المتخيّل الإسلامي: بحث في المرجعيّات

فئة :  مقالات

المتخيّل الإسلامي: بحث في المرجعيّات

لاشكّ في أنّ مسألة مرجعيّات المتخيّل الإسلامي les références de l’imaginaire islamique جديرة بالدراسة والبحث العلميين، ذلك أنّ التعرّف إلى تلك المرجعيّات يساعد دون شكّ على تفهّم رصين ودقيق لما يعبّر عنه هذا المتخيّل من دلالات وما ينهض به من وظائف. وفضلا عن ذلك، فإنّ تدبرّ هذا الموضوع يسهم في "موضعة" المتخيّل الإسلامي ضمن سائر منتجات المتخيّل الإنساني بصفة عامّة؛ أي وضع المتخيّل الإسلامي على المسار الخطّي الزماني للمتخيّل الديني.

ولئن كان المتخيّل في أبسط تعريفاته يعني، مثلما يذهب إلى ذلك كاستورياديـس CASTORIADIS، القدرة على أن ترى في الشيء ما ليس هو أو على غير ما هو عليه، فإنّ المتخيّل الديني حسب تعريفنا له هو جملة المنتجات السيميائيّة، اللّغويّة أو غير اللّغويّة، التي يصطنعها الإنسان الديني في علاقته مع المفارق والمطلق أو المحايث من أجل الإجابة عن أسئلة البدايات والدنيويّات والأخرويّات بعضها أو جميعها.

أمّا المرجع، من جهة التعريف الإصطلاحي، فيدلّ على عمليّة الرجوع إلى الشيء، ويعني أيضا الاعتراف بسلطة نصّ أو نصوص تتمّ الإحالة عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ولا يخفى أنّ استعمالنا لصيغة الجمع "المرجعيّات" في عنوان بحثنا يوكّد منذ المنطلق تعددّ الأصوات والروافد التي عوّل عليها المتخيّل الإسلامي في تكوين رصيده في المتخيّل. ولنا أن نسأل ههنا هل إنّ هذا التعددّ يعني بالضرورة اختلافا في الرؤى والمقاصد بين مصادر الإعارة والمستعير؟

ونعتقد أنّ التصدّى للموضوع المثار هنا يستدعي منّا التعويل على منهج ارتدادي يقوم على اختراق متنجات المتخيّل الإسلامي لتعيين مرجعيّاتها الضمنيّة والصريحة. والمنهج نفسه هو ما يسمّى في الدراسات الفلسفيّة والأنثروبولوجيّة بالحفر الأركيولوجي. لذلك، فإنّ عملنا قائم على اختراق طبقات متراكمة من تلك المنتجات، مثلما تبدو في صيغتها المدوّنة والمستقرّة. ثمّ إنّ تلك المرجعيّات متداخلة في الأصل، وليس الفصل بينها، ههنا، سوى فصل منهجيّ من أجل التعرّف إليها والإحاطة بها في مكوّناتها وتقدير مدى أثرها في تشكّل المتخيّل الإسلامي.

بالإمكان ردّ مرجعيّات المتخيّل الإسلامي إلى صنفين كبيرين؛ هما أوّلا مرجعيّات غير إسلاميّة مدارها على الثقافة العربيّة قبل الإسلام {أساطير العرب خاصّة} والنصوص المقدّسة التوحيديّة {اليهوديّة والمسيحيّة} وثقافات أو أديان قديمة، وثانيا مرجعيّات إسلاميّة أساسها نصّ المصحف ونصّ الحديث النبوي وقصص الأنبياء والشأن السياسي الإسلامي.

إنّ المرجعيّات غير الإسلاميّة عديدة ويصعب حصرها والإلمام بها في مثل هذه الدراسة، ومردّ ذلك التعددّ إلى كثرة الأديان والثقافات التي تعامل معها المتخيّل الإسلامي بشكل مباشر أو عبر وسيط ثقافي أو أكثر. وتتمثّل أهمّ تلك المرجعيّات في ما يلي:

- الثقافة العربيّة قبل الإسلام: نستعمل كلمة الثقافة هنا بمعناها الأنثروبولوجي الواسع والشامل لمجالات المعرفة والاجتماع والدين ومنظومة القيم والعادات والمأثورات الشفويّة وغيرها. ومعلوم أنّ الثقافة العربيّة قبل الإسلام تتميّز بثرائها وتنوّع العناصر المكوّنة لها وبدورها الحيويّ في تحقيق التوازنات الاجتماعيّة داخل المجتمعات القبليّة بالجزيرة العربيّة قبل ظهور الإسلام. وتمتلك هذه الثقافة رصيدا واسعا من الأساطير العربيّة التي مثّلت مرجعا أساسيّا من مرجعيّات المتخيّل الإسلامي. والشواهد على ما نحن بصدده عديدة من قبيل أساطير المظاهر الطبيعيّة {الجبال، الحجارة....} وأساطير الحيوان {الحيوانات الأليفة، مثل الخيل التي خلقت من ريح الجنوب، والحيوانات الوحشيّة، مثل الحيّة التي مثّلت فاعلا أساسيّا من فواعل أساطير الخلق، وقصّة توحّد الحيّة مع إبليس في قصص الخلق معروفة}. وفضلا عن ذلك، يمكن أن نذكر طقوس الحجّ والعمرة، وهي في الأصل طقوس عربيّة جاهليّة من مثل الطواف والإفاضة وتقبيل الحجر الأسود والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة. ثمّ تمّت أسلمة هذه الطقوس والتصرّف في طريقة آدائها من قبيل تغيير اتّجاه الطواف، ليصبح في الإسلام من اليمين إلى اليسار؛ أي عكس اتّجاه عقارب الساعة، وهو ما يعني رمزيّا انتقالا من الزمن الراهن بتعطيله إلى زمن أوّل مقدّس ضارب في القدم.(للتوسّع راجع: جواد عليّ، المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، وأيضا: محمّد عجينة، موسوعة أساطير العرب عن الجاهليّة ودلالاتها).

ـ النصوص المقدّسة التوحيديّة: لقد تأثّر المتخيّل الإسلامي شديد التأثّر بالمتخيّل اليهودي في عدّة أغراض دينيّة أفرز أدبا كاملا سمّي بـ"الإسرائيليّات". ومن أبرز هذه الأغراض قصّة الخلق الإسلاميّة. فاسم حوّاء وخلقها من ضلع آدم مثلا غير مذكورين في نصّ المصحف بالمرّة، ولكنّ ذكرهما متواتران في نصوص التفسير والقصص القرآني، وهو ما يقيم البرهان على أنّ العلماء المسلمين عادوا إلى المرجع التوراتي (تحديدا سفر التكوين) للكلام على قصّة خلق حوّاء وعلى إثبات مسؤوليّتها في إخراج آدم من الجنّة. وعلى صعيد آخر تغذّى المتخيّل الإسلامي من المرجعيّة النصرانيّة في عديد المواضيع. ونكتفي هنا بذكر مثال واحد، فمن دلائل النبوّة والكرامات المنسوبة إلى الرسول قدرته على تكثير الطعام من نحو إشباع أكثر من أربعين شخص بنصف مدّ من الشعير، وهذا المثال متواتر الذكر في جلّ كتب السيرة النبويّة. والمشهود بالعيان أنّ المتخيّل الإسلامي في هذا الغرض متأثّر بمعجزة عيسى بن مريم في تكثيره الطعام، حتّى إنّه أطعم خمسة آلاف رجل بخمسة أرغفة وسمكتين (راجع :العهد الجديد، إنجيل متّى، 13/14 ـ 21).

ـ الثقافات والأديان القديمة: لقد استفاد المتخيّل الإسلامي من رصيد واسع لمتخيّل ديني، تبدو جذوره ضاربة في التاريخ الإنساني القديم. ويمكننا الكلام على المرجع السومري استنادا إلى حضارة سومر التي عرفتها بلاد سومر في الألف الثالث قبل الميلاد. فحسب الأسطورة السومريّة تقع في وسط جنّة عدن شجرة عالية عظيمة سمّيت في الأدبيّات اليهوديّة ب"شجرة الحياة" من يأكل من ثمرها ينال الخلود. وقد عوّل المتخيّل الإسلامي على هذه الأسطورة للحديث عن "سدرة المنتهى" عبر وسيط يهودي توراتي.(للتوسّع يراجع: فراس السوّاح، الأسطورة والمعنى). ويحضر المرجع المانوي، من بين ما يحضر، في تبنّي مقالة "ختم النبوّة"، إذ أنّ ماني (ت 274 م) هو أوّل من أذاع تلك المقالة، فضلا عن أنّ أسس الاعتقاد التي صاغها داخل الديانة المانويّة تقوم على خمسة أركان ومنها الصيام شهرا في السنة. (راجع: Michel TARDIEU, Le manichéisme). وغنم المتخيّل الإسلامي أيضا من المرجع اليوناني، وهو ما يتجلّى خاصّة من مصنّفات تعبير الأحلام، ومضمونها تأويل الأحلام في اتّجاه التنبّؤ بما يمكن أن يحصل في حياة المسلم من أحداث ووقائع. فحين نلتفت إلى التراث الإسلامي في هذا المبحث نقف على تأثّره بالتصوّرات اليونانيّة القديمة في باب الأحلام. فجلّ ما ورد في كتاب "تفسير الأحلام" لمحمّد بن سيرين (ت110هـ) هو نقل لما حواه كتاب "تعبير المنامات" لأرطاميدوس الإفسيسي (عاش في القرن الثاني للميلاد)، خاصّة وأنّ هذا الكتاب قد عرّبه في زمن مبكّر حنين بن إسحاق (ت 260هـ/873م). ويكفي أن نقارن بين محتويات الكتابين، حتّى تتأكّد لنا وجوه الشبه والتطابق بينهما في توزيع الفصول والأبواب وطرائق تعبير الرؤى والأحلام. فحين يقول ابن سيرين مثلا: "فمن حسن أنفه في المنام كان دليلا على حسن حال من دلّ عليه"، فإنّه يعيد قول أرطاميدوس "إذا كان الأنف صالح الحال كان ذلك محمودا".

وإذا وجّهنا وجهنا شطر المرجعيّات الإسلاميّة ألفينا أنفسنا منبّهين إلى أمرين اثنين؛ أحدهما أنّنا لم نميّز فيها بين نصّ تأسيسي (نصّ المصحف) ونصوص ثوان (سائر العلوم الإسلاميّة). أمّا الأمر الآخر، فيتمثّل في أنّنا لم نميّز أيضا في النصوص المعبّرة عن هذه المرجعيّات بين نصوص الثقافة العالمة (أي النصوص الرسميّة والخاضعة للتقعيد وللبناء المنهجيّ وللتدوين) ونصوص الثقافة الشعبيّة (أي النصوص المنفلتة من الرقابة الرسميّة والخارقة للقواعد والمستندة أساسا على المشافهة)، فهناك تداخل وتعالق بين هذين الضربين من النصوص، خاصّة في ضوء التعايش داخل الثقافة الإسلاميّة بين أدبيّة المنطوق ومراسم التدوين. ونقدّر أنّ أهمّ المرجعيّات الإسلاميّة تتمثّل في ما يلي:

ـ نصّ المصحف: وقد تعامل معه المتخيّل الإسلامي من جهة المرجع بكيفيّتين متكاملتين؛ أولاهما الاستناد إلى ما في النصّ من نواة إخباريّة قائمة على الإشارة والإيجاز والتلميح. وهذه النواة تتّخذ مرجعا لنسج مرويّات المتخيّل في غرض من الأغراض. من ذلك مثلا أنّ الإشارة إلى إسراء النبيّ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى حسب ما ورد في الآية الأولى من سورة الإسراء17 قد تولّدت منها أخبار ومرويّات عديدة محورها الإسراء والمعراج، حتّى إنّه محّضت لذلك كتب برمّتها في هذا الباب. وثانيهما أنّ نصّ المصحف أضحى عند أهل العلم به ناطقا بسكوته، بل قل بسبب سكوته. والشواهد في هذا السياق أكثر من أن تحصى. ويكفينا أن نذكر أنّ القرآن لم يتحدّث البتّة عن الخوارق الحافّة بمولد النبيّ مقابل حديثه عن المعجزات المتعلّقة بمولد عيسى على نحو ما هو مثبت في سورة مريم19. والحاصل أنّ التفسير القرآني اتخذ من الكيفيتين المذكورتين تكأة لذكر ما شاء له أن يذكر من مرويّات مدارها على المتخيّل في أبواب شتّى، مثل خلق الكون (البقرة29/2 ) وخلق الإنسان (الأعراف11/7) والقربان من خلال قصّة الأخوة الأعداء قابيل وهابيل (المائدة27/5 ـ 13).(للتوسّع في هذه المباحث يراجع وحيد السعفي، العجيب والغريب في كتب تفسير القرآن).

ـ الحديث النبوي: لقد أسندت إلى الرسول عشرات الآلاف، بل قل مئات الآلاف من الأحاديث حوتها مجاميع الحديث من صحاح وسنن ومسانيد، تدور على عدّة أغراض منها الكلام على صور الفردوس والجحيم على غرار ما تشفّ عنه الكتب التالية ضمن تلك المجاميع: صفة القيامة (الصور...الشفاعة...الصراط...أواني الحوض)، صفة الجنّة (شجرة الجنّة...أبواب الجنّة...ثمار أهل الجنّة...)، صفة جهنّم. وهذه العيّنات هي من الأبواب المتواترة والمتكرّرة في مصنّفات الحديث النبوي وشروحها. ويظهر أنّ العلماء المسلمين استخدموا عددا من الأحاديث في هذا الغرض لوضع مؤلّفات برمّتها تندرج في أدبيّات القيامة، من نحو "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" لابن قيّم الجوزيّة، و"التخويف من النار" لابن رجب الحنبلي، و"الدرر الحسان في البعث ونعيم الجنان" لجلال الدين السيوطي، و"دقائق الأخبار في ذكر الجنّة والنار" للقاضي أحمد.

ـ قصص الأنبياء: مدارها على سير الأنبياء والرسل وما تعلّق بها من "معجزات" و"خوارق"، وهذه القصص تضمّنتها مصنّفات مشهورة في هذا الباب، مثل "عرائس المجالس" للثعلبي النيسابوري و"قصص الأنبياء" للكسائي. والثابت عندنا أنّ قصص الأنبياء مثّلت مرجعيّة محوريّة في إنتاج متخيّل إسلامي جامع لكرامات الأولياء من قبيل إحياء الموتى والطيران والعروج إلى السماء والتمتّع بقوّة جسديّة خارقة...إلخ. ويمثّل كتاب "جامع كرامات الأولياء" ليوسف النبهاني أنموذجا جيّدا من اهتمام المتخيّل الإسلامي بمثل هذه الكرامات.

ـ الشأن السياسي: مثّلت عدّة أحداث سياسيّة حصلت في الواقع التاريخي مرجعا اعتمد عليه المتخيّل الإسلامي في نسج أقاصيص ناطقة بالعجيب والغريب من الأحداث والوقائع. من ذلك أنّ مقتل الحسين بن علي سنة 61 هـ بكربلاء أنتج على التدريج ما سمّي بـ"أدب الشهادة" ومضمونه قصص دراميّة وتجميع لنصوص التعازي الشيعيّة وبيان للطقوس التي ينبغي القيام بها في ذكرى مقتل الحسين، إذ يتمّ بواسطتها التكفير عن الذنب بإيلام الجسد. (للتوسّع يراجع: إبراهيم الحيدري، تراجيديا كربلاء: سوسيولوجيا الخطاب الشيعي). وبالإمكان إدراج هذا المثال ضمن المتخيّل السياسي الإسلامي.

ونسوق مثالا آخر على مانحن بصدده، مفاده إيراد خبر من أخبار سبب نزول سورة القدر97 وظّف للطعن في الحكم الأموي والنيل من أنصاره. ويقوم الخبر على رؤيا رآها الرسول تظهر كيف أنّ بني أميّة وطئوا منبره. ومن البيّن أنّ في هذه الرؤيا إخبارا بالغيب، ومن ثمّ، فإنّنا نؤكّد التشكّل البعدي للخبر المذكور، وهو ما يعني نهوضه بوظيفة تبريريّة.

والمستفاد من كلّ ما سبق استنتاجات ثلاثة كبرى نصوغها بطريقة تأليفيّة؛ أوّلها أنّ تعددّ مرجعيّات المتخيّل الإسلامي ناطق بدلالات مهمّة منها قدرة هذا المتخيّل، وهو يتغذّى من أديان وثقافات مختلفة، على الانفتاح على غيره من منتجات الفكر الإنساني عامّة. ونرى في هذا الانفتاح شرطا أساسيّا من شروط حياته واستمراره في الوجود وفعله في وجدان المسلمين وضمائرهم.

ويتمثّل ثاني الاستنتاجات في أنّ هذا التعددّ يعني قابليّة المتخيّل الإسلامي، لاحتواء ضروب أخرى من منتجات المتخيّل راجت في أديان أو ثقافات سابقة عليه أو معاصرة له. ويدلّ ذلك على أنّ في هذا المتخيّل قوّة كامنة تعلّل تلك القابليّة. ونعتبر الأمر بديهيّا متى ذكّرنا بأنّ هناك جامعا مشتركا بين منتجات المتخيّل من مختلف الأديان والثقافات، ممّا يعني وجود "كلّيات بشريّة" تؤلّف بين مكوّناته. ولعلّ من أهمّها الإحساس بوطأة الزمن والخوف من المصير والموت، ومنها أيضا انّ الوعي الفردي يمثّل مصدرا للقلق (علم نفس الأعماق يؤكّد هذا التفسير) وذلك في سياق الإجابة عن سؤال طرحه جون كازانوف Jean CAZENEUVE هو التالي: ما علّة كونيّة الظاهرة الطقوسيّة؟ وقد أثبتت الدراسات السوسيولوجيّة أنّ من أهمّ وظائف الاحتفالات الاجتماعيّة والدينيّة الدوريّة والموسميّة والعرضيّة هو تبديد ذلك القلق عبر القيام بطقوس جماعيّة. وفضلا عن ذلك، فإنّ ما يؤكّد وجود تلك "الكليّات الجمعيّة" هو ما يسمّيه عالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ C.G.JUNG بـ "اللاّوعي الجمعي"، وهو يتشكّل من عناصر موروثة تنتمي حسب رأيه إلى التراث الوراثي للجنس البشري. وتنكشف تلك العناصر بوضوح تامّ في حقل الأساطير وما يقترن بها من طقوس. وقد لاحظ يونغ أنّ الأساطير المنتمية إلى ثقافات مختلفة تشترك في عدد كبير من الخصائص التي لا يمكن تفسيرها بالحراك الاجتماعي او بالتبادل الثقافي، وبيّن أيضا أنّ أحلامنا واستيهاماتنا Fantasmes تنتمي إلى أساطير نجهلها في الغالب. من ذلك أنّ أطفال كلّ العالم يخافون من الغول، رغم أنّ هذا الحيوان لا وجود له البتّة في الطبيعة.

أمّا الاستنتاج الثالث والأخير، فيتمثّل في أنّ كلّ دين يسبغ على متخيّله طابعا خاصّا به. وهذا الطابع ينسجم، في المستوى النظري على الأقلّ، مع أصول الاعتقاد ومقوّمات الإيمان ومنظومة القيم التي يتبنّاها دين من الأديان ومنها الدين الإسلامي. ومن ثمّ، فإنّ المتخيّل الإسلامي يتعامل مع المرجعيّات غير المنتمية إلى الفضاء الإسلامي بعد تخليصها من المظاهر الدالّة مثلا على الوثنيّة والشرك.

وهكذا يمكن الكلام في نهاية المطاف على المتخيّل الإنساني الكوني من جهة وعلى إضافات أو إبداعات المتخيّل الإسلامي من جهة أخرى. بعبارة أخرى إنّ المتخيّل الإسلامي ينشأ ويتأسّس في ضوء علاقة قائمة بين هذا الرصيد الراسخ من المتخيّل الكوني (الذي تكوّن على التدريج وعلى امتداد آلاف السنين) ومنتجات المتخيّل الإسلامي.

إنّ مرجعيّات المتخيّل الإسلامي معبّرة من ناحية تعدّدها واختلافها عن تفاعل مهمّ بين الاقتداء بنماذج سابقة من المتخيّل وما أفرزه المتخيّل الإسلامي من نصوص. ويعني ذلك أنّنا إزاء تفاعل قائم بين "المحاكاة" mimésis و"الإبداع" poésis.