الكنيسة الغربية والإسلام: بحث عن خطاب سديد في زمن جديد

فئة :  مقالات

الكنيسة الغربية والإسلام: بحث عن خطاب سديد في زمن جديد

منذ منتصف القرن الفائت شهد العالم تحوّلات كبرى، انعكست بشكل جلي على علاقة الكنيسة الغربية في العالم الإسلامي. ومن جملة ما طفح من آثار تلك التحولات، مساعي التقارب بين هذين التكتلين الحضاريين، اللذين طالما شابتهما مظاهر من التوتر واللا تفاهم؛ حيث عُقدت مئات اللقاءات والمؤتمرات بين ممثّلي الديانتين، وصيغت العديد من البيانات المشتركة. لكن برغم ذلك التقارب الحاصل، وما عُلّقت عليه من آمال ووعود، ما برحت النتائج دون ما هو مأمول، ولا تزال مسيرة التقارب بحاجة ماسة إلى تفحّص نقدي ومراجعة موضوعية تنظر في الإنجازات والإخفاقات، لا سيما وأن عملية التقارب ما فتئت مرتهنة إلى إرث ثقيل، لم يوفق الجانبان في تجاوزه بغرض بناء خطاب سديد جامع وميثاق رابط.

من الحوار الخامل إلى الحوار الفاعل

لقد كانت الكنيسة الغربية المبادرة بالتقرّب من العالم الإسلامي، وكان الدافع في ذلك بحثا عن سُبل جديدة في التواصل عقب ما حصل من تطورات. جاء ذلك بعد أن أتت الثورة الجزائرية على آخر وشائج التحالف بين الكنيسة والمستعمِر، بما خلّفته من زعزعة قوية لأركان اللاهوت التقليدي، بإعلان انقضاء زمن اللاهوت المداهِن للمستعمِر، في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وميلاد لاهوت الأديان الساعي للتصالح مع الأديان، وهو ما فرض على الكنيسة أن تعيد صياغة رؤاها، ليس مع المسلمين فحسب، بل مع العالم أيضا[1]، وهو ما تبلور لاحقا في تصريحات "لومن جنتيوم" - نور الأمم- و"نوسترا آيتات" -علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية- ضمن قراراتمجمع الفاتيكان الثّاني (1962-1965)، التي ستتجه نحو تطبيع العلاقة مع المسلمين ومع مجمل الديانات الأخرى عامة.

لكنّ سياسة الكنيسة الجديدة لم تغب منها نزعة الهيمنة والتوجيه كليا، وهو ما بدا بشكل بارز في إمساكها بزمام الأمور في كافة مراحل عملية التقارب مع العالم الإسلامي؛ فكانت تصنع فلسفة الاحتواء الجديدة، التي سُمّيت بالحوار، وتُوجِّه مساراتها. كان الطرف الإسلامي المدفوع في ذلك المسار تابعا ومنقادا لموجة جديدة، لا يدري من أين تنطلق ولا إلى أين تجرّ، وذلك لافتقاره إلى نخبة حقيقية تحاور الطرف المسيحي. فكان تصوّرُ العملية بمثابة مناسبة للصلح وفرصة لنسج علاقات صداقة جديدة؛ فالجانب المسلم عادة ليس خبيرا بالشأن المسيحي، وهو غافل عن التشعبات التي باتت تميز المسيحية الحديثة، وعادة إلمامه بالدين بوجه عام داخلي، بما يجعل مقوله، خارج حقله الدلالي الشرعي الإسلامي، ليس له صدى يذكر؛ إضافة إلى أن الإشكاليات الكونية لدى الفقيه المسلم غائمة، جراء تكوينه التقليدي الذي لا يسعفه للإلمام بها، هذا فضلا عن افتقاده إلى رؤية شاملة عن مقاصد الحوار وأهدافه[2]؛ فهو يأتي إلى الحوار بعُدّته المعهودة من مقولات "أهل الكتاب" و"ملّة إبراهيم" (ع) و"كلمة سواء" ليخاطب بها الآخر. هذا الآخر الذي صاغ روابط مستجدة تجلت في مفهومي "التراث اليهودي المسيحي" و"الحضارة اليهودية المسيحية" استبعد منها المسلم، واستحدث ووظف أدوات معرفية تتجاوز ما هو بحوزة نظيره.

ومن هذا الباب، ما كان النظر الإسلامي في الواقع معنيا بمسألة التعامل مع العالم، بل كان منشغلا بالأساس بسؤال الداخل، بالبحث عن سبل الدفاع عن الهوية الإسلامية الجريحة، الواقعة تحت أوجه شتى من الاختراق. أملت على الفكر الديني الإسلامي، إبان تلك الفترة، أن ينزع منزعا تأصيليا ودفاعيا في الآن. تأصيليا تجلى في إصرار هذا الفكر الإحيائي على اعتبار نفسه معنيا بترميم هوية حضارية، نالها الاهتزاز والتشكك في قدرة إرثها الحضاري، والديني منه بوجه الخصوص، على الحضور في عصر دبت في أوصاله تحولات كبرى؛ ودفاعيا حيث عمل بالتوازي على صدّ تحديات الخارج الغربي، الذي بات حاضرا ومقلَّدا بقوة من قبل شرائح اجتماعية واسعة، سبقتها نخبةٌ تسرّب إليها الشك في مخزونها الحضاري من حيث التعويل عليه في عملية النهوض المرجوّ.

في تلك الأثناء، عوّل الطرف المسيحي على التقرّب من الإسلام الرسمي، الذي ما استطاع تشريك أطراف من خارج دائرة الموالين له. وكان الطرف الديني الغربي يدرك أن قاعدة ذلك الإسلام ضيّقة، لكن الحل والعقد بيده، في أوساط ثقافية محاصَرة، لكونه لسان السلطة الذي تمرر عبره فتاواها، وتبثّ على لسانه مرادها وتأويلها للدين. ما جعل الكنيسة الغربية تتغاضى عن ممثلي الفكر الإسلامي، إلا من رضيت عنهم السلطة أو ساروا على هداها. وإلى حين اندلاع الثورات العربية الأخيرة، كانت الكنيسة، حتى على أرضها، تتفادى تشريك الكتّاب والمفكرين الذين ينزعون منزعا إسلاميا حركيا، أو ممن هم خارج دائرة السلطة، في جلساتها وفي كلياتها ومراكزها. وأمام هذا الوضع المحاصَر أحست الكنيسة، من داخلها، وكأنها تتحاور مع أطراف غير فاعلة في الساحة العربية، وليس لها نصيب وافر من المصداقية، وغير متحمسة للحوار إلا بمقدار ما يخدم مآرب السلطة الحاكمة ويروج لصورتها المنفتحة في الخارج. ومن هذا الباب، كان الإسلام الرسمي يتقدّم للحوار مع حرص واضح على ترويج الطابع الحداثي للنظام الذي يمثله، ولا يسعى جادا إلى بناء حوار حضاري فعلي بين دينين وحضارتين.

جاء انفتاح المنظمة الكاثوليكية "سانت إيجيديو" التي مقرها في روما، أو كما تعرف بالذراع العلمانية للفاتيكان، على أطراف مغايرة، من خارج الإسلام الرسمي، إدراكا لذلك النقص الذي شاب تجربة الحوار الإسلامي المسيحي طيلة عقود ماضية؛ فالمؤسسة الدينية في الغرب تبحث عن شبهها ومثيلها في العالم الإسلامي، ولذلك جاء الحوار، في مجمله، دبلوماسيا، افتقد إلى الجرأة والموضوعية والمتانة العلمية من كلا الطرفين. وبدأت المؤسسة الفتية - سانت إيجيديو- تدعو بحذر واحتشام رموز الفكر الإسلامي الحديث من خارج المؤسسة الرسمية، ولم تنفتح كل الانفتاح للأمر إلا عقب الثورات العربية، بعد أن بات الإسلام السياسي يمتطي ظهر السلطة. فصارت تطارد رموز الحركات الإسلامية وتستجلبهم إلى روما، محوّلةً "سانت إيجيديو" إلى كرسي اعتراف للإسلاميين، على اختلاف مشاربهم، يفصحون من خلاله عن مكنون صدورهم، وكأنها تستدرك ما فات الكنيسة، وهو ما يملي على المنشغلين بتاريخ الحوار مراجعة جادة لحيثياته ومقولاته السالفة، والتساؤل عن مدى فاعلية وصدقية الطرف الإسلامي الذي انشغل بالحوار في ظل أنظمة حاضنة له، لاسيما وأن الجانب المسيحي بقي يتبنى ويروّج في الغرب رؤية مقيتة عن الإسلام بشكل عام، وما أن ينفض الحوار حتى يسلقوا الجميع بألسنة حداد. فأي خطاب جديد في هذا الزمن الجديد؟

ليست هناك وحدة خطاب بين الطرفين المسيحي والإسلامي؛ فقد سادت في تعامل الأطراف الكنسية المحاورة للعالم الإسلامي ازدواجية في القول. تمثلت بشكل بارز في خطاب المجاملات المباشر، ولكن حين يعود رجل الدين إلى بلده يعرب عن حالة الانغلاق التي تسود العالم الإسلامي. وفي الوقت الذي كان العالم العربي يتطلع فيه إلى متنفس للحرية، إبان عقد العديد من تلك الحوارات، كانت الكنيسة ترسّخ في الأوساط الغربية أن الموجود السياسي العربي هو الأجدر بالبقاء، وبالتالي ضرورة المحافظة عليه وحمايته، مما قد يتهدده من تغيير، ولاسيما إذا جاء من قِبل الإسلاميين.[3]

حاجة الإسلام إلى مدخل علمي في علاقته بالكنيسة

في خضم ذلك الانغماس في تلك الموجة الجديدة من التقارب، انشغل الطرف الإسلامي، في جانبه العربي والتركي والإيراني، في الحوار مع الكنيسة الكاثوليكية بالأساس، وأهمل مجمل الكنائس الأخرى، الأرثوذكسية والبروتستانتية والأنغليكانية؛ في وقت ما عادت فيه الكنيسة الكاثوليكية هي اللاعب الأوحد في الأوساط المسيحية. ناهيك عن أن الوجود الإسلامي في الغرب، يتوزع بين دول ذات تقاليد مسيحية متنوعة. ومن جانب آخر، فالمجتمعات الغربية "المسيحية" دبت فيها تحولات عميقة، وصار مفهوم الدين فيها سائلا ومنسابا وغير خاضع للضوابط المعهودة؛ حيث تتحدث عالمة الاجتماع غرايس دافي عن الإيمان بدون انتماء إلى مؤسسة دينية بعينها، وبما يقرب من ذلك تتحدث دانيال هرفيو ليجي عن "البريكولاج الديني"؛ أي إبداع الحاجة الدينية بشكل مرتجل.[4] صحيح أن المجتمعات الغربية تغيّرَ مفهوم الانتماء للمسيحية فيها، لكن العالم المسيحي بقي النظر إليه من قِبل العالم الإسلامي ككتلة جامدة ذات هوية ثابتة، وهو تقدير لا يعكس حقيقة الواقع. ويعود هذا المسلك إلى غياب التقديرات المبنية على سند معرفي علمي وموضوعي بالعالم المسيحي.[5]

فقد كان أحد أسباب تعثر الفكر الإسلامي في التحاور مع الغرب المسيحي نابعا من ضيق الرؤية لديه؛ حيث كان يرى الغرب "المسيحي" من خلال كنيسته ومن خلال ماضيه، والحال أن الوعي الغربي بالدين خرج من احتكار الكنيسة، وأصبحت رؤى دينية ومعرفية، من خارج الفضاء اللاهوتي، نافذة وبالغة التأثير على آراء الناس، إذ تشكلت في الغرب مقاربات حديثة في التعاطي مع الدين، وبالمثل نشأت نحلٌ جديدةٌ أبرزها جماعات "نيو آيج" و"سِيينتولوجي" غفل عنها المعنيون بالشأن الديني في العالم الإسلامي، فما عادت هناك كنيسة جامعة، بل دبّت تعددية دينية باتت تميز جلّ الأقطار الغربية[6]. بقيت النظرة للمسيحية وللدين، من الجانب الإسلامي، محكومة بطابع ديني ضيق، ولم تنتبه للمستجدّات الجارية. وربما كان متاحا تفادي ذلك النقص لو تطلع الفكر الإسلامي، المدعو للحوار مع الكنيسة الغربية للاستفادة من مقاربات علم الأديان، وعلم الاجتماع الديني، والإناسة الدينية التي تشق طريقها خارج كليات اللاهوت، بعد أن تحررت الظاهرة الدينية في الغرب من احتكار العقل الإيماني. لكن الفكر الإسلامي كان غافلا عن تلك التطورات الجارية في الغرب.[7]

بالإضافة إلى ذلك، كان حديث الطرف المسلم يأتي عامة دفاعا وتبرئة للذمة، وغير مدرك للحوار في أبعاده الشاملة؛ فقد كان مطلب الكنيسة المتكرر، وهو تنقية البرامج المدرسية الدينية من نفسِها الديني "المتشدد" وغير الحداثي. في وقت لا تزال فيه الكنيسة في روما، حدّ الراهن، تصرّ على احتكار "ساعة الدين"، التي هي في الحقيقة ساعة تدريس للكاثوليكية، وترفض تحويلها إلى ساعة أديان تنفتح فيها بيداغوجيا التدريس على معتقدات أخرى غير الكاثوليكية. وبرغم العدد المتزايد للتلاميذ المسلمين في المدرسة العمومية، الذي تجاوز خلال العام 2012 ربع مليون تلميذ، فإن ذلك الحق الافتراضي يبقى مصادَرا.

الإسلام المهاجر جسرٌ معلّق بين ضفّتين

ربما التطور الحقيقي الذي حصل في تواصل الإسلام مع الكنيسة الغربية ما كان متأتيا جراء الحوار النظري، الذي غلب عليه الطابع الدبلوماسي، بل حصل بموجب الحضور المعيشي لجموع مسلمة في الغرب، كانت تعيش التفاعل الاجتماعي المباشر. هذا الحوار الاجتماعي العملي بقي في الحقيقة غائبا عن موائد الحوار واللقاءات، وكان مجاله الشارع والحقل والمصنع والمتجر في الغرب. وفي الوقت الذي كانت فيه الكنيسة في الغرب، غالبا ما تستمد من أوضاع المسيحية العربية عينات للتحجج على أن الواقع العربي الإسلامي، والثقافة الإسلامية، غير قادرين على استيعاب المسيحي. كان المعطى المقابل - الإسلام المهاجر- غائبا عن مائدة الحوار. وكانت أوضاع معاناة تلك الشرائح وأشكال دمجها القسري في حاضنة حضارية ذات طابع مسيحي مغفولا عنها. فلم نسمع في لقاءات حوارية جادة دارت بين أطراف مسيحية وإسلامية، عن قضايا المسلمين في الغرب، أو عن علاقتهم بالكنيسة في الغرب.[8]

مع أن عدد المسلمين في الغرب يفوق عدد المسيحيين العرب قاطبة، المتواجدين منهم في البلاد العربية وخارجها. مع ذلك يبقى إلمام المسلمين في البلاد العربية محدودا بقضايا المسلمين في الغرب. فليس هناك متابعة لمشاغلهم وتجاربهم إلا ما طفا منها عبر الإعلام، وقد كان من المفترض أن تشكل قضاياهم مدخلا رئيسا للحوار مع الكنيسة الغربية.

واقع الحال يقول إن الإسلام الحاضر في الغرب يعيش الحوار الفعلي مع المسيحية، مع ذلك نراه مبعدا عن مائدة الحوار الإسلامي المسيحي ذي الطابع "الدبلوماسي". لكن هذا الإسلام المهاجر والمهمَّش، المتواجد في كبريات المدن وفي البلدات المتناثرة بين الوهاد وفوق التلال، انتبه إليه المحاور الاجتماعي في الغرب من خارج دائرة الكنيسة. كان العلماني الغربي هو أبرز من ألحّ على تشريكه وسماع صوته؛ لأن الإسلام في الغرب بات واقعا بعد أن ظهر الجيل الثاني والثالث.[9]

فالكنيسة غالبا ما تلتقي مع الرؤى اليمينية في النظرة إلى الإسلام والمسلمين المقيمين في الغرب، وتتبنى بشأنهم موقفا حضاريا إسقاطيا، ولا تتعامل معهم كأناس لهم حقوق اجتماعية وثقافية كغيرهم من مواطني البلد؛ لذلك يميل أغلب المسلمين إلى الأحزاب اليسارية والتكتلات العلمانية التي يجدون لديها احتضانا لقضاياهم، وينأون في عمومهم عن الأحزاب اليمينية ذات الخلفية الدينية، التي عادة ما تكون مدعومة من قبل الكنيسة؛ فاحترام عناصر الهوية الإسلامية في الغرب يجد سندا من اللادينيين أكثر مما يجده من قبل الكنيسة، وربما اللافت في الغرب أن المسلم أقرب إلى غير المتدين منه إلى المتدين، لما يجد فيه من عون وسند لقضاياه، في وقت يُفترض فيه أن يكون المسلم بين إخوانه من أهل الكتاب، على اعتبار انتماء المسلم والمسيحي إلى تراث إبراهيمي جامع. هذه الأوضاع تجعل المسلم يعيد قراءة قوله تعالى: "ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون" (المائدة: 83).

تصحيح المسارات بحثاً عن أرضية مشتركة

إن ما تواجهه الكنيسة في الغرب ليس هو ما يواجهه المسلمون في بلدانهم؛ فهي في مواجهة مفتوحة مع ما تسميها "العدمية"، التي هي في الحقيقة "العلمانية" المتربصة بها والشرسة معها في بعض الأحيان؛ فالكنيسة لم تقبل العلمانية اختيارا، بل قبلت بها اضطرارا، مجاراة لتحولات قاهرة. وبالتالي ما مدى تمثيل الكنيسة الغربية للضمير الديني الغربي؟ ربما هذا السؤال يتطلب إجابة عنه من الطرف المسلم قبل أن يجيب عنه الطرف المسيحي، حتى يدرك المسلمون مع من يتحاورون وأي طرف يجالسون، لاسيما وأن العالم الإسلامي يتطلع إلى حوار أنضج بعد أن تهاوى الاحتكار للدين من قبل المؤسسة الدينية، وبعد أن باتت المؤسسة الرسمية لاعبا من جملة لاعبين كثيرين. وبالمثل هل تقدر الكنيسة اليوم على بناء مثاقفة دينية مع العالم الإسلامي خالية من شروط الهيمنة التي طبعتها، بفعل انتمائها إلى عالم مسيطر؟ فلا شك أن الكنيسة تشقّها أزمات متنوعة في الداخل، تتجلى في مظاهر النفور منها، وقد انعكس ذلك جليا في تقلص أتباعها الخلّص من رهبان وراهبات، إلى درجة باتت تشكو انكماشا داخليا لا يوازيه اكتساحها لفضاءات نائية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.[10]

ومن جانب آخر، لم تبق الأطراف الدينية في العالم الإسلامي بمنأى من الأزمات. فما عاد الأزهر يمثل الضمير الديني للأمة، ولا القرويون، ولا الزيتونة، وما عاد وكلاءُ الدين صناعَ الخطاب المشروع. ربما سنوات الغياب التي طبعت تلك المؤسسات، وعدم انتباهها إلى التحولات التي تسري في المجتمعات، وعدم إمساكها بالقدرات المعرفية الحديثة، خصوصا منها في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية، هو ما جعلها تفقد الحس التاريخي بذاتها وبغيرها. فتحاول بعد الثورات استرداد ماض تليد، غير أنها تجد صعوبة جمة في ذلك؛ فالمجتمعات شهدت تحولات أفرزت أطرافا حزبية ورؤى معرفية، باتت حاضرة بقوة داخل النسيج الاجتماعي وفاعلة في الحراك الاجتماعي، بما يزاحم دور المؤسسات التقليدية ويلغيها أحيانا، جراء ما تشكو منه من مظاهر القدامة وعدم القدرة على الإلمام بتحولات المجتمع والعالم.

فالفقيه المسلم يدخل الحوار مع الطرف المسيحي بمطالب يتمثّلها ملحّة وعاجلة، ذات طابع عقدي، على غرار المطالبة بالاعتراف بصدق الدين الإسلامي، وبنبوة نبي الإسلام، ويدخل الشق اللاهوتي الغربي المحاور للطرف المسلم بطلبات ملحة أيضا، حينا معلَنة وتارة مضمَرة، على أن يخلّوا بينه وبين الناس ليبلغهم البشارة بالإنجيل، وأن يبيحوا النكوص لمن يشاء؛ فيتبدى الأمر للطرف المسلم جحودا للحق، ويتبدى للطرف المسيحي انغلاقا للعقل الإسلامي. والحال أن الحوار بين الكنيسة الغربية والعالم الإسلامي أرحب من هذا، وإن بدا للرؤى الاختزالية أن ذلك جوهر القضية. ومع ذلك ونظراً لافتقاد الطرف المسلم إلى فلسفة واضحة سهُل استدراجه إلى المراد الكنسي الذي تعتمل في ذهنه عدة مسائل، على غرار أنْجَلة العالم، وسُبل ترويج الإنجيل في عالم متغير، واستعمال منافذ ذكية لبلوغ مآربه، كتوظيف الأعراف الدولية، ومداخل احترام الأقليات، ومراعاة حقوق الإنسان، ورفع الميز عن المرأة.

في وقت لا يزال الطرف المسلم يدخل الحوار ليعرب عن تقبّله للآخر، وتبرئة ذمته، مع أن هذا الأسلوب الحواري لم يرفع التهمة، لا عنه ولا عن دينه؛ فالمشاركة الإسلامية لا تزال غير فاعلة في الآخر ولا يزال أثرها خافتا، رغم مرور ما يزيد عن نصف قرن من تجارب الحوار. أمام هذا الوضع يطرح سؤال: كيف نُخرِج الخطاب من تدني أثره في الآخر؟ الجلي أنه لن يتأتى ذلك إلا بالانشغال بالآخر في أبعاده المعرفية العميقة، وفي أبعاده الاجتماعية الحية، وهما شرطان غائبان عن الفكر الإسلامي في التعاطي مع المسيحية ومع أتباع هذه الديانة؛ لذلك نجد الخطاب الإسلامي تجاه هذه الديانة خطابا مستعادا من التراث الإسلامي، أو خطابا ردوديا، يحاول أن يبرئ الإسلام الحالي من تهمة الانغلاق على الآخر؛ حيث يحاول الفقيه المسلم أن يستعيد النظر في المسيحية من زاويتين: عبرمؤسسة أهل الذمة المعطَّلة، ليبين عدالتها ورفع الاتهام عنها، وعبر استدعاء التجربة الإسلامية السالفة باعتبارها قادرة على احتضان المسيحي اليوم، وكلاهما باتا عنواني الظلم والقهر في المخيال الغربي، ومن العبث محاولة إقناعه بهما في الراهن الحالي. بالإضافة إلى أن هناك غفلة لدى الطرف المسلم اليوم عن حاضره؛ فمؤسسة أهل الذمة ليست أصلا من أصول الدين، وليست مما لا يتم الواجب إلا به، بل هي إطار استوجبته ظروف تاريخية عاشها الإسلام، وشكل تنظيمي للتعايش مع الآخر استوجبته ظرفية تاريخية، كان الأكثر تطورا مقارنة بما شهدته حضارات موازية سالفة. لكن تأييده واستدعاءه اليوم بقصد إحيائه أو التحجج به، هو ما يشكل عدم إدراك العقل الإسلامي للتطورات الحاصلة.

في ندوة تطور العلوم الفقهية في سلطنة عمان، المنعقدة بين السادس والتاسع من أبريل من العام الجاري، والتي اعتنت بفقه رؤية العالم والعيش فيه، تعرضتُ إلى أن مؤسسة أهل الذمة بما لها وما عليها، هي مؤسسة اجتماعية حاولت الإجابة عن سبل التعايش مع الآخر، وليس هناك داع اليوم لبعثها من مرقدها أو التحجج برياديتها أو صلاحيتها؛ لأن العالم دبت فيه تحولات هائلة متعلقة بالقانون الدولي وبالسياسة الدولية، ولا يضير المسلم أن يعيد تفهم مبادئ دينيه وفق ما يجري من تحولات في العالم، وليس الانشداد إلى مؤسسة باتت لاغية فعلا.[11]

يبدو كلا الطرفين المسيحي والمسلم اليوم بحاجة ماسة إلى تصحيح مساريهما. فما إن هدأ غليان الثورة التونسية، حتى سارع في شهر يونيو الفارط "مركز الواحة" الكاثوليكي، الذي يترأسه الكردينال أنجيلو سكولا إلى عقد لقاء بعنوان "الدين والمجتمع في مرحلة انتقال: تونس تسائل الغرب" مع الفاعلين السياسيين في تونس، ولا سيما الإسلاميون منهم، بنيّة الظفر من هذه الأوضاع الجديدة بما أدمنت ترويجه عن مخاطر الإسلام. تبين أن الثورة لا تشكل تهديدا، لا للمسيحي في الداخل، ولا للمسيحي في الخارج، بل هي تتطلع إلى ترميم أوضاع اجتماعية وسياسية داخلية طالها الخراب. وبات واضحا أن الثورة قد حررت الكنيسة من توجسها ومن مداهنتها؛ حيث غدت أكثر جرأة في التصريح بمواقفها وانطباعاتها عن الأوضاع، وأن ما كانت تهمس به سراً باتت تقوله علناً.

* عز الدّين عناية: أستاذ من تونس بجامعة روما


[1]. يمكن مراجعة الجدل الدائر داخل الكنيسة، بشأن الموقف الإشكالي والمفصلي من الثورة الجزائرية، وما ترتبت عليه من نتائج، ضمن مؤلف:

Daniele Menozzi, Chiesa, Pace e guerra nel Novecento, Il Mulino, Bologna, 2008, p. 233 e s.

[2]. يمكن الاطلاع في هذا الصدد على المقال القيم لرضوان السيد: الحوار الإسلامي المسيحي والعلاقات الإسلامية المسيحية، المنشور في مجلة الاجتهاد ، العددان: 31-32 بتاريخ ربيع/صيف 1996.

[3]. يمكن الاطلاع بهذا الصدد على موقف أسقف الفاتيكان السابق في تونس مارون لحام من خلال مقال له منشور في مجلة "التبشير اليوم" الإيطالية، يعرب فيه عن أنه "لو ارتقى حزب إسلامي سدة الحكم [في تونس] فسنعود خمسين سنة إلى الخلف، لذلك نعيش بذلك الخوف حيث لا ندري ماذا سيحدث بعد".

Mons. Marun Laham, “Cristiani che vivono tra i musulmani”, Missione Oggi, Brescia Italia Febbraio 2008.

وبالمثل موقف أسقف الفاتيكان السابق في الجزائر هنري تيسيي، من خلال ما طفح به كتابه بشأن المسيحيين في الجزائر.

Henri Tessier, Cristiani in Algeria - La chiesa della debolezza, Editrice missionaria italiana, Bologna Italia, 2004.

[4]. Peter Berger - Grace Davie - Effie Fokas, America religiosa, Europa laica?, Il Mulino, Bologna 2010, p. 24-25.

[5]. مثل كل من المعهد الملكي للدراسات الدينية بعمان في الأردن، الذي تأسس سنة 1994، وقسم لاهوت الأديان في جامعة قم في إيران، الذي تأسس سنة 2001، بادرتين مهمتين في محاولة تفادي ذلك النقص في الإلمام بالمسيحية في الجانب الإسلامي.

[6]. Franco Garelli, L’Italia cattolica nell’epoca del pluralismo, Il Mulino, Bologna 2006.

[7]. لمتابعة هذا الانزياح، راجع مؤلف جوفاني فيلورامو:

Giovanni Filoramo, Che cos’è la religione. Temi metodi problemi, Einaudi, Torino 2004, p. 127-171.

[8]. انظر دراستنا: الوجود الإسلامي في الغرب: الوقائع والمصائر، مجلة الكوفة، العدد الأول، ص: 57، العراق 2012.

[9]. ستيفانو أليافي: الإسلام الإيطالي رحلة في وقائع الديانة الثانية، ترجمة: عزالدين عناية وعدنان علي، كلمة، أبوظبي 2010، ص: 17.

[10]. Annuarium statisticum ecclesia, Libreria Editrice Vaticana 2012.

[11] . ورد ذلك ضمن الورقة التي كلفت بإعدادها وهي بعنوان: " فقهاء الصحوة ومرجعية الشريعة والدساتير الإسلامية". وهو ما ذهب إليه مجموعة من الكتاب أيضا على غرار فهمي هويدي في: مواطنون لا ذميون، دار الشروق، ط 2، القاهرة 1990؛ وراشد الغنوشي في: الديمقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام، الدار العربية للعلوم ناشرون-مركز الجزيرة للدراسات، 2012.