المعتزلة والعقل

فئة :  مقالات

المعتزلة والعقل

ظهرت أفكار المعتزلة في التاريخ الإسلامي في الفترة الزمنية التي أعقبت قيام الدولة الإسلامية الواحدة، واستقرارها في مدى جغرافي واسع ضمّ بلداناً كثيرة من حدود الصين شرقاً حتّى الأندلس غرباً.

وقد كان لحركة التوسع والامتداد الجغرافي تلك، التي أسبغت عليها صفات ومبادئ قيمية دينية وشعارات لاهوتية مقدسة من فتح إسلامي، وتبشير ديني ودعوة الناس للإسلام بهدف هدايتها، ونقلها من عالم الظلمات إلى عوالم النور، كان لها الكثير من الآثار الإيجابية على صعيد الاتصال والاحتكاك والتفاعل الحيّ الخلاّق مع ثقافات وحضارات جديدة، كانت تتميز برؤى ومعارف ونظرات أيديولوجية معيّنة خاصّة بها تجاه الكون والوجود والحياة والإنسان.

وقد ظهر خلال تلك المرحلة - في خضمّ الأحداث السياسية والاجتماعية التي تمحورت حول قضايا الصراع السياسي والأيديولوجي المغطّى بمسمّيات دينية- الكثير من التيارات والمذاهب والآراء الفكرية الكلامية والفلسفية والعرفانية، ادّعى كل واحد منها قبضه على الحقّ وامتلاكه للحقيقة الربانية المقدّسة التي لا يعرفها غيره، وبدا كل واحد منها يدعو الناس إلى طروحاته ومبادئه ليكسب المزيد من الأتباع والأنصار والمريدين.

والمعتزلة إحدى تلك المدارس والتيارات الفكرية والفرق الدينية التي ظهرت في عالم الإسلام والمسلمين في بداية القرن الثاني الهجري في مدينة البصرة التي كانت آنذاك معقلاً من معاقل الفكر والمعرفة، ومجمعاً للعلم والأدب. وكانت أيضاً موضعاً يلتقي فيه أتباع الأديان المختلفة.[1]

ويعود تأسيس هذه المدرسة إلى واصل بن عطاء الذي كان قد اختلف فكرياً مع العالم الحسن البصري حول مرتكبي الكبائر، وأدلى برأيه في هذا الشأن، ثم قام واعتزل مجلس الحسن هو وبعض من وافقه على رأيه، وجلس قرب إحدى اسطوانات المسجد يشرح لهم معنى الكبيرة، فقال الحسن البصري: اعتزلَ عنّا واصل... فسُمِّيَ واصل هو وأتباعه بـ"المعتزلة".

كما ذُكر أيضاً أنّ أهل السُنّة هم من أطلق على أتباع وأصحاب هذه المدرسة الكلامية لقب أو اسم "المعتزلة" بسبب اعتزالهم قول الأمّة بأسرها في مرتكب الكبيرة من المسلمين، وتقريرهم أنه لا مؤمن ولا كافر، بل هو في منزلتي الإيمان والكفر.

أمّا بالنسبة لأفكار وآراء هذه المدرسة الفكرية التي نسلط الضوء على بعضها في هذه المقالة، باعتبارها من مدارس الفعل التنويري التاريخي في تاريخ الإسلام والمسلمين؛ فهي تقوم على اعتماد العقل في شرح وتفسير العقائد الإسلامية، حيث ظهرت أقوالهم في أسس خمسة هي القول بـ: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ويبدو أنّ بروز الاتجاه العقلاني المعتزليّ في فهم نصوص الكتاب والسُنّة (خاصةً بعد أن بلغت ذروتها وأعلى مراحل أوجها في عهد الخليفة المأمون[2] لمّا أصبح الاعتزال المذهب الرسمي للدولة)، ورفض الاتجاهات الأخرى القائمة على منطق الجبر الأشعري (وأنّ الإنسان مسيّر وليس مخيّراً)، قد شكل مفصلاً مهمّاً في تاريخ الفكر الإسلامي من حيث بروز تيارات ذات نزعات إنسانية كان من الممكن لها المساهمة الفعّالة في نهضة وتقدّم الحضارة الإسلامية لو أتيح لها أن تستمر في دعوتها وعرْض أفكارها ونشْر طروحاتها، ولكنّ تلك التيارات تمّ مواجهتها وإسقاطها ورفضها من قِبَل أصحاب الفهم الوعظي الفقهي للإسلام الذين كرّسوا فهماً لهذا الدين قام على منطق القسر والجبر والتبعيّة ورفض كل تفكير عقلي. وقد لاقى هؤلاء التقليديّون كلّ دعم من حُكّام المسلمين أو ما يسمّى بـ"أمراء مؤمنين" عصرهم، حيث قام الخليفة المتوكّل ـ المعروف بشدة بأسه وتشدّده وتزمّته الأشعري الجبري اللاعقلاني- بمواجهة المعتزلة، حيث قتل وعذّب كثيراً منهم، إلى أن انتهت هذه الفرقة الكلامية العقلية في مهدها، ولكن الذي بقي منها هو أفكارها العقلية النيّرة التي شكّلت لاحقاً البدايات الأولى لنشوء الاتجاهات التفكيرية العقلانية في دنيا الإسلام والمسلمين.

طبعاً، كانت حجّة المتوكّل - التي استند عليها من أجل قتل المعتزلة - تقوم على أنّهم جماعة ضلّوا طريق الحقّ كما فهمه هو أو كما أفهمه إياه المشايخ الأشعريون، مع العلم أنّ هؤلاء المعتزلة لم يقطعوا مع الدين بالكامل، ولم يرفضوا نصوص الدين بالمطلق، ولكنهم كانوا – بالرغم من قيام الحكام ومشايخ الدين بمحاربة النهج والتفكير الفلسفي والكلامي بناء على بعض التصورات الدينية الخاطئة- أصحاب تفكير عقلاني شبه مستقل عن المألوف والسائد آنذاك على مستوى تفسير النصوص وتأويلها، واستعانوا من أجل ذلك بالعقل كمعيار رئيسي[3] في الفهم والتأويل والتفسير، كما استخدموا مقولات الفلسفة وعلم الكلام في تليين كثير من تفاسير حقائق الدين المتصلّبة كما كانت معروفة في ذلك العهد، فكانوا بالفعل ورثة الفلاسفة في المرحلة الإسلامية، والأوائل والرواد في تعميق نزعة "الأنسنة" في التاريخ الإسلامي من خلال أفكارهم التي كانت تتمحور حول أنّ الإنسان هو غاية الوجود، وهو صاحب الإرادة والاختيار، وأنّ أفعال العبد واقفة بقدرة العبد وحدها على سبيل الاستقلال بلا إيجاب بل باختيار؛ أي أنّ الإنسان حُرّ في اختيار أفعاله.

إنّ هذه الفكرة التي التزمت بها المعتزلة لم تأت من فراغ، بل كان لها واقع سياسي وفكري مضادّ انطلق من خلال ما كانت تقوم به الدولة الأموية من توظيفات سياسية للمبدأ الجبري الذي كانت تعتقد به، وهو كان يحرّرها من التكليف والمسؤولية عن أفعالها، وممّا كانت ترتكبه من تعدّ على حقّ الفرد والمجتمع، حيث كان القتل والقمع والدماء هي من أبرز عناوين تلك المرحلة التاريخية، وكلها أفعال غير إنسانية كان يجري تبريرها بناءً على بعض النصوص والأفكار الدينية، واستناداً إلى عقلية ترى أنّ الإنسان مجبور على أفعاله ولا حريّة له في أيّ فعل وسبب (قضاء وقدر)، بينما الرأي المعتزلي - كمبدأ عقلي يقوم على حرية الفرد - كان يحمّل كلّ فرد وكلّ سلطة مسؤولية أفعالهم، ويحرّر الدين من أيّة استخدامات أيديولوجية قدرية وسياسية.

ولهذه الفكرة أيضاً علاقة بالعقل، حيث اعتبر المعتزلة – امتداداً لرفض مقولة الجبر التاريخي - أنّ إشكالية العقل والنقل لا تحلّ إلاّ بتأسيس الدين على العقل، أي بجعل العقل حَكَماً ومرجعاً في أمور الدين والعقيدة، رافضين بذلك الاتجاه الذي يؤسّس سلطة الدين على النص والنقل لا غير كما هي حالة الأشاعرة وغيرهم من أتباع المنهج النقلي.

ولا بدّ أن نشير هنا إلى أنّ تلك العقلية الجبرية الأشعرية[4] التي تلغي دور العقل، وتعطّل عمل الإرادة البشرية، وتلغي فعل وحريّة الإنسان في التصرّف بحياته ومشيئته هي التي انتصرت تاريخياً وانتصر دورها معها، وهي لا تزال قائمة ومسيطرة للأسف على مناهج تفكير وعمل مجتمعاتنا العربية والإسلامية حتى تاريخه، وهي التي لا تزال تُستثمر وتُستخدم وتُوظّف سياسياً من قِبَل السلطات والحكومات والنُخب السياسية الحاكمة في الاتجاه الذي يبقيها قويّة على رأس السلطة والحكم (مقولة: لا بدّ من إمام بَرّ أو فاجر) ويوفّر لها مزيداً من القوة والقمع ومراكمة الثروة وإلغاء كامل لدور وحرية ومستقبل الإنسان والمجتمع في عالمنا العربي والإسلامي.

أمّا صوت المعتزلة العقليّ الإرادي الحرّ فقد خفت وصمت منذ زمن طويل، بعد أن واجهته السلطات التاريخية المسماة (إسلامية) بعنفها العاري كما درجت العادة تاريخياً في عالمنا العربي والإسلامي برفض قيم الحرية والتجديد وإسقاط كل صوت يحاول الصراخ في ليل الظلمة ووادي التخلف السحيق. وهكذا هي الأمور عندنا في هذا العالم العربي حالياً، لا عقل ولا علم ولا معرفة ولا تنمية حقيقية، ولا مواطن حرّ، ولا مجتمعات حرّة، بل مكبّلة بنصوص القمع الأشعري الجبرية المستخدمة والموظفة والمجيرة من قبل الحكام.

من هنا، نعتقد أنّ إعادة التركيز على فكر ودور المعتزلة حالياً، ومحاولة الوقوف عند بعض ما قدّموه من معالم فكرية وطروحات كلامية مفاهيمية[5] نيرة شكّل العقل عمودها الرئيس، يمكن أن يكون نوعاً من المساهمة الإيجابية في إثارة وتحريض العقل العربي المعاصر شبه المغيب والمستقيل، والذي أخذ إجازة قسرية طويلة بسبب هيمنة عصور التخلّف والاستبداد على واقعنا، وإعادة التأكيد على أنّ سلطة العقل – وليس سلطة النص والنقل- هي الأساس في بناء أية نهضة عملية، وهي الفيصل والمعيار الحقيقي في تطور وازدهار وتقدم أية أمّة.

وفي النهاية لا بد من التأكيد على أنّ النزعة الاعتزالية لم تتمكن من أن تصبح محورية في التفكير العقلي العربي، ولم تَطْغَ على مجمل الشارع العربي والإسلامي؛ أي أنها لم تتحول لتصبح معتقداً أو دعوة شعبية وجماهيرية، بل بقيت – كما هي حال الأفكار الثقافية المتنوّرة والمتحرّرة من كل قيد أو أسر أو وصاية- دعوة ثقافية نخبوية، بعد أن دان حكم الشارع لأتباع النزعة الجبرية التي تمّ تكريسها في أوساط مجتمعاتنا، وليصبح مناخها العام هو المناخ المسيطر حالياً على أجواء الفكر والسياسة العربية. خاصة مع التوالد غير الطبيعي للتيارات الإسلامية السلفية ذات الجذور والاتجاهات الجبرية اللاّعقلية.

كما لا يزال الجدل قائماً بين دعاة الجبرية الثقافية والدينية والسياسية وهم الأكثرية من النخب والأفراد والحكام، وبين دعاة الحداثة والعقل وضرورة إعمال حركة التفكير النقدي في واقع مجتمعاتنا العربية..

ويبدو أنّ هذه الثنائية (ثنائية الأصالة والمعاصرة بمختلف مسمياتها) لا تزال تفعل فعلها، وإن بتعابير وتجلّيات متنوّعة ومتعدّدة، في داخل مجتمعاتنا العربية والإسلامية، على مستوى بقاء هذا الالتباس الفكري التاريخي – إذا جاز التعبير- بين من يقول بأولويّة النصّ على الواقع، وأولوية الوحي والدين ككلّ على الحياة، وبين من يقول بالعقل والعمل الإنساني كأولوية باتجاه تحقيق الاجتهاد المعرفي في مقولات ونصوص الدين.

وحتى اللحظة لم تحلّ تلك الإشكالية والعقدة المزمنة، كما لم تتمكّن كلّ مشاريع النهوض الفكرية المستنيرة بالعقل والتفكير النقدي من تقديم حلولها وتحويل مقارباتها وممكناتها الفكرية إلى واقع حيّ ملموس ينعكس إيجاباً في أحوال وأفعال ومعايش وسلوكيات الناس على الأرض. فالناس والمجتمعات هي من تدفع –في النهاية- أثمان عدم الحسم الفكري والعملي لإشكاليات الثقافة المزمنة من مستقبلها ومستقبل أجيالها ومجتمعاتها في العيش الحر الآمن والكريم.

ولكن بالمجمل العام، وبالرغم من وجود تلك الإشكاليات المزمنة، لا تبدو مجتمعاتنا المتطلعة لغد اجتماعي وسياسي مشرق وكريم، بعيدة كثيراً عن وقائع وأنماط الحياة العصرية بكافّة مظاهرها وتجلياتها الحداثية العقلية، ومكتسباتها ونتاجاتها التقنية العلمية المعروفة، ولكنها بالمقابل لا تزال تأبى وترفض إعطاء دور كبير للعقل العلمي النقدي في بناء أسس ومواقع قويّة للمنهج العلمي الرصين في البحث عن حلول جدية للإشكالية المركزية التي تتحكّم بالفكر أو العقل العربي على صعيد عدم التعارض مع النصوص والتصوّرات الدينية أيّاً كانت، خاصة في ظلّ وجود تيار تقليدي عريض (تيار المركزية اللاهوتية) يقول بأولوية النقل على العقل، وغلبة النصّ على الفكر، يتعارض مع تيار آخر، مُهمّ وله دوره ومكانته هو التيار العقلاني (تيار المركزية العقلية) الذي يقول بأولوية العقل على النقل، من دون أن يدخل في صراع، أو من دون أن يعمل على نفي تيّار النقل أو يتجرأ على إعلان الخروج عليه، مع العلم أنّ مفهوم العقل في الإسلام هو مفهوم "تجريبي"، وليس تأمليّاً فقط، كما يلاحظ من قوله تعالى: "أفلا تنظرون".. "أفلا تعقلون". "انظروا ماذا في السموات والأرض..".. "..لا تنفذون إلا بسلطان.." وهذا يعني دعوة مباشرة للاستدلال التجريبي المادي البحت المبني على الملموس والتحليل المنطقي للظواهر الخارجية بهدف الوصول لمعرفتها معرفة علمية عقلية واضحة وصريحة، وهو ما جسّده فكر المعتزلة التحليلي المستقلّ الذي أسسّ البدايات الأولى لنشوء الفلسفة الإسلامية.

وقيام المعتزلة بإعطاء العقل هذه الأهمية والأولية الحيوية، جاء ردّاً مباشراً على الذهنية التقليدية الكلاسيكية التي كانت تقول (ولا يزال بعضها موجوداً للأسف حتى تاريخنا المعاصر) بعدم قدرة الإنسان على بلوغ الحقّ والخير وتحقيق الوجود الإنساني الفعّال بعقله أو بقدرته الإنسانية وحدها، بل لابدّ له من عوامل أخرى مساعدة له، مع أنّ الدين أقرّ بوجود العقل كرسول من داخل الإنسان، وكَحُجّة عليه حتّى مع عدم وجود الرسل، كما جاء في الحديث: "إنّ لله على الناس حُجّتين، ظاهرة وباطنة، فأمّا الظاهرة فهي الرسل والأنبياء، وأمّا الباطنة فهي العقل". ولا نريد الخوض والاستطراد في الحديث عن أهمية العقل في الإسلام، والمديح الذي كاله هذا الدين العظيم للعقل والمتعقّلين والمتفكّرين والمتدبّرين... إلخ.

وفي رأيي، هذا يدلّ على أهمّية العمل على تعميق الفكر الإنساني المنفتح على العصر والحياة بكافة علومها الدنيوية والعقلانية، وضرورة توسيع دائرة نشر الفكر العقلاني الرصين المستند على التجربة والفعل البشري، من دون انفصال مع الواقع الحضاري التاريخي المشرق لهذه الأمة الشاهدة.


[1]- يمكن لمن يريد التوسّع والاستزادة، مراجعة كتاب: تاريخ الفرق الإسلامية للدكتور محمود مزرعة، دار المنار- القاهرة، ط1، 1991م.

[2]- لقد كان العصر الذي انتشرت فيه أفكار ومبادئ المعتزلة العقلية –خلال حكم المأمون- هو عصر نضج فكري واتساع ورقي علمي، ويمكن القول إنّه من أهم عصور ازدهار الحضارة الإسلامية، حيث انتشرت النزعة العقلانية، وتأصّلت الشروحات التي كانت تعتمد العقل كأحد مناهج التفسير الديني للنصوص، على عكس الاتجاهات والتيارات السائدة.. ويلاحظ في وقتها أنّ النزعة العقلية (التي تصاعدت مع تبنّي الخليفة المأمون لها والتزامه بها، واعتبارها مذهب الدولة) قد ترافقت مع تصاعد ونمو حركة التقدم والقوة في المجتمع الإسلامي آنذاك، بينما كانت أطوار الانكماش والتراجع التي شهدها المجتمع الإسلامي، قد ظهرت وطغى عليها الفكر المحافظ الجامد والقيم المحافظة القائمة على منطق الانغلاق والتعصّب والجبر، كما حدث أيام عصر الغزالي الذي حارب العقل والعقلاء، ورفض الفلسفة والفلاسفة.

وهذا ما يقوله أحد أهم رموزهم القاضي عبد الجبار في كتابه "فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة": "والأدلة ثلاثة: دلالة العقل، لأنه يميّز بين الحسن والقبيح، ولأن به يعرف أنّ الكتاب حجّة، وكذلك السُنة والإجماع.

[3]- لقد جعل المعتزلة العقل في أعلى درجات الاستدلال والاجتهاد، مقدّمين إياه على الكتاب والسُنة. بما تعجّب من هذا الترتيب بعضُهم، فيظن أنّ الأدلة هي: الكتاب والسنة والإجماع فقط، أو يظن أن العقل إذا كان يدل على أمور فهو مؤخر، وليس الأمر كذلك". (راجع: عبد الجبار بن أحمد، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، طبعة تونس، 1972، ص 128. حسن حنفي، موسوعة الحضارة العربية الإسلامية، م2، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 125).

[4]- نشير هنا إلى أن بروز وانتعاش الفكر المحافظ المؤسس عند الإمام أحمد بن حنبل على فكرة الاعتقاد بعجز العقل، هو الخط والعنوان العريض الذي سيطر (ولا يزال يسيطر) على التاريخ الثقافي والعملي لمجتمعاتنا العربية، وهو يركّز على فكرة أنّ العقل ليس له أية قدرة أو فائدة أو جدوى في أمور العقيدة، وتحريم الجدل في الدين.

[5]- طبعاً كانت للمعتزلة آراء واجتهادات متعددة ومتنوعة في مجالات علم الكلام والفلسفة، ولكننا لم نركز إلا على مقولتهم في مركزية العقل، وحرية الفرد، باعتبارها من أهم ما ورد عندهم من مقولات وعلامات ومعالم وإضاءات فكرية تستحق المتابعة والمعاينة والإشادة.