الهوية والاختلاف في قضايا الدين والمجتمع: الهـوية هي الاختلاف

فئة :  مقالات

الهوية والاختلاف في قضايا الدين والمجتمع: الهـوية هي الاختلاف

سوسيولوجيا الهوية:

لا وجود لمجتمع ليست له مشكلة هوية، إنما يكون الاختلاف في المنسوب والحدة التي تبلغها تلك المشكلة؛ فسؤال الهوية حاضر باستمرار في كل مراحل وجود المجتمعات بصرف النظر عن طبيعة وخصوصية المرحلة.

الهوية هي مجموع العوامل التي تمنح الإنسان، بصفته الفردية، والمجتمع بصفته مجموعة روابط ، الشعور بالوجود والانتماء والمصير المشترك. هذا الشعور يضمن استمرارية الجماعة، ويحمي كيانها. وحينما يختفي هذا الشعور تبدأ الجماعة في مواجهة مصير التفكك. ( وهذا يتطابق مع التعريف الذي يقدمه ماكس فيبر عندما يتحدث عن جماعات لديها إحساس بالأصل المشترك ).

المفهوم السوسيولوجي للهوية قائم على تعريف وتمثل الجماعات لنفسها وصيغ فهمها للروابط التي تقيمها مع غيرها، ولما تعتقده من طبيعة كينونتها؛ أي ما يمثل بالنسبة لها ضرورة لوجودها.

يستعمل مفهوم الهوية في العلوم الاجتماعية، وفي السوسيولوجيا على الخصوص منذ عقود، وهو مفهوم يشير تحديدا إلى الوعي الذي يميز الأفراد بعضهم عن بعض وأيضا الخصائص التي تتميز بها جماعة ما، وتجعلها كيانا متمايزا عن باقي الجماعات. اهتم السوسيولوجيون خاصة بدراسة الهويات الجماعية للجماعات والشرائح الاجتماعية، والجنوسة، والمهن، والعائلة؛ ولذلك فالهوية سيرورة معقدة، ودينامية مركبة ذات أبعاد متعددة.

تحدد السوسيولوجيا المعاصرة مصادر متنوعة للهوية، فمنها الجنوسة والتوجه الجنسي، والجنسية، والمنطلقات الإثنية، والطبقة الاجتماعية.

فالسوسيولوجيا تركز على نوعين من الهوية:

النوع الأول: الهوية الاجتماعية التي تتضمن أبعادا جماعية، وتجارب مشتركة ومنظومة قيم ومعايير، تمثل نماذج إرشادية للجماعة ولأعضائها.

النوع الثاني : الهوية الذاتية (الهوية الشخصية).

تهتم نظرية الهوية الاجتماعية بدراسة العلاقات بين الجماعات وفي قلب الجماعة الواحدة، نظرية معرفية اجتماعية خاصة بالجماعة، تركز على التمييز الإيجابي وعنها تفرعت نظريتان:

أولاهما: "نظرية العلاقات بين الجماعات": وتعنى بتفسير الصراع والتغير الاجتماعي، مع الاهتمام بحاجة الفرد إلى التمييز الإيجابي لجماعته الداخلية في مقابل الجماعات الخارجية، بغرض تحقيق هوية اجتماعية إيجابية.

ثانيتهما: "نظرية تصنيف الذات": التي تقوم على اعتبار الهوية المشتركة تنكر الذات الفردية (التفاعلية الرمزية).

تستخدم السوسيولوجيا مفهوم "الهوية الثقافية": وهو مفهوم كان قد اقترح في الخمسينيات من القرن الماضي كرد فعل على موجات الهجرة والحركة الديمغرافية الكثيفة التي برزت في حينه. غير أن دراسات الهوية واجهتها صعوبات منهجية وإبستيمية، عكست انسيابية مفهوم "الهوية" الذي هو في نهاية المطاف مجموعة استراتيجيات يتبناها الفرد والجماعات، بحسب مصالحهم وبحسب الإكراهات والأوضاع التي يكونون تحت مفاعيلها.

مفارقات الهوية:

لا تستمد الهوية كينونتها من ذاتها فقط، بل من المفارق لها أيضا؛ أي مما ينفصل عنها وليس فقط مما يتصل بها، ومن ثم لا معنى لمطلب الهوية بمعزل عن التميز والاختلاف اللذين يمثلهما الآخر. وكلما بدت الهوية مطلبا داخليا، فإنها بشكل ما تعكس مطلبا خارجيا؛ إن الآخر بحاجة لتمايزنا عنه ليفهم أكثر ذاته وكينونته. ولذلك بقدر ما تتجه الهوية باتجاه التوحد بقدر ما تتجه نحو المزيد من التعدد، فكلما كان سعينا نحو التميز قويا، كان هذا التميز علامة على مزيد من الهويات. ولذلك تعتبر الهوية في ذاتها دعوة مستمرة لمزيد من الهويات. لا معنى لمطلب الهوية بمعزل عن الآخر، وبالقدر نفسه، فالوجود لا يتحقق خارج هذا المطلب، بهذا المعنى تبدو مقولة التضحية بالهوية من أجل الوجود ضد منطق الوجود نفسه.

ما يجعلك موجودا هو ما يميزك عن غيرك، وما يجعل غيرك موجودا هو ما يميزه عنك؛ فالتميز هو هويتك، ووجودك هو تميزك. أما المشترك، فهو الماهية؛ أي تلك الفكرة الكلية المجردة. بهذا المعنى، فالهوية هي الوجود الواقعي السوسيولوجي، والماهية هي الوجود المحض أو المعرفي.

هوية جماعة: بما هي مجموع المعطيات التي لا تشترك فيها مع غيرها من نظيراتها، هي الخصوصية. من صلب هذه الهوية أو الخصوصية تستمد كل جماعة وجودها الخاص. الهوية هنا هي الوضوح الوجودي والمعرفي لكل كيان اجتماعي قائم؛ أي أن يكون شريكا حقيقيا في الوجود بما يفيد أن له موقعا ووظيفة. تلك هي خصائص الهوية الفاعلة والإيجابية. وعليه، فإن مطلب الهوية هو مطلب إنساني.

تقر الهوية من الناحية الوجودية بالتعدد، ما دام التميز صفة ملازمة لها. وكلما تشبثت جماعة ما بخصوصيتها، سمحت لغيرها بمزيد من الوضوح والتميز، هذا الانشداد نحو الذات يسهم في بروز هويات مغايرة أخرى، ومن الناحية العملية يمثل ذلك مبدأ أساسيا للتعددية. ولذلك، فالهوية هي الاعتراف بالآخر كوجود؛ فكل جماعة تحتاج لغيرها؛ أي تنشدُّ إلى الجماعة المغايرة لها كلما انشدت نحو ذاتها، لأنها لا تعرف نفسها إلا ضمن هذه العلاقة، وبمعزل عنها لا معنى للهوية.

تلعب المسافة بين الأنا والآخر دورا في وعي الهوية، في انغلاقها أو انفتاحها؛ إذ لا تتحقق للهوية توازناتها من خلال الذات فقط، بل أيضا من خلال الآخر. المغاير حالة انتماء وجودية لا تمثل بالضرورة نقيضا، وإنما امتداد في التاريخ، والمجتمع، والقيم، والعيش المشترك. هذا المغاير هو صورة عاكسة لأنماط وروابط اجتماعية تنتمي إلى جملة المعايير التي تساعد على التصنيف الاجتماعي وإنتاج المواقف والتمثلات. فالجماعات الاجتماعية، تمثل صورة ما من صور الوجود الممكنة اجتماعيا. ولذلك، فالهوية ليست ما عليه الذات فحسب، ولكن أيضا ما عليه واقع الوجود المشترك، ليست هناك هوية مغلقة قابلة للحياة. التمسك بالذات والبقاء مع الآخر هو ما يجعل الهويات قابلة للاستمرارية؛ فالهوية ليست بضاعة جاهزة، بل هي تجربة إنسانية خاضعة لصيرورة العيش مع الآخر. فالهوية حركية مستمرة في التاريخ. ولابد أن تكون هذه الهوية ذات معنى، ولكي تكون كذلك، فلابد لها أن تعكس حقيقة الذات، وأن تكون مصداقا لها، بالقدر نفسه الذي تعكس فيه علاقة تلك الذات مع الآخر. هكذا، فالهوية هي محصلة علاقة الذات مع ذاتها ومع الآخر. إن هويتنا تنطبع في ذهن الآخر وفقا لنمط الروابط التي نبنيها معه. كل مجتمع يسعى لأن يضفي على كيانه نمطا محددا يجعل منه ما هو عليه. هذه الصياغة لابد لها من مادة أولية، وتلك المادة الأولية هي مرتكزات الهوية. أما عناصر الهوية المكتسبة، فيعاد تعريفها وصياغتها عبر مراحل الحياة الاجتماعية تارة في مرحلة التوتر والانتقالات، وتارة أخرى في مراحل الاحتكاك مع التجارب الاجتماعية الأخرى. لذلك، مثلت الهوية على مدار التاريخ استجابة لمبدإ وجودي، وكل مجتمع هو بالنهاية محصلة هوية ما. الهوية في بعدها المدني هي القدرة على التعايش مع الآخر لا مجرد تحمله على مضض. تتشكل الهوية في سياق العلاقة التي نقيمها مع الآخر كشريك في وجودنا أو كحاجة وجودية ممتدة في صلب العلاقة القائمة بيننا وبينه، وبهذا المعنى ليست الهوية معطى نهائيا حتميا خارجا عن سيطرتنا، وإذا كان الدين، مثلا، مكونا من مكونات الهوية، فإننا نحن الذين نختار هذا الدين.

تساعد الهوية على نقل المفاهيم وطرائق العيش والمواقف والتصورات وشبكة المثل، ونسق القيم، لكننا نحن من يفعل كل هذا الرصيد ونعيد تأويله بما يوافق شروطنا الاجتماعية. نحن ننتمي إلى هوية محددة لكننا بمجرد أن نعلن انتماءنا للمجتمع ننخرط في عملية التكييف والاستبطان لمعطيات الواقع، ونعيد تشكيل تلك الهوية وفق الخيارات المتاحة. فالهوية هي تجربة مجتمع ما مع الوقائع الكامنة في التاريخ وفي امتداداته ومآلاته. إنها (الهوية) مشروع مجتمع له إرادة البقاء. ولعل الاعتراف بمبدإ الهوية وفقا لهذه التحديدات، هو اعتراف بالتعدد والتنوع الكامنين في متن الوجود الإنساني.

الإسلام والاختلاف:

أوضحنا أعلاه أن الدين مكون من مكونات الهوية، وإن لم يكن بالضرورة كذلك في كل الحالات، إلا أننا أكدنا على وجود قدر كبير من الحرية في اختيارنا لأي دين نريد أن نتعبد به. من هذه الزاوية، فالدين ليس أمرا حتميا، بل اختياريا. ولذلك، فالمبدأ الذي يحتكم إليه الدين هو أحقية المعتنقين في أن يكونوا أحرارا في اختياراتهم ومعتقداتهم، ولذلك انبنى هذا المبدأ على مبدإ آخر هو مبدأ الاختلاف؛ فالحرية تقتضي وجوده، والدين يعترف وينظم هذا الاختلاف على قاعدة أخلاقية وتشريعية. غايات الدين ومبانيه المعرفية والتشريعية تتبنى هذا التصور، بل يعد مقصدا من مقاصده العليا. ففي التجربة الإنسانية، يلح الدين على أهمية العقل والتكريم وعلى الوظيفة التحريرية للدين في الاجتماع البشري، هذا الاجتماع الذي خصه القرآن بسمة تكوينية هي الاختلاف: ﴿ولا يزالون مختلفين (هود، 118)، بل الاختلاف هو شرط وجود الاجتماع الإنساني برمته، ﴿ولذلك خلقناهم (هود، 119). غير أن الدين سعى، بما تضمنته تشريعاته ومقاصده، إلى تنظيم هذا الاختلاف وليس القضاء عليه. ليصبح الاختلاف تنوعا يتماشى مع مقتضيات الصيرورة الاجتماعية.

جاء الدين بتصور يعتني بطبيعة الروابط التي يقيمها الناس في ما بينهم، فجعل رعاية أمور الآخرين، والتعاون معهم، والتقرب منهم، والتعرف إليهم، شرط الحياة الاجتماعية المبنية على الثقة والتواصل (﴿شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾)، على قاعدة هذا المبدأ يحق لكل الهويات أن يكون لها حق مقدس في الوجود.

أسئلة التدين في المجتمع المغربي:

الاهتمام السوسيولوجي بالظاهرة الدينية له عدة فوائد؛ فهو يساعدنا من جهة على فهم أنماط التدين، كما أن السوسيولوجيا من جهة ثانية تسهم في بلورة نظرية اجتماعية لفائدة مشروع مجتمعي يُؤَمِّن الحقوق الفردية، ويحمي الحريات العامة، وحرية الاعتقاد تحديدا. لتحليل ظاهرة التدين في علاقتها بالهوية، نجد أنفسنا أمام ملاحظتين:

تنطلق الأولى من الناحية المنهجية، وتعتبر أنه لابد من الانتباه إلى أهمية التمييز بين مفهوم الدين ومفهوم التدين.

أما الملاحظة الثانية، فتتجلى في إشكالية غياب دراسات سوسيولوجية لظاهرة التدين، يمكن الاستناد إلى نتائجها لتفسير وتحليل هذه الظاهرة في المغرب، وهناك عائق آخر يتمثل في عدم الاعتراف بالدور المستقل للسوسيولوجيا والبحث السوسيولوجي.

لعل فهم أنماط التدين، ودورها في انبناء الهوية، يمر بالضرورة عبر تعريف الدين وتفسير دوره في حياة الفرد والمجتمع، وأهميته في صوغ تمثلات المفاهيم الدينية في الوعي الفردي والجمعي. كما تكمن أهميته في تأسيس هوية دينية وروابط وديناميات تجعل من الدين ذاته أداة لفهم المجتمع، وتفسير التحولات والتجاذبات القائمة فيه، ورصد مصائر الهويات التي تتجاذبه.

لابد أن نتحدث هنا عن أنماط وتمثلات التدين في المغرب، باعتبارها مداخل أساسية تساعدنا على تحليل هوية الظاهرة الدينية، غير أن هناك إشكالا آخر يقف عائقا أمام تحليل الظاهرة وتفسيرها؛ فالدولة تُخْضع الحقل الديني للرقابة، حيث يتحكم الهاجس السياسي والأمني في سلوكها إزاء الدين. والدولة فاعل أساسي في المسألة الدينية في المغرب؛ فهي التي تنتج الخطاب الديني من خلال المؤسسات التي تشرف عليها ومن خلال الأجهزة والرموز (إمارة المؤمنين أو وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية). بطبيعة الحال، فهذه الرقابة تساعد على إنتاج رموز دينية بالقدر نفسه الذي تعيق من خلالها نموا طبيعيا لحقول وأنماط تدين في مستويات اجتماعية متفاوتة، وفي مقابل كل ذلك هناك هويات دينية تتبلور على هامش المؤسسات الرسمية أو ما يسمى "التدين الشعبي" الذي لا ينضبط بالضرورة لمعايير التدين الرسمي، وله عدة مصادر ومرجعيات من بينها توجيهات الدولة ومؤسساتها ورموزها، وله أيضا مرجعيات أخرى منها الإعلام المكتوب والسمعي البصري والأشرطة والمنشورات والكتب والتأويل. التدين الشعبي مرتبط في كثير من مظاهره بالتحولات التي تحدث في المجتمع. ووجود خطاب ديني رسمي لا يعني بالضرورة أن المجتمع يحمل الخطاب والتصورات نفسها، إنما هناك سيرورة على هامش المؤسسات الدينية للدولة أو ما أسميه بـ "السيرورة الاجتماعية للتدين"، وهو وصف سوسيولوجي لحقل تدين يصعب رصده بمعنى آخر.

إن المجتمع المغربي تتجاذبه على الأقل أربعة حقول:

أولها : حقل ديني رسمي مؤسساتي له خطاب أحادي محدد.

ثانيها: حقل ديني اجتماعي، يقتات على أنماط تدين ذات مرجعيات مختلفة الخلفيات والقيم والتمثلات.

ثالثها: يعرف بـ"الإسلام السياسي"، غير أن هذا الوصف هجين، وتجد السوسيولوجيا عناء في قبوله.

وأما رابعها، فهو خليط من الخطابات الدينية التي يمارسها الإعلام المرئي على صعيد الفضائيات، والذي أصبح له جمهوره وأتباعه، الذين يُعَدون كتلة منقطعة تماما عن التدين المحلي وغير مهتمة به، إذ يتحقق لها إشباع، بل وفائض ديني.

على هذا المستوى، نحن أمام أكثر من هوية دينية؛ فالحقل الأول مراقب وموجه يخضع للتقنين، وهو بالمحصلة دين "إمارة المؤمنين"، مرجعيته واضحة وأهدافه أقل وضوحا. أما الحقل الثاني "السيرورة الاجتماعية للتدين" أو التدين الشعبي، فهو منفلت تعددي المرجعية، ومتناقض، وغير قابل للرقابة، وأهدافه خاضعة للتحولات الاجتماعية التي تعتمل مفاعيلها في صلب الروابط والعلاقات، ليمتد تأثيرها إلى سلّم القيم؛ أي تلك التحولات التي تُحْدِثُ انقلابا في منظومة القيم. لكن الأكيد أن السوسيولوجيا لم تستفد بعد من المعطيات البحثية الميدانية، حتى تتكون لدينا رؤية علمية دقيقة قادرة على تفسير وتحليل أنماط الهوية الدينية ومآلاتها في مجتمعنا. وهذه مناسبة لدعوة الباحثين إلى ضرورة وأهمية تأسيس مراكز البحث والدراسات التي تعتني بالتدين من خلال توظيف معطيات العلوم الإنسانية عامة، والسوسيولوجية خاصة.

يبقى أن نشير إلى أن هذا تحديد نظري لحقول التدين في المغرب، قد يزيد أو ينقص، يتسع أو يضيق، يتداخل و يتقاطع في بعض ملامحه، كما يتميز ويمارس القطيعة بين/ أو مع حقوله بحسب الشروط والسياقات الاجتماعية.

سؤال الهوية الدينية:

علينا أن نسأل المغاربة عن تدينهم، إنهم متروكون لاجتهاداتهم الخاصة، بل أحيانا للصدفة. إنّ المغربي لا يتعلم دينه، بل يتلقاه أو يصادفه. فنحن نتعلم كل شيء تقريبا إلا التدين، لأننا نرثه أو نكتشفه من خلال الآخر، ولكنه ليس في كل الأحوال نتيجة بحث أو دراسة أو علم. حتى داخل الجامعات المغربية، ليس هناك مجال للتدين بطريقة أكاديمية، بل تلقين أرثوذكسي لتعاليم دينية، حوْلها الكثير من الجدل.

ينتمي تديننا للتاريخ أكثر من انتمائه للوحي. إن صلة المجتمع بالدين ليست مباشرة وليست واضحة، وقد ينتمي الشخص في الوقت نفسه لأكثر من نمط تدين من دون أن يمثل له ذلك أي إحراج أو انفصام. وفي هذا السياق تبدو محاولات الدولة للهيمنة على حقل التدين، من دون جدوى، لأن خطابها يحمل الكثير من الغموض إلى الحد الذي تبدو فيه دولة لادينية، ولكنها ليست ضد الدين. ولذلك، نجد أن الحياد الديني الذي تمارسه الدولة حياد غير مصرح به، فعندما تقول لنا الدولة إنها تدافع عن التدين المغربي، فإننا لا نفهم بالتحديد عن أية هوية دينية تتحدث.

يقودنا هذا التحليل إلى خلاصة أولية وأساسية مفادها، أن الهوية ليست معادلة سياسية يمكن التوافق على مرتكزاتها لضمان توازنات ما، ولا الهوية الدينية بالتحديد قابلة للاختراع أو للتحكم فيها.

لعل التفكير في الهوية هو تفكير في المجتمع وفي سيرورته، لكن يجب الاعتراف بأن هذا التفكير دونه صعوبات، ولذلك تشتد الحاجة هنا للمعرفة السوسيولوجية بوصفها معرفة قادرة على تحليل وفهم وتفسير طبيعة التبدلات التي تخترق منظومة المجتمع ونسق هويته. نحن إزاء مجتمع في حالة انتقال، وكل محاولة لفهم طبيعة هذا الانتقال تمر عبر تحليل دقيق لحيثياته. كل المجتمعات التي مرت بمراحل انتقالية عاشت حالة توتر واحتداد تعكس القلق الوجودي على مستوى الجماعة، والفرد؛ وهو قلق مؤثر في حركة المجتمع وفي كينونته وفي انتظامه. ولكي ندرك قسوة مفاعيلها يمكننا أن نتأمل حالة التدين فيه، وحركة هذا التدين واتجاهاته ومصائره. لابد من إعادة صياغة أسئلة التدين في المجتمع بناء على المعطيات الفاعلة فيه؛

أي نمط من التدين هو الآن في طور التشكل؟ هل هو نمط تدين قابل للتعميم أم أنه مجموعة أنماط؟ هل يمكن الحديث عن هوية جماعية للتدين؟ وكيف يتدين المجتمع؟ عندما نتحدث عن التدين هل نحن بصدد الحديث عن الشيء نفسه؟ هل وقعت الهوية الدينية للمجتمع تحت تأثير المرحلة الانتقالية؟ لاشك أن المجتمع المغربي أصبح متدينا بطرق وأنماط وأشكال متنوعة ومختلفة أكثر مما كان عليه في السابق، فما هي العوامل الفاعلة في ذلك؟

تكمن أهمية هذه الأسئلة، في محاولة الاستفادة من أدوات التحليل التي تتيحها المعرفة السوسيولوجية، لكي نتمكن من جعل خلاصاتها إطارا معرفيا لمعالجة مقتضيات الهوية والاختلاف في قضايا الدين والمجتمع، ولنجعل من الهوية قيمة إنسانية لا أن نشتغل عليها كسلاح دمار اجتماعي شامل. فمن خلال المعرفة السوسيولوجية قد يتحقق اختراق في منظومة الفكر والنخبة، لاستفزاز العقل وإنقاذ المجتمع من مخاطر إقحام الهوية في استراتيجيات التلاعب بالتوازنات الاجتماعية والدينية الإثنية. فعندما أشرنا إلى طبيعة المرحلة الانتقالية التي يمر منها المجتمع، إنما نريد أن نثير الانتباه إلى كون هذه المرحلة تُعرف بعدم الثقة في الذات لدى المجتمعات، وبانتشار خوف يُضمر عجزا عن تحصيل فوائد العيش المشترك. وقد يصبح مطلب الهوية جحيما في الشروط الاجتماعية التي تشتد فيها مزاعم الخوف الوجودي، أو الرغبة العمياء في البقاء والخوف المرضي من الآخر؛ فهذه هوية تقتات من فكرة وجود أعداء وهميين لا وجود لهم إلا في مخيلة مجتمع وهمي.