المسلم الحزين في القرن الحادي والعشرين

فئة :  مقالات

المسلم الحزين في القرن الحادي والعشرين

ليس العنوان نوعا من السجع يراد به قرع سمع المتلقي ليحسن الاستماع، ولا هو بالتقليد الأعمى لنصّ شهير كتبه حسين أحمد أمين " دليل المسلم الحزين" (أمين، 1993) وإنّما هو عنوان غايته رصد ظاهرة ومعاينة قلق في الشخصيّة العربيّة الإسلاميّة. ففضلا عن التأخّر الحضاريّ والبون البائن بين الثقافة العربية الإسلامية وثقافة الآخر الغربيّ، نلحظ اليوم بعد ما يعرف بالثورات العربية أو الربيع العربي مظاهر جديدة لابدّ من الوقوف عندها وتسليط المجهر عليها. فقد برزت سلوكات عجيبة ومظاهر للتديّن غريبةوانظر في دنيا الناس تر عجبا، إطالة اللّحي، لبس النقاب والبرقع في أماكن عمومية بل في الفضاءات الأكاديمية، اعتكافات في المساجد، مشاركة للأئمة في المظاهرات، خطابات سياسوية في منابر الجمعة.وتتفاقم هذه الظواهر على المواقع الاجتماعية الافتراضية، فتاوى خارجة عن التاريخ. فهذا يفتى بضرورة أن يصاحب المرأةَ محرمٌ عندما تبحر على شبكة الإنترنت وذاك يفتي بأنّ مضاجعة الزوجين بعضهما بعضا عاريين حرام، والآخر يشنّف آذاننا بأنه عاد للتوّ من عقد صلح بين قبيلتين من الجنّ قد اختصمتا.

فوضى دينية لا مثيل لها تجد لها سندا في وصول الإسلام السياسي إلى الحكم. وُصُولٌ إلى الحكم صحبته محاولة تأجيج الشعور الديني لدى العامّة ورغبة في السّيطرة على المجتمع المدني بإغراقه بجمعيات تدور كلّها في فلكه، فهذه جمعية الفجر وتلك جمعية النور، وثالثة دار الحديث النبوي ورابعة جمعية نصرة الإسلام والقائمة تطول كلّها جمعيات لا شأن لها بالعمل الجمعياتي وإنّما غايتها واحدة هي أسطرة السلف وتنشيط متخيّل جمعي نكوصي يتمثل في الحنين إلى زمن الأصول يضاف إلى كلّ هذا قنوات دينية سنيّة سلفية وشيعيّة تمطر المسلم بآلاف الفتاوى فتزيده حيرة فيظل أمامها حيران حرّان لا يهتدى، إنّ احتلال الدّاعية اليوم مكانا في الفضائيّات وحيّزا زمنيّا كبيرا يصحبه تمويل ضخم غايته توظيف الوسائل الإعلاميّة والأجهزة الحديثة لترويج خطاب تقليديّ يحافظ على الموروث السّائد بل يجمّد القضايا ويعود بنا نحو جعل كلّ جديد طريف بدعةً. إنّ هذا الفكر الّذي يقسّم العالم إلى حلال وحرام بل تتّسع فيه دائرة الحرام ما يفتأ يعيد على مسامعنا أفكارا قد بدا لنا أنّنا تجاوزناها لكنّنا نفاجأ بعودتها محدثة ضجّة وتلهية عن القضايا الأساسيّة فالدّاعية البشير بن حسين مثلا يعلن أنّ الاحتفال بالمولد النّبويّ بدعة وأنّ المرأة لا يجب أن تسافر لوحدها بل يجب أن تُصاحب بمحرم. إنّ هذه الأفكار تنتشر اليوم على شبكات المواقع الاجتماعيّة فتثير الجدل بين مؤيّد ورافض، فهي تعيدنا إلى مسائل يخال المجتمع التّونسيّ نفسه أنّه تجاوزها وقطع معها وحسم فيها، بل إنّ الحملة المتواصلة اليوم على الطّرقيّة بما صاحبها من حرق ما يقارب أربعا وثلاثين زاوية تطفو على السّاحة وتجعلنا نطرح الأسئلة مجدّدا. وإنّنا نخلص إلى أنّ الفكر العربيّ الإسلاميّ لم يأت بالقول الحاسم في العديد من القضايا ونحن لا نعني قولا ينهي الكلام على هذه القضايا بطيّ صفحتها وعدم الخوض فيها فهذا غير ممكن إذ أنّ التّفكير في مثل هذه القضايا لا ينتهي ما دامت الحياة على تجدّدها وحركيّتها تطرح من المعطيات والأسئلة الجديدة ما يستدعي إعادة النّظر الدّؤوب وإنّما نقصد "القول الّذي يحقّق التّقدّم فيكون مؤشّرا على حدوث نقلة نوعيّة في الموضوع المقارب وفي أداة المقاربة نفسها وهي الفكر الّذي يتعاطى النّظر والقراءة وإنتاج ما ينبني على ذلك كلّه من خطاب" (ابن رمضان ، 1988، ص 6.).

ذاك هو واقع الحال، بل ربّما لطفنا المشهد إذا ما علمنا أنّ كلّ هذا يهون أمام جماعات وفئات من تجار الدين يصطادون شبابنا ويجيّشونهم ويدربونهم ويزجون بهم في معارك خاسرة سلفا. إنّ هذه الجماعات السّلفيّة الجهاديّة تتشكّل في تنظيم عالميّ مهيكل وهو تنظيم القاعدة، وهو تنظيم يرفض رفضا قطعيّا الحداثة بل يعدّها كفرا، ومن ثمّة فهو يحافظ على ذلك التّقسيم الأصوليّ القديم، دار الإسلام ودار الكفر. ويسعى هذا التّنظيم إلى إقامة إمارات دينيّة سلفيّة أينما أتيحت له الفرصة، فهو يستغلّ الدّول والأماكن الّتي تعرف صراعات وتصدّعات اجتماعيّة وإثنيّة، ولك في حركة طالبان في أفغانستان خير مثال، تنشط هذه الجماعات في فضاء الفوضى والتمزّق الاجتماعيّ وهي تسعى إلى تطبيق جامد للشّريعة من تطبيق للحدود وحطّ من مكانة المرأة وإقرار بمبدإ الردّة دون وعي بأنّ الشّريعة إنّما هي إنتاج أجيال من الفقهاء وتراكم حاصل عبر أزمنة عديدة. إنّ خطورة هذا التّنظيم كامنة في انقسامه إلى خلايا تأتمر بإمرة أمير يحرّكها وتكون تحرّكاتها إمّا خاطّفة من قبيل التّفجيرات، أحداث سبتمبر 2001، أو مركّزة كرغبتها اليوم في إنشاء دولة شمال مالي استدعت تدخّلا أجنبيّا لحلّ الأزمة الّتي مازالت تتفاقم يوما بعد يوم.

إنّ كلّ هذه الظواهر التي عددنا وغيرها التي أغفلنا ذكرها تشتّت وعي المسلم اليوم فتراه ممزّقا، حائرا، حزينا فيقرع أذانك بغريب الأفكار وعجيبها. فهذا شاب تلقى تعليمه في أحدث الجامعات الأوربية يصف لك الغرب وتقدّمه بكل انبهار فيحدثك عن أحدث التطورات العلمية والتقنية ويحلّل لك أسباب التفوق الحضاري للآخر ثم يفاجئك في آخر حديثه بأننا لا يمكن أن ننهض ونرتقي إلاّ إذا ما عدنا إلى ديننا وطبقنا نظام الجزية ! وذاك يحدّثك عن آفات المجتمع فيطنب في ذكر السرقات ثم يقترح عليك حلاّ ظننته أصبح من غابر الحلول. لا بذّ من تطبيق حدّ قطع يد السارق إذا ما رمنا تخليص المجتمع من هذه الآفة ! وثالث أستاذ جامعي في اختصاص علم الاجتماع يحدّثك عن المرأة وقوانين الأحوال الشخصية فتشعر من كلامه بحنين إلى تلك الصورة المتخيّلة للرجل الشرقي، أحمد عبد الجوّاد وأمينة، بل يقترح عليك حلاّ سحريا لمشكلة العنوسة والحلّ هو التعدّد. تبقى فاغر الفم، مندهشا، محتارا فقد خلت أن هذه الظواهر قد اندثرت وتظنّ أن الفكر الإنساني تقدّم وأنّ المواثيق الدولية لحقوق الإنسان قد تكفلت بالقضاء على هذه التصورات فإذا بك تراها تبعث من جديد كطائر الفينيق يعبث بعد موات. ألا ما أجلّ الخطب !وما أعقد الواقع والفكر!

إنّنا بعد استعراض هذه الظواهر لابدّ أنّنا واصلون إلى تبيّن علّتين تفتكان بالشخصيّة العربيّة الإسلاميّة فتحدّان من انطلاقتها نحو تمثّل مقولات الحداثة، بكلّ ما في فلسفة الحداثة من مغامرة إنسانية وحريّة فردية. نقف في الحقيقة على علّتين هما بكل اختصار الاستلاب"l’aliénation" والفُصام ". la schizophrénie"

أمّا العلّة الأولى أي الاستلاب فمصطلح ماركسي قارب به ماركس «Marx» الظواهر التي وقع فيها الإنسان في استلاب ومن بين هذه الظواهر الدين فقد اشتهرت قولة ماركس «الدين أفيون الشعوب » ولئن رأى أعداء الماركسية في هذه القولة تعبيرا عن احتقار ماركس للدين، فإنّنا نرى أنّ القولة أفصحت عن فطنة ورهافة حسّ. فقد تفطّن ماركس إلى خطورة توظيف الدين بعد قراءة لتاريخ المسيحية. فالدين في تصوّره له وظيفة نفسية تعبوية خطيرة به يستطيع السائس أو رجل الدين أن يستلب عقول الناس ويتلاعب بها.ولعلّ تصريح ماركس لا يتعارض مع أهميّة الدين في حياة الفرد والمجتمع بل هو تأكيد لهذا الدور وتفطن لخطورته إن حاد عن الهدف الأسمى له. فالدين أيّ دين هو دعوة للبشر لتحقيق منزلتهم الإنسانية غير أنّ «القضيّة كلّ القضيّة هي في مدى استجابة التأويل الذي يرتضيه كلّ مسلم وكلّ مجموعة وكلّ جيل لمقتضيات الحاضر سواء منها المعرفية أو الاجتماعية: فكلّما كان التناغم بين ضمير المسلم وواقعه قائما أدى الدين دورا إيجابيا وكلّما انفصل أحدهما عن الآخر كان الدين مجرّد تعبير عن الحنين والأمل وتعويض عن العجز والخيبة ورباط شكلي بين أفراد الأمّة لا يلبث أن ينقطع متى اضطلعت روابط أخرى كالقومية أو غيرها من الأيديولوجيات بأداء هذه الوظيفة»(الشرفي، 2001، ص ص 14 – 15). إنّ الاستلاب "هو السّيرورة الّتي تفقدنا الوعي بالعلاقة الجدليّة الّتي تقوم بين الفرد وعالمه "ينسى" الفرد أنّه كان وما زال يشارك في إنتاج العالم. فالضّمير المستلب هو ضمير لم يعد جدليّا" (برجر ، 2003، ص 156). فالاستلاب بهذا المعنى هو سيرورة تجعل الإنسان المنتج لظواهر ومؤسّسات المجتمع يهمل أنّه هو صانعها فيصبح من ثمّة خاضعا لها تتحكّم فيه. وإذا كان الدّين عنصر شرعنة مهمّا وقويّا فإنّه أيضا عامل استلاب باعتبار أنّه يظهر مؤسّسات المجتمع على أنّها ظواهر كونيّة أزليّة خالدة ليست من صنع الإنسان. فالإنسان على سبيل المثال يضع القواعد والضّوابط للعلاقات بين الأفراد فيخلق مؤسّسات السّلطة الّتي تنظّم اجتماعه. فالأنظمة والمؤسّسات السّياسيّة كلّها من وضع الإنسان، غير أنّ هذه المؤسّسات تتّسم في البدء بالهشاشة فيلجأ الإنسان إلى إعطاء شرعيّة دينيّة لها، وسرعان ما تستقلّ هذه المؤسّسات عن منشئها وتصبح خاضعة لمنطقها الخاصّ "فيتبنّاها الإنسان ويمتلكها على أنّها مسلّمة من المسلّمات موجودة "من طبيعة الأمور" فيدخلنها حسب مصطلح علماء اجتماع المعرفة ويخضع لها عن طواعيّة وبداهة مطلقة" (الشّرفي، 2001، ص ص 18 – 19) لذلك تبدو مؤسّسة الخلافة الّتي هي في الأصل إنتاج البشر واجتهاد الجماعة لدى الإنسان المستلب مؤسّسة دينيّة يعدّ الخروج عنها وعدم الخضوع لها خروجا عن الدّين فيسعى من ثمّة إلى الدّعوة لها وترسيخها على أرض الواقع لتحقيق ما أراده الدّين. إنّ الاستلاب هو غياب العقل وانقياد دون وعي إلى تصوّرات يعتقد أنها الحقيقة كلّ الحقيقة. فالمستلـَب كائن فرّط في العقل الذي هو أعدل الأشياء توزيعا بين البشر. فحبّذ الرّكون إلى الجاهز وامتنع عن التفكير بنفسه فأوكل عليها من يفكّر بدله وانساق وراء أطروحات وتصوّرات غيره فمات عنده الفكر النقدي واستقال عقله. هذا بإيجاز ما يعانيه «المسلم الحزين» فهو عاجز عن أن يفكر بنفسه فهو إمّا مريد لشيخ أو رهين إمام يفكّر عوضا عنه فلا يقدر على نقده أو مراجعته في أي قول من أقواله وإنّما يأخذها على أساس أنّها عين الحقيقة.ولا تعتقدنّ أنّ هذا الاستلاب مقتصر على الفئات المهمّشة والفئات التي لم تنل حظا وافرا من التعليم. فمن البديهي أن تكون هذه الفئات أكثر عرضة للاستلاب ولكن الاستلاب يطال أيضا حتى من تحصلوا على درجات من التعليم عالية. فكم من شخص تراه في عمله مستعملا آخر ما توصل إليه العقل البشري من تقنيات، حاسوب وهاتف جوال وبرمجيات حديثة ومتطورة فإذا ما خلا إلى صحبه أو أهله تراه مؤمنا بالخرافات والأساطير مردّدا أقوالا عفا عنها الزمن. بل إنك لترى هذا الاستلاب متفشّيا عند ذوي التكوين العلمي خاصة فيا للعجب ! إنك لتنظر إليه في مخبره يتوسل بمناهج العلم الحديث وبالتقنيات المتطورة في عمله لكنك ويا للغرابة ! تراه أميّا أو شبه أميّ في أمور دينه. فتجده يردّد ما سمعه من شيخه يوم الجمعة دون نظر أو تحقيق بل بكلّ ثقة ودغمائية (Dogmatisme ).

أمّا الآفة الثانية فهي الفُصام (Schizophrénie) ونقصد بالفُصام هنا تلك الحيرة وذلك التمزّق في شخصية المسلم. تمزّق بين تقاليد دينية موروثة يردّدها أهل التقليد دون كلل في منابر الجمعة وعلى الفضائيات ،وحداثة تغزو مجمعاتنا عنوة متمثلة في منجزات مادية بادية للعيان وأخرى فكرية. فإذا بهذا المسلم الحزين متذبذبا حائرا بين شيخ مازال يردّد على مسامعه أنّ النّجوم رجوم للشياطين وبين علم حديث يثبت أنها مجرد حجارة اخترقت الغلاف الجوي فاحترقت. بين هذين التصوّرين المتناقضين يظلّ المسلم حائرا فلا هو مقتنع بما ردّده الشيخ ولا هو قادر على الانخراط في رؤية للعالم جديدة. فهو تائه منفصم الشخصية ولقد تفطّن حسين أحمد أمين إلى هذا الداء يقول « لا غرو أن نلمس في أبناء هذه المجتمعات الإسلامية وبناتها أضعاف أضعاف التوتر العصبي الذي عرفه ويعرفه البعض في الغرب توتر وصل إلى حدّ فُصام الشخصية» (أمين،1993 ،ص159.) نضرب مثالا دالا على هذا الفُصام الفكري. هذا المثال يتّضح خير ما يتّضح في مقاربة راشد الغنوشي للعَلمانية. ففي مقال صدر له حديثا في مجلة « المستقبل العربي» وهو عمل قدّم في إطار ندوة « الدين والدولة في الوطن العربي». يندرج هذا المقال في إطار الصراع الدائر بين فئات المجتمع التونسي حول خيار العلمنة، فبين مطالب صراحة بأن تكون الدولة التونسية عَلْمَانيَّةً وبين مكفّر لهذا التوجه يرغب «الشيخ» في تقريب وجهات النظر والبحث عن حلّ توفيقي للخروج من المأزق يقول معرفا العَلْمانية « تبدو العَلمانية وكأنّها فلسفة وكأنّها ثمرة تأملات فلسفية جاءت لمناقضة ومحاربة التصوّرات المثالية والدينية غير أنّ الأمر ليس كذلك إذ ظهرت العلمانية وتبلورت في الغرب كحلول إجرائية وليست فلسفة أو نظرية في الوجود بقدر ما هي ترتيبات إجرائية لحلّ إشكالات طرحت في الوسط الأوروبي» (الغنوشي،2012، ديسمبر ، ص15.). نكتفي بتعريف «الشيخ» للعَلمانية لنبرز أمرين مهمّين:

*أوّلا: عدم فهم الشيخ لظاهرة العَلمنة والملابسات الثقافية والفلسفية التي أنتجتها في السياق الغربي.

* ثانيا: وهو ما يهمّنا، تأصيل هذه النظرة الفُصامية وتكريسها فالعَلمانية عند «الشيخ» ليست فلسفة ولا رؤية للوجود وإنما هي إجراءات تقنية لحلّ المشاكل، بمعنى آخر ينفي «الشيخ» أن تكون العَلمانية فلسفة أي رؤية فكرية وعلمية متناسقة بل رؤية للعالم وللكون لتصبح العَلمانية مجرّد عقل تقني.وهنا نفهم ذاك الفُصام في الشخصية العربية الإسلامية إنه فُصام يقبل المنجزات التقنية مثل السيّارة والهاتف والحاسوب والعَلمانية باعتبارها حلولا إجرائية ولا يقبل العقل الذي أنتج كلّ هذه المنجزات المادّية. إنّه عقل يكتفي بالوجه المادي للحداثة ويرفض الأسس الفلسفية والفكرية التي قامت عليها. إنّه عقل فُصامي منذ لحظة روّاد النهضة يبحثون في منتجات الغرب عمّا يصلح ويرفضون ما يخالف التقاليد السائدة وهو عقل محكوم عليه بالفشل لأنّ المنتج المادي لا يمكن بأي حال من الأحوال فصله عن الفلسفة التي أنتجته.

إنّ هاتين العلّتين إنّما تعودان إلى أسباب عميقه تعيشها المجتمعات العربية الإسلامية لخصها عبد المجيد الشرفي في محاضرة له تحت عنوان " لنفكّر في الإسلام اليوم" " penser l’islam aujourd’hui"(Charfi, 2007, 3 Octobre) وحصرها في أربعة أسباب ، نضيف إليها سببا خامسا نعدّه في نظرنا مهمّا.

1-يهيمن على المجتمعات العربية الإسلامية منذ قرون نظام استبدادي يغذيه بكلّ قوة متخيّل الطاعة. فطاعة السلطان وأولى الأمر مقولة مهمّة يستغلّها السّائس للهيمنة على الرعيّة. إنّ هذه الأنظمة الاستبداديّة الكليانيّة هشّة تفتقر إلى المشروعيّة الشّعبيّة والانتخابيّة فهي أنظمة وراثيّة أو ناجمة عن انقلابات عسكريّة ومن ثمّة فهي تبحث عن سند قويّ يدعمها فلا تجده إلاّ في مأسسة الدّين للبحث عن مشروعيّة. تستمدّ هذه الأنظمة إذن مشروعيّتها من الدّين فتسعى بكلّ السّبل إلى إغراق المجتمع في متخيّل دينيّ متكلّس، بل إنّها تستنجد بالدّين كلّما هزّتها بوادر الأزمات ونضرب على ذلك مثلا في حكم بن علي لتونس، ففي أواخر عهده لم يجد إلاّ الدّين ورجاله لدعم سلطانه فكان أن ضخّم إعلاميّا اعتبار القيروان عاصمةَ الثّقافة العربيّة الإسلاميّة وبنى جامع العابدين وأحدث صهره إذاعة الزّيتونة فكانت منبرا لترويج تصوّر دينيّ يخدم مصالح السّلطة الحاكمة بل كانت محاولة لتخفيف التوتّر الحاصل في المجتمع التّونسيّ ومنافسا لما كانت الفضائيّات الوهابيّة تصدّره من أفكار فكان بذلك يروّج فكرة كونه حامي حمى الوطن والدّين. بل إنّ هذه الأنظمة الاستبداديّة حتّى وإن تبنّت في لحظة من لحظاتها الحداثة فإنّها لم تكفّ عن توظيف الدّين ولنا في التّجربة البورقيبيّة خير مثال فقد كانت رغبة بورقيبة في تحديث المجتمع التّونسيّ رغبة جامحة فأصدر مبكّرا مجلّة الأحوال الشّخصيّة سنة 1957 فغيّر العديد من القوانين وسعى إلى تحرير المرأة وتنظيم الزّواج والطّلاق وإلغاء التعدّد لكنّه رغم ذلك كان في حاجة إلى أن تبرّر المؤسّسة الدّينيّة هذه التوجّهات فاعتبرت هذه المجلّة اجتهادا فقهيّا منفتحا لا اختيارا حداثيّا. بل إنّ السّائس أي الحبيب بورقيبة لمّا عزم على الانطلاق في التّجربة الاشتراكيّة لم يجد أفضل من مفتي الدّيار التّونسيّة محمّد الفاضل بن عاشور ليدعّم هذا التّوجّه فألقى المفتي بالمناسبة محاضرة تحت عنوان "التقشّف في الإسلام" سنة 1965 غير أنّ فشل هذه التّجربة والعدول عنها بعد أحداث جانفي 1978 ألقى بضلاله على محاضرة جديدة للمفتي الجديد محمّد الحبيب بالخوجة، فقد تناول المحاضر "سياسة الإسلام الماليّة" قرّر فيها بعض القيم الاقتصاديّة الثّابتة عنده في الإسلام مثل الملكيّة الفرديّة ووسائل التملّك المشروعة وطرق الاستثمار والتّنمية واتّجاهات الإنفاق الاستهلاكيّ وهي محاضرة "تنسجم مع توجّهات حكومة الوزير الأوّل الهادي نويرة واختياراتها الرّأسماليّة وتجاوزها المشروع الاشتراكيّ السّالف" (الحمّامي ، 2005 ص 168). وهكذا فإنّ السّائس المدّعي للحداثة كان يوظّف الدّين في اتّجاهين اقتصاديّين متناقضين فإذا بالإسلام يشرّع للاشتراكيّة ويشرّع للرّأسماليّة حسب هوى السّائس. والحاصل أنّ الاستبداد محافظ بطبعة يرفض كلّ جديد ومن ثمة فهو يمنع كل إمكانية لتغيير العقليات والتصوّرات.

2-تواصل أنماط الإنتاج التقليدية، فالمجتمعات العربية الإسلامية قد حافظت على أنماط إنتاج تقليدية فقد غلب على أنماط الإنتاج الفلاحة والمعاملات التّجاريّة الصّغيرة والنّشاط الحرفيّ يُضاف إلى ذلك الأنشطة البتروليّة في بعض الدّول الّتي غطّت على مشاكل التّنمية ولم تعرف هذه البلدان ثورة في طرق الإنتاج على شاكلة المجتمعات الغربية لذلك بقيت البنى الذهبية مستقرة وجامدة فامتنعت التصوّرات الجديدة على أن تجد لها موطئ قدم، فظلّت المجتمعات العربية محافظة في تصوّراتها وعلاقاتها الإنتاجية والاجتماعية. إنّ هذه الأنظمة التّقليديّة لا تتوارث فيها المهن والحرف والصّنائع وإنّما تتوارث فيها أيضا القيم والتصوّرات لذلك بقيت التصوّرات تنتقل من الآباء إلى الأبناء ومن جيل إلى آخر دون أن يحدث أيّ تغيّر فيها.

3-جمود ثقافي وفكري: رغم ما يحصل في العالم المتقدم من قفزات علمية وفكرية هائلة فإن المجتمعات العربية الإسلامية لم توفر لأبنائها مناخا فكريا وبنى ومؤسسات ثقافية وعلمية قادرة على مراجعة السائد وخلق أنماط فكرية جديدة وتصورات للحياة مختلفة فتجد البحث العلمي راكدا والمؤسسات البحثية منعدمة أو تكاد ويغلب على الإنتاجات الصادرة التكرار والاجترار.

4-الحفاظ على نمط أبويّ داخل العائلة. فقد استعصت العائلة على العلمنة وبقيت الرؤية الذكورية مهيمنة لذلك ترى تعثرا في تطوير قضايا المرأة. بل إنّ وضعية المرأة في أغلب المجتمعات والدول العربية لم تتطوّر رغم ما يوهم به الخطاب السياسي. إنّ وضع المرأة حتى في البلدان التي حققت قفزة في هذا المجال مثل تونس تحتاج إلى مراجعة جادّة. فما تحقق للمرأة أثناء بناء الدولة الوطنية مهدّد بالتراجع عنه تحت ضغط الأطروحات الإسلاموية ولعلّ الرجوع إلى الحجاب بل لبس البرقع والنقاب لمؤشر دال على ضرورة الوقوف لدعم مكتسبات المرأة وتطويرها.

5-أما السبب الخامس والذي نراه مؤثرا في الفكر والواقع فهو هيمنة متخيّل قروسطي يعيد إنتاج نفسه عودا على بدء كلّما شعر بأنّ الإطار مهيّأ له. إنه متخيّل مؤثر بل فاعل في ضمير المسلم لأنّه يتمثله على أنه أكثر واقعية من الواقع المتعين. ونضرب على ذلك مثالا واحدا معبّرا يقيم الحجّة على أثر المتخيّل في التصوّرات الجماعيّة المؤثّرة في المسلم. فقد اعتبرت المرأة في التصوّر الدّينيّ السّائد قرينة الشّيطان ورديفة عالم الرّذيلة وهي المسؤولة عن عذاب الإنسانيّة وفي الحقيقة فإنّ النصّ القرآنيّ خلو من هذه التصوّرات وقد ركّز في أكثر من موضع على أنّ خلق الإنسان سواء أكان ذكرا أم أنثى تمّ من نفس واحدة خلق الله منها زوجها من ذلك قوله تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم الّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا" (النّساء 4/1) وكذلك "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا" (الأعراف 7/189) إنّ "النّفس الواحدة الّتي تقوم في اللّغة مقابل الجسد [...] تصبح دالّة عند المفسّرين [...] على الجسد لا غير" (السّعفي ، 2005، ص 96). نسج المفسّر والقاصّ جملة من الأخبار تحطّ من شأن المرأة وتجعل خلقها يكون من ضلع آدم فترسّخت في المتخيّل الجمعيّ الإسلاميّ. يقول الكسائيّ "فلمّا نام آدم عليه السّلام خلق الله تعالى من ضلع من أضلاعه من جنبه الأيسر ممّا يلي الشّراسيف وهو ضلع أعوج (خلق الله منه حوّاء) وإنّما سمّيت بذلك لأنّها خلقت من حيّ" (الكسائيّ ، 1998، ص 115). ودُعّم ذلك بأحاديث رويت عن النّبيّ "اِستوصوْا بالنّســاء خيرا فإنّ المرأة خلقت من ضلع وإنّ أعــوج شيء في الضّلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنّساء خيرا" (ابن كثير، د.ت، مج 1 ، ج1، ص 83). إنّ القول بخلق حوّاء من جسد آدم هو ربط لها بعالم الجسد والرّذيلة لا بعالم الرّوح والفضيلة وهو حطّ من مكانتها لأنّها تشكّلت من كائن مخلوق وتحديدا من ضلعه الأعوج. إنّ هذه النّصوص عبّرت عن متخيّل ذكوريّ يقرن المرأة بالعوج والخطيئة. ومن ثمّة كان المتخيّل الإسلاميّ ناطقا لا بما أراد النصّ إثباته من الأصل الواحد وإنّما بما استقرّ في الضّمير الجمعيّ من مكانة دونيّة للمرأة فكان أن أضفى شرعيّة دينيّة على الرّؤية الذّكوريّة. ففوّت بذلك الفكر الإسلاميّ بهذه التصوّرات المتخيّلة على نفسه "فرصة ثمينة لإقرار المساواة والأصل المشترك والدّعوة إلى تحمّل المسؤوليّة معا" (السّعفي، 2005، ص 97). إنّ هذا المتخيّل لم يقع بعد تفكيكه وفهمه وتجاوزه رغم المحاولات الجادّة في الجامعة التونسية لكن ، رغم هذا فإنّ هذه الإسهامات تظلّ حبيسة الفضاء الأكاديمي معزولة عن عامّة الناس التي تبقى مخيلتها تتغذى من الفضائيات الدينية ومن خطب الجمعة والدروس الدينية التي يغلب عليها تمجيد السلف واجترار مقولات وأطروحات دون نقد ملحوظ أو مراجعة موضوعية.

إنّنا وإن كنّا قد حدّدنا بعض الأسباب الدافعة إلى أن يكون المسلم مستلبا وفُصامي الشخصية نرى ضرورة اقتراح بعض الحلول:

أولا: الانخراط في الحداثة باعتبارها قدرة دائمة على الابتكار والتغيير المستمرين، فالحداثة باعتبارها فلسفة قائمة على المراجعة الدؤوبة والمتواصلة تختلف جذريا عن الأنماط التقليدية المتكلسـة للتفكير فقيم الحريــة الفردية والعقلانيــة قيم حديثة غائبـة في المنظومات الفكرية القديمة وهي قيم إذا ما ترسخت في مجتمعاتنا فبإمكانها أن تساهم في تحرير الإنسان المسلم من الاستلاب الواقع فيه.إنّ الانخراط في الحداثة يخوّل لنا اكتساب وعي جديد بقدرات الذات ومشاركة في إنتاج صرح الحضارة دون عقد وتثاقفا مع بقية الشعوب دون أحكام مسبقة من قبيل التكفير أو التمجيد.ومن ثمة فإن الحداثة تحرّر وتحرير للذات من سلطان التقليد الأعمى فهي إعطاء الذات مكانتها بعيدا عن كلّ وصاية.

ثانيا: القطع نهائيّا مع القيم القديمة السّائدة إذ يجب الوعي بأنّ هذه القيم قد أنتجت ضمن منظومة معرفيّة وتاريخيّة محدّدة وهذه المنظومة لم تعد تربطنا بها علاقة وإنّما أصبحت منظومة متهافتة تهاوت بفضل ضربات الحداثة وبذلك يجب أن نسعى إلى إنتاج منظومة قيم جديدة تتماشى مع القيم الكونيّة الجديدة لذلك لزم أن ننزع عنّا تقديس السّلف باعتباره قدّم لنا الحلول الجاهزة. فللخلف الحقّ في ابتكار القيم والتصوّرات الّتي تنسجم مع واقعه بل له الحقّ في أن تكون قيمه الخاصّة منسجمة مع القيم الكونيّة الحداثيّة، فالحداثة وإن كانت غربيّة المنشإ فإنّها كونيّة التّأثير. فحقّ الخلف يجب أن يبقى مقدّما على تصوّرات السّلف.

ثالثا: تغيير المنظومة التربوية، لاشكّ أن العديد من الدول العربية قد أولت التعليم كبير عناية بل خطت خطوات كبيرة في هذا المجال غير أن ما نلاحظه رغم هذا كلّه أنّ طرق التعليم بقيت تقليدية قائمة أساسا على التلقين والحفظ فلم تشكل مؤسساتنا التربوية فردا ممتلكا لملكة النقد بل خلقت فردا هو وعاء للمعرفة لا يتجرأ على مراجعة السلط المعرفية وهو ما كرّس استلابا في الشخصية لذلك لابدّ أن نعيد النظر في طرق التدريس ومناهجه وأن نولي العناية لتكوين عقل حرّ ناقد باحث عن المعلومة غير معوّل على مقود أو عصا يتكئ عليها.

رابعا: مراجعة المفاهيم الكبرى وتفكيك المتخيّل الإسلامي إنّنا في حاجة ماسّة إلى مراجعة جادّة للمفاهيم الكبرى من قبيل مفهوم الإسلام والهوية والحداثة والعلمانية من أجل ترسيخ وعي جديد بهذه المفاهيم التي تبدو عند البعض بديهية وعند البعض الآخر ثابتة لا تتجرّأ على مراجعتها.

خامسا: لئن كانت مراجعة المفاهيم الكبرى من اختصاص المفكّرين والمثقّفين فإنّ هذه المسائل يجب أن تخرج إلى الفضاء العموميّ فلا تقتصر على أسوار الجامعات وإنّما وجب أن يخوض فيها كلّ أطراف المجتمع حتّى تُتمثّل تمثّلا سليما فنحن نرى ألاّ جدوى من حداثة مسقطة وإنّما الحداثة الحقيقيّة يحب أن تكون مخاضا اجتماعيّا ليسهل هضمها وتمثّلها وتطبيقها. إنّ التجربة أبانت أنّ هذه الحداثة المسقطة سريعا ما يتمّ الالتفاف عليها والرّجوع إلى التصوّرات القديمة إذا لم تنبع من مخاض اجتماعيّ حقيقيّ ومن ثمّة فإنّ تغيّر العقليّات والتصوّرات لا يمكن أن يتحقّق إلاّ إذا ما حصل حوار حقيقيّ بين أفراد المجتمع.

كلّ هذا غايته خلق شخصية عربية إسلامية جديدة ركيزتها ضمير حرّ متوائم ومتناغم مع متطلبات القيم الحديثة، حتى يكون المسلم مشاركا في إنتاج صرح الحضارة دون عقد نقص.

إنّ هذه المقترحات لتروم أن تكون دليلا" للمسلم الذكيّ أو المسلم الحداثيّ أو المتفائل" على حدّ عبارة عبدو الفيلالي الأنصاري (Ansary, 2008, p7.) ومن ثمة فإننا نطمح إلى تشكّل وعي إسلامي جديد يكون فيه المسلم منتجا لمعنى جديد لتديّنه محققا تناغما بين مقتضيات ضميرهو واقعه،وإن لم يكن الأمر كذلك فإنّ لله فينا علم غيب نحن صائرون إليه.

* د. باسم المكي: باحث تونسي، المعهد العالي للغات، جامعة قابس-تونس

المصادر والمراجع

1.ابن رمضان، فرج. (1988). قضيّة المرأة في فكر النّهضة. (ط.1). تونس: دار محمّد علي الحامّي.

2.ابن كثير. (د.ت). البداية والنهاية . مصر: المكتب الجامعي الحديث.

3.أمين، حسين أحمد. (1993). دليل المسلم الحزين إلى مقتضى السلوك في القرن العشرين. (ط.1). تونس: دار الجنوب.

4.برجر، بيتر. 2003). القرص المقدّس، عناصر نظريّة سوسيولوجيّة في الدّين. (تعريب مجموعة من الأساتذة، قدّمه وأشرف عليه عبد المجيد الشّرفي). تونس: مركز النّشر الجامعي.

5.الحمّامي، عبد الرزّاق. (2005). الفكر الإسلاميّ في تونس (1956 – 1987). (ط.1). تونس:مركز النّشر الجامعيّ.

6.السّعفي، وحيد. (2005). العجيب والغريب في كتب تفسير القرآن. (ط.1). تونس: تبر الزّمان.

7.الشرفي، عبد المجيد . (2001). الإسلام بين الرسالة والتاريخ. (ط.1). بيروت: دار الطليعة.

8.الغنوشي ، راشد. (2012، ديسمبر). مجلة المستقبل العربي ، عدد406.

9.الكسائيّ، محمّد بن عبد الله. (1998). بدء الخلق وقصص الأنبياء. (الطّاهر بن سالمة، تحقيق). (ط.1). تونس: دار نقوش عربيّة.

10.Ansary ,Abdou Filali. (2008). in Charfi, Abdelmadjid. la pensée islamique rupture et fidélité. Tunis , Sud édition.

11.Charfi, Abdelmadjid . Penser l’islam aujourd’hui, voir site Charfi sur internet. Texte de la 647e conférence de l'université de tous les savoirs donnée le 3 Octobre 2007.