسداد والصراعات الرمزية. فالعنصرية نتاج عدواني لعملية المطالبة بالهوية، بل للهوس الباثولوجي بالاختلاف؛ إذ الاختلاف، عند العنصري، أمر لا يمكن تخطيه أو التطابق معه، لأنّه بيولوجي أو وطني، أو اختلاف في العرق وفي العادات. غير أنّه يمكن أن يكون الاختلاف شعارًا نضاليًا في اتجاه اللقاء الإنساني والتسامح. فالشعار الذي رفع في فرنسا قبل ثلاثة عقود: "كلنا سواء في اختلافاتنا" يفترض اعترافًا بالغير ونداء للغرابة، دون فقدان تفاصيل الذات، لذلك فإنّ تسامح الغير "الشبيه والمختلف" في آن، يمثل إحدى أكبر الفضائل التي تسعف على الاتحاد في التمايز، وعلى التعايش في الاختلاف وعلى مواطنة مفتوحة داخل الخصوصية؛ أي أن تقبل ذاتك وتقبل الغير عملية مرهونة باعتراف هذا الغير بكونه أجنبيًّا لذاته وللآخر.

طرْح سؤال الذات والآخر، الشبيه والمختلف، من زاوية وجودية لا يمنع من الإقرار بخطورة الوضعية المأساوية للأجنبي وللمهاجر. يتعلق الأمر بوجود صعب الاحتمال وبظواهر مرضية متنوعة، بل وبعملية تثاقف غير مضطلع بها تمامًا، يصعب العيش حتى داخل اللغة الواحدة والعادات المشتركة، كما يقول جاك بيرك في تقريره الشهير عن "المهاجرين في مدرسة الجمهورية" (1985)، بل إنّ الصعوبة تتأجج بتمزقات داخلية، غالبًا ما تفرق المهاجرين إلى أصول مغايرة وذات تراتبية تزيد من تعميق الفارق مع الجماعة ذات الأغلبية، هذا فضلاً عن أنّه لا يوجد مهاجر نوعي، هكذا في المطلق. ذلك أنّ أوروبا الجنوبية، بحكم موقعها الجغرافي وبسبب كونها نقطة عبور، مثلث دائمًا قطبًا جاذبًا لحرمانات الجنوب، فهي منطقة مهاجرين. لذلك، فالقول إنّ فرنسا كيان خالص هو مجرد تخيل خادع يعجز حتى الخطاب العنصري على البرهنة عليه.

تعبُر مجتمع الهجرة، من ناحية أخرى، اختلافات هائلة، ويتميز بتباينات معقدة، إذ يختلف المهاجر عن غيره، بسبب نسبة نجاحه أو فشله، بحكم أقدمية تواجده، بل بالشعور الذي يحمله إزاء بلد الاستقبال. في هذا السياق تتشابك الأوهام بالأحكام المسبقة إلى درجة لا توصف.

فسيفساء من الهويات والأصول، أن تطالب بالاختلاف أساسًا لهوية، في هذا السياق، يمثل مصدرًا لكل أنواع سوء التفاهم والشكوك، سيما في "المختبر" الاجتماعي والسياسي والثقافي الفرنسي، لأنّه في الوقت الذي يحتفظ فيه الأجنبي، بقوة، بغرابته في وعيه بسبب الخطاب الجماعي المركزي (الفرنسي هنا)، قد تؤدي، في هذه الحالة، صفة الغرابة بالأجنبي إلى السقوط في نوع من "الانغلاق الباثولوجي" الذي يفرز سلوكاً ومواقف تعوق كل تواصل تثاقفي إيجابي.

ومع ذلك، هل يمكن للبعد التثاقفي أن يكتسب مضمونه الحواري دون تكسير غطرسة الهوية المركزية؟

لا أحد يمكنه إيقاف هجرة الرموز والصور والأجساد، حيث تنتقل في كل الفضاءات وتتخطى الحدود والحواجز، على الرغم من المقاومات والمواقف المتشنجة.


[1] Michel Laronde, Autour du roman beur, immigration et identité, Ed, L'Harmattan, 1993, Paris, P. 35