القرآن: التعقل أو التذوق

فئة :  مقالات

القرآن: التعقل أو التذوق

مقدمة:

متى تصفحت ما يكتب في الفكر الإسلامي المعاصر لفتت انتباهك الكثرة، وأمال ناظريك التنوع وعطفت بك المرجعيات. قد تتناءى الهواجس وقد تتدانى، بعضها يسترفد التراث ويجعله منهله العذب وبعضها يغوص في بحر التجارب الغربية فيغرف منها غدقاً، ولكل مشروعه ومهمته:

·  قراءة التراث

·  تأويل القرآن

·  إعادة كتابة التاريخ

·  نقد العقل العربي

·  تشريح العقل الإسلامي

·  تأصيل الفكر الفلسفي

على أن النّزّاع إلى استلهام التراث والساعي إلى القطع معه، ومن يكتب التاريخ محتفياً كمن يكتب التاريخ مزدرياً، شأنهم واحد جميعاً إذ يتهافتون على المقولات والنظريات والمناهج الغربية، يمتحون منها ما شاء الله لهم أن يمتحوا، كل حسب قدراته وتصوراته لوظيفة هذه المنهجيات والمعارف.. ومن هؤلاء الكتاب:

1. محمد عابد الجابري:

يعالج محمد عابد الجابري مسائل التراث، وهي في الأصل من صميم قضايا الفلسفة الألمانية وتخلقت إشكالياتها بين مفكريها، بواسطة الفكر البنيوي التكويني وهو منهج فرنسي بالأساس، فانتهى إلى الغوص على كثير من حقائق هذا التاريخ لكنه انتهى أيضاً إلى أن تحول التراث عنده إلى معقول ينكر لا معقولاً، وفكر عالم لا يعبأ بفكر عامي، وعقل لا يترك مكاناً لخيال أو ذوق. وتفسيره للقرآن من أجل فهم واضح كما يقول جعله يعتمد آراء المستشرقين في ترتيب النزول، ويعقلن كل ما هو ذوقي وجداني وتخييلي حتى جعل التجربة الدينية مقاربات عقلانية ودراسات عالمة.

2. محمد أركون:

يدشن آفاق جديدة وعظيمة في الفكر الإسلامي وتحليل ميكانيزمات العقل فيه، ولكنه أيضا يفتح من المشاريع المعرفية ما لا قدرة لأحد على إنهائها أو حتى المغامرة بمواصلتها، لأنه لا بد أن يتسلح بكل ما يطرأ على ساحة الفكر الغربي من الفلسفات والمناهج والعلوم في الأدب وعلم الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا، والفلسفة وعلم الأديان واللسانيات والهرمنيوطيقا والتداولية، ومناهج تحليل الخطاب والدراسات البنوية والنظريات الاستدلالية والتواصلية والسبرنيطيقا...

وليس الضير في المعرفة وإنما الضير في هذا التهافت على كل ما ينجم في الفكر حديثاً، بقطع النظر عن سياقه وطبيعته ومدى قدرته على الإضافة المعرفية، خاصة حين يتصدى للقرآن فيخضعه للتشريح التواصلي والمقاربة البنيوية، مستنداً إلى النموذج الغريماسي في تحليل الوظائف التواصلية، والمعلوم أن طموح غريماس كان التأسيس العلمي للظواهر الأدبية وعموم الظواهر السيميائية، وذلك بإخضاعها للصورية والتجريد، ولا ندري إن كان من الممكن تقنين الكلام ووضعه في قواعد رياضية باتة.

3. هشام جعيط:

أما هشام جعيط فقد بدا من خلال استقرائنا لمعظم كتاباته أنه متأثر تأثراً عظيماً بالفكر الغربي، وإن لم يكن هذا التأثر ظاهراً باستمرار على سطح كتاباته. لكن السمة الغالبة عليه هي اعتقاده الثابت في فلسفات تتخذ من الوعي مدار تفكيرها والخيط الذي ينتظم عقدها إذ الوعي هو الذي يسبغ المعنى...وهذا نقرأه عند (هيغل) الذي يرى أن ظاهرة الوعي قد تتعلق بالفرد فتصير فكراً مفرداً أو بسيطاً، وقد تتحقق في التاريخ فتسمى عقلاً..أما التفكير الفينومينولوجي عند (هوسرل) فيختلف في أن الوعي إنما هو وعي بشيء ما، أي أنه لا وجود لوعي دون موضوع وعي، وبهذا يكون التصور المبني على أولوية الوعي مقترناً بغائية محايثة للتاريخ ومعنى ملازم له يسمى معقولية. وبناء الصروح على العقل نلفيه أيضاً في الفكر البنيوي الذي يلاحق الأبنية العقلية العميقة المفترضة ويسعى وراء الأنساق الباطنة والأنظمة الثابتة في اللغة والفكر وشبكة العلاقات. هذه المرجعيات التي تجعل الوعي والعقل قطب الرحى فيها هي أهم مرتكزات المنهج والقراءة عند جعيط.

لقد أتت المناهج اللسانية والأنتروبولوجية والتواصلية ومناهج تحليل الخطاب والفينومينولوجيا، أدواراً قيمة في تفكيك التاريخ الإسلامي وتشريح العقل العربي والإسلامي. ولئن استقامت هذه المرجعيات في تدبر التاريخ الإسلامي رغم ما قد تفرضه من قدرية، فإنها لا تستقيم في معالجة المتن القرآني الذي يحتاج إلى مقاربات تنسجم مع الفلك المعرفي الذي احتضن ذلك المتن، وقد شعر جعيط بهذا الحرج، فإذا خطابه حافل بالتذبذب الذي يوحي بقلق أنطولوجي دفين في أعماق هذا المفكر، يجعله يلوذ بالتصور الميتافيزيقي حيناً، ليعدل من غلواء الخطاب العلمي الذي يشهد هو نفسه بحزازته وذلك خوف الانتهاء إلى اللامعنى.

وعليه فإننا نؤكد أموراً رئيسية في نظرنا ومنها:

* أننا في حاجة إلى منهج يقرأ القرآن والتجربية الدينية الإسلامية بأدوات ورؤى مختلفة عما هو سائد في الفكر الغربي عموماً، من جهة أنه فكر له خصوصياته المعرفية والتاريخية والحضارية، وله تراكماته وانقطاعاته التي لم نعرفها في نسيج الثقافة العربية الإسلامية إلا على وجه النقل والتقليد، ولا يفهمن أحد من كلامنا أننا نواجه العقل ونسفه فتوحاته، وإنما نحن نعتقد أن التجربة الدينية أغنى من أن يتمثلها العقل وحده، فالقرآن فتح أبوابه على السمع والأبصار كما فتحها على العقول والأذهان وعلى الأفئدة والوجدان، ولا بد من أن يفهم ويدرك ويتذوق بها جميعاً حتى تنكشف بعض أغوار يقينه.

لقد أراد معظم المفكرين العرب المعاصرين أن يبرهن على أن تجربة المقدس هي تجربة الوعي فانتهى إلى وضع فروض لمسار النبوة ولوغاريتمات للقرآن أساءت للتجربة الدينية المحمدية أكثر مما أشرعت آفاق التأويل وأغنت فضاء المعنى. فهل منتهى غاية الذات أن ترى شيئاً أم أن تصير شيئاً؟ أليست مشكلة الفينومينولوجيا أنها تصف ولا تفسر، أنها تقرأ ولا تبني؟ يقول محمد إقبال "العمل الأخير ليس عملاً عقلياً و إنما هو عمل حيوي يعمق من كيان الذات كله ويشحذ إرادتها بتأكيد مبدع بأن العالم ليس شيئاً لمجرد الرؤية أو أنه شيء يعرف بالتصور وإنما هو شيء يبدأ ويعاد بالعمل المستمر".[1]

* إن ملاحقة النماذج الغربية في المنهج و المعرفة مثل عائقاً ابيستمولوجا حقيقياً أمام تأسيس جذري لخطاب إسلامي حقيقي فلسفياً وعلمياً. فالخطاب العربي الحديث والمعاصر لم يستطع أن يتحرر من سلطة تاريخ الفلسفة وتاريخ المعرفة الغربية، تلك المعرفة التي شهدت طفرة العقل مع ديكارت وطفرة التجربة مع بيكون، وتوحدت الطفرتان لبناء النهضة العلمية الحديثة فنشأت عليهما حضارة العقل والحداثة وما بعد الحداثة، واكتملت داخل تلك الحضارة تصورات موحدة للتاريخ والفكر والثقافة. فالفكر الغربي ومرجعياته ونماذجه إنما هي أبنية عقلية مترابطة ومنغرسة في تاريخها وخاضعة في علاقاتها لمنطق التوالد الطبيعي. إن الفكر إنساني والعقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس لكن الثقافة والمرجعيات الفكرية بنات سياقها الابستيمي وتبنيها بغض الطرف عن اختلاف السياقات المعرفية ينتهي إلى الاسقاط الذي يشبه الخلط بين النظريات والأنماط التعليلية.  

* إن قراءة التاريخ بحثاً عن المعقوليات والحتميات وسعياً وراء عقلنة الدولة والسياسة، الدين والحياة ليس من شأنه أن يعيد للعقل الإسلامي اعتباره في التاريخ، وإنما من شأنه أن يطابق بين العقل اليوناني والعقل الإسلامي مطابقة خادعة فنخرج إلى العالم مسوخاً لا أصالة لنا، فكراً و عقلاً وتجربة و نؤكد ما يدعيه المستشرقون. فما أحرانا بعلم كلام جديد لتمثل التجربة الدينية بشكل أرحب صدراً لهذا العصر فيتسع لمعاناتنا وما أجدرنا ببحث أركيولوجي في العقل الإسلامي بالعقل الإسلامي.


[1]محمد إقبال، تجديد التفكير الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، دار الجنوب للنشر تونس ص 202.