القباله: حياة تصوف وسحر Kabbale, vie mystique et magie لحاييم الزعفراني

فئة :  قراءات في كتب

القباله: حياة تصوف وسحر Kabbale, vie mystique et magie لحاييم الزعفراني

القباله لفظ يدلّ على مرويّات تواترت عن الأنبياء المذكورين في العهد القديم، ثم دلّ فيما بعد على نوع من التصوّف؛ فقد ذكر جورج فايدا في كتابه "مقدّمة في الفكر اليهودي خلال العصر الوسيط"، أنّ القباله يقصد به النتاج الذي يفترض فيه أن يتضمّن إضافة إلى الباطنية اليهودية جماع الكتابات التلمودية والمدراشية، وكذا كلّ الآراء والمعتقدات الكلامية والفلسفية التي عرفتها العهود اليهودية العربية... والقباله هي أيضا رفد النتاج الفكري اليهودي.[1]

صدر كتاب القباله سنة 1986 في باريس مكتوبا باللغة الفرنسية، وأعيد طبعه سنة 1996، ويتألف من مقدّمة وتسعة فصول وخاتمة.

أشار حاييم الزعفراني في مقدّمة الكتاب، أنّه لن يتناول التيارات الكبرى في التصوّف اليهودي، بل سيعمل على توضيح بعض أوجه التصوّف اليهودي في المغرب، وبالتالي إثباتها تاريخيا، وإثبات صحة المؤلفات القبالية وهويّة أصحابها.

وإذا كان القباله شاهدا على وجود اليهودية في الغرب الإسلامي، فإنّ ذلك يعود إلى الاجتهادات القبالية التي قام بها قباليو درعة، وتافيلالت، ومهاجرو الجزيرة الإيبيرية؛ فقد استمدّوا جهودهم من كتاب الزوهار الذي صار له الأثر الواضح في الحياة الثقافية والدينية اليهودية في المغرب. يقول الزعفراني:" الزوهار، من جهة، موجّه لإبداع أدبيّ قبالي وباطني، خصب ومتعدّد، ومن جهة أخرى، محمّل ببعض التاريخانية، ووسيلة تعبيرية لحياة صوفية دائمة".[2]

أمّا الفصل الأول من الكتاب، فجاء مقسّما إلى جزأين، عنون الأول منهما بالوعي الصوفي، وعرّف فيه القبالة، بأنها تعني في الفترة التلمودية والكؤونية، كتاب الأنبياء في التوراة، وتطابق بدورها تقريبا المذاهب الباطنية، كما تظهر القباله في الكتابات المدراشية والهكادية، وفي موروث الكؤونية الفلسطيني، وفي الحركات الحسيدية الأشكنازية.

وظهرت القبالة في المغرب ــــ يضيف الكاتب ـــ في كتابات باحيا بن بقودة، وأشير بن داود، وعزرا بن سلومون، وأبراهام أبو العافية.

وعنون الجزء الثاني من الفصل الأول بالتصوّف اليهودي والتصوّف الإسلامي، حيث ذكر فيه أنّ اليهودية والإسلام يلتقيان في الفكر الصوفي؛ ذلك أنّ كلمة متصوّف تعني العالم بأسرار جماعية دينية مغلقة، والمنشغل بالبحث في معرفة الله من خلال تجربة شخصية، وإذا كان التصوف الإسلامي يعتمد على طريقة نظامية في اتحاد الروح مع الله [الحلولية]، فإن التصوّف اليهودي كذلك، هو عبارة عن اتحاد أو مسيرة نحو توحد خاص بين الروح والله [الكونة].

وأكّد الأستاذ الزعفراني أنّ اليهود استفادوا من المعرفة الصوفية الإسلامية، ومنهم باحيا بن بقودة، وأبراهام أبو العافية، وأبراهام عباديا. ومن أهم أعلام التصوف الإسلامي الذين اهتم اليهود بالإطلاع على تجاربهم، ذكر الزعفراني علمين مشهورين، هما: محي الدين بن عربي[3]، وأبو حامد الغزالي[4]؛ حيث ترك التصوف الإسلامي بصمات واضحة في التصوف اليهودي في الأندلس والمشرق، والدليل على ذلك أنّ ما قدّمه باحيا بن بقودة في كتابه" الهداية إلى فرائض القلوب" يلتقي مع ما قدمه الغزالي في كتابه " ميزان العمل"، إذ تضمن حيزا واسعا لعلم القلوب، كما أن المفاهيم التي تناولها باحيا بن بقودة في كتابه حول الإخلاص، والتوكل، واعتبار المخلوقين، وطاعة الله، والتوبة، والمحاسبة، ليست بالمفاهيم الغريبة عن الحقل الديني الإسلامي. كما عاش في المغرب الإسلامي يهود كتبوا بدورهم في التصوّف والزهد، ومنهم: إسحاق بن غياث، وسلومون بن جبرول.

وفي النصف الثاني من القرن الرابع عشر، ألّف نسيم بن مالكا الذي عاش في فاس كتابا حول التصوف [كتاب غير موجود] كما اهتم أبراهام بن موسى بن ميمون بالتصوف من خلال كتابه "كفاية العابدين"، ليمثّل التصوّف اليهودي في الواجهة الأخرى للغرب الإسلامي؛ أي مصر.

وشمل الفصل الثاني من الكتاب الحديث عن القراءات الزوهارية، حيث تحدّث فيه الزعفراني عن كتاب الزوهار الذي يعود تاريخه إلى القرن الثالث عشر، كتبه موسى ليون بالقشتالية. ويجدر التنبيه إلى أن هذا الكتاب لعب دورا كبيرا في الحياة الدينية اليهودية؛ فهو الأسطورة والذاكرة والمرآة التي ترى فيها الروح، لذلك حافظ عليه اليهود، وحملوه معهم إثر نفيهم إلى المغرب.

وخصّ الدارس الفصل الثالث الموسوم بالإبداع القبالي المغربي بالحديث عن القباله في المغرب، والتي مثّلها أعلام قباليون من درعة وتافيلالت ومهاجرون قشتاليون، ومن القباليين الذين أتى الكاتب على تعريفهم، نذكر:

1- أبراهام الصباغ: من زامورا، طرد من اسبانيا سنة 1492م، لجأ مؤقّتا إلى البرتغال قبل استقراره في المغرب، أقام بعض الوقت في القصر الكبير، محاولا إعادة كتابة ما فقد من مؤلفاته، والتي كان من أهمها "سرور هامور" الذي طبعه في البندقية سنة 1523، والذي علق فيه على أسفار موسى الخمسة، ليصير فيما بعد تفسيرا قباليا للتوراة.

2- يهودا بن موشي هاليفا: هاجر من فاس في اتجاه الأرض المقدسة في النصف الأول من القرن السادس عشر، عاش في صفد، ثم انتقل إلى دمشق، كانت له علاقة بالمرشدين الروحيين في فاس، وفي 1545، حرر كتابه "سافنات لإينيح"، وهو من المؤلفات القبالية.

3- الربي يوسف بن موسى الأشقر: يعد من مفسري الموروث القبالي الأندلسي، قدم إلى فاس، ثم استقر في تلمسان.

4- الربي شمعون ليفي: اشتهر بقصيدته "بار يوحاي"، عاش بعد التهجير الإسباني في فاس.

5- الربي ابراهام بن سلومو ادريتال: جمع الطقوس القبالية القديمة في مختارة عنوانها "ابن زكرون" [أحجار الذكرى ] .

6- الربي يهودا حياط: حرر تعليقا عنوانه "منحات يهودا" [قربان يهودا].

7- أبراهام بن موردخاي أزولاي: ولد في فاس، استقر في الخليل منذ أوائل القرن السابع عشر، تلقى تكوينا تقليديا وقباليا، ألف عددا من التعاليق حول كتاب الزوهار.

8- موسى بن ميمون الباز: عاش في تارودانت جنوب المغرب، ألف كتاب" هيخل هاقدوش" [الهيكل المقدس].

9- دافيد هاليفي: عاش في دبدو، وألف كتاب "سفر ملخوت" [كتاب الملك]، طبع في الدار البيضاء سنة 1930م.

10- إسحاق لوريا الاشكنازي: ولد سنة 1543م، وتوفي سنة 1572م، وهو مؤسس مدرسة صفد. تتلمذ على يديه عدد من الطلبة، منهم:

أ- حاييم فيتال، الذي مثل فكرة امتداد الفكر اللورياني، ألف كتابا تحت عنوان "كتاب الرؤى"، وهو عبارة عن سيرة ذاتية.

ب- يوسف بن طبول، وهو من أتباع إسحاق لوريا، ألف كتابا عنوانه "سفر هادراشوت"، اشتهر باسم يوسف المغربي، كان قباليا، ولعب دورا كبيرا في ترسيخ العقيدة التيوصوفية اللوريانية.

ولم يغفل الدارس في هذا الفصل، الإشارة إلى بعض اليهود الذين علقوا على كتاب الزوهار، ومنهم:

1ـ شمعون ليفي، عالم قبالي، برع في علوم عدة كان منها علم الفلك والطب، علق على كتاب الزوهار في كتاب موسوم ب" كيتيم باز" يعلق الدارس على هذا العالم بقوله: "يعرف مؤلف كتاب "كتيم باز" العادات الباطنية والتيوصوفية التي نشطت في القباله في الأندلس...وظل كتاب" كتيم باز" أكثر قربا من المعنى الأول لنص الزوهار، ولم يكن تابعا لما أنتج في مدرسة صفد".[5]

2- ابراهام بن موردخاي أزولاي، علق على كتاب الزوهار في كتاب عنوانه "أور هاحماه" [نور الشمس]، وهو كتاب لم يختلف كثيرا عما تناوله صاحب "كيتيم باز".

3- موسى بن ميمون الباز، ألف كتاب "هيخل هاقدوش"، طبع سنة 5413 [1653] في أمستردام.

وإضافة إلى هؤلاء الأعلام، أشار الزعفراني إلى أنه في ما بين القرنين التاسع عشر والعشرين، نشطت حركة قبالية، مثلها أبراهام انقاوا في سلا، وأبو حصيرة في تافيلالت:

وبعد الإشارة إلى هؤلاء الأعلام اليهود، يعلق الكاتب بقوله: "لقد أسهم الأدباء المغاربة في التاريخ وفي تطور الفكر الصوفي، الدي تضمن بعض الحركات المسيانية العميقة التي زعزعت مرحليا اليهودية المشرقية، ومنها الحركة السبتائية التي انتهت في القرن السابع عشر في أحياء الأمبراطورية الشريفة الكبرى، فتركت آثارا في بعض النصوص الطقوسية".[6]

وبيّن الدارس في الفصل الرابع من الكتاب علاقة القباله بالتشريع، مؤكّدا أنّ كتابي الزوهار والتلمود كانا المصدرين الرئيسيين للقانون اليهودي.

أمّا الفصل الخامس، فحاول الكاتب أن يبيّن فيه علاقة القباله بالشعيرة، حيث عرّف الشعيرة بأنها عالم الصلاة، بواسطتها تتوّجه الروح نحو الله، والقباله تجد تعبيرها الكلاسيكي في الشعائر المألوفة، فالكونة [القصد] تحتلّ مكانة مميزة في الصلاة الصوفية.

وفي الفصل السادس، تناول الكاتب علاقة الشعر بالقباله من خلال عنوان [وعي شعري وعلم باطني]، موضّحا أنّ أولّ وثيقة تضمّنت علاقة الشعر بالقباله، هي ما قدّمه "موسى أبنسور" في النصّ المحرّر سنة 1712 في ديوانه "الأصناج الرنانة"، كما تضمّن الشعر اليهودي المغربي تعاليم القباله اللوريانية، خصوصا أشعار يعقوب وموسى أبنسور، ودافيد حاسين في قصيدته "تيهيلاه داود" بوصفها شعرا صوفيا.

ولم يغفل الدراس في الفصل السابع من الكتاب حديثه عن علاقة القباله بالموسيقى والأناشيد، على اعتبار أنّ الموسيقى والشعر اليهوديين يعبّران عن انشغالات دينية ووطنية قصد الحفاظ على وحدة العقيدة والفكر، ومن الشعراء الذين برزوا في هذا الاتجاه، ذكر الزعفراني:

1ــــ أبراهام بن عزرا، شاعر أندلسي، عاش خلال القرن الثاني عشر، وألف كتاب "نشيد الأمم".

2ــــ إسرائيل نجارا، نظم ديوانا شعريا بعنوان "زمروت إسرائيل"، وهو ديوان أراد به خدمة الطائفة اليهودية من خلال الحفاظ على لغتها المقدسة.

وتناول في الفصل الثامن حديثا عن "المائدة المنضودة" كوثيقة صوفية؛ فهي عبارة عن مجموعة من العادات والتقاليد التي وضعها إسحاق لوريا، ثم قام صمويل فيتال بإحصائها بتوجيه من والده حاييم فيتال، وجمعها في كتابه "الأروقة الثمانية" الذي صدر في القدس سنة 5665 [1905].

وأحصى الزعفراني في الفصل التاسع من الكتاب، الكتابات القبالية الموجودة في الجامعة العبرية، ومعهد بن صفي، والمكتبة الوطنية، ومتحف بريطانيا؛ فحصرها في حوالي مائة وخمسين دراسة بأحجام مختلفة.

وفي خاتمة الكتاب، عرض المؤلف لقصيدة بار يوحاي مترجمة باللغة الفرنسية، والقصيدة عبارة عن مخطوط أصلي عثر عليه في تنغير، ترجم إلى عدد من اللغات، مثل الألمانية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والعربية واللغات السلافية.[7]

وملاك القول، أنّ حاييم الزعفراني بحث عن القباله في كلّ أشكال الفكر اليهودي بدءا بكتاب "الزوهار"، وفي الشعر والنثر، والقانون، والأدب القداسي، وفي الأناشيد والموسيقى، وكان قصده من ذلك مايلي:

- التعريف بالقباله اليهودية في المغرب.

- التعريف بالقباليين المغاربة الذي أبدعوا في هذا اللون من الفكر، فأغنوا به المعرفة اليهودية.

- التعريف بأشكال الكتابات المختلفة الشعرية والنثرية منها والقانونية التي تضمنت بين ثناياها الفكر القبالي.

والكتاب بصورة عامة هو رحلة "بدأت من ديار الشرق البعيد في امتداده الذي جعل من التاريخ الإسلامي أفقا شاسعا دون غروب، وعرجت على مصر والقيروان وشبه الجزيرة الأيبيرية، ثم حطّت الركاب في هذا المغرب الرائع روعة جباله وسهوله وبحاره وإنسانه، الغني بما يمكن في كل هذه، وبالأخصّ في غنى المخطوط، والمخطوط كنز المعارف ظاهرها وباطنها، ومنه كان جوهر هذا الكتاب".[8]

لقد كان هدف حاييم الزعفراني من كل هذا ضمان الحفاظ على تراث فكري وروحي أورثه الأجداد اليهود أحفادهم، يقول محمد أركون: "ارتبط حاييم الزعفراني... بمهمة علمية، وعلى نطاق واسع، أحيا فيها عالما من حياة وثقافة الطائفة اليهودية المغربية، بدءا من الخامس عشر وإلى بداية القرن العشرين".[9]


[1]ـ المرجع نفسه، ص 209

[2]- Haim ZAFRANI. Kabbale ; vie mystique et magie ; Paris ;maison neuve ;1986 et 1996 ;p11

[3]ـ محمد بن علي بن محمود، محي الدين بن عربي، ولد في مورسيا في إسبانيا سنة 1165م، وتوفي في دمشق سنة 1240م، من مؤلفاته المشهورة" الفتوحات المكية"و" فصوص الحكم"، وركز في توجّهه الصوفي على فكرة الإنسان الكامل.

[4]ـ ولد أبو حامد الغزالي سنة 1059م، درس الفلسفة اليونانية عن طريق الفارابي، والكندي، وابن سبنا، ألّف كتاب "مقاصد الفلاسفة"، "تهافت الفلاسفة"، و"إحياء علوم الدين"، ترجمت بعض كتاباته إلى العبرية خلال القرن الثالث عشر للهجرة. ترجم كتاب "مقاصد الفلاسفة" إلى العبرية إسحاق البلاغ.

[5]- المرجع نفسه، ص209

[6]- المرجع نفسه، ص 184

[7]ـ HAI M ZAFRANI ; judeo berberes au maroc ; AWAL n dpecial ;1990

[8]ـ حاييم الزعفراني "يهود الأندلس والمغرب" ترجمة أحمد شحلان، مطبعة النجاح، ج1، ص12 من مقدم المترجم.

[9] ـARKOUN Med ; HAIMZafrani :poesie juive en occident musulman ;geuthner ;1977 ;Hesperis ;1978 ; p 262