المناهج والأعراف العقلانية في الإسلام

فئة :  قراءات في كتب

المناهج والأعراف العقلانية في الإسلام

مع معهد الدراسات الإسماعيلية(1) في عام 2004 الطبعة الأولى للنسخة العربية من كتاب "المناهج والأعراف العقلانية في الإسلام" في 359 صفحة من القطع المتوسط، وهو عبارة عن مجموعة أبحاث قدمت في حلقة دراسية تحت العنوان نفسه برعاية معهد الدراسات الإسماعيلية، وقام باستضافتها مركز "ملور" في كلية تشرشل بجامعة كامبردج، عدا بحثين للبروفيسور محمد أركون، وعبد العزيز ساشدينا أعداهما خصيصاً للنشر ضمن الكتاب بدلاً من المحاضرات التي ألقياها في الحلقة الدراسية في كامبردج، ويتكون الكتاب من تمهيد لفرهاد دفتري ومقدمة لعزيز إسماعيل(2) وعشرة أبحاث قدمت في الحلقة الدراسية، وهي:

ـ الحياة خلال القرون الأربعة الأولى للإسلام - تأليف هيو كنيدي(3)

قدّم كنيدي في هذا البحث مسحأ لتاريخ بناء العلوم والمعارف العربية والإسلامية في القرون الأربعة الأولى للإسلام، وهي العلوم الإسلامية الصرفة، مثل علوم الشريعة من فقه وحديث، وعلوم اللغة العربية، والأنساب والتاريخ موضحاً بنيتها الداخلية، وكيف رأى المسلمون أهمية الكتابة في مثل هذه العلوم، وتكلم أيضا عن العلوم التي ترجمها العرب المسلمون في القرون الأولى، مثل الطب والفلسفة، وعن حركة الترجمة، واتساع رقعة بلاد الإسلام، وكيف أثر ازدياد أعداد المسلمين من غير العرب في تماسك الخلافة.

والأهم من ذلك، النتيجة التي خلص إليها عن تكوين المؤسسات العقلية في القرون الأولى للإسلام، وكيف ألف العلماء في هذه الفترة مؤلفاتهم دون إطار يجمعهم أو يرعاهم، سواء بتحديدات علمية أو بدعم مادي، بناء على عقل جمعي انطلق في تأسيس العلوم من أهمية ذرائعية كان عليها مدار التأليف قلّة وكثرة.

ـ تساؤلات علمية وفلسفية: الإنجازات وردود الفعل في التاريخ الإسلامي - تأليف أوليفر ليمن(4)

يعالج ليمن في مداخلته عدة إشكالات فلسفية تتعلق بالتعاطي الإسلامي مع الثقافات الأخرى، يستكشف من بينها أسباب اضطرار المسلمين للاقتباس من ثقافات وحضارات أخرى كالفلسفة اليونانية مثلا، وما مدى حاجتهم لأرسطوطاليس ومنطقه، وكيف استخدموا ذلك في الدفاع عن عقيدتهم وعقلنة أفكارهم العقائدية، ويقرر أن أحد أهم المميزات التي ميّزت الحضارة الإسلامية كانت التعاطي الجيد والاقتباس من الثقافات الأخرى وخصوصاً في التجربة الأندلسية، ثم يتجه ليمن إلى السؤال الأكثر عمقا،ً والذي يدور البحث في فلكه، وهو: هل تعتبر الحضارة الموصوفة بالإسلامية حضارة إسلامية بالفعل قائمة على "هوية" و" خصوصية" إسلامية وعربية في كل مراحلها، أم أنها كانت حضارة "المسلمين" التي قامت في هذه البقعة من الأرض وتصادف أن من قام بها مسلمون؟

والحقيقة أن السؤال الذي يطرحه ليمن بخصوص الهويّة والخصوصية يظل أكثر الأسئلة حضوراً في النقاشات الإسلامية وخصوصاً المعاصرة منها، والذي تحدد إجابته علاقة المسلمين والإسلام بالحداثة والمفهوم الغربي للثقافة، ومن ثم - من وجهة نظر ليمن – باستئناف مسيرتهم الحضارية والفلسفية بشكل ناجح.

ـ المسالك والتحدارات الترشيدية - العقلانية في الإسلام - تأليف محسن مهدي(5)

في عرض شائق وممتع، يشرح البرفيسور مهدي في بداية المقالة لمحة تاريخية عن المسالك العقلانية في الإسلام التي يصفها بأنها محاولات "عقلنة" للاعتقاد الديني، والتي نشأت كلها من وجهة نظره بسبب سؤال حقبة ما بعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وهو من أحق بالخلافة ؟ والذي فرق المسلمين إلى فرق عديدة منها من رأى أن آل بيت النبي ونسله هم أحق وأقدر الناس بخلافته، ومنهم من رأى أن الاختيار لابد أن يكون بالشورى بين الناس، والأزمات التي أثارت بدورها عدة إشكالات واستدرت الأخذ والرد الفكريين على مر عصورهم، مثل العدالة الإلهية والقدر ودور المسلم في المجتمع، ثم يعرض عرضا فكريا تاريخيا كيف توالدت أهم المدارس الفكرية الإسلامية عن بعضها بعضا من المعتزلة، حتى محاولات محمد إقبال وجمال الدين الأفغاني في العصر الحديث، والأدوار التي أدتها وإخفاقاتها أيضا، ثم يختم مقاله بسؤال يتركه للنقاش : "بعد هذا كله ما الذي يجب عمله في القرن الحادي والعشرين"؟

ـ حدود العقيدة القويمة والراشدة "الأرثوذكسية" في الإسلام - تأليف نورمان كالدر(6)

يصف الكاتب الإسلام في بداية مقالته بالأرثوذكسي، والتي تعني الطريق القويم، ويحاول في بقية المداخلة استبيان حدود هذه العقيدة التي توصف بالصحة المطلقة؛ فعلى تعدد محتويات المكتبة الإسلامية، وذخر التراث بالمعارف الروحية من شتى الاتجاهات من المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة والعرفاء، وحتى التعدد الكبير في شروح العقائد في المذهب الواحد، مثل شروح الطحاوي وابن تيمية والأشعري للعقيدة السنية، نجد أن المسلمين نمطيون حتى في صورتهم الإصلاحية – ويستخدم الإمام محمد عبده كمثال، والذي رفض الصورة الصوفية للإسلام كما يشرح كالدر – إلى تجريد هذا التراث من زخمه وتنوعه لصالح نوع واحد من التحدارية العقلية يقتصرون عليها، ويشرح الكاتب كيف أثّرت هذه الطريقة سلباً، حتى على وعي المسلمين بأنفسهم ناهيك عن وعيهم بثقافات غيرهم .

ـ الحياة العقلية بين الإسماعيليين: نظرة عامة - تأليف فرهاد دفتري(7)

كان للإسماعيليين كجماعة إسلامية شيعية رئيسة تاريخ مركب ونابض بالحياة كما يقول دفتري في بداية مقاله، بدأ هذا النشاط منذ القرن الثامن الميلادي الذي انفصل فيه الإسماعيليون عن بقية الشيعة منشئين مذهبهم الخاص، ويحاول دفتري في مداخلته أن يشرح ثراء هذا الفكر ذي الطبيعة الخاصة، وكيف كان علم اللاهوت مركزا رئيساً لهذا الفكر الذي لم يكن فكراً كلامياً فحسب، بل كان منهجا مؤثرا أو تحدارية عقلية مؤثرة على بقية مناهج الجماعة، ويجلي أيضاً في مقالته جهود الإسماعيلية في الفقه والتشريع وعلم تدوين التاريخ، وجهودهم أيضا في إنشاء المعاهد العملية، وموقعهم بين بقية التحداريات العقلية في الإسلام.

ـ ناصر خسرو: مفكر فاطمي - تأليف أليس هنسبرجر(8)

أبو المعين ناصر بن خسرو القابادياني المروازي (1004 – 1077 م ) الشاعر الإيراني الكبير هو موضوع مقالة هنسبرجر التي تسلط فيها الضوء على رحلته الروحية بجانب رحلته الدرامية كما تصفها من خلال كتبه وخاصة ديوانه "سفر نامه".

إن ما يميز ناصر خسرو، إلى جانب كونه أحد أهم أدباء الفارسية، ولكتاباته طبيعة خاصة في النثر الأدبي الفارسي، إنه كان ملماً بالعلوم العقلية والشرعية التي أهلته وصنعت منه مدافعاً جيداً عن العقيدة الفاطمية، وهو أيضا مفكر ذو طابع عقلي وصوفي "إيجابي" يحلق بروحه في السماء، بينما تظل قدماه على الأرض، يحث الناس على الخير ويعمل معهم في سبيل خيرهم الشخصي.

ـ العقل والتجربة العرفانية عند أهل التصوف - تأليف آن ماري شيمل(9)

تعرض المفكرة الألمانية الكبيرة في مداخلتها فكرة من أهم الأفكار التي يجب أن تُفهم جيداً، إذا أردنا أن نفهم التصوف الإسلامي بشكل جيد، وهي فكرة العقلي والروحي في التصوف، وكيف أن الصوفية من أمثال الرومي وإقبال والحلاج كانوا ينزلون العقل منزلة "القاضي" والمرشد في سبيل الشريعة. أما عن دور الحب، فهو حارس العقل الذي لاينام ولا يضل ولا يعبأ بالقيود، ويسعى خارقا كل الحجب نحو الله المطلق، وهو المقام الذي يرون أن العقل لا يمكن أن يبلغه، كما لم يتمكن جبريل من اختراق النور وقدر على ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رحلة الإسراء والمعراج؛ فهو في هذه القصة مثال للروح العاشقة التي تمكنها قوة الحب من الاتصال بالمطلق اللانهائي.

ـ بعض الملاحظات عن المحيط العقلاني الديني أثناء عصر الصفويين في إيران- تأليف جانكوبر(10)

يتحدث كوبر في ورقته عن تطور حالة العلم الديني والفلسفي خلال عصر الصفويين (1502 – 1763 م)، وكيف بدأ الحال بالحالة الدينية كروح "صوفية تركية قتالية" سيطرت عليها روح الشعبية الشيعية، لتقود الحكام في هذه الفترة لمعاداة بقية أنواع التصوف والفلسفة، وكيف قاد صدر الدين الشيرازي وغيره حركة فلسفية إصلاحية غيرت وجه الفلسفة الشيعية، ووفقت بينها وبين العقائد "المشائية الأكبرية"، حتى صارت أهم التحدارات العقلية الشيعية، وضمنت للفلسفة مكانا مرموقاً في إيران على الأقل للأربعة قرون التالية على حكم الصفويين .

ـ هل المرأه نصف الرجل؟ أزمة نظرية المعرفة الذكورية في الفقه الإسلامي- تأليف عبد العزيز ساشدينا(11)

يرى ساشدينا أن المرأه قد جرى استثناء دورها في تحديد وضعها في السياق الاجتماعي في الإسلام، وبذلك حرمت من التعبير عن حالاتها الخاصة وموضوعاتها، وعوملت كـ "عورة" يجب إخفاؤها من قبل المؤسسات الدينية والعلمية التي يهيمن عليها الذكور، اعتماداً على أحاديث "غير واضحة المعالم" منسوبة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم،ضارباً العديد من الأمثلة في بحثه البنيوي من التراث الفقهي، وتفسيرات آيات الأحكام والشهادة في القضاء خصيصا، ليصل لنتيجة مفادها أن أحد أهم عوامل تدني سيطرة المرأه المسلمة على محددات أدوارها في المجتمع الإسلامي هو هذا التراث الفقهي الذي ينقص من شأن المرأة، ويضعها في منزلة أقل "بشكل ذاتي" من منزلة الرجل.

ـ إسلام اليوم بين نهجه المتوارث والعولمة، من تأليف محمد أركون(12)

يسعى البروفيسور أركون في مقالته كما يوضح العنوان لأن يتناول بالتحليل النقدي كلا من إسلام اليوم والتراث الحي النابض منذ عصر نهضة المدينة الإسلامية والعولمة، ومدى انغلاق النسق الإسلامي الموروث الذي لم يجدد في أي جزء من أجزائه أمام الحداثة والعولمة التي يراهما المسلمون شرا مطلقا ونزعات تغريبية تعتدي على هويّة المسلم القارة والثابتة، محللا وضع الإسلام المعاصر وضرورات التخلي عن بعض المفاهيم "التاريخانية"، والخروج من السرديات الكبرى، ووضع الأفكار محل السؤال والنقاش الجادين، لاستكناه ما الذي يمكن أن يَفعل خلال المرحلة القادمة في العلاقة بين الإسلام والحداثة؟


(1)ـ أُسس معهد الدراسات الإسماعيلية في لندن عام 1977 ويهتم بالدراسات الإسلامية والدينية عموما والفكر الإسماعيلي

(2)ـ عميد معهد الدراسات الإسماعيلية الأسبق وأستاذ الدراسات الإسلامية بالعديد من الجامعات في كينيا والولايات المتحدة

(3)ـ هيو كينيدي بروفيسور تاريخ الشرق الأوسط بجامعة سانت روز

(4)ـ أوليفر ليمن بروفيسور الفلسفة في جامعة ليفربول

[5]ـ محسن مهدي علامة بارز في التاريخ والآداب والفلسفة الإسلامية وبروفيسور اللغة العربية في جامعة هارفارد

[6]ـ نورمان كالدر محاضر من الدرجة العليا في اللغة العربية والدراسات الإسلامية في جامعة مانشستر وجامعة أوكسفورد

[7]ـ فرهاد دفتري رئيس دائرة البحوث والمنشورات الأكاديمية بمعهد الدراسات الإسماعيلية، وعلامة مختص بتاريخ الفكر الإسماعيلي

[8]ـ أليس سي هنسبرجر تشغل منصب محاضر زائر بمعهد الدراسات الإسماعيلية ومساعد بروفيسور بكلية هنتر - نيويورك

[9]ـ آن ماري شيمل مفكرة ألمانية رائدة شغلت العديد من المناصب في العديد من الجامعات العالمية ولها عشرات المؤلفات في الدراسات الإسلامية

[10]ـ جان كوبر محاضر اللغة الفارسية والدراسات الشرقية في جامعة كامبردج وأستاذ زائر بمعهد الدراسات الإسماعيلية

[11]ـ بروفيسورالدراسات الدينية في فيرجينيا

[12]ـ محمد أركون إسلامي كبير وبروفيسور في جامعة السوربون، وله العديد من المؤلفات في الفكر الإسلامي باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية


مقالات ذات صلة

المزيد