المأزق في الفكر الديني بين النص والواقع

فئة :  قراءات في كتب

المأزق في الفكر الديني بين النص والواقع

" المأزق في الفكر الديني بين النص والواقع "

لنضال عبد القادر الصالح


رتّب الكتاب في ستّة فصول، إضافة إلى مقدّمة وخاتمة، وفيه تعرّض إلى قضيّة العلاقة بين الفكر الديني والواقع، وذلك من خلال مساءلة مفاهيم أساسيّة تبدو بديهيّة في الوعي الإسلامي، ولكنّ طريقة طرحها تهب الكتاب وجهًا من الطرافة يجعله جديرًا بأن يكون أكثر الكتب ملامسة لهموم الإنسان المعاصر بين إكراهات الطقوس وحقيقة الحاجة التي يرمي إليها المتديّن من خلال تبنيّه دينًا معيّنًا .

ولا شكّ في أن قيمة الكتب الحضاريّة تكمن في مدى التزامها العلميّ ومساءلتها قضايا التراث الديني بنزعة موضوعيّة، ولكنّ قيمة كتاب نضال عبد القادر الصالح تكمن في جرأته على إخراج كثير من القضايا من طور المسكوت عنه إلى طور المفكّر فيه، إنّ الكتاب أشبه بجلسة مع الذات تسائل فيها ذاتها عن جدوى الطّقوس ومقاصدها، وتحفر في مغارات نسج حولها العنكبوت بيته، وتقادمت حتّى صارت كالماء الآسن لا تحرّكها أقلام الباحثين.

يبدأ الكتاب بمقدّمة ذات منزع روائيّ تذكّرك بطريقة الكتابة عند الأمريكيين، من حيث تحديد المكان والزمان ومناسبة القول، وبأسلوب روائيّ يعرض الكاتب حدث موت زوجته السلوفاكيّة الأصل، التي ماتت مسلمة، ويأخذك الكاتب معه في موكب الدفن وأجواء المقبرة حتّى ترى بعين المغترب روعة الانتماء في بلاد المهجر وتسمع بشوق البعيد عن الأوطان صوت القرآن. فتترقرق الدموع حزنًا وشوقًا وخشوعًا، ويأخذك سحر اللحظة نحو الانفعال بالنص بدل التفاعل معه. ولكن موكب العزاء سرعان ما ينقلب إلى نقاش بين من حضر من المسلمين حول الجنّة والنّار انطلاقًا من إشكاليّة وضع الجثّة، هل يجب أن تستقبل القبلة أم يجوز القبول بالأمر الواقع في أرض مقبرة لم تهيّأ لاحتضان جثث المسلمين؟ فيرسم لك بريشة الفنان لوحة سوداء من جدل عقيم بين المسلمين حول وضع جثّة وتفاعل أهل القرية من غير المسلمين مع "النشيد السحري"الذي يتلى في المقبرة، ليكون للإسلام وجهان واحد مشرق في عيون من فعل فيه سحر الكلام والترتيل، ووجه مظلم في جدل عقيم حول وضع الجثث وجزئيات الفقهاء المرهقة والعقيمة.

ينطلق الكتاب من هذين الوجهين ليطرح أسئلته العميقة حول كلّ المفاهيم الموروثة، باحثًا فيما يشبه التجربة الذاتيّة عن حلول تضمن إعادة التوازن لما اختلّ من الوعي الإسلاميّ. وتبدأ رحلة نقد السائد من تصور الوحي لوحًا محفوظًا، وإبراز البعد التاريخي الذي قام عليه الوحي واختلاف المسلمين حول مسألة جمعه، ليخلص إلى أن " النص القرآني ليس قالبًا متحجّرًا يجب التقوقع داخل حرفيّته، وإنما هو نصّ مرن يستطيع أن يغيّر منطوقه مع تغيّر الأحداث والوقائع حسب ظروف معيشة الناس وأحوالهم، وأن ذلك توسعة من الله على عباده ورحمة لهم وتخفيفًا عنهم، لعلم الرسول الكريم بما هم عليه من اختلاف اللغات واستصعاب مفارقة كل فريق منهم الطبع والعادة في الكلام، فخفف عليهم وسهل عليهم "[1] فالنص القرآني " نزل منجمًا حسب الوقائع الأرضية وبجواب على كلام العباد وأفعالهم، وإنه لشديد الصلة بالواقع المخاطب، وإنه ليس نصًا متحجّرًا ثابتًا، وإنما تتغير قراءته مع تغيّر الوقائع وظروف معيشة العباد ."[2] ولا يكتفي الكاتب بهذه الحقيقة التي صارت بديهيّة عند كثير من الباحثين المعاصرين، ولكنه يحاول النفاذ إلى النص القرآني ذاته بحثًا في آياته عن الأخطاء اللغويّة من منطلق بشريّة الإطار اللغوي للوحي، "فوحي القرآن للنبي محمد لم يكن عبر النظام اللغوي. وعليه، فإن صياغةَ الرسالةِ بشريةٌ وبلغة البشر".[3]

ولا يكتفي الكاتب بعرض موقفه الجريء من الوحي، بل يتجاوزه نحو إعادة تصوّر مفهوم الله، وينطلق كعادته من الأحداث اليوميّة والبسيطة في ظاهرها، كسؤال جندي أمريكي لزميله الممسك بالصليب، وهو يقاتل الألمان ويدعي أن الله معه: " إذا كان الله معنا فمن معهم؟" أو زعم داعية ديني أن زلزال مصر عقاب للكافرين على كفرهم أو أن إعصار " كاترينا " عقاب على أعمال الأمريكيين في العراق وفلسطين حسب القراءة الإسلامية، وهو غضب من الله لإخراج اليهود من غزة حسب القراءة اليهوديّة، وهو عقاب على السماح بممارسة الإجهاض حسب وجهة النظر المسيحيّة. [4] ويثير الكاتب انطلاقًا من تعدد وجهات النظر حول الحدث الواحد مسألة الاحتماء بالذات الإلهية في ممارسة العنف وسفك الدماء، ويطرح سؤالاً حول مفهوم بديهي ما عاد يطرح السؤال حوله، وذاك موطن من مواطن الطرافة في الكتاب: " من هو هذا الإله الذي تدعي كل جماعة دينيّة أنه إلهها، وأنها الممثلة الوحيدة لهذا الإله والناطقة الرسميّة باسمه؟"[5] ويقود هذا السؤال إلى بحث تاريخي في المنظومات الدينية التي وظفت مفهوم الألوهية، مثل عقيدة البعث المصريّة والتاويّة والكونفوشية، وعقيدة الزنوج الأفارقة وعقيدة العرب قبل الإسلام، ومن خلال هذا البحث الأنتروبولوجي عن مفهوم الإله في الأديان القديمة حفرًا عن المعنى وبحثًا عن الأصل ، يتناول نضال عبد القادر مفهوم"الله المؤسسة" في الفكر الديني، وقد عيّن بعض رموزه ومؤسسيه أنفسهم وكلاء على الذات الإلهية، وهو ما أسس مفهوم الشريعة الإسلاميّة، وهي في الحقيقة شرائع بشرية. ولقد استطاع هذا الفكر أن يصوّر الذات الإلهية "قوّة متسلطة تجلس على العرش وتراقب أفعال الناس وتعاقبهم على أي صغيرة وكبيرة."[6]، وفي مساءلة عقلانيّة يطرح الكاتب علاقة الله في عظمته بالجزئيات البسيطة التي يفرضها التديّن كاللباس أو شكل الصلاة، ويرى أن "الله بعظمته أكبر وأعظم من كل ذلك؛ فالفكر الديني وقوانينه وشروط العضويّة فيه مهما كانت مصادره هو من صنع بشري ومن إنتاج البشر، وليس من عند الله لأن الله سبحانه أكبر وأعظم من كل هذا الفكر. "[7]

لقد كان نضال عبد القادر الصالح يخفف من توتر الفكر ووطأة المصطلحات، وحكم الاختصاص، بقصص أشبه بالسيرة الذاتيّة، فنراه مثلاً يقارن بين تصور الأطفال للذات الإلهية في الوعي الإسلامي، رجلاً بشعاً يشوي طفلاً صغيرًا على نار مشتعلة، وتصوّر الآخر للذات الإلهية بوعي طفولي يراه في"شخصية " بابا نويل " الأسطورية وحولها أناس بأجنحة وأطفال يضحكون مبتهجين يتسلمون الهدايا منه ."[8] ولكن الصورة تختزل وعيًا راسخًا في الأذهان وتصورات شيّدتها آراء الفقهاء وتراكمات الفكر الديني، وهنا تولد الروح الفلسفيّة في نحت المفهوم والخروج من وطأة الذاكرة وثقل الإجماع، يبني نضال عبد القادر صورة جديدة للذات الإلهيّة من رماد الرجل البشع الذي يشوي الأطفال، صورة الإله بلسان الكاتب ووعيه المعاصر وذاته المنكرة للسائد ويراه في كل شيء جميل، في عيون الأطفال وفي ابتسامة أمّه وفي الأنهار وفي أمواج البحار، وفي قمم الجبال وفي سهول الوديان وفي الزهور والورود والأشجار، وفي عظمة الغابات وفي خضرة الأشجار، وفي الموسيقى وفي تجويد القرآن وفي غناء فيروز وأم كلثوم ووديع الصافي ...الخ؛ فالله ليس في حاجة لصلاة مخلوق ولصيامه أو حجّه. إنها وسائل للاتصال به من أجل تثقيف النفس وسمو الروح وتسوية الأخلاق. الله كالأب الرحيم وكالأم الحنون ولا يوجد أب يعذب أبناءه ولا أم تصليهم بالنار. قد يهدّدونهم بالعقاب خوفًا عليهم، ولكنهم في النهاية سيحيطونهم بالرّحمة والحبّ والحنان " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم "(الزمر53)[9]

يفصل نضال عبد القادر الصالح بين مفهوم الله الجامع بين قيم الخير والحب والجمال ومفهوم الله المؤسسة الذي وُظّف تاريخيًا من أجل السلطة وخدمة مصالح البشر، ويعيد إنشاء إلهه بتصوّر معاصر مِلْؤه الأمل والتفاؤل والجمال على أنقاض صورة الدكتاتور والملك الطاغية، مقتديًا بالدرس الرّشدي دون أن يحيل عليه مباشرة.

وانطلاقًا من نقد المفهوم السائد لله ينقد الكاتب ما ترسّخ في الوعي الديني من حصر للمعنى في النص الظاهر من أجل إنتاج فكر موحّد للجماعة المؤمنة " وهذا ما حوّل الحركة الدلاليّة للنص الديني من نصّ حامل للمعنى ومولّد له إلى نصّ شاهد على معنى جاهز ومقنن؛ أي من نص يُفصح للقارئ بمعناه ومقاصده المكنوزة إلى قارئ يملي على النص معناه المبرمج مسبقًا في فكره."[10] ولذلك، فتلك النصوص محكومة بخلفياتها السياسية والأسطورية، وتنفذ عبرها تأثيرات الأديان الأخرى كالتوراة، لتحاول الظهور بثوب تاريخي وما هي بالتاريخ.

هذه القراءات التي تعتمد مفهومًا للذات الإلهية وتأويلاً ينسجم مع مصالح المؤوّل، يفضي حتمًا إلى مأزق مع الآخر؛ فاليهودية تقسم العالم إلى يهود وأغيار، وفق مركزيّة دينيّة يبرّرها النص الديني على قدر تبريره للعنف ضدّ الآخر، والديانة المسيحيّة تحيي العهد القديم على لسان يشوع التوراتي دعوة إلى الإبادة الجماعية لسكان فلسطين، فيصير الأمر إلهيًا يعطي التسويغ الأبدي من أجل إبادة سكان البلاد والإسلام في الفترة المدنيّة يفتح بابًا للعنف باسم الله وتحت راية الجهاد، ويعتبر الفقهاء أن الدّعوة إلى القتال تنسخ الدّعوة إلى السلم، فصارت ينبوعًا فكريًّا للإرهاب ويرى الكاتب بخلاف ما ساد من الرّأي أن"رفض الآخر ليس حكرًا على الغلاة والمتشدّدين من الإسلاميّين، إنه جزء من فكر عام يعشّش في خلايا وعي المجتمعات الإسلاميّة بمختلف طبقاتها، حكّامًا ومحكومين."[11]

ويستعرض الكاتب من التاريخ الإسلامي المعاصر نماذج لضحايا الإرهاب بدءًا بعلي عبد الرازق ووصولاً إلى حيدر حيدر في رواية "وليمة أعشاب البحر"، ليؤكد أطروحة العنف السائدة في الخطاب الديني، وسرعة تحوّلها إلى ممارسات ضدّ الفكر والحرّية. ويقيم جدلاً بين القيم الإنسانية المعاصرة التي تضمن حقوق البشر، والفكر الإسلامي المؤمن بمركزيّته والمعتدّ بتفوّقه، وقدّ أدّاه الجدل إلى طرح إشكاليّة المقدّس الذي صار وأدًا للعقلانيّة وتكرارًا لمقولات السّلف دون تفكّر أو تدبّر.

أما الفصل الخامس من كتاب المأزق في الفكر الديني، فيتعلق بالعبادات من السموّ والروحانية إلى الروتينية والشكلية؛ فالصلاة مثلاً من الطقوس المشتركة بين أديان كثيرة ذات أثر صحي تثبته التجربة العلمية حسب رأي الكاتب دون أن يغفل من ساحة وعيه من خالفوه الرأي، ولكن وجه الطّرافة في طرح الكاتب يكمن في نزعته الفلسفيّة وسعيه إلى " التفنّن في نحت المفاهيم دون منوال سابق"، ودون وثوق بأنه وصل إلى الإجابة النهائيّة حول معضلة فقدان الطقوس لقيمتها الروحيّة وتحوّلها إلى ممارسات روتينية؛ فالصلاة مفهوم عام بحكم شيوعه، ولا وجود لإجماع إنساني حول شكلها أو عدد ركعاتها أو مواقيتها، إنه وفق تصوّره "توجّه إلى الله" وماعدا ذلك حدّده النبيّ وفصّلته سنّته. وليؤكد أطروحته ينتقل الكاتب بأسلوب الأدباء إلى عرض تجربته الذّاتيّة مع الصلاة وكأنّه ينطلق من دوائر المسكوت عنه، وجراح العنف الرمزي المقدس الذي تمارسه التربية وسلطة الإجماع على الفرد. فتجربة الصلاة تبدأ فرضًا على الصغار ركنًا واجبًا من أركان التربية الإسلاميّة، ويقوم الأب من خلال السلطة الممنوحة له بفرضها على ابنه موظّفًا كل الوسائل بما في ذلك العنف المادّي، ولكن العادة تتداعى أمام الأسئلة الفكريّة وتتلاشى قيمتها تحت وقع الرتابة اليوميّة، لتصير الصلاة طقوسًا شكلية فاقدة للمعنى و"حركات روتينية شكلية لا تشبع النهم الروحي "[12] وتلتقي هموم المسلم مع سائر هموم المسلمين حتّى يظفر الحائر بطريق الخلاص الفردي عبر إعادة نحت مفهوم الصلاة وفق مقتضيات الذات ومقاصد الموضوع، لا وفق إملاءات السنّة وسلطة العادة والإجماع.

يقول الكاتب مصوّرًا صَلاَتَه الجديدة في محراب ذاته:" جلست في غرفة مظلمة وأغمضت عيني ورُحت أخاطب الله بكلمات عفويّة تخرج من قلبي وتعبّر عن إحساسي الدّاخلي وتنبع منه، وليست عبارات روتينية يردّدها لساني، فشعرت كأن جسدي قد تلاشى، وكأنني تحوّلت إلى روح راحت تسبح في الفضاء الواسع وتندمج معه، فسالت دموعي وشعرت بالطّمأنينة تملأ جسدي، كأنما الله قد شعر بي وباركني وأعدت الصّلاة تلك في أوقات مختلفة ومتّخذًا مواضع مختلفة، تارة أشعل شموعًا وأخرى أحرق بخورًا، وفي مرات أضع موسيقى خافتة؛ وفي مرات أخرى أضع شريطًا لأحد المقرئين الذين يحسنون قراءة وتجويد القرآن الكريم، وكنت أشعر أنّه كلّما كانت جلستي مريحة، والسكون حولي تامًا، كلما زادت نفسي سموّا وكلّما شعرت بالتقرّب من الله عزّ وجلّ. في كل صلاة كنت أتوجّه إلى الله بكلام صامت يدور في داخل نفسي، أو كنت أتمتم كلماتي بصوت خافت لا يكاد يُسمع، وفي كلّ مرّة كنت أشعر كأنّي دخلت حمّامًا روحيًّا غسل روحي وطهّرها وزادها قربًا من خالقها. لا أذكر الكلمات التي كنت أنطقها بالدقّة ولكنّني كنت أخاطب الله كما أخاطب الأب الحنون المحب، أطلب منه المشورة والعفو والنصح كما أطلب منه الرّضا والغفران والعفو".[13]

ليس الكلام نبوّة جديدة كتلك التي ظهرت في عصر الردّة، وإنما دعوة إلى تعقّل الصّلاة وفهم معانيها ومقاصدها، وهي تجربة صادقة ينقلها الكاتب رغم حرج السائد وسلطان الأسيجة المقدّسة وخطر العنف الذي تهدد به المختلفين؛ فالصلاة في معناها الجديد صلة بين العبد وربه ولحظات صدق روحي تمارسها الذات دون قيد أو شرط أو أنموذج تحاكيه، بل هي تمارسه بحريتها وفرديتها وطرائقها الخاصة للقضاء على الرتابة وإعادة إحياء الإيمان. ولذلك فلم يعد في ظنّ الكاتب من معنى للتعبد بآيات تفتقد البعد الروحي وتسجّل وقائع تاريخيّة تتعلق برحلة الشتاء والصيف أو تنقل أطوار صراع مع الكفار يتوعّد فيها الوحي أبا لهب بالعقاب، ولا معنى لارتياد المساجد والنّاس يخرجون غاضبين ساخطين ليفسح لهم الطريق فلا يتعلمون قيمة، وإنما يؤدون طقوسًا مفرغة من المعنى؛ فالمسجد إن لم يعلّم الصبر ومكارم الأخلاق صار عادة فاقدة للمعنى. وبالسّيرة الذاتيّة يتأكد المعنى، فمعاناة العبادة المحكومة بالعادة تفقد أسباب وجودها أمام الصلاة في بعدها الروحي وجوهرها الأخلاقي. فالأزمة تبدأ ذاتية ولكنها تنقلب أزمة وجوديّة تخترق الوعي الإسلامي وتسائل المسلم حول القيمة المفقودة والمعنى المستلب.

ويحقّ القول عن الصّوم، فهو عادة بشريّة لها فوائدها العلمية ما لم تُجاوز سقفًا زمنيًّا بأربعة أيام حسب رأي الكاتب، والواقع أن شهر رمضان صار " شهر كسل وخمول ونوم في النّهار وتخمة وسهر وخيم رمضانية يُلعب فيها الورق وتدخّن فيها النراجيل ويحلو فيها الطرب في الليل "،[14] فأُفرغ الصوم من مقاصده وفقد معناه، وصار غير قادر على تهذيب سلوك المسلم وترويض عنفه؛ فلا معنى للصوم ما لم يهذّب الأخلاق ويمنع السلوكيّات الشاذّة والعدائيّة. أما الحجّ، فيبدو من خلال التجارب التي يعرضها الكاتب فاقدًا للروحانية من خلال مشاهد التدافع وعجز تلك الطّقوس عن تحقيق الرّاحة النفسيّة المنشودة. لتكون تلك الشهادة منطلقًا لإعادة نحت مفهوم الحجّ. وتبدأ بالحفر في أصوله الجاهلية ورصد القوانين الفقهية التي وضعها العلماء المسلمون لتقنينه، فيستنتج من خلال بحثه أن الفكر الديني يجعل من العبادات فروضًا " يقوم بها المؤمن من أجل الثواب في الآخرة ولا علاقة لها بسموّ الروح وتثقيف النفس"،[15] فيكشف النزعة النفعيّة وراء التشبّث بالطقوس بحثًا عن رأس مال يضمن دخول الجنّة.

ولا يقف نضال عبد القادر الصالح عند عتبات الطّقوس، بل يفتح الصفحة السياسيّة في الفصل السادس من كتابه تمييزًا بين نظام الحكم المستند إلى الشّريعة الإسلامية والمعتمد على العلمانيّة، ويرى أن طريق الشريعة يقوم على مفاهيم الحاكميّة وسلطة السّلف والخلافة والإيمان بصحّة أحاديث الرّسول وأزليّة النصّ القرآنيّ وقدمه، لتكون سلطة نصوصيّة ذات مرجع مقدّس على البشر. وفي جدل أصحاب الشّريعة مع المؤمنين بالديمقراطية، يعرض الرأي الذي يعتبر الحكم بغير ما أنزل الله طاغوتًا وكفرًا. ولهذا، فطريق الشريعة يهب علماء الدين وحدهم حق تقرير الصّراط المستقيم وإدانة الضّالين. ويعرض الكاتب موقفًا نقديًّا من مفهوم الشريعة الذي صار يتدخل في جزئيات حياة المسلم، ويغالي في سنّ الحدود ويسلب الإنسان عقله وفكره ورأيه و يشرعن سلب حريّة المرأة، ليبشر أخيرًا بإسلام يعزل المسلمين عن سائر الشعوب. وتكون خلاصة هذا المسار، بحث عن العلاقة بين مفهوم الشريعة وحقوق الإنسان تفضي إلى الجزم بوجود تعارُض بينهما، يتأكد من خلال قضيتي الردّة والمرأة.

ويظهر في المقابل طريق العلمانيّة مؤمنًا بتاريخيّة النص وبشريّته، ويفصل المجتمع عن المؤسسة الدينية، دون أن يدعو إلى إقصاء الدين.

في الخاتمة يستخلص الكاتب علاقة الديني بالسياسي، ويبيّن مدى قدرة السّلطة السياسيّة على توظيف الخطاب الديني من أجل ضمان بقائها والقضاء على معارضيها، حتّى صار سلب الإنسان حقّه في الرأي والاختلاف باسم الحاكميّة الإلهية وبسياط التكفير. ولذلك، فلابد من تحرير القرآن من كل من جعلوا تأويله حكرًا على أنفسهم ووسيلة للتسلّط السياسي ومصادرة الحريات الإنسانيّة. فالنص الواحد قابل تأويلاً إلى الانفتاح على قيم العدل والحريّة والمساواة، ولن يستطيع الإنسان تحقيق تلك القيم دون إعادة نحت المفاهيم وتحقيق قطيعة إبستمولوجيّة مع أصنام المعنى من أجل استعادة القيمة.

قد تكون النزعة الذاتية في كثير من الكتب الحضاريّة سبب وهن البحث وضعف نتائجه، ولكنّها في كتاب نضال عبد القادر الصالح نقطة قوته ومصدر طرافته. فقد أثبت بما لا يدعو إلى الشك أن الدرس الحضاري قابل للانفتاح على المباحث الفكريّة الأخرى والإفادة من الأجناس الأدبية، فالحضارة هي في الحقيقة سيرة ذاتيّة للإنسانيّة في بحثها الدؤوب عن المعنى.

* عمّار بنحمّودة أستاذ جامعي بكلية الأداب صفاقس/تونس


[1]- نضال عبد القادر الصالح ، المأزق في الفكر الديني بين النص والواقع ، ص 40

[2]- نضال عبد القادر الصالح ، المرجع ذاته ، ص 41

[3]- نضال عبد القادر الصالح ، المرجع ذاته ، ص 51

[4]- انظر المرجع ذاته ، ص 62

[5]- المرجع ذاته ، ص 62

[6] -المرجع ذاته ، ص 79

[7] -المرجع ذاته ، ص 81

[8] -المرجع ذاته ، ص 81

[9] -المرجع ذاته، ص ص 82-83

[10] -المرجع ذاته ، ص 85

[11]- المرجع ذاته ، ص 121

[12]- المرجع ذاته ، ص ص 141-142

[13]- المرجع ذاته ، ص 142

[14]- المرجع ذاته ، ص 157

[15]- المرجع ذاته ، ص 170