النصوص المقدّسة في التراث الصوفي: في سبيل ترسيخ منظومة أخلاقية مشتركة

فئة :  مقالات

النصوص المقدّسة في التراث الصوفي: في سبيل ترسيخ منظومة أخلاقية مشتركة

يلاحظ الناظر في كتب التصوّف ميلاً لدى أصحابها إلى إحكام وصل التجربة الصوفيّة بالمنزع الأخلاقي؛ فمحمد بن علي الكتّاني يختزل التصوّف في تعريفه له على أنّه خلق، وذلك في قوله: "التصوف خُلُقٌ، فمن زاد عليك في الخُلُقِ فقد زاد عليك في الصفاء" (القشيري، 2001، ص 184). ويؤكّد أحمد الجريري هذا التوجّه في قوله بأنّ التصوّف: "الدخول في كل خلق سَنِيٍّ، والخروج من كل خلق دَنِيٍّ" (القشيري، 2001، ص 183). وكذلك محمّد بن علي القصّاب في قوله: "التصوّف أخلاق كريمة" (القشيري، 2001، ص 184). وأيضاً أبو الحسن النوري في تعريفه التصوّف بقوله: "ليس التصوّف رسوماً ولا علوماً ولكنّه أخلاق" (الهجويري، 1980، ص 237). والشواهد والأمثلة على ذلك كثيرة، تطفح بها كتب التصوّف، وهي جامعة بين الأقوال والسلوك، لتؤكّد حرص الصوفيّة على هذا الجانب في تجربتهم وتكريسهم له عمليّاً.

والمصدر في توثيق هذا المنزع وتأكيده إضافة إلى هذه الشواهد، هو النص القرآني والحديث النبوي أساساً لما ورد فيهما من حثّ على مكارم الأخلاق ودعوة للمحبّة والتآخي والتضامن والتراحم والصبر والرضا والعفّة والورع والصدق...فالصوفيّة كثيراً ما يستحضرون حديثاً نبويّاً، جاء فيه أنّ الرسول قال: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ".

إلاّ أنّ هذا لم يعدم حضور نصوص مستمدّة من ديانات سابقة على الإسلام اعتمدها كثير من الصوفيّة في باب تأصيل مقالاتهم وتوجّهاتهم السلوكيّة والاجتماعيّة... إذ يورد الترمذي مثلاً شواهد من قبيل: "روي عن موسى صلى الله عليه وسلم أنّه قال: يا رب، أوصيتني بصلة الرحم فكيف بمن تباعد منّي أرحامه في مشارق الأرض ومغاربها؟ قال: يا موسى أحبّ لهم ما تحبّ لنفسك" (الترمذي، 2002، ص 67). والقشيري يستدلّ بـ: "أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أتريد أن تكون لك يوم القيامة مثل حسنات الناس أجمع؟ قال: نعم، قال: عد المريض وكن لثياب الفقراء فاليا..." (القشيري، 2001، ص 179). وأيضاً: "وفي الزبور: القانع غني ولو كان جائعاً" (القشيري، 2001، ص 99)... هذا فضلاً عن أخبار تنقل سلوك عدد من الأنبياء والمرسلين والصالحين... اتّخذها الصوفيّة مثالاً يحتذى في حسن الخلق وكمال الإيمان، وقد يتجلّى هذا مثلاً في قول الجنيد: "بناء التصوّف على ثماني خصال، اقتداء بثمانية أنبياء عليهم السلام..." (الهجويري، 1980، ص 235).

فالمنظومة الأخلاقيّة التي اعتبروها عمدة طريقتهم تتجاوز بيئتهم الثقافيّة، وتنشد الكونيّة عبر تمثّلها مختلف المرجعيّات السماويّة والوضعيّة على حدّ سواء، وهي في هذا تتّسق مع اعتقادهم في الحقيقة المحمّديّة من حيث هي حقيقة جامعة لكلّ الديانات والشرائع، فضلاً عن مراعاتها في ذلك منطق عصرهم وطبيعة الحياة فيه وحضور ممثّلين عديدين لهذه الأديان والثقافات داخل البلاد الإسلاميّة، ومحافظتهم على عقائدهم وعاداتهم وطقوسه؛ فاستدعاء شواهدهم علامة على رغبة في إقامة جسور تواصل وتعايش معهم، بإبراز نقاط الالتقاء بينهم عبر نشر مثل هذه المنظومة الأخلاقيّة الجامعة أو المشتركة.

إنّ الصوفيّ في استدعائه مثل هذه الشواهد الدينيّة، إنّما يؤكّد مقولة "الطرق إلى الله تعالى عدد أنفاس الخلائق" (ابن خلدون، 1996، ص 141)، ويثبت انفتاح التجربة الروحيّة وشمولها وتحرّرها من قيود الوسائط والأشكال. فالنصّ عندهم في معناه لا زمنيّة له ولا حدود وإن نطق بلسان قوم مخصوص، وهو وثيقة وسلطة تزكّي قيمة أو توجّه سلوكاً، وقادر على اختراق جميع السياقات الثقافيّة لما يحمل من أبعاد إنسانيّة يعمل الصوفيّة على استجلائها وبيان عمقها بتجاوز الألفاظ ودلالتها الظاهرة والغوص في باطنها.

ويقيم هذا دليلاً على أنّ الصوفيّة، عبر جمع نصوص مختلفة من ديانات وثقافات متنوّعة، يتوجّهون بخطابهم إلى الإنسان الفرد منطلقاً في التجربة التعبّديّة، ويحاولون البرهنة على أنّ الغاية بلوغ أقصى ما يمكن من الكمال، والكمال المنشود ههنا بعيد كلّ البعد عن الجانب الجسماني أو المادي، هو كمال يحاول الاقتراب من الأخلاق الربّانيّة والتخلّق بها لتحقيق الصفاء المنشود، أو ما يعرف عندهم بالمرآة، حيث يرى الله نفسه في عبده أو يتجلّى فيه. وفي ذلك يقول عبد العزيز المهدوي: "المرآة في الحسّ خاصيتها انطباع الصور فيها، والقلب إذا تخلّى عن الأوصاف المذمومة وتحلّى بالأوصاف المحمودة صار مرآة يتجلّى الحق فيه" (المهدوي، د.ت، و74)، وهي مرتبة لا يمكن لصاحبها إدراكها ما لم يتجرّد من الوسائط ويتحرّر من الانتماءات الضيقة، ويجعل منشوده منحصراً في إدراك الذات الإلهيّة والتحقّق بصفاتها. بذلك تذوب مرجعيّات النصوص وتمّحي آثار أصحابها ولا يبقى منها سوى مدلولها الذي يتغيّا الصوفيّة بلوغ منتهاه وامتلاك ناصيته. ولهذا أباحوا لأنفسهم استدعاء جميع ما يخدم غايتهم من نصوص أيّاً كانت هويّتها الثقافيّة أو الدينيّة. فليست العبرة ههنا باللفظ أو دلالته الظاهرة بقدر ما هي متجذّرة في الفهم والاعتقاد والسلوك.

وتتميّز هذه المنظومة التي حاول الصوفيّة تأكيدها في نصوصهم باختلافها من صوفي إلى آخر، فكلّ تجد لديه تركيزاً على أخلاق بعينها أضحت في عرفه مقامات استوجب على السالك خوضها ومعايشتها وتثبيتها في سلوكه. والمبرّر عندهم أنّ مثل هذا التركيز ناتج عن خصوصيّة التجربة ذاتها، فكلّ له مقام محدّد يختصّ به وينهل من معينه العلوم والمعارف، وقد لا يتمكّن من تجاوزه، ومنهم من يترقّى في جميع المقامات ويتعدّاها، ليستوعب كلّ العلوم والمعارف وينال حظوة القرب من الله أكثر من غيره. فالصوفيّة بذلك درجات وتخلّقهم بأخلاق الله أيضاً مراتب ومنازل، قلّ من تمكّن من إدراكها في كلّيّتها. وهذا رهين إخلاصه وصدقه في الطريق من جهة وموقوف على تدخّل الذات الإلهيّة لتزكية مجهود العبد من جهة أخرى.

فالمسألة الأخلاقيّة إذن، ليست مشروطة بالاطلاع على النصوص وفهم محتوياتها أو الالتزام بأوامرها وتجنّب نواهيها بقدر ما هي استقصاء لباطنها واستيعاب لما جاء فيها عمليّاً وتكريس له في واقعهم.

فمثل هذه القيم الأخلاقيّة التي يعلن الصوفيّة تقيّدهم بها ويدعون إليها عبارة عن عقد تواصل وتعايش يرسم أفق تفاعلهم مع غيرهم بقطع النظر عن انتماءاتهم وعقائدهم. فالكلّ في النهاية واحد في أصله ومرجعه، والذات الإلهيّة جماع محاسن الخلق ورمزها الأعلى. ولا ضير من ثمّ إذا تعدّدت الرسوم والأشكال بما أنّ الغاية في النهاية واحدة.

بهذا المعنى، يخترق التصوّف عتبة المحلّيّة ليعانق أبعاداً إنسانيّة كونيّة عنوانها التواصل والانفتاح لا العزلة والانغلاق على الذات. فالتجربة الصوفيّة بانصرافها إلى العناية بالموضوع الأخلاقي وإعلائها من شأنه، بل اختزالها مجمل أدبيّاتها وقواعدها فيه، ترسّخ حضورها في واقع الحياة البشريّة وتحدّد حقيقة دورها في السموّ بالكائن البشري وتعزيز علاقاته بالكون. شعارها في ذلك المحبّة؛ فهي الينبوع الذي تنبع منه العلاقات المنشودة بين البشر وتتأسّس على قاعدتها منظومة الأخلاق المشتركة التي عملت كتابات الصوفيّة على بيان تعاليمها وأركانها وضوابطها وأبعادها، وهي الدين الجامع الذي يوحّد البشريّة قاطبة ويزيل عقبة الأشكال والحجب، يقول محيي الدين ابن عربي: (ابن عربي، 1981، ص 43)

أَدِينُ بِدِينِ الحُبِّ أَنَّى تَوَجَّهَتْرَكَائِبُهُ فَالحُبُّ دِينِي وَإِيمَانِي

إنّ التصوّف إذن، بتمثّله ما جاء في نصوص دينيّة سابقة للإسلام وعدم تحرّجه من إيرادها في كتابات أصحابه حجّة ومثالاً على قواعد التجربة التعبّديّة كما فهمها سالكوها وترجموا عنها عمليّا، أثبت جملة من منطلقاته الفكريّة ومنها أساساً إيمانه بوحدة المعبود وتقاطع العقائد والأديان عند قيم وأدبيّات مشتركة قد تختلف في تفريعاتها، ولكنّها تلتقي عند الأهداف والغايات الكبرى، وهو ما يتطلّب مراجعة زوايا التفاعل مع النص الديني والنأي به عن مقولات الانتماء والمحلّيّة والإقصاء والنرجسيّة.

وتبقى من ثمّ المنظومة الأخلاقيّة الصوفيّة في حاجة إلى مزيد من البحث والتحليل لأهمّيّة مضامينها وتنوّع مصادرها واختلاف تفريعاتها من صوفيّ لآخر، وهو ما يدلّ على تفاعلها مع منطق عصرها وواقع أصحابها وانفتاحها على تجارب غيرها.

المصادر:

- ابن خلدون، عبد الرحمن. (1996). شفاء السائل وتهذيب المسائل. (محمد مطيع الحافظ، محقّق). (ط1). بيروت - لبنان: دار الفكر المعاصر. دمشق- سورية: دار الفكر.

- ابن عربي، محيي الدين. (1981). ترجمان الأشواق. بيروت: دار صادر.

- الترمذي، أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم. (2002). منازل القربة. (خالد زهري، محقّق). (ط.1). الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة.

- القشيري، أبو القاسم. (2001). الرسالة القشيرية. (ط.1). بيروت-لبنان: دار صادر

- المهدوي، عبد العزيز. محجة القاصدين وحجة الواجدين. مخطوط بمكتبة آل عاشور، تونس، رقم243.

- الهجويري، أبو الحسن. (1980). كشف المحجوب. بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر.