الفلسفة في زمن ما بعد الحداثة

فئة :  مقالات

الفلسفة في زمن ما بعد الحداثة

يقدم جيل دولوز وفليكس غاتاري في كتابهما المشترك "ما هي الفلسفة ؟" تحديدا لوظيفة التفلسف، أراه كافيا بحد ذاتهللدلالة على أزمة المعنى في زمن ما بعد الحداثة. إذ لم تعد الفلسفة بعد التحولات المعرفية المعاصرة "بحثا عن الحقيقة"، ولا إبداعا لرؤى حول العالم، إنما فقط إنتاج مفاهيم.

لكن لماذا نجعل من هذا التحديد الدولوزي لفعل التفلسف، علامة على أزمة المعنى؟

أليس ثمة مفارقة بين زعمنا هذا، وماهية الاشتغال المفاهيمي؟

أليس إبداع مفاهيم هو بالضبط إبداع معاني ؟ فكيف إذن نَعُدُّ تعريف الفلسفة ، بكونها صناعة مفاهيم دالا على أزمة المعنى؟

قبل أن نجيب عن هذه الاستفهامات، ونرفع تلك المفارقة، لابد من تحليل طبيعة الصناعة المفاهيمية في حقل تاريخ الفلسفة الغربية، لنتبين دلالة تحولاتها الراهنة:

تميز فعل التفلسف - في السياق الثقافي الغربي - منذ سقراط بنزوعه نحو الحد الماهوي، حيث كان مشدودا نحو الصناعة المفاهيمية، بما هي اشتغال سيمانطيقي يطلب المعنى، ويشدد في نقد الاستعمال الدلالي الشائع. وقد أثمر هذا الاشتغال السيمانطيقي في تاريخ الفلسفة إرثا ضخما في المفاهيم الفلسفية، حتى أن الفلاسفة أصبحوا يتمايزون ليس فقط بأفكار ورؤى، بل أيضا بنوع الدلالات التي يعطونها للمفاهيم التي يتوسلونهاللتفكير. وأكثر من ذلك، لقد كان البعض منهميحرص على إفراغ المفهوم من مدلوله، ليُبَطِّنُهُ معنى يشذ به على نحو مخالف تماما، ليس للاستعمال الشائع فحسب، بل حتى للسائد في الحقل الفلسفي ذاته :

فمفهوم الحدس مثلا عند كانط مغاير لمدلوله المألوف في الاستعمال الفلسفي؛ فهو ليس معرفة مباشرة بلا وساطة استدلالية، بل معرفة حسية!

كما أن أسماء الفلاسفة تقترن في الغالب بالمفاهيم التي صنعوها؛ فكانط يقترن اسمه بمفهوم "النقد"، وبرجسون ب"الديمومة"، وهيدغر ب"الكينونة" و"الدازاين"، وهيجل ب"المطلق"، ولايبنز ب"الموناد"، وهوسرل ب"القصدية"و"الإرجاع" ... لذا حق لدولوز أن يقارن عمل الفيلسوف بعمل الروائي؛ فكما أن الإبداع السردي يقترن بإبداع الشخصيات، فإن عمل الفيلسوف يقترن بإبداع مفاهيم .

ولَمَّاحَةٌ جدا تلك الرؤية الدولوزية إلى مركزية المفاهيم في الفلسفة، فليست محورية المفاهيم في المتن الفلسفي بمقام محورية الشخوص في المتن الروائي فقط، بل إن التفكير الفلسفي إذا ما استحضر الشخصيات سرعان ما تستحيل عنده إلى مفاهيم . ألسنا نتكلم في فلسفة نيتشه عن "ديونوسيوس" لا كاسم ثيولوجي أسطوري، بل كدال مفهومي ؟!

غير أن هذا التحديد لفعل التفلسف بوصفه فعل مَفْهَمَةٍ، ينبغي تمييز سياق وروده في الفلسفة القديمة والمعاصرة. فالتعليل الذي يقدمه دولوز لوجوب اشتغال التفكير الفلسفي في صناعة مفاهيم مغاير لسياق الاشتغال المفاهيمي في الفلسفة القديمة. ويكفيني هنا لبيان الفارق أن أشير إلى الحد الماهوي عند سقراط كأساس منهجي للعمل المفاهيمي قديما، فقد كانت السقراطية - وكذا التقليد الأفلاطوني الذي ساد بعدها - يعتقد بإمكان تثبيت الدلالة ، وصوغ المفهوم صياغة سيمانطيقية ماهوية . وهذا ما يتبدى في ترتيب أفلاطون لمراتب طلب الحد بالانتقال من الأفراد، إلى الأجناس، ثم الأنواع، فالماهيات، وهو الناظم المنهجي الذي سيؤثر في تأسيس المنطق الصوري عند تلميذه أرسطو، بما هو منطق كليات يرفع الحد بالماهية إلى درجة التعريف الحقيقي، ناظرا إلى ماعداه بوصفه مفتقرا إلى القدرة على إنتاج الحد .

صحيح أن المنطق رغم وضعه للحد، بما هو تركيب من جنس وفصل، في أعلى مقام ، واحتقاره لأنماط التعاريف الأخرى كالتعريف باللفظ والتمثيل والمخالفة.... بدعوى أنها لا تخلص إلى الماهية ، ورغم أن المناطقة قالوا بنُدْرة الحدود الماهوية، بل اعترفوا بعُسر إنتاجها، فإن الشاهد عندنا هنا هو أن الوعي الفلسفي، في القديم، كان يعتقد بإمكانية تحصيل الحقيقة ؛ بينما الاشتغال المفاهيمي عند دولوز، نابع من منطلق فكري مغاير، وهو نسبية الدلالة وعدم وجود حقيقة مرجعية يمكن الاستناد عليها.

وهنا نعود إلى تلك المفارقة التي أبرزناها قبل بالاستفهام :

كيف نَعُدُّ تعريف الفلسفة، بكونها صناعة مفاهيمية علامة ودليلا على أزمة المعنى؟

لقد عَرَّفَ كانط الفلسفة قبل دولوز وغاتاري بوصفها تفكيرا بالمفاهيم ؛ بيد أن هذينالأخيرين لم يقتصرا على تعريفها بالتحديد الكانطي السابق، بل بكونها تفكيرا بالمفاهيم وللمفاهيم ! وينبغي أن نعي سبب قَصْرِهمالاشتغال الفيلسوف على الصناعة المفاهيمية . فاكتفاء التفلسف بصوغ مفاهيم دون تقديم "رؤى العالم"، ومعنى للوجود وكينونة العيش هو بالضبط علامة على الإحساس بعدم القدرة على بلورة إجابة تستطيع إقناع العقل وطمأنة الشعور. فالمشروع ما بعد الحداثي، بخلخلة ثقة الفكر في إمكاناته الابستملوجية ، خلص إلى انتزاع ليس فقط أوهام الوثوقية ، بل أيضا انتزاع الأمل في الحقيقة وأعماق الدلالةالوجودية .

لذا ليس غريبا أن نجد دولوز يحرص على تخليص التفلسف، من الإيغال في التجريد للاكتفاء بالسطح الظاهر. أليس هو ذاك الذي وقف معجبا بقول فاليري: " الجلد هو الأكثر عمقا " ؟ ولم يكتف بوضع العبارة في سياقها الطبي، إذ عندما يقول بأنها ينبغي أن "تُعَلَّقَ على أبواب كل أطباء الأمراض الجلدية لبالغ أهميتها " ؛ فإنه سرعان ما ينتقل إلى القول بأن الفلسفة هي بدورها نوع من الدِّرْمَاطُولُوجِيا العامة ( علم الأمراض الجلدية ) تنحصر وظيفتها في " الاهتمام بالسطوح ".

إن قَصْرَ التفلسف على اشتغال في اللغة هو ديدن الكثير من الرؤى المشككة في قدرة العقل الفلسفي . فإذا كان دولوز بتشكيكه في استطاعة الفلسفة إنتاج معنى الوجود، لا يرى في غيرها من أنماط الفكر القدرة على أن تكون بديلا أفضل منها في تأدية هذه الوظيفة المستحيلة؛ فإن غيره كان يريد بقصر اشتغال الفيلسوف على اللغة يستهدف بيان وتوكيد عجز الأجهزة المنهجية التأملية التي تشتغل بها الفلسفة عن إنتاج المعنى والدلالة.

فوضعية أوجست كونت، مثلا، برفعها للعلم التجريبي إلى مقام منتج المعرفة ، لم تر في التفكير الفلسفي سوى خطوة تالية للعلم، مهمتها إيضاح المفاهيم التي ينتجها العلم فقط لا إنتاج المعاني والأفكار. وقد وعت الوضعية المنطقية هذا الدرس الكونتي، فانساقت مع رايشنباخ وكارناب وفتجنشطين ( في " رسالته المنطقية " التي سيتراجع عن أطروحتها لاحقا)نحو الإيغال في الحد من انطلاقة فعل التفلسف، ليستحيل إلى مجرد اشتغال معجمي يُطَهِّر اللسان من الألفاظ التي ليس لها ما صدق في الواقع الحسي!

إذن، ينبغي أن نعي أن مدلول الاشتغال على المفاهيم في الفكر الفلسفي المعاصر عادة ما يَرِدُ بناء على تصور يرى عجز اللوغوس عن الإنتاج ، والاستعاضة عن الوظيفة الإنتاجية بالاشتغال بين دفتي المعجم .

إنها استقالة من وظيفة التفلسف، بل إعلان عن "موت الفلسفة"، تنطقها تقليعات ما بعد الحداثة إضمارا بعبارات أخرى ك " موت الإيديلوجيا "، و" أفول السرديات الكبرى "، ونحوه من الصيغ الدالة على افتقاد أرضية أو مرجعية للتفكير؛ لأنه لم يعد اليوم بإمكان الوعي الغربي ربطفعل التفلسف بالحقيقة؛ حيث لم يعد أصلا ثمة اعتقاد بوجودها .

إنها صيرورة أزمة ترجع إلى إفلاس العقل الحداثي؛ أي ذلك العقل الأداتيالذي هيمن على الحضارة الغربية، وخلص بها إلى تشظي الحقيقة ، واغتيال إمكانات الاعتقاد . وإن تطور ماهية الاشتغال الفلسفي في بناء الجهاز المفاهيمي من اللحظة السقراطية؛ أي من إنتاج الدلالات الماهوية، إلى الفكر ما بعد الحداثي، سواء مع الوضعية أم الدولوزية ؛ أي إلى اشتغال في تشقيق الدلالة ونقد مداليل الألفاظ ، هو توكيد على عدم الثقة في العقل الفلسفي، واعتقاد بعدم قدرة إجرائياته المنهجية عن إنتاج دلالة الوجود. ومن ثم، فهي ليست نقلة في تحديد وظيفة الفلسفة ، بل نقد إمكان الحقيقة.

ففلسفات ما بعد الحداثة باستنزالها اللوغوس، أو الكوجيتو من مقام منتج المعنى أو مصدر الحقيقة لم تُثمر سوى نزعة سوفسطائية أدخلت الكينونة الإنسانية في عالم العدمية واللامعنى، والزمن الوثوقي الذي يستدخل الحقيقة ويعلبها في إيديولوجيا محكمة، والزمن ما بعد الحداثي الذي يغتال مثال الحقيقة، ويلقي بالوعي في العراء، والعدمية كلاهما مدمر للنفس الإنسانية. صحيح أن الزمن الثقافي ما بعد الحداثي، يبدو ثريا في حراك إنتاجه المعرفي، حتى أن إيقاع تتالي الأفكار يتسارع على نحو حثيث؛ فكلما ظهرت تقليعة معرفية إلا وتلاها ما ينقضها وينفيها. لكن شدة الحراك المعرفي، بأفول أفكار وانبجاس أخرى، ليس دائما دليل ثراء ، بل أحيانا كثيرة يكون نتاج اختلال وارتعاد بعد فقدان دثار اليقين!

لكن أي مسلك إبستملوجي يمكن اليوم أن يزعم إمكان اليقين؟