المرأة في المغرب بين المكتسبات والتحديات

فئة :  مقالات

المرأة في المغرب بين المكتسبات والتحديات

تعد المرأة شريكا أساسيا في تحقيق أهداف التنمية وتطوير المجتمع، وقد شهدت العقود الأخيرة، وخاصة فترة ما قبل الحراك العربي، اهتماما متزايدا بالدور الذي تضطلع به المرأة داخل المجتمعات العربية، خصوصا أنه لا يمكن حدوث أية تحولات أو تقدم دون دور فاعل للمرأة. وقد فطنت الدول الغربية لهذا الأمر، ولأهمية تفعيل دور المرأة داخل المجتمع، وآمنت بأنه لا تقدم فعليا دون إشراك المرأة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وعلى هذا الأساس، صدر العديد من الاتفاقيات منذ القرن الماضي.[1]

ومن جهتها، فقد انتبهت الدول العربية لأهمية إشراك المرأة في عملية التغيير والتنمية الشاملة، وبناء مجتمع ديمقراطي فعلي، وأصبحت تحتل حيزًا مهماًّ من النقاش خلال السنوات الأخيرة.

وتبقى قضية المرأة محكًا حقيقيًّا لتقدم وتطور الشعوب العربية، ودليلا على توازن المجتمع وانتقاله إلى مصافِّ المجتمعات الديمقراطية؛ بل إن هناك ارتباط وثيق بين تحرر المجتمع وتحرر المرأة، يعتبر مقياسا لمدى انفتاح المجتمع في الداخل وفي الخارج.

وعلى غرار باقي الدول العربية، فإن قضية المرأة ومشاركتها في جميع مناحي الحياة، داخل المجتمع، احتلت حيزًا مهماًّ من النقاش والجدل داخل المغرب، استطاعت من خلاله المرأة تحقيق قفزة نوعية على جميع المستويات، ومكاسب مهمة في مجالات سياسية واقتصادية وقانونية؛ وهو ما جعل البعض يطلق عليها اسم الثورة البيضاء، خاصة في العشريتين الأخيرتين، حيث لم يكن من الممكن عزل هذه القضية عن مسلسل الانتقال الديمقراطي الذي انخرط فيه المغرب منذ القرن الماضي، ولأن تقدم المرأة هو أحد مرتكزات تعزيز هذا الانتقال و بناء الدولة الحديثة.

ويبقى النهوض بحقوق المرأة، ونشر ثقافة وقيم المساواة والإنصاف، خيار وضرورة تتحملها كل مكونات المجتمع المغربي، سواء تعلق الأمر بالسلطات العمومية والحكومة، أو المنظمات غير الحكومية و كل قوى المجتمع المدني.

لكن ما عاشته وتعيشه المرأة المغربية لم يكن وليد اللحظة، بقدر ما كان نتيجة مجهودات وصراعات خاضتها المرأة والرجل على حد سواء، مع وجود العديد من العراقيل القانونية والمجتمعية والسوسيولوجية. وعلى هذا الأساس، ستتطرق هذه المقالة إلى واقع المرأة في المغرب ومسلسل الرهانات والمكتسبات التي خاضتها، وإلى أي مدى تحقق التمكين السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمرأة المغربية في ظل الإصلاحات التي تبناها المغرب، و في ظل تحولات الحراك العربي؟

تشكل المرأة المغربية أزيد من نصف ساكنة المغرب، ويغلب عليها الطابع الشبابي، وهو ما شكل أحد أهم الدوافع التي جعلت من انخراطها داخل المجتمع بشكل فعلي أمرا ملحا، على اعتبار أن المرأة شريك أساسي في تحقيق التنمية المجتمعية، و ليس مجرد تابع.

وقد سجلت العشرية الأخيرة تقدما ملحوظا لدور المرأة، والذي جاء نتيجة لتضافر العديد من العوامل، من أهمها تنامي حركات ديمقراطية وحقوقية تجسدت في نضالات الحركات النسائية، وحضورها بشكل مكثف في مختلف هيئات المجتمع المدني.

غير أن تفكيك البنية التقليدية للمجتمعات العربية - من بينها المغرب- لعب دورًا في هذا التغير المجتمعي، حيث أصبحت المرأة تلعب دورا محوريا داخل أصغر خلية في المجتمع؛ أي الأسرة، وبالتالي داخل المجتمع ككل.

وبالعودة إلى الدستور المغربي الجديد لسنة 2011، نجده ينص في تصديره على أن المغرب "يرتكز على مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية"، كما ينص في فصله السادس على أنه " تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية". أما الفصل التاسع عشر، فقد أكد على أنه "يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في هذا الباب من الدستور وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها".

وبما أن المغرب كان ولازال يقول بتبنيه للنظام الديمقراطي، فقد كان لا مناص من أن يتبنى مقاربة إشراك المرأة في كل مناحي الحياة. وعلى هذا الأساس، أكدت حكومة التناوب (1998 ـ 2002) والعاهل المغربي، ومنذ توليه العرش سنة 1999، بالتزامه بالنهوض بمكانة النساء وتحسين أوضاعهن.

ومن هذا المنطلق، انخرط المغرب في عدد من الاتفاقيات الدولية، من أبرزها اتفاقية مؤتمر بكين، والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو)، والتي تنص على أن " التنمية التامة والكاملة لبلد ما ورفاهية العلم، وقضية السلم، تتطلب جميعا أقصى مشاركة ممكنة من جانب المرأة على قدم المساواة مع الرجل في جميع الميادين"، بل إن المغرب كان من أوائل الدول العربية التي صادقت على هذه الاتفاقية.

ومع أن المغرب كان جريئا في مصادقته على العديد من التوصيات والاتفاقيات العالمية، إلا أنه لم يتم تفعيل كل البنود على أرض الواقع، لكن مسلسل الإصلاحات استمر بشكل تصاعدي، وأصبح النهوض بالمرأة انشغالا حكوميا، وتم اتخاذ مجموعة من التدابير توجت بأهم مكسب للمرأة المغربية، ألا وهو إصلاح قانون الأسرة، وصدور مدونة الأحوال الشخصية.

شكَّلت المدونة منعطفا حقيقيا في تاريخ التشريع المغربي، وقفزة نوعية في تاريخ تعزيز حقوق المرأة والطفل، حيث تم تغيير بنود قانون الأحوال الشخصية لصالح المرأة والطفل، خاصة ما يتعلق بحقها في الزواج والطلاق والولاية والحضانة. وتلت هذه الخطوة العديد من الإنجازات من أهمها: منح الأم المغربية الجنسية لأبنائها من زوج غير مغربي، كما تم اعتماد الإستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف والتحرش الجنسي ضد النساء، واستحدثت مراكز استماع وخلايا للنساء المعنفات في المستشفيات ومراكز الشرطة وجمعيات المجتمع المدني.

ويمكن القول إن مرحلة التحديث التي دخل فيها المغرب تصادمت وبعض التيارات المحافظة، والتي رفضت التنازل عن بعض الملامح التقليدية داخل المجتمع المغربي، ولم تستسغ هذه التحولات، وطالبت بالحفاظ على أنماط السلوك التقليدية؛ غير أن هذه الأصوات خفت بعد أن أبانت التجربة كيف أن تفعيل بنود هذه التشريعات الجديدة، خدم مصلحة المرأة والطفل، وحقق التوازن المطلوب داخل الأسرة والمجتمع ككل.

لكن حضور المرأة في مراكز القرار ظل محدودا، ولم يفض تطور وضعيتها السياسية والاقتصادية إلى تحسين تمثيلها السياسي، بسبب إكراهات الحقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، و استمرار النظر إلى المرأة على أنها كائن غير سياسي.

إن الإدراك العلمي لواقع المشاركة السياسية للمرأة يتطلب ربطه بالتطورات التاريخية والتشريعية لمشاركة المرأة السياسية؛ فمنذ الاستقلال وإلى وقت قريب كانت المرأة مجرد موضوع للسياسة، وليس فاعلا فيها. واقتصرت مشاركتها الفعلية، ولزمن طويل، على التصويت فقط.

فمنذ الانتخابات الأولى في المغرب لسنة 1963، ومع وجود ترشيحات هزيلة لم تتمكن معها أية مرشحة من الفوز إلى غاية سنة 1993، والتي عرفت أول فوز لمرشحتين (بديعة الصقلي ولطيفة بناني سميرس)؛ ولم يطرأ أي تغيير على عدد المرشحات الفائزات في انتخابات 1997. وكان التحول الكبير مع انتخابات 2002، والتي عرفت فوز 35 امرأة.

جاءت هذه النقلة نتيجة اعتماد نظام الاقتراع باللائحة النسبي، واعتماد نظام الحصة أو ما يعرف بالكوطا، وهي تقنية تستخدم للفئات الأقل مشاركة والأقل حظا في الفوز داخل المجتمع كالمرأة والشباب، حيث تم تخصيص 10% من مقاعد مجلس النواب للنساء، الشيء الذي ضمن 30 مقعدا للنساء في انتخابات 2002، والتي عرفت فوز 35 امرأة، ومن بعدها انتخابات 2007، والتي عرفت تراجعا طفيفا بانتخاب 34 امرأة؛ أي أربع نساء فقط في القوائم المحلية للمرشحين. أما في الانتخابات التشريعية المبكرة لسنة 2011، فقد تم تخصيص 60 مقعدا بدل 30 مقعدا التي كانت معتمدة في الاستحقاقات السابقة.

و لتمكين المرأة من المشاركة في تدبير الشأن المحلي والرفع من التمثيلية النسائية بطريقة مباشرة، تم في الانتخابات الجماعية لـ 2009 اعتماد مقاربة النوع على مستوى الميثاق الجماعي، وإحداث دوائر إضافية في كل جماعة، حيث تم تخصيص 3260 مقعدا لصالح النساء.

ومع أن نظام "الكوطا" تمكن من إعطاء نتائج ملموسة على مستوى تمثيلية المرأة في المجال السياسي المغربي، إلا أن هناك من اعتبره نظاما غير ديمقراطي، يتناقض ومبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، ومبدأ تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة . ومع أن هناك جانبا من الحقيقة في هذا الرأي، إلا أنه يمكن القول إن نظام "الكوطا" يستمد شرعيته من مبدأ العدالة الذي يقتضي وجود تمثيلية لشريحة واسعة وأقل حظًّا في الفوز داخل المجتمع وهي شريحة النساء؛ كما أنها تبقى حلاًّ مرحليًّا أمثل لمجتمع لازالت تطغى عليه العقلية الذكورية، ولا يؤمن بقدرات المشاركة السياسية للمرأة، وخاصة على مستوى القرار.

لقد صاحب نظام "الكوطا" وإعطاء فرص أكبر لتمثيلية النساء داخل الأوساط السياسية، انخراط المغرب في مسلسل الانتقال الديمقراطي وما صاحبه من اهتمام بوضعية المشاركة السياسية للمرأة، والتوقيع على معاهدات دولية لضمان مشاركة المرأة في المجال السياسي كالشرعية الدولية لحقوق الإنسان لسنة 1948، والاتفاقية الخاصة بالحقوق السياسية للنساء لسنة 1950، واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة لسنة 1993.

وعلى هذا الأساس، تم تعيين النساء في مراكز مهمة، حيث حصلت المرأة على ثلاث حقائب وزارية سنة 2002، ولكن المغرب ستكون له نقلة ملحوظة مع تعيين 7 وزيرات في حكومة 2007، وعلى رأس وزارات على درجة كبيرة من الأهمية كوزارة الصحة والشباب والرياضة ووزارة الطاقة والمعادن.

هذا المسار التصاعدي لتولي المرأة للمناصب الوزارية سيتراجع وبشدة مع حكومة الإسلاميين لسنة 2011، والتي لم تتولَّ فيها إلا امرأة واحدة فقط وزارة التضامن والمرأة، وهو ما خلق استياء في صفوف المنظمات النسوية. ولكن رئيس الحكومة علل هذا الأمر بكون باقي الأحزاب المشاركة في الحكومة الحالية هي التي لم تقدم أي ترشيحات نسوية، في حين أن حزب العدالة والتنمية الحاكم أسند وزارة المرأة والتضامن إلى بسيمة الحقاوي، العضو البارز في الحزب.

أما على مستوى وضعية المرأة في الأحزاب السياسية، وفي محاولة منها لربط التغيير المجتمعي والسياسي الذي طال الصفوف النسائية بالمغرب، اهتمت الأحزاب بدورها بسياسة الدفع بالمرأة إلى ولوج الحياة السياسية وبقوة، خاصة وأنها كانت تعي جيدا أن المسؤولية الرئيسة في دعم المرأة في البرلمان والمجالس النيابية ملقاة على عاتق الأحزاب، وهو ما ينص عليه الدستور المغربي صراحة في فصله السابع " تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة السياسية، و في تدبير الشأن العام".

ومما لاشك فيه أن نظام "الكوطا" فرض على الأحزاب السياسية تأهيل نساء قياديات يستطعن تمثيل الحزب أحسن تمثيل في الأوساط السياسية. غير أن المشهد السياسي والحزبي في المغرب يبين وبوضح أن الاهتمام بالمرأة لا يعدو في أغلب الأحيان إلا ضرورة اقتضاها التسويق الخارجي، وأن القيادات الحزبية لا تثق كثيرا في أداء المرأة ووضعها في دوائر القرار، لهذا لا نجد أية امرأة على رأس أي حزب سياسي، باستثناء الحزب الاشتراكي الموحد والمعارض الذي سيأخذ خطوة مهمة حين انتخبت نبيلة منيب، أمينة عامة له سنة 2012. ولقد جاء هذا الحدث كرد فعل قوي على التمثيلية الباهتة للمرأة في الحكومة الحالية، والتي غابت عنها مبادئ المناصفة والمساواة في تولي مراكز القرار داخل الدولة.

ويمكن القول إن إدماج المرأة في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، لا يرتبط فقط بفتح باب مشاركتها وولوجها إلى البرلمان والمجالس بقدر ما يرتبط بتمكينها الفعلي في اتخاذ القرارات الحيوية داخل الدولة وفي كل المجالات، وهو ما يصطدم بدوره بعدد من الإكراهات التي تعوق هذه المشاركة.

فعلى مستوى التعليم والتمدرس، نجد أن نسبة الأمية في المغرب مرتفعة بشكل مرعب، خاصة في صفوف المرأة القروية مقارنة مع الذكور، وهذا يرجع إلى تدني مستوى التعليم وارتفاع نسبة الهدر المدرسي بالمغرب، كما يرتبط بالتوزيع غير الرشيد للمدارس في مختلف أرجاء المملكة، وهو ما يمنع الفتيات خاصة من إتمام تعليمهم لوجود المدارس بعيدا عن مقر سكناهم. وهذا ما يعني أن تحديا كبيرا أمام الدولة، فيما يخص تشجيع التمدرس والقضاء على الأمية في صفوف النساء الراشدات.

وعلى المستويين الاقتصادي والاجتماعي، فالمرأة داخل المجتمع المغربي لازالت تعاني من ظروف الفقر والبطالة بنسبة أكبر من الرجل. ومع أن الدولة وهيئات المجتمع المدني اتخذت خطوات ملموسة في هذا الإطار، والمتمثلة في المشاريع الصغيرة، خاصة على مستوى القرى والبوادي الفقيرة، وتشجيع الإنتاج المحلي والمقاولات الصغرى، إلا أن هذه الإجراءات تبقى غير كافية، خاصة في ظل الظروف والأزمات الاقتصادية الحالية.

أما على المستوى السياسي، فعوائق المشاركة أيضا متعددة ومتنوعة ومرتبطة من جهة بالمجتمع نفسه، ومن جهة أخرى بالهيئات السياسية داخل الدولة. ويظهر ضعف مشاركة المرأة في ضعف تمثيلها في الهيئات السياسية داخل الدولة كالحكومة والبرلمان والنقابات والأحزاب.

وتشير الدراسات دائما إلى أن هناك نماذج مغلقة حول المرأة، من طرف الرجل والمرأة على السواء، تعتبر أن المرأة غير قادرة على مزاولة العمل السياسي واتخاذ القرارات الحاسمة والمهمة، وأن قدراتها أقل من قدرات الرجل الذي يبدو أكثر عقلانية وأكثر مسؤولية، بل إن الدراسات والإحصائيات أوضحت كيف أن معظم النساء صوتن لصالح الذكور، وهو ما يؤكد سيطرة العقلية الذكورية داخل المجتمع المغربي، شأنه شأن باقي الدول العربية ودول العالم الثالث. ويمكن التأكيد على ذلك بكونه لازال في مرحلة استيعاب لأهم مكونات وميكانيزمات النظام الديمقراطي، خاصة فيما يتعلق بتدبير الشأن العام وإشراك كل فعاليات المجتمع المهمشة سواء منها النساء أو الشباب، وهو ما يفرض على كل قنوات التنشئة الاجتماعية، كالإعلام والأحزاب والمدرسة والمؤسسات الدينية،الاشتغال أكثر على مسألة طرح وإيصال قيم جديدة داخل المجتمع، وتغيير الثقافة التقليدية السائدة، خاصة البطريكية منها؛ وتعزيز تعيين المرأة في مراكز القيادة والمسؤولية في المديريات والوزارات، وتجاوز التعامل مع المرأة كقضية نظرية يتم الرجوع إليها على حسب متطلبات ظرفية معينة كالانتخابات أو الاستحقاقات النيابية.

لقد عاشت المرأة المغربية العديد من المخاضات في ظل التغيرات الأخيرة، خاصة مع بداية الحراك العربي وما شهدته المنطقة العربية من تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية وعلى مستوى أنظمة الحكم بها.

ومنذ اندلاع الثورات في العالم العربي، بدا جليا كيف أن المرأة كانت حاضرة ومتواجدة في كل الحركات الثورية وكل مظاهرات الاحتجاج، ولم تتخلف عن مسيرة التغيير، وكانت تتظاهر وبقوة إلى جانب الرجل في الميدان، ولم تمنعها الأفكار التقليدية من ذلك، وهو ما يؤكد أن الحراك العربي لم يكن لينجح دون المشاركة الفعالة والقوية للمرأة. وعلى غرار باقي الدول العربية، فقد عاش المغرب على إيقاع حراك في الشارع المغربي مع مطالبات بالإصلاح وتنزيل دستور ديمقراطي، مع فصل جدي للسلطات وإقرار قضاء مستقل، ووضع حد للبطالة والاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية في البلاد إلى جانب اللغة العربية... ولقد خرج آلاف المغاربة استجابة لنداء شبابي يوم 20 فبراير 2011، وكانت المرأة حاضرة فيه وبقوة خلال هذه المظاهرات متبنية نفس مطالب الرجل، كما تعرضت نسبة منهن للاعتقالات والمحاكمات.

لكن المرأة باختيارها المشاركة في الحراك العربي، كانت قد تجاوزت مطالب المشاركة إلى الطموح في اقتسام السلطة؛ ومع أن المراة المغربية حققت بعض المكاسب كالاعتراف الدستوري بمساواتها مع الرجل وارتفاع عدد المقاعد في مجلس النواب من ثلاثين إلى ستين مقعدا، إلا أنها لم تكن تعرف أنها تضع أمامها عقبات جديدة بظهور بعض الأصوات المحافظة، بل إن المكاسب التي حققتها في العشريتين الأخيرتين شهدت تراجعا خاصة على مستوى تمثيليتها في الحكومة، و وجدت نفسها تغيب من جديد عن العديد من مراكز القرار الحيوية والمهمة داخل الدولة.

وما لا يمكن حصره على مستوى المغرب فقط، ولكن تعميمه على مستوى الدول العربية ككل، حيث وجدت المرأة نفسها تعيش على إيقاع هاجس تحصين المكتسبات التي حققتها، وهو ما يعني أن المرأة مطالبة أكثر بمزيد من العمل، كما أن الحكومة والمجتمع مطالبين بمزيد من الإنصاف والمساواة بين الجنسين، وإدماج مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات والبرامج التنموية وكل ما له علاقة بنهضة المجتمع. وفي الأخير يمكن التأكيد على أن مشاركة المرأة تبقى أمرا ضروريا وملحا يفرضه الواقع ويفرضه انخراط المغرب في مسلسل الديمقراطية والحداثة.


[1] الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948، و العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 دجنبر 1966، و العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 دجنبر 1966، و اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي اعتمدتها الجمعية العامة و عرضتها للتوقيع و التصديق و الانضمام بقرارها المؤرخ في 18 دجنبر 1979، و الاتفاقية رقم 1 لعام 1966 بشأن مستويات العمل، و التي تضمنت أحكاماً خاصة بحماية النساء العاملات.....


مقالات ذات صلة

المزيد