المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية

فئة :  مقالات

المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية

كتاب (حكم المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية، بقلم محمد أبو فارس) بدا موضوعه ـ حسب عنوانه ـ لمن يقوم بالفهرسة والتصنيف في المكتبة الوطنية (كما هو مسجل في الصفحة التالية للعنوان) أنه في التاريخ العربي/ العصر الجاهلي، وأظن أنه لا يمكن لوم من قام بالفهرسة والتصنيف في المكتبة على هذا الخطأ؛ فالجاهلية في الثقافة العربية السائدة وفي قواميس اللغة أيضاً تعني الفترة السابقة للإسلام، ولكن لها معنى آخر عند الإخوان المسلمين، كرسه سيد قطب ثم محمد قطب، وهو معنى خاص بالإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي التي تطورت عنها، أو خرجت من تحت عباءتها، إنها تعني نقيض الإسلام.

بديهياً، يبدو العنوان واضحاً للإخوان المسلمين وسائر جماعات الإسلام السياسي والقتالي، وهذه مسألة تحتاج إلى توقف طويل؛ فالجماعات الإسلامية تنشئ مفهوماً جديداً ومختلفاً للإسلام، وتضع معاني جديدة للمفاهيم والمصطلحات مختلفة، عما استقرت وتواضعت عليه الأمة طوال تاريخها، وإذا استمرت هذه الحال، فسوف تتشكل ـ وربما تشكلت بالفعل ـ طائفة أو طوائف ومجتمعات جديدة لها أحكامها وفقهها وخطابها الخاص بها الذي يعنيها دون سواها من المسلمين.

يجد محمد أبو فارس أن المشاركة في الوزارة في (الأنظمة الجاهلية) ـ وهي الحكومات القائمة اليوم في العالم الإسلامي ـ يحرم شرعا، وأن هذه الحرمة واضحة من النصوص، ولا مجال للاجتهاد (كما يقول) أمام النص؛ فالحكومات (الإسلامية) ليست إسلامية، ولكنها جاهلية؛ بل إنها برفضها تحكيم الشرع الإسلامي أخرجت نفسها من دين الله (ص 17)، استنادا إلى الآيات القرآنية: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك"، "أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون"، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، "إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم".

وعلى الرغم من أنه لا اجتهاد مع النص، فقد اجتهد أبو فارس في استخلاص حكم تحريم المشاركة بالوزارة من النصوص، رغم أن النص يستغنى به عن التأويل كما يقول الإمام الشافعي، ولكنه أوّل النص، فإما أنه اجتهد أو أن ما اعتبره نصاً ليس نصاً، ولكنه مفتوح للتأويل، فهل النص الذي استشهد به أبو فارس يبدو واضحاً لكل قارئ بلا معونة من أحد أنه يحرم المشاركة في الوزارة؟

يبدو من الكتاب أنه موجه إلى الإخوان المسلمين، وليس إلى المسلمين؛ بمعنى أن التحريم يخص الإخوان وليس حراماً على من سواهم من المسلمين، فأبو فارس كان عضواً في مجلس النواب المنتخب (1989 – 1993، 2003 – 2007) ويفترض أنه كان يمارس عمله النيابي في المراقبة على الحكومة ومحاسبتها وإصدار التشريعات المنظمة لعمل الحكومة ومؤسسات الدولة، فهل كان قبوله بذلك مشاركة سياسية مع غير المسلمين؟ أم أنه يمكن لغير الأخ المسلم أن يكون وزيراً؟

وفي تبريره لحرمة المشاركة، يورد أسباباً وموجبات جميعها متعلقة بالإخوان المسلمين، وليس بالمسلمين بعامة؛ فالمشاركة كما يقول تمنح الصبغة الإسلامية للأنظمة (الجاهلية)، وتجعل الجماهير تظنها إسلامية، وهي ليست كذلك، وتفقد الإسلاميين ثقة الناس، وتتيح للأنظمة استيعاب الحركات الإسلامية وتقسيمها وتفتيتها، كما أن المشاركة تتعارض مع أفكار سيد قطب، وتحمل الإخوان مسؤولية البطالة والفقر والديون، ويتعرض شعار الإسلام هو الحل إلى الشك. (20 – 30)

والواقع أنها أفكار ومقولات أكثر خطورة من تحريم المشاركة، وتعبر عن الاعتقاد بالاختلاف الديني عن الأمة الإسلامية وعموم المسلمين، وتندرج في سياق الفكر المؤسس للانفصال عن الأمة والخروج عليها، وهي الأفكار والمقولات نفسها التي استندت إليها جماعات العنف "الإسلامي"، والتي دخلت في حرب مسلحة مع جميع المسلمين، وأعلنت الحرب على العالم كله، وأدخلت المجتمعات الإسلامية والعالم في أزمة كبرى.

وفي أحد مبررات التحريم، يقول أبو فارس (ص31): "المعلوم عند الحركة الإسلامية وقيادتها أن الأصل عدم المشاركة في الوزارة، وهذا الأصل مقرر لدى الجماعة" ... "إن المشاركة في الوزارة يعد انحرافاً عن هذا الخط، خط التميز، إذ يجعل الفريقين في خندق واحد، والأصل أن يكون كل فريق في خندق يختلف عن الخندق الآخر"؛ فالتحريم مستمد بوضوح من أفكار الإخوان ومبادئهم، وليس من الشريعة الإسلامية.

ثم يستند إلى الآية القرآنية في سورة الأنعام 55 "وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين"، كما يستند لتفسير سيد قطب لها؛ ليقرر معه: "يجب أن تبدأ كل حركة إسلامية بتحديد سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين،... ووضع العنوان المميز للمؤمنين والعنوان المميز للمجرمين في عالم الواقع لا عالم النظريات، ... حيث لا يختلط السبيلان ولا يتشابه العنوانان ولا تلتبس الملامح والسمات بين المؤمنين والمجرمين"، ليصل إلى حكم مفاده: "إن وجود عضو الحركة الإسلامية في وزارة وحكومة ليست إسلامية، توجد غبشاً لدى الناس في تحديد سبيل المؤمنين وتحديد سبيل المجرمين"، وإنه حكم مخيف أكثر من النتيجة التي يتوصل إليها "حرمة المشاركة في الوزارة". (32)

ويحذر أبو فارس من فتاوى إباحة المشاركة للضرورة مع إقرار من يوصفون بالمعتدلين، كما عرضت من قبل لكتاب عمر الأشقر "حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية"؛ فذلك اعتداء على الأصل(!)، وهو حرمة المشاركة، (يستشهد أبو فارس) بإباحة أكل الميتة للمضطر، فهي إباحة لا تحلل أكل الميت، وإن أبيح ذلك للمضطر، ولكنه مع ذلك لا يجد اضطرارا للمشاركة. (36 -38)

ويحذر أيضا من الاستشهاد بمشاركة النبي يوسف عليه السلام وموقف النجاشي؛ فشرع من قبلنا ليس شرعاً لنا، ولا يرى ابتداء أن مشاركة يوسف تشبه المشاركة في الوزارة على نحو يصلح للقياس اليوم، وهو يرجح أن يوسف كان بمثابة الحاكم الفعلي والآمر الناهي، وربما يكون الملك قد أسلم بالفعل... فلا مجال إذن، لإباحة المشاركة في الوزارة حتى قياساً على تجربة يوسف والنجاشي ملك الحبشة الذي يعتقد أنه أسلم وظل ملكاً لا يحكم بما أنزل الله. (48 - 53)

يقول أبو فارس: وقد يحتج البعض بالمصالح المرسلة المترتبة على المشاركة، ولكنها مصالح لا يمكن القبول بها أمام المفاسد المترتبة على المشاركة؛ "لأن النصوص القرآنية قد أكدت على وجوب تطبيق أحكام الشرع وتكفير التحاكم إلى غير شرع الله وتكفير من يحكم بغير شرع الله وتفسيقه ودمغه بالظلم، فلا تخضع المشاركة للمصلحة". (55)

وقد يكون للمشاركة بعض الفوائد، ولكنها فوائد تشبه فوائد الخمر والميسر "فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما"، فلا تعني هذه الفوائد الإباحة.

وهكذا، فإننا في مواجهة حالة فكرية هي أشد خطورة وصعوبة من تحريم المشاركة نفسها، ذلك أنه تحريم مستند إلى مفاصلة وتميز عن سائر المسلمين، وليس موازنة ونظراً في المنافع والمضار، إن كان ذلك أيضا أمراً مقبولاً، فهو حتى في هذه الحالة ـ المرفوضة قطعيا لدى أبي فارس وأمثاله ـ يعتدي على حق الناس في ولايتهم على شأنهم واختيار حكوماتهم وإقرار ما يرونه مصلحة لهم بناء على رؤيتهم الإنسانية والعقلية لما يحبون أن يكونوا عليه، وليس بناء على فتوى يقررها لهم رجال الدين، إذن لماذا المجالس النيابية والانتخابات العامة واللجوء إلى الانتخابات، ولماذا المؤسسات والإدارات العامة؟ فكل ذلك يمكن أن يكون حراماً أو يقع في الحرام، وليس أمام الناس سوى اللجوء إلى رجال الدين في شؤونهم كلها ليخبروهم بما تقوله السماء لهم،... وللحديث صلة.