المفكر والسلطة: ميخائيل سوسلوف أنموذجًا

فئة :  مقالات

المفكر والسلطة: ميخائيل سوسلوف أنموذجًا

المفكر والسلطة:

ميخائيل سوسلوف أنموذجًا


إن الارتباط بين الأيديولوجيا والسياسة وثيق، إذ إن كلاً من السلطة والسياسة تتضمن أيديولوجيا ما، أو تصادر على أخرى صراحة أو ضمنًا، كما أن كل إيديولوجيا تتضمن تصورات حول التعاطي مع المجال السياسي، وتستهدف في النهاية الوصول إلى السلطة لتطبيق تصوراتها وفرض مفاهيمها[1]. ومن ثم، فإن العلاقة بين السلطة والأيديولوجيا علاقة ترابطية تضمن من خلالها كل منهما للأخرى البقاء وممارسة هيمنتها.

وتعد الإيديولوجيا من أهم وسائل إضفاء "الإطلاقية" على مذهب أو نظرية، وتمثل هذه النظرية الحقيقة التي ينبغي الخضوع لها والمُثل التي ينبغي الانضواء تحت رايتها، فهي عبارة عن أفكار تأتي في نسق واحد وفق عمليات ربط معينة تتماهى، إلى حد كبير، مع نص مؤسّس، ينتمي إلى ما وراء الأيديولوجيا، تتناوله بالشرح والتحليل والتنظير، فتحتكره لصالحها وتصبح متحدثةً عنه ومروجةً لرؤيتها له.

وقد عرفت الشيوعية ذلك النوع من الأدلجة الدائمة، والإحالة المستمرة على نصوص ماركس ولينين، وقد ظهر منصب مسؤول الدائرة الأيديولوجية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، للقيام بهذا الدور، وظهرت الحاجة لمنظّرين من نوع خاص، وكان ميخائيل سوسلوف[2] أبرزهم على الإطلاق، إذ بدأ الرجل نشاطه منذ عام 1931م، فتقرّب من ستالين ونظر للكثير من ممارساته، ثم أصبح مفتشًا في لجنة الرقابة المركزية التابعة للحزب الشيوعي، للقيام بعملية التفتيش والمراجعة على أعضاء الحزب، وكانت أبرز المهام التي قام بها في عامي 1933/1934م الإشراف على لجنة تطهير الحزب في منطقة الأورال وغيرها من المقاطعات لإبعاد العناصر التي اعتبرتها القيادة خارجة على النظام، وكان له دور فعال في الحملات القمعية التي جرت بين عامي 1937/ 1938م.

وأثناء الحرب العالمية الثانية أصبح سوسلوف عضوًا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، كما رأس تحرير البرافدا، وهي الصحيفة الرسمية الأولى التي كانت مهمتها الرئيسة تجميل وتسويغ الممارسات القمعية، وكان طبيعيًا أن يقيله خروشوف عام 1953م من عضوية المكتب السياسي للحزب الشيوعي، لأنه كان من المحسوبين على ستالين، لكن قدرات سوسلوف فرضت نفسها على الجميع، فغض النظام الجديد الطرف عن ماضيه، لتبرز أهمية المفكر في تدعيم السلطة والتنظير الدائم لها، وعليه لم يجد خروشوف بدًّا من الاستعانة به مرة أخرى، فأصبح سوسلوف رئيسًا للجنة الشؤون الخارجية في مجلس السوفييت الأعلى عام 1954م، وأعاد تعيينه مرة أخرى في المكتب السياسي عام 1955م لحاجته الشديدة لقدرات الرجل الذي أصبح عضوًا في مجلس الرئاسة.

فانخرط المنظّر في العمل لصالح السلطة الجديدة، وسخّر قلمه وفكره في خدمتها، ومساعدتها على إهالة التراب على العهد الـ "ستاليني" البائد، فها هو يكتب في البرافدا التي رفعت ستالين ذات يوم إلى مرتبة الآلهة، مساندًا خروشوف في رفض عبادة الشخصية، المقصود بها ستالين، إذ قال في تقريره الأيديولوجي بتاريخ 16فبراير 1956م: "لقد سببت عبادة الشخصية الكثير من الضرر البالغ على الصعيدين التنظيمي والأيديولوجي للعمل الحزبي، فهمشت دور الجماهير ودور الحزب، وتدنت بعمل القيادة الجماعية مما قوض الديموقراطية داخل الحزب وألغى نية المبادرة والمغامرة، مما تسبب في عدم وجود رقابة وتفشت اللامسؤولية، وهو أمر كان يعيق تطور النقد الذاتي، وأدى كل ذلك إلى اتخاذ الكثير من القرارات الخاطئة."[3]

ونجح سوسلوف في ممارسة الدعاية الأيديولوجية على نطاق واسع، انطلاقًا من مبدأ عدم وجود حل وسط فيما يتعلق بالدفاع عن مكتسبات الثورة الاشتراكية في مواجهة محاولات الهيمنة والاستغلال الطبقي، وسرعان ما اتسعت مساحات نفوذ الرجل في دوائر صنع القرار بوصفه المتحدث الرسمي والمنظر الأول لـ "اللينينية الماركسية"، فأصبح أكثر قدرة على التحرك، وفرض توجهاته على القيادة السياسية العليا المتمثلة في خروشوف، فحدث الخلاف الأيديولوجي بين الطرفين، عندما أراد خروشوف إبراز شكل خاص لعملية الإصلاح في المجتمع الاشتراكي، والنظام التجاري متعدد الأطراف، وذلك في يناير 1958م، ضمن خططه المتسرعة للانتقال من الاشتراكية إلى مرحلة أعلى من الشيوعية خلال سبع سنوات، وهو ما رآه سوسلوف غير ممكن التحقيق، فظهر خلال مؤتمر الحزب الواحد والعشرين خلافه العلني مع خروشوف وتوجهاته، إذ قال: "علمنا ماركس ولينين بأن الشيوعية لا تظهر فجأة، لكنها تأتي إلى حيز الوجود وتنضج وتتطور وتمر في تنميتها من خلال مراحل محددة، وهذه التغيرات الاجتماعية والاقتصادية ستكون طويلة ولا يمكن أن تتم بأي حال خلال سبع سنوات". وتسبب ذلك في حدوث صراع خفي بين الرجلين، الحاكم والمفكر الذي أصبح الطرف الأقوى في معادلة الصراع السياسي، ولم يعد خروشوف يملك القدرة على التخلص من المنظر الذي بات يملك بين يديه مبررات وجود السلطة ذاتها، وهو الأمر الذي يفسر سهولة التخلص من بيريا وزمرته، واستحالة التخلص من سوسلوف.[4]

كان المفكر أقوى من السياسي في مفارقة تاريخية حادة، فقد منحت الأيديولوجيا لكبير المنظرين سلطة لا يمكن استعادتها، لأنها باتت تحتكر تفسير الأيديولوجيا والتحدث باسمها، فدبر رئيس كهنة الشيوعية مؤامرة الإطاحة بخروشوف في أكتوبر عام 1964م، إذ أعد تقريرًا يتهم فيه الأخير بارتكاب الانحراف عن المسار الأيديولوجي، وهو ما كان سببًا في إزاحة الرجل وتجريده من كافة مناصبه، بينما أكمل سوسلوف مسيرته مع خليفته ليونيد بريجينيف حتى النهاية إذ أصبح مديرًا لمكتبه.

كان سوسلوف أنموذجًا فذًا لكاهن الأيديولوجيا، فكانت إحالاته الدائمة على ماركس ولينين، وتنظيراته الملهمة دستورًا للدولة الشيوعية، ونهرًا متجددًا يأخذ حيويته من المنبع الرئيس للشيوعية، أقصد نصوص ماوراء الأيديولوجيا ــ ومن ثم اكتسب المنظر الأول مكانةً لا تضاهى، وأصبح دوره محوريًا في رسم منطلقات الصراع بين القطبين إبان الحرب الباردة، فكان يؤكد دومًا أن سياسة الانفراج لا يمكن أن تؤدي إلى تحقيق مصالحة نهائية بين المعسكرين الشرقي والغربي، وإنما تعني تجنب المواجهة العسكرية مع استمرار التنافس والصراع السياسي، رافعًا باستمرار الراية المقدسة للأممية البروليتارية.

ومارس سوسلوف، مطلع السبعينيات، نفوذًا يفوق نفوذ بريجينيف نفسه بوصفه رجل الدولة العجوز، والوسيط بين النظرية والتطبيق، فبسط "المفكر" سيطرته على وسائل الإعلام وأجهزة الدولة خاصة بعد وصول تلميذه يوري أندربوف لرئاسة المخابرات، وأصبح نفوذه الرقابي يغطي مساحات هائلة في أجهزة الدولة، لتسيطر رؤاه الأيديولوجية على أنظمة التعليم والمناهج الدراسية والعلاقة بين الدولة والكنيسة، إذ كانت مهمة سوسلوف وضع الحلول لأية إشكالية قد تواجه الأيديولوجيا في اتساعها المضطرد، في مجتمع أصبح قائمًا على التحلل من أية عقيدة غير الماركسية، حيث تشكل فيه الأطوار الأممية ونظريات الثورة الدائمة حجر الأساس لممارسات المصادرة والاستيلاء واستعباد الإنسان لبناء الدولة الاشتراكية.[5]

وقد كانت آخر وصايا سوسلوف عام 1981م إبّان الأزمة التي حاقت بالحزب الشيوعي البولندي هو التأكيد على التمسك بالعقيدة الشيوعية التي أسهم في تقديمها، بوصفه صاحب أكبر المذاهب في تفسير اللينينية الماركسية، فها هو في أبريل 1981م يقول: "إن التنفيذ المتسق للمبادئ الماركسية اللينينة يضمن انتصار المثل الاشتراكية، لتحترق محاولات القوى الرجعية لتقسيم مجتمعنا في الغلاف الجوي، ليس هناك من طريق آخر، فأي انحراف عن عقيدتنا الاشتراكية وتعاليمها ستؤدي إلى عواقب وخيمة".

ويذكر أنه في أخريات عمره لعب دورًا كبيرًا في الدفع بميخائيل جورباتشوف إلى الواجهة السياسية، ليتقلد منصب سكرتير أول الحزب الشيوعي، دون أن يدري أنه بذلك قد وضع نهاية ما قام بإنجازه طيلة سنوات عمله السياسي من أدلجة لإمبراطورية باتت تسعى حثيثًا نحو نهايتها.[6]

لقد ذهبت العلاقة بين المفكر والسلطة في لحظة توحدهما بالمفكر إلى مناطق أخرى في الصراع السياسي، مكرسًا قدراته وأفكاره في خدمة الأيديولوجيا ومن يتحدثون باسمها، وفي نهاية المطاف يكون المفكر راهب الأيديولوجيا أمام مصيرين: إما أن تنقلب عليه السلطة، أو يغدو كاهنًا أعلى فوق السلطة، وهو ماحدث في حالة سوسلوف.


[1] عدنان عويد: الأيديولوجيا والوعي المطابق، دمشق، دار التكوين، 2006، ص 19

[2] Jack D. Meeks: From the Belly of the HUAC: The HUAC Investigations of Hollywood, 1947—1952, ProQuest, Parkway, 2009, p. 124

[3] سامح محمد إسماعيل: أيديولوجيا الإسلام السياسي والشيوعية، بيروت، دار الساقي، 2010، ص ص 191ــ 193

[4]David A. Law: Russian Civilization, Moscow, Ardent Media, 1975, pp. 210-211

[5] سامح محمد إسماعيل: المرجع السابق، ص ص 194 ــ 197

[6] Serge Petroff: The Red Eminence: a biography of Mikhail A.Suslov, Michigan, Snippet view,Kingston Press,1988, p. 199