المؤسّسة الدّينية والمؤسّسة السياسيّة في الإطار الإسلامي

فئة :  مقالات

المؤسّسة الدّينية والمؤسّسة السياسيّة في الإطار الإسلامي

المقدمة:

إنّ كل فكر ديني أو سياسي يحتاج إلى إنتاج مؤسّساتي يقوم عليه لضمان استمراريّته وللحفاظ على هويّته. والمتأمّل في تاريخ المجتمعات الإسلامية يلحظ احتكار رجال الدين والسياسة السلطتين الروحية والدنيوية، بل إنّ المسائل الدّينية والسياسية ظلّت من قبيل اللا مفكّر فيه أو لنقل من المحظورات التي يجب عدم الخوض فيها إلاّ بقدر ما تسمح به المؤسّستان الدينيّة والسياسيّة؛ لذلك ارتأينا في هذا العمل النظر في ملامح هاتين المؤسّستين داخل الإطار الإسلامي قديما وحديثا، دون أن ننسى طبعا أوجه التقاطع بينهما والعوائق التي واجهت رجال الدّين والسياسة على المستويين النّظري والإجرائي.

I. المؤسسة الدّينية في الإسلام:

ينبغي أن نؤكّد في البداية أنّ وجود المؤسّسة الدّينية- مهما كان الشّكل الذي تتخذه - ضرورة تاريخيّة تفرضها مقتضيات تجسيم الدّين في واقع الحياة، حتى لا يكون الدّين مجرّد نظريّة من النّظريات أو مذهبا من المذاهب. ( الشرفي عبد المجيد. لبنات. دار الجنوب للنشر.1994 ص 69.)؛ ويمكن أن نلاحظ في السيرة النبويّة بذور هذه المؤسّسة، وخاصة في المرحلة المدنيّة من الدّعوة، وهو ما نلمسه في تنظيم المجموعة الدّينية الناشئة بوضع عدد من القواعد والضوابط كتحديد صلات القرابة أو القضاء بين المتنازعين، أو توزيع الثروة عن طريق الزّكاة والصّدقات وقسمة الفيء والغنيمة، وفي ترتيب الغزو والحرب في إطار الجهاد، وغير ذلك من التنظيمات بقدر كبير من المرونة وقابليّة التّعديل حسب حاجيات المجتمع والأمّة الإسلاميّة، وحسب الظروف المستجدّة. وقد سارت الأمور في عهد الخليفتين الأوّل والثاني أبي بكر الصدّيق وعمر بن الخطاّب، وفي جزء من خلافة عثمان بن عفان، على هذا النحو من المرونة ومن الاجتهاد في تكييف قواعد السّلوك العام والخاصّ، بحسب ما تقتضيه أحوال الأمّة الإسلامية، وهي بصدد مواجهة خطر الارتداد في مرحلة أولى؛ ثم مرحلة ثانية، وهي تواجه مشاكل الانتشار الجغرافي والتكاثر العددي، ودخول أقوام من غير العرب في الدّين الجديد، وورود الأموال المتأتّية عن الفتوحات بمقادير لا عهد للمسلمين الأوائل بها؛ ولذلك كان من الطبيعي أن تكون مؤسّسة الخلافة جامعة للوظائف الّدّينيّة والسياسيّة والاجتماعية والاقتصادية في آن واحد. فلا فصل بين ما هو دينيّ وما هو دنيويّ من ناحية، وأن تكون سيرورة هذه المؤسسة متجّهة من ناحية أخرى نحو الاستقرار والتعقيد، والابتعاد شيئا فشيئا عن الارتجال الذي ميّز السنوات الأولى التي تلت وفاة الرّسول. وقد شهدت فترة الفتنة الكبرى التي حـفّـت بمقتل عثمان وتلته، اضطرابا واضحا وعميقا في سير المؤسّسة الإسلامية عموما، ذلك الاضطراب الذّي خلّف في الضمير الإسلامي شرخا بليغا مازالت آثاره ملموسة حتّى يوم الناس هذا، في انقسام المسلمين إلى أهل سنّة وشيعة وخوارج بدرجة أقلّ. فما إن استقرّ الحكم للأمويّين وانقلبت الخلافة إلى ملك وراثيّ، حتّى برزت مؤسّسة الدّولة التي لم تعد تهتمّ بالقيم الإسلامية إلاّ في حدود انعكاسها السّلبي أو الإيجابي على ممارسة الحكم. وبانفصال الدّولة الأمويّة وسائر الدّول الإسلامية عن الأسس التي ميّزت الخلافة الرّاشدة، تكمن بوادر نشأة المؤسسة الدّينية في الإسلام بالصيغة التي شاعت طيلة التاريخ الإسلامي؛ أي في تبوّء فئة من المسلمين منزلة اجتماعية متميّزة، باعتبارها المؤهّلة أكثر من غيرها لفهم الدّين وتأويل القرآن بحسب النّوازل الطّارئة والأوضاع الجديدة، ونعني بها فئة العلماء. وهكذا تبلورت شيئا فشيئا ثلاثة أصناف من علماء الدّين:

-صنف العلماء المنقطعين بصفة كليّة إلى العلوم الدّينية دراسة وممارسة. فكان منهم المحدّث والمفسّر والفقيه والمفتي والواعظ والمرابط.

- صنف العلماء الذين يدورون في فلك السّلطة السيّاسية ينظّرون لها، ويبرّرون سلوكها ويتمتّعون في مقابل ذلك بنصيب من نعمها. ومن هذا الصنف كان ينتدب بصفة خاصّة القضاة والمستشارون، وحتّى الوزراء، بل كثيرا ما كانت هذه المناصب متوارثة في هذا الصنف في نطاق أسر معروفة.

- أمّا الصّنف الثالث، فيشمل العلماء الذين وإن اشتركوا مع الصّنفين الأوّل والثاني في التكوين، إلاّ أنّهم ينتمون سرّا أو علنا إلى حركات المعارضة، ويسعون إلى مثل أعلى لا يعتبرون إدراكه ممكنا عن طريق مجانيّة السيّاسة أو الانحراف في النّظام القائم. وهؤلاء كانوا بالخصوص من علماء الشيعة والخوارج، وكذلك زعماء العشرات من الفرق الإسلاميّة.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ المؤسسة الدّينية في الإسلام لم تكن واحدة أو متجانسة تجانسا مطلقا، ولكنّ التناقضات التي تشقها تناقضات ثانويّة، إذ أنّها كانت متضامنة في الدّفاع عن منزلتها ومصالحها وضمان استقرارها، ومتضامنة في منهج تفكيرها ونظرتها إلى الحياة، ومتضامنة كذلك مع السّلطة السياسيّة القائمة أو التي تطمع إلى الحكم. أمّا التناقض الرئيسيّ، فقد كان بين علماء الدّين جميعا من جهة وبين سائر الفئات الاجتماعيّة من جهة أخرى، بما في ذلك النساء اللاتي يمثّلن نصف المجتمع عدديّا والعبيد ذكورا وإناثا، وكذلك الصنّاع والحرفيين والفلاّحين والبدو. فما كان يسمح به للخاصّة من اختلاف واجتهاد، وحتّى خروج عن القواعد المرسومة لا يسمح به لعموم المسلمين المطالبين بالطاعة والانقياد وعدم الخوض في بعض المباحث التي يخشى منها تطاول على ما سعى العلماء إلى إضفاء القداسة عليه، وإخراجه من دائرة البحث والتفكير، وهو الموقف الذي عبّر عنه مثلا عنوان كتاب الغزالي الشهير " إلجام العوام عن علم الكلام".

وعلى الرغم من تأثّر المؤسسة الدّينية بقيم العصر، وقبولها بأن تستغلّ الدّولة الدّين لتستمدّ منها مشروعيّتها، فإنّها كانت تعيش في الواقع جملة من المفارقات لم يكن بوسعها أن تتجاوزها دائما. وأهمّ هذه المفارقات أنّها كانت بصفتها جهاز الدّعوة الإسلاميّة، متشبثّة بالنظام الذي تكون فيه الدّولة في خدمة الشرع عن طريق الخلافة. ولكنّها في الوقت ذاته لا تستطيع أن تنكر أنّ الدّولة واقع لا يمكن تغييره إلاّ بمعجزة. وفي انتظار هذه المعجزة، بقيت حريصة على صيانة الكيان الإسلاميّ من أخطار التّفكك والانحلال؛ فقد كانت المؤسّسة الدّينية إذن واعية بأنّها حين تدعم الأنظمة القائمة مقابل تطبيقها للأحكام الشرعية، لا تدعم نظما مستجيبة للأنموذج الإسلاميّ الأمثل، لذلك لا يعدو هذا التأييد أن يكون محكوما بالتقاء ظرفي للمصالح، وأن يمثّل الفضاء الذي يتقاطع فيه منطق الدولة ومنطق الدّعوة. وقد بيّن ابن خلدون اقتصار وظيفة علماء الدّين في عصره على التجمّل بمكانهم في مجالس الملك. كما فسّر تدني منزلتهم المادية لا بخلوّهم من العصبية فحسب، بل بسلوكهم ومخالفة أعمالهم لأقوالهم[2](ابن خلدون عبد الرحمان. المقدمة. (د.ت) دار الشباب للنشر والتوزيع. ص 339.)

لقد كانت هذه إذن، حال المؤسسة الدينية الرسميّة، تقبل التبعيّة للحكم وابتعاد الساسة والمجتمع عن مكارم الأخلاق، ما دامت محافظة على إرث السلف الصالح وحاملة شعلة الأمل المرتقب، في أن تحصل المعجزة ويعود العصر الذهبيّ عصر النبوّة والخلافة الراشدة، وهي في التفاتها الدائــــم إلى هذا الماضي المجيد تدافع باستمرار عن ذلك العصر، وتردّ على المخالفين وتدحض البدع والشبه الحقيقيّة أو الوهميّة، التي من شأنها أن تمسّ الصورة الذهبيّة التي تكوّنت لها عن ذلك الماضي. وفي هذا المستوى، لا تختلف المؤسّسة الدّينية في الإسلام اختلافا جوهريا عن المؤسّسة الدّينية في المسيحية أو في غيرها من الأديان الأخرى، في حدود اعتبار هذه المؤسّسات نفسها الحارس الأمين للإيمان الصّحيح والسّلوك المستقيم والتأويل الوفيّ. لكن بالرّغم من هذا الحرص على التفرّد بأهليّة النطق بما هو الحقّ، وبتصنيف الحلال والحرام والخير والشّر، فإنّ المؤسّسة الدينيّة العالمة قد عجزت عن شغل الساحة الدّينيّة برمّتها. وكان اهتمامها بالحواضر دون البوادي، وتوجّهها نحو الخاصّة دون العامّة، سببا في جعل التأطير الدينيّ للطّبقات الشعبية يتمّ عن طريق شيوخ الزّوايا والطّرائق، الذين أطلق عليهم التدّين الشعبي صفة أولياء الله الصالحين. وكانت هذه المؤسّسة الدّينية الشعبيّة متسامحة في الأغلب عند الإخلال بالقواعد التي وضعها الفقهاء للطقوس والعبادات والمعاملات، بل إنّها كانت في الأغلب كذلك. وعلى غرار الجمهور الذي تتّجه إليه، لا تحسن القراءة والكتابة وعاجزة عن استيعاب التفريعات والتدقيقات التي شحنت بها كتب الثقافة الدّينية العامة، فاستشرت المعتقدات الوثنيّة المخالفة مخالفة صريحة للإسلام.

إنّ هذه الوقفة الطّويلة عند المؤسسة الدّينية في الإسلام عبر التاريخ كانت ضروريّة، لأنّ لهذا التاريخ امتداد في الحاضر، ولأنّ المؤسسة الدّينية اليوم متأثرة إلى حدّ بعيد بالممارسات التاريخيّة، رغم تغيّر الظروف والمعطيات. ومن العوامل التي كان لها انعكاس على المؤسّسة الدّينية في العصر الحديث، بروز الدّولة الحديثة كجهاز يتدخّل في الشؤون الدّينية، ويضيّق من مجال استقلاليّة مؤسّستها، ويحاول استغلال نفوذها المعنوي لتدعيم أركانها. أمّا العامل الرئيس الثاني، فهو بروز معقوليّة – لا عقلانية حديثة، قطعت الصّلة بالوثوقيّة السائدة في الماضي، وأحلّت محلّها الاستفهام والبحث المتواصل والسعي إلى كشف المجهول. وبعبارة أخرى فقد تقلّص مجال المحرّمات في المستوى المعرفيّ، وترك التسليم مكانه للحيرة وإرادة الفهم. ويتمثّل العامل الرئيس الثالث في انتشار قيم لا عهد للأجداد والآباء بها، ونذكر بالخصوص قيمة الحريّة وقيمة المساواة. فالحريّة في القديم إنّما كانت ضدّا للعبودية، وكانت مبحثا كلاميّا عند علماء الكلام يتعلق بخلق الإنسان لأفعاله. ولكنّها أصبحت اليوم حريات. ويهمّنا منها بالخصوص حريّة التّعبير، وحريّة المعتقد، لأنّهما يحدّان من سلطة المؤسّسة الدّينية ويضمنان حقّ المواطن في المجاهرة بآراء لا تتبنّاها هذه المؤسّسة، ولا يتبنّاها ممثلوها والقائمون عليها ولا يوافقون عليها. أمّا قيمة المساواة، فإنّها تتنافى خصوصا ومنزلة المرأة الدّونية، وتعارض التّقسيم التقليدي للناس إلى خاصّة وعامّة، أو إلى نخبة مؤهّلة للقيادة ورعاع محكوم عليهم بالطّاعة والانقياد. فكان على المؤسسة الدّينية أنّ تأخذ بعين الاعتبار ثورة فكرية حقيقية، وعدولا عن العديد من الحلول التي ارتضاها القدماء وكانوا يعتقدون أنّها الوحيدة التي تستجيب لمقتضيات الدّين. ويُضاف إلى العوامل السابقة عاملا رابعا، يتمثّل في ظهور مؤسّسات مجتمعيّة عديدة تؤدّي دور التعديل الاجتماعي، وتنافس المؤسسة الدّينية وتزاحمها، وأحيانا تزيحها في أداء هذه الوظيفة مثل المؤسّسة القانونية الوضعية، والأحزاب السياسية والجمعيات والمنظمات على اختلاف مشاربها واهتماماتها، والصّحافة والمدرسة، بالإضافة طبعا إلى دور الدّولة. كما أنّ انحلال الرّوابط الاجتماعية التقليديّة وشيوع نظام الأسرة الضيقة، وانتشار التعليم، وخروج المرأة من البيت لاقتحام ميدان الشّغل والنزوح من الأرياف نحو الحواضر الكبرى، وازدياد أمل السكان في الحياة بالتغلب على الأمراض والأوبئة، والاطّلاع على الثقافات الأخرى عبر السياحة والوسائل السمعيّة البصريّة، تمثل كلّها أسبابا أخرى خلقت وضعا قلقا للمؤسّسة الدينية، خاصّة بعد انقطاع السند التاريخيّ أو يكاد بعزوف الأوساط الحضريّة العريقة عن توجيه أبنائها نحو العلوم الدّينية، بعد أن كانت هي المغذّي الرئيس للمؤسسة الدّينية وتقلصت ميادين النشاط الاجتماعي التي تؤهل لها العلوم الدينيّة. وتتلخّص سمات المؤسّسة الدّينية الحديثة في ثلاثة عناصر كبرى، أولاها الانطواء على الذات، نتيجة لعجزها عن مواكبة التغيّرات السريعة التي حدثت في المجتمعات الإسلامية؛ وثانيها التبعيّة للأنظمة السياسية القطريّة، وفقدانها للاستقلاليّة النسبيّة التي كانت مخوّلة لها؛ وثالثها فقدان المصداقيّة الذي يفسّر بتركيز علماء الدّين على ظاهر العبادات والمعاملات أكثر من اعتنائهم بمعانيها ودلالاتها؛ أضف إلى ذلك تقلّص مساندة الدّولة للمؤسّسة الدّينية، وبروز مؤسسات منافسة لها منعتها من أداء وظيفتها أداء جيّدا ومن ضمان احترام الناس لها.

II. المؤسسة السّياسية في المجتمعات العربية الإسلامية:

لقد مثل انتقال النبيّ إلى المدينة حدثا حاسما في نشوء الأمّة ككيان فعلي ملموس، وإرساء قواعد الدّولة الإسلامية؛ إذ حاول الرسول بمجرّد استقراره في المدينة أن يكوّن دولة إقليمية، تشمل كلّ المتساكنين بدون فرز قبلي أو عرقي على أساس حريّة الاعتقاد والتناصر والعدل، ولا أدلّ على ذلك من إبرامه وثيقة كتابيّة مع يهود المدينة، عرفت بدستور المدينة أو الصّحيفة. (الطالبي محمد. أمّة الوسط. دار سراس للنشر 1996 ص18.). وقد عدّت أحكام النبيّ في الأمور كافّة مطابقة للاستقامة ولعدل الله، لأنّه يمارس إرادة الله في الأرض، لكنّ النبي توفيّ فجأة قبل اكتمال بنية المجتمع السياسيّة، وكانت هناك مسائل أساسيّة وقضايا معلّقة تنتظر حلولا. وبالطّبع كانت أولى القضايا المباشرة قضيّة شرعيّة الخليفة الذّي يختار بعده. فإذا كان من الضّروري أن تخضع الشرعيّة لمعيار العدل السياسي، وجب كذلك أن تكون في الإسلام تعبيرا حقيقيّا عن الإرادة الإلهية السامية. ولمّا كان من غير الممكن دعم الشرعية بنبوة جديدة، رأى المسلمون أن تدعم الشرعية بواسطة الإجماع شرط أن يمارس الخليفة المنتخب السّلطة وفق معيار العدل المقرّر في القرآن والحديث. وقد أخذت بالظهور تدريجيّا ثلاث مدارس فكريّة رئيسة مثل كلّ منها فريقا سياسيا يدعي أنّ شرعيّته أكثر انسجاما من شرعيّة الآخرين. وقد اتفقت اثنتان من هذه المدارس السّنة والشيعة، الطائفتان الرئيسيتان في الإسلام حول مبادئ أساسيّة على الأقل من بينها الحفاظ على الإمامة لبقاء الجماعة وتطبيق الشريعة، وجعل الإمامة لفرد من أسرة النبي حسب الرؤية الشيعية، أو لفرد من قبيلة قريش من منظور الطائفة السنيّة، ووجوب تحلّي الإمام ببعض الصّفات الخاصة، كعلوّ المكانة أو السبق في السّنّ، والسّمعة الحسنة، والشّخصيّة الفذّة، والخبرة، وغيرها ممّا يعدّ ضروريا للقيام بواجبات أمير المؤمنين ورئيس الدّولة، غير أنّ الخوارج رفضوا مذهبي السّنة والشيعة، ورأوا أنّ شرعية الإمامة تقوم على مبادئ ثابتة للعدل السياسي مستمدّة من المصادر النّصيّة، وأنّ على الأمّة اختيار الإمام من بين أفضل النّاس، دون تمييز قائم على أساس القبيلة أو الجنس أو اللّون أو الطّبقة.(خدوري. مجيد مفهوم العدل في الإسلام.د.ت.دار الكلمة. سورية دمشق.ص 38)، فكانوا أوّل من طرح مسألة حقوق الإنسان الأساسيّة، وطالب بتحديد موقف المؤمنين من العدل السياسي. ولقد نجم عن هذا الخلاف عجز العالم الإسلامي عن تأسيس وحدة سياسيّة منذ زمن الفتنة الكبرى إلى يومنا هذا؛ فحتّى الحكم الأمويّ لم يتوصّل إلى إقامة وحدة سياسيّة بأتمّ معنى الكلمة. وعلى الرغم من إسهام الأمويّين في تثبيت ركائز الدولة الإسلاميّة، فإنّهم لم ينجوا من الثورات المسلّحة، إذ استقلّ عنهم المغرب الأوسط والأقصى؛ ثمّ كان الانقلاب العباسيّ الذي لم يسلم بدوره من الثورات والقدح في شرعيّته. لقد كان التمرّد المسلّح بعدا قارّا للتاريخ الإسلاميّ : فكما أنّ العنف الصادر عن صاحب السلطة كان يستند إلى مبرّرات دينيّة، فإنّ العنف المضاد يلتجئ أيضا إلى مبرّرات من النوع نفسه. ويعدّ الخوارج في طليعة منظّري شرعيّة العنف السياسيّ، إذ برّروا شرعيّة الخروج بالسيف على من يعتبرونه إماما ظالما. وكان أشدّهم تصلّبا في هذا الميدان وأمعنهم في سفك الدّماء الأزارقة الّذين كفّروا من لم يهاجر إليهم، ومن لم ينضمّ إلى صفوفهم ومن لم يعتنق مبادئهم. ولبلوغ أهدافهم وجد الخوارج أنفسهم مضطرّين لشدّة مطاردة السلطة لهم إلى تنظيم العمل السريّ، مثلما فعل الشيعة على اختلاف نزعاتهم أيضا. ولم يقتصر تكفير الخصوم والمخالفين عموما، وما يتبع ذلك من شرعيّة سفك دمائهم وتنظير للعنف الديني السياسي وتبريره على الخوارج والشيعة فحسب، بل أسهم في ذلك أهل السنّة أيضا بقسط وافر، من ذلك إفتاء الإمام الأوزاعي الموالي لبني أميّة باستحلال دم غيلان الدّمشقي، لأنّه كان يتبنّى مقولة القدرية، فنفذ فيه هشام بن عبد الملك حكم الإعدام. وأمّا الإمام مالك، فقد قال نقلا عن صاحبه ابن القاسم في شأن الإباضية والحرورية وأهل الأهواء كلّهم: " أرى أن يستتابوا وإلاّ قتلوا ". وممّا يروى عن الإمام مالك كذلك بالتواتر وبصيغة المدح جواز قتل الثلث لإصلاح الثلثين. ( الطالبي محمد. عيال الله. دار سراس للنشر. ط.3.فيفري 2006. ص82.)

والنتيجة التي يمكن أن نخلص إليها من تعدّد الشرعيّات الدينيّة وتناقضها وعداوتها وسيول الدماء التي غرقت فيها، هو أنّه لا شرعيّة دينية في مستوى نظام الحكم، وإنّما وظّف الدين ولا يزال يوظّف لخدمة أغراض سياسيّة متباينة وكمحفز لافتكاك السلطة، وفي كثير من الأحيان لتبرير الاستبداد والكليانيّة على قاعدة لاهوتيّة مفتعلة. وإذا نظرنا في علاقة المؤسّسة السياسية في الإسلام ببقية نظرائها في العالم، فإنّنا نلحظ توتّرا دائما سببه نظرة الدولة الإسلامية إلى العالم مقسّما إلى شطرين: دار الإسلام ودار الحرب. فالدار الأولى تضمّ مجتمع المؤمنين وأهل الذّمة كاليهود والنصارى، وسواهم ممّن آثروا التمسّك بشرائعهم لقاء جزية تدفع للسلطة الإسلاميّة. أمّا الدار الثانية، فتتألّف من بقية أقطار العالم التي تحيط بدار الإسلام. وقد كانت دار الحرب هدف السلطة الإسلاميّة، وكان واجب الإمام بوصفه رئيس الدولة الإسلاميّة أن يبسط شرعيّة شريعته على سائر غير المؤمنين. كما كانت هدفا للجهاد بغية تحقيق أهداف دنيوية ودينية. ولئن اختلفت مواقف علماء الدين من شرعيّة الجهاد كمواجهة مسلّحة ضدّ دار الحرب، فإنّ الواقع أثبت اعتياد المؤمنين في دار الإسلام على حالة جهاد نائم توقظه السلطة السياسيّة الإسلاميّة عند اقتضاء المصلحة الدنيويّة. فالسلاطين العثمانيون مثلا كانوا يستندون إلى الجهاد في غزوهم الأراضي الأوروبيّة، لكنّهم في حقيقة الأمر لم يكونوا في وضع يخوّل لهم ممارسة حقوق الإمام، ولا كانت حروبهم دينيّة الطابع على الدوام؛ غير أنّ الاتصالات بين المسلمين وغير المسلمين كانت تجري بأساليب سلمية على الصعيدين الشخصي والرسميّ، على الرغم من بقاء حالة الحرب قائمة بين دار الإسلام وبقيّة البلدان الأخرى، بل إنّ العثمانيين في ذروة قوّتهم تفاهموا مع الأمراء المسيحيين وأبدوا استعدادهم لإقامة السلام معهم على أساس من المساواة والمعاملة بالمثل.

ولئن عجز العثمانيّون عن إخضاع فارس بعد استيلاء الشيعة على السلطة في مستهلّ القرن السادس عشر، فإنّهم استطاعوا بسط نفوذهم على البلدان الإسلامية الشرقية؛ لكنّ هذه السيطرة ظلّت تتقلّص تدريجيا في ظلّ استبداد الحكام وأعوانهم برعاياهم وخضوع أصحاب السلطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة تحت سيطرة القوى الأوروبية التي فرضت عليهم تقديم تنازلات للأجانب على حساب الرعايا المسلمين. ولم تكن القيود المفروضة على سلطة الحكّام المسلمين من قبل القوى الأجنبية لتحطّ من كرامتهم في نظر رعاياهم فحسب، بل كانت تنال من شرعيّة سلطتهم أيضا. وقد زاد الأمر تعقيدا عند ما سحبت تركيا اعترافها بالدولة الإسلامية والشرعيّة الإسلامية معلنة قيام دولة لائكية تعتنق قيم الدولة الغربية الحديثة (تودوروف تزيفتان. روح الأنوار. تعريب حافظ قريعة. دار محمد علي. تونس.2007 . ص 61.)؛ وبذلك تحوّل العالم الإسلاميّ إلى مجموعة دول ذات سيادة تبنت الإسلام مبدأ للسلام بدلا من مبدأ حالة الحرب، كما تبنت قواعد وممارسات علمانية أدمجتها في نهاية الأمر ضمن إدارة الشأن السياسي. واللاّفت للانتباه في العصر الحديث أن هناك محاولات في العديد من البلدان العربية والإسلاميّة لإقامة أنظمة ديمقراطية تعدّدية في محاولة منها إلى اللّحاق بركب التقدّم الغربي، لكنّها تصطدم أحيانا بردّات عنيفة تقودها حركات سياسيّة ذات طابع ديني متطرف. كما سعت أنظمة أخرى إلى تأصيل فكرها الدينيّ ضمن النظام السياسيّ مثل النظامين السعودي والإيراني اللّذين أقيما على الإسلام من جهة، واختلفا من جهة أخرى اختلافا عميقا رغم اشتراكهما في صفة الانتساب إلى الإسلام، وقد يصل اختلافهما أحيانا إلى القطيعة والعداوة.

الخاتمة :

لقد أفضى بنا البحث في وضعيّتي المؤسّسة الدينيّة والمؤسّسة السياسيّة داخل الإطار الإسلاميّ إلى ملاحظتين مهمّتين، هما:

- المؤسّسة الدينيّة الإسلاميّة سعت إلى ضمان استمراريّة الأمّة الإسلامية مستمدّة سلطتها من الوفاء الدائم للرسالة التأسيسيّة، لكنّ التحوّلات المعرفيّة والاجتماعية التي تشهدها المجتمعات الإسلامية والعالم عموما، تدعوها إلى إعادة النظر في وظيفتها وسلوكها ومجال عملها وإلى التعود على الحوار الديمقراطي وإلى تطوير تكوين القائمين عليها حتى يتخلصوا من الوثوقية وتقديس الماضي واحترام مقولاته بلا تمييز.

- توظيف الدين والمؤسسة الدّينية لخدمة أغراض سياسية من شأنه أن يضعف البعد الروحي المميز للدين، ويفقد المؤسسة الدينيّة مصداقيّتها، كما يدخل المجتمعات الإسلامية في دوّامة من العنف التي تمزّق أوصال هذه المجتمعات وتعيق تقدّمها.

المراجع:

- الجابري .محمد عابد. العقل السياسي: محدداته وتجلياته. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت . 1986.

- ابن خلدون. عبد الرحمان. المقدمة . مراجعة وتعليق عبد الباقي خريف. دار الشباب للنشر والتوزيع د.ت.

- تودوروف. تزيفتان. روح الأنوار . تعريب حافظ قويعة. دار محمد علي . تونس2007.

- الطالبي. محمد . أمة الوسط . دار سراس للنشر1996.

- الطالبي محمد. عيال لله. دار سراس للنشر.ط.3.فيفري 2006.

- الشرفي .عبد المجيد. لبنات. دار الجنوب للنشر. تونس. 1994.

- خدوري . مجيد. مفهوم العدل في الإسلام. دار الكلمة. سورية دمشق. د.ت.