الوعي المدني والانتقال إلى الديمقراطية

فئة :  مقالات

الوعي المدني والانتقال إلى الديمقراطية

حول الحوار المدني:

يقضي التعريف المتداول للحوار المدني، باعتباره ذلك الحوار الذي يحصل بين السلطات العمومية والمجتمع المدني المُنظّم. ويتيح الجمع بين تنظيمات هذا المجتمع، بوصفها شريكة اجتماعية، التداول حول القضايا المجتمعية الكبرى من قبيل العمل الاجتماعي، والتربية، والنضال ضد التمييز، والمساواة في الحقوق، والبيئة، وحماية المستهلك...إلخ. ومن ثم فليس الحوار المدني هو الحوار الاجتماعي، الذي يحصل، مثلا، بين النقابات والمشغلين، والذي يخضع لآليات وسياقات محددة.

ومن البديهي الإقرار بأن الحديث عن المجتمع المدني، يستلزم ربطه بمدى تقدم الديمقراطية في بلد من البلدان، إذ كلما اتسعت دائرة الحريات والممارسة الديمقراطية وأصبحت واقعا مؤسسيا تنامت وتطورت تنظيمات المجتمع المدني. ويستقرّ الحوار المدني ويتعمّق لتعزيز "الديمقراطية التمثيلية"، أو بالأحرى لاستكمال ما يميزها من نقائص، واستعادة الثقة في الفعل المدني، والدفاع عن المصلحة العامة، بل إنه يسمح لشرائح وفئات غير ممثلة في المؤسسات المنتخبة من التعبير عن ذاتها وعن انتظاراتها، من خلال أطر تعتمد القرب والمبادرة، بل يمكن أن تتحوّل إلى "سلط مضادة" تنبه إلى المفاسد، والأعطاب، والأخطاء، وتطالب بالمحاسبة.

وتُبين التجارب الديمقراطية كيف أن الجمعيات تحوّلت إلى مختبرات حقيقية للديمقراطية، وإلى فضاءات للتعلّم، وتحسين القدرات، واكتساب حسّ المسؤولية، وبناء المشاريع. ولذلك يتخذ الحوار المدني في الديمقراطية صيغا متنوعة متحولة، وأحيانا تكون معقدة. فالأمر ليس بالأمر البديهي كما يمكن أن يبدو؛ لأن تنظيمات المجتمع المدني الجدية كثيرا ما تحمل "مطالب مواطنة" لتجديد العمل السياسي، بالمعنى العام للسياسة، وتطوير الفعل الاجتماعي. وهنا يطرح سؤال كبير حول صدقية هذه الجمعيات، والتناسل غير الصحي لجمعيات تشوش على العمل المدني وعلى فرص الحوار، إذا ما تقرّر إطلاقه. فهناك فارق نوعي بين جمعيات أنشئت لتنظيم طقوس المجاملة أو الاستفادة من مختلف أشكال الريع، وأخرى تعمل بصدق للإعلاء من شأن قيم المجتمع الديمقراطي، وتعبّر فعليا عن انتظارات بعض الفئات من الناس، تتجذر في الواقع المحلي والجهوي، وتملك قوة اقتراحية تنتج بها المعنى وتنتزع الاعتراف، بل إن القطاع الجمعوي في بعض البلدان الديمقراطية، أصبح مشغّلا مهمّا للشباب والكفاءات، كما هو الحال في فرنسا على سبيل المثال.[1]

الأمر الذي دفع ببعض الدول إلى تنظيم آليات للحوار المدني، ووضع معايير واضحة، بمشاركة الجمعيات، تحدد شروط تمثيليتها ومشاركتها في مناقشة واقتراح تصورات تهمّ السياسات العمومية. علما أنه يصعب العثور على تعريف دقيق، أو قانوني لصيغة "منظمة المجتمع المدني"، لأن هناك جمعيات تنشط في العمل الاجتماعي والتنموي، والحقوقي، والمدني، وأخرى تشكل تجمعات لحماية مصالح محددة أو الدفاع عنها.

لهذا السبب، لا يستقيم الحوار المدني إلا إذا توفرت شروط وضع إطار معياري يحدد مقتضيات "الحوار"، ويشجع على خلق فضاءات للمناقشة المفتوحة والمنتظمة بين ممثلي السلطات العمومية والنسيج الجمعوي.

يشترط الحوار المدني التأسيس الفعلي للديمقراطية، بكل آلياتها ومظاهرها، بحكم أنها أصبحت اليوم الشكل النموذجي للتدبير السياسي الجيد للشؤون العامة، إذ بتحرر المجتمع من التسلّطية وانتقاله إلى الديمقراطية يتعرّف على نمط سياسي، إذا لم يكن كاملا، فإنه على الأقل أفضل من غيره، أو أقل سوءا كما يرى من ينتقده.

وتنهض الديمقراطية وتتوطد بإطلاق الحريات، وتحفيز الناس على المشاركة، سواء في المناسبات الانتخابية، أو في الشأن العام من خلال تنظيمات المجتمع المدني. فإلى جانب الديمقراطية التمثيلية، التي تمتلك ضوابطها ومؤسساتها وأدوارها السياسية، نجد أطرا متجددة لما ينعت بـ" الديمقراطية التشاركية" التي تعبّر عن أشكال مختلفة للمشاركة المواطنة، لسبب أساسي هو أنه لم يعد من الممكن اختزال الاختيار الديمقراطي في ورقة التصويت وفي الأغلبية العددية.

لذلك تشكل الجمعيات مشاتل لتكوين نخب مواطنة قادرة على الانخراط في مناسبات "الحوار المدني" التي تمثل آليات للمشاركة ممتدة في الزمان، ولا تخضع لمواعيد انتخابية أو لاعتبارات مصلحية، اللهمّ إلا تلك التي تندرج ضمن المصلحة العامة، أو تستجيب لانتظارات الفئات التي ترفض مسلسلات الاقتراع. فهيئات المجتمع المدني، بمساهمتها في تطوير آليات الديمقراطية التشاركية، تعزز وتجذر العمل الديمقراطي، وتتحوّل إلى هيئات وساطة لحلّ النزاعات، وإلى فاعلين اجتماعيين يشاركون في المناقشة العمومية، وفي عمليات اتخاد القرار، وهو ما يطور الفعل المدني، ويغني الممارسة الديمقراطية.

لا تتساكن التسلطية مع مقتضيات الحوار المدني، لأنها لا تتحمّل ثقافة المناقشة، والمطالبة والاحتجاج، وبالأحرى المحاسبة. كما أن الأصوليات الدينية تنزعج من الحريات ومن تحركات المجتمع المدني وتعمل، كما بدأ يظهر في بعض التجارب" الانتقالية" وفي مصر خصوصا، على التضييق على تعبيرات هذا المجتمع، وتعوّم النسيج الجمعوي بتنظيمات وجمعيات تتقدّم بوصفها تمثل شرائح مجتمعية في حين أنها تشكل أذرعا دعوية للأحزاب الدينية التي نشأت بعد سقوط رؤوس النظام.

كيف يمكن إقامة أطر مؤسسية ديمقراطية كفيلة بتوفير شروط إطلاق دينامية الحوار المدني؟ إلى أي مدى يمكن للنسيج الجمعوي أن يسهم في إعادة بناء الممارسة السياسية في ظلّ تنامي قوى تلتجئ إلى المقدس والدين للتشويش على عملية الانتقال إلى الديمقراطية؟

لا أحد يمكنه الادعاء بأن الديمقراطية التمثيلية استنفدت إمكاناتها، ونحن في البلدان العربية لم نجرّبها اعتمادا على دساتير ديمقراطية بالفعل، وانتخابات حرة ونزيهة، وتداول سلمي للمسؤوليات. كما أنه لا مجال للقول بأن الديمقراطية التشاركية تمثل بديلا عن التمثيلية بسبب كفر الناس بالسياسة. فمقتضيات الحوار المدني تندرج ضمن فهم عصري للعمل السياسي الديمقراطي، ويصعب استنباته داخل بيئة تعوّدت على الفكر الوحيد، وعلى قيم ثقافية واجتماعية، وحتى سياسية سابقة، إن لم تكن لا تتماشى مع مستلزمات وقواعد زمن العالم بما فيها الحكامة الديمقراطية.

الوعي المدني و رهانات الانتقال

من المعلوم أن الانتقال إلى الديمقراطية سيرورة تحتمل مسارات عدة، وتفترض عقلاً تركيبيًا يمتلك ما يلزم من شروط الوعي الثقافي والسياسي، ويوظف المكتسبات والتراكمات لإنجاز مسار الانتقال، وتعميق فعل التغيير. ولأن التغيير مركّب يتدخل فيه فاعلون مختلفون، فإن أعقد وأصعب ما فيه هو إعادة البناء، لا سيما بعد زمن طويل من التسلطية، وتاريخ من الاستبداد متجذر في الذهنيات والسياسات.

ولعل سيرورة الانتقال إلى الديمقراطية تتمثل في المجهود الجماعي المسنود بقوى حاملة لمشروع الانتقال، وملتزمة بترجمته في الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي. ففي عملية كل انتقال مقاومات وقوى اجتماعية ليست لها مصلحة في الديمقراطية بحكم أن هذه الأخيرة تعتمد، من بين ما تعتمد عليه، على الشفافية والمحاسبة. كيف السبيل إلى التحرر من نظام سياسي يمارس الوصاية على كل مقدرات المجتمع والإنسان وينتج عوامل الإذلال، والعمل على إعادة بناء مجال سياسي مبني على الحريات والحقوق والعدالة والكرامة، بما فيه إدماج آليات الحوار المدني؟

الجواب العملي عن هذا السؤال يدخل الفاعلين الرئيسيين في معمعة إعادة ترتيب مكانة النظام السياسي قياسًا بانتظارات المجتمع. وتمثل هذه العملية أولوية تأسيسية للتحول إلى الديمقراطية. إذ كثيرًا ما نجد آراء تؤكد، وفي خضم هذا الحراك العربي المتعدد الأوجه والتعبيرات، على أن التحرُّر من الاستبداد يبدأ بالبحث عن المرتكزات الدستورية والمرجعيات القانونية والاعتبارات السياسية، أولاً وقبل كل شيء، وتعتبر أن هذا التحرر ممكن بفضل قناعات الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، وعلى ممارسات الأحزاب السياسية والنخب القيادية. ولأنه لا يمكن الاستهانة بهذين العاملين (المرتكزات الدستورية ودور القيادات..)، فإنه يتعين إدراج هذه الحركية في سياق وعي واضح بأهمية القواعد الاجتماعية للديمقراطية ولمكانة النسق السياسي داخل المجتمع.

غير أنه لا يمكن اختزال العملية الديمقراطية، من التحضير للانتقال إلى المسار الموسوم بالتحول إلى الديمقراطية، إلى استنباتها وتوطيد أركانها، في الاتفاق على مرجعيات معيارية، قانونية ومؤسسية فقط، لأنها وكما تمت الإشارة إلى ذلك، تستوجب تغييرا مستمراً في أساس وعمق البناء الثقافي لمكونات الجماعة الوطنية وفي علاقات الأفراد، الذين من المفروض أن يكتسبوا صفات وحقوق وواجبات المواطنة، مع مختلف البنيات الاجتماعية والسياسية والإدارية، إذ ينهض تفاعل دائم في مسار الانتقال بين إرادة التغيير وقدرة الفاعلين الاجتماعيين على صياغة وبناء وتحقيق مقتضيات الثقافة والممارسة الديمقراطيتين.

الفاعلون في صنع الانتقال هم أولئك الذين يتخذون شكل تجمعات وتنظيمات لها قابلية وقدرة على تبني قيم المجتمع الديمقراطي وتتطلع إلى، بل وتعمل من أجل، إعادة بناء مجال سياسي ومدني مؤطر بمرجعيات حقوق الإنسان.

قد تكون هذه التجمعات والتنظيمات من طبيعة سياسية، أو تتحرك داخل ميدان اجتماعي وثقافي وبيئي واقتصادي وإعلامي. وفي سياق التحول إلى الديمقراطية لا ينحصر دور الفاعلين الاجتماعيين في اعتبارهم ذواتا للفعل التغييري، وإنما يصبحون ذواتا وموضوعات للتغيير التي يفترضها التحول، ما دامت الديمقراطية تفضي إلى تبديل دائم لأنماط التفكير ولأنواع الممارسات التي ينجزها الفاعلون.


[1]- يُشغل القطاع الجمعوي في فرنسا مليوني شخص، ويصل عدد المتطوعين إلى 18 مليون، انظر:

Luc Ferry, La représentation du monde associatif dans le dialogue civil, www.ave-engagement.fr