بناء الرحلة الحجازية في كتاب : "الحج إلى بيت الله الحرام"

فئة :  قراءات في كتب

بناء الرحلة الحجازية في كتاب : "الحج إلى بيت الله الحرام"

تعد الرحلة الحجازية نوعا من أنواع أدب الرحلة العربية التي اهتمت بوصف رحلات المسلمين إلى مكة والمدينة، ووصف شعائر الحج وأشواق الحجاج إلى المقامات المقدسة. وقد ازدهر هذا النوع من النصوص في الأدب العربي ازدهارا كبيرا وانتشر عبر القرون، و كان هذا الشكل الكتابي دافعا إلى تصوير معاناة الرحالة ومكابداته عناء السفر وصعوبات الحياة أثناء الرحلة، إلى جانب تركيزه على نقل مشاهداته لما حوله من ظواهر اجتماعية وعمرانية ومعرفية وثقافية خلال رحلة العبور والانتقال بين الأمكنة. غير أن هذا العرض لن يتناول رحلة كتبها رحالة عربي، وإنما إنسان غربي أسلم وحسن إسلامه، وعانى معاناة مضاعفة في دخول الديار المقدسة والوصول إلى مكة والمدينة، كما عانى من أجل أداء شعائره الدينية في الحج، كما أن هذه الرحلة تعود إلى فترة قريبة من زمننا هي بداية القرن العشرين؛ ففي أي سياق كتبت هذه الرحلة؟ وما خصائصها الخطابية والفنية؟

تجنيس رحلة ديني وتحديد نوعها:

تنتمي رحلة ناصر الدين ألفونس إتيان ديني إلى نوع الرحلة الحجازية كما نتبين من عنوانها، إذ إنها رحلة تمت إلى الديار المقدسة (بيت الله الحرام)، وهي تسجل جوانب تتعلق بالسفر إلى الحج، وترصد مراحل هذا السفر وما لاقاه الرحالة من عناء في إجراءات دخول المملكة العربية السعودية، ومن ثم الوصول إلى المبتغى، وهو أداء الحج ورؤية قبر المصطفى. وتقف هذه الرحلة على ملامح من معاناة الحاج من غير أصول عربية، إذ يلفت الأنظار إليه، ويكون محط شك وارتياب أينما حل وارتحل. ولعل هذا البعد في الرحلة يكشف عن رواسب ثقافية وحضارية ثاوية في ذهنية الإنسان العربي عن الدين وعن الآخر لا تسلم من مغالطات وسوء فهم، تحيد به عن بعض مقومات الإسلام السمحة. وقد كشف ديني عن هذه الحالة في سياق سردي لا يخلو من مفارقة وتشويق. وقد تمت الرحلة سنة 1347 هـ الموافق 1929م. وكانت مدينة بوسعادة في الجزائر منطلق الرحلة؛ حيث غادر ديني رفقة صديقه سليمان بن إبراهيم باعمر المكان صوب الحجاز على متن الباخرة (المستكشِف، كما يسميها الكاتب) غرانديديي (وهي باخرة وكالة الأسفار الملاحية) التي رست بهم في ميناء السويس المصري بعد خمسة عشر يوما من الإبحار. وبسبب مضايقات الحكومة المصرية للحجيج طلب ديني من سلطات مصر، وبعد تدخل نائب القنصل الفرنسي وأشخاص آخرين، السماح له بالتوجه نحو مكة لأداء فريضة الحج، وهذا ما تحقق له، فمنح ترخيص مغادرة مصر على متن بارجة خديوية مخصصة للحجاج الأجانب. وبعد أربعة أيام من مغادرة ميناء السويس ألقت البارجة المرساة على بعد أميال من شاطئ جدة، ووجد ديني وصديقه نفسيهما في ورطة منع دخول الأول إلى المدينة لأنه أوربي كما هو مثبت في جواز سفره، وبعد أخذ ورد مع الجمرك بلغا مكتب موظف سام في المرسى سمح لهما بالإقامة في بيت مطوف المدينة، بعدما أطلعاه على رسائل توصية من أعلام المسلمين الذين ضمنوا سلام طوية الحاجين ديني وباعمر. ثم تهتم الرحلة برصد مناسك الحج وشعائره، وهو الأمر الذي شغل الرحالة وحظي بعنايته الكبرى.

القصدية:

ترتبط قصدية هذه الرحلة برغبة ديني وصديقه باعمر في زيارة الديار المقدسة وأداء شعائر الحج، انطلاقا من إيمان عميق وحب خالص للمقام الكريم: مقام الرسول(ص). ولعل هذا الحافز وهذه القصدية مرتبطان بوجدان عميق وإيمان وثيق لدى الصديقين (ديني وباعمر)، وهذه القصدية هي التي جعلت الصبر على المكاره والأذى شعارا لمواصلة الرحلة، وإتمام مناسك الحج على الرغم من شدة الصعوبات التي تعرض لها الرحالة ديني وصديقه ورفيقه با عمر.

القانون الخطابي:

يتشكل القانون الخطابي لهذه الرحلة من أطراف خطاب، يمكن تحديدهم في العناصر الثلاثة الآتية:

1. المرسل/السارد، وهو كاتب الرحلة ديني.

2. الرسالة/السرد، وتتشكل من متن الرحلة ومحتواها بما تتضمنه من وقائع وأحداث وأوصاف ومشاهدات.

3. المرسل إليه/المسرود إليه، ويتعلق الأمر بالمتلقي المفترض للرحلة، وهو الإنسان الغربي، بما أن إيتيان ديني صاغ رحلته باللغة الفرنسية، ودون مشاهداته وسرد تفاصيل رحلته ومناسك حجه من خلال هذه اللغة قبل ترجمة نصه في السنوات الأخيرة إلى لغة الضاد. ولكن هذا لا يمنع افتراض الكاتب اطلاع المسلمين على رحلته ممن يمتلكون ناصية لغته. وبهذا يكون المتلقي العام طرفا من أطراف القانون الخطابي في الرحلة بما أن الكاتب يروي الوقائع والأحداث ويصف الشعائر والمشاهدات لمن يفترض أنه لم يعايش الرحلة، ويتطلع إلى معرفة مثل هذه الأخبار المتصلة بمناسك الحج وشعائره ومشاهدات الحاج وتجاربه.

تقاليد الكتابة الرحلية:

بما أن الرحلة صاغها قلم مستشرق ومؤلف غربي، فإن تقاليد كتابة الرحلة الحجازية بكل دقائقها المعروفة في الأدب العربي تغيب عن رحلتنا نظرا إلى أن بناء الكتاب خضع لقسمات تأليف الكتب الحديثة؛ وهكذا نجد الكتاب ينقسم إلى سبعة فصول، كما يتضمن تقديما صاغه قلم مدونَيْ الرحلة، أو على الأقل أحدهما، وهو في الغالب ديني. كما يتصدر الرحلة كلمة مناجاة وابتهال كتبها الحاج سليمان بن إبراهيم باعمر، وتنتهي بخاتمة وملحق ضم فصلين: أولهما عبارة عن ملاحظات حول محكيات الحج إلى مكة؛ وثانيهما عن الوهابية وآل سعود. ونجد الرحلة تبدأ بآيات قرآنية تصدرت التقديم. أما الفصول، فقد حملت عناوين تحدد مسار الرحلة وأماكن الحج: من بوسعادة إلى جدة، المدينة المنورة، مكة المكرمة، جبل عرفات، وادي منى، العودة إلى مكة، من جدة إلى بيروت، وتصدرت بعض هذه الفصول آيات قرآنية وأحاديث نبوية. ولعل هذه التقاليد الكتابية تتقاطع مع أدب رحلات الحج من حيث محتوى ما تصوره من مشاهد، وتقف عنده من مناسك أكثر مما تتجلى في شكل الكتابة وخصائص بناء النص الرحلي من حيث توزيع الفصول وتقسيمها.

خصائص الرحلة:

تتميز الرحلة الحجازية كغيرها من أنواع الرحلات الأدبية بطابع سردي حواري توظف فيه أنماطا متعددة من الخطابات الأدبية والمعرفية. وتحضر هذه الأشكال بنوع من التفاوت في النص الرحلي، وتسهم إسهاما فعالا في بناء دلالاته وأبعاده الفنية. وبالنظر إلى رحلتنا نلاحظ أنها استثمرت الخطابات التالية:

1- التاريخ:

يستحضر الرحالة في هذا النص مجريات تاريخية ترتبط بالتاريخ المعاصر خلال بداية القرن العشرين، وخاصة في بعض البلاد العربية التي مر بها الرحالة وأخذ عن أحداثها وبعض وقائعها تصورات مختلفة وانطباعات صاغها في رحلته لتصير شهادة على لحظة من زمننا الحديث. وقد تمت الرحلة سنة 1347 هـ الموافق 1929م، كما ذكرنا سالفا. وقد غادر ديني وصديقه مدينة بوسعادة الجزائرية يوم 2 أبريل 1929م، ومر بالعاصمة الجزائر ومرسيلية، وبلغ ميناء السويس في 17 أبريل من نفس السنة. وقد حكى السارد جوانب من العراقيل التي يلقاها الحجيج في موانئ مصر خلال تلك الفترة التاريخية من بداية القرن العشرين، وقد وصف بدقة معاناة الحجاج على ظهر البواخر وما يتعرضون له من مهانة وما يقاسونه من سوء تغذية. ولعل هذه الوقائع اليومية تقدم للقارئ صورة جلية عن فترة انتقالية في بعض البلاد العربية التي كانت خاضعة للاحتلال الأجنبي، وكان الشك في الأجانب حافزا لتعرض بعضهم للمضايقة كما حصل لصاحب الرحلة. كما يحكي عن تعرض الحجيج للحجر الصحي، ومعاناتهم مما أسماه "المظالم الدولية" التي كانت تتعرض لها البواخر المسافرة في المياه الدولية. وقد عاد الرحالة إلى مدينة بوسعادة يوم 27 يونيو؛ حيث استقبل بحفاوة سكان مدينة صديقه والمدينة التي وجد فيها اطمئنانه وسكن إلى أهلها. وتكشف التواريخ المثبتة في الرحلة البعد التوثيقي الدقيق فيها، كما تكشف عن عناية الرحالة بالجانب التاريخي لرحلته. وفضلا عن العناية بالزمن نجد الرحالة يعتني بذكر الشخصيات المهمة في زمنه، وعلى رأسها بعض رجالات الدبلوماسية الفرنسية الذين مدوا له يد العون لتخطي بعض العقبات التي اعترضته أثناء رحلته. ومن بين هذه الشخصيات: السيد سبيرو نائب قنصل فرنسا بمصر، والسيد لوكوفلي ممثل وكالة الأسفار الملاحية بالسويس، والسيد بونسو المندوب السامي ببيروت، والسيد لافون قنصل فرنسا بها والسيد ميغري قنصل فرنسا بجدة وشخصيات أخرى.

2- الجغرافيا:

لا تكاد تخلو نصوص الرحلة بشتى أنواعها من إشارات جغرافية تتعلق ببلاد الانطلاق والعبور بما أن الرحلة نقلة في الزمان والمكان؛ وبهذه الشاكلة تحضر في رحلة ديني معطيات جغرافية مهمة عبر أوصاف ومشاهد يسوقها الكاتب بين فينة وأخرى بين ثنايا فصول رحلته السبعة، فإلى جانب وصفه البقع المقدسة، يصف بلادا أخرى مرت بها الرحلة مثل السويس وجدة وبيروت وغيرها. يقول الرحالة واصفا بعض طرق الحجاز التي عبرها أثناء انتقاله من رابغ إلى جدة: "عند الخروج من رابغ، يمتد الطريق نحو الشمال الشرقي، مخترقا هضابا صخرية صغيرة ذات أحجار سوداء، ليقترب بعدها من الجبال الشاهقة المنتمية لسلسلة تبدأ من فلسطين إلى اليمن، وتمتد على مسافة شاسعة من شاطئ العربية السعودية. وعلى اليمين كثبان رملية نقلتها الرياح البحرية إلى منحدرات جبل الصباح، وأمامنا واد فسيح، سرنا على منعرجاته وشعابه إلى أن اجتزنا السلسلة الجبلية..."(الرحلة، ص. 30) يصف هذا النص الطريق وصفا دقيقا مركزا على معطيات جغرافية؛ حيث يحدد الرحالة اتجاه مدينة جدة بعد الخروج من رابغ (الشمال الشرقي)، ويصف طبيعة المكان من حيث مكوناته الجيولوجية: (هضاب صخرية ذات أحجار سوداء- جبال شاهقة- كثبان رملية - واد فسيح). وهذه المعطيات الجغرافية لا تخلو من فائدة للقارئ الغربي أو العربي على السواء، لأنها تقف عند طبيعة المكان، وتحدد مسار الرحلة وطرقها؛ وتتعدد مثل هذه الوقفات في الكتاب بما يجعله دليلا غنيا عن جغرافية المملكة العربية السعودية وبلاد أخرى مر بها الرحالة.

3- السيرة النبوية:

إلى جانب وصف مناسك الحج وشعائر أداء الفريضة كما مارسها الرحالة في الحرمين المكي والمدني، يسرد ديني بعض ملامح السيرة النبوية العطرة مقدما معلومات عن بعض سلوكات الرسول (ص) وسننه التي سنها للحج، أو ناقلا أقواله وأحاديثه. وقد كانت هذه اللمحات ذات أهمية من حيث إنها كانت موجهة إلى المتلقي الأوربي ليطلع على سيرة النبي محمد (ص) وسمو أخلاقه ورفعة دينه. وقد وظفها الكاتب ليرد بعض شبهات المستشرقين عن الرسول وعن الدين الإسلامي، يقول: "رُوي أن النبي (ص) وقف أمام الحجر الأسود، وقال له: " إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع"، ثم قبله. بعده قال أبو بكر وعمر بدورهما: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي (ص) يقبلك ما قبلتك"، ثم قبلاه. ومع ذلك، نقر بأن بعض العامة من الحجاج، يذهب توقيرهم للحجر الأسود إلى درجة تقربهم من ارتكاب البدع. لكن ما يميز- أساسا - سلوك هؤلاء الحجاج عن سلوك الوثنيين الفعليين أمام أوثانهم، هو أنهم لا يتوجهون إطلاقا بالدعاء إلى الحجر الأسود، إنهم لا يعبدون إلا الله وحده حين يقبلونه..."(ص. 62) وإذا كان هذا النص يقف عند فعل من أفعال الرسول (ص) وفعل الصحابة ويربطه بالممارسة الحديثة لدى المسلمين ليرد على بعض الشبهات التي تثار حول بعض مناسك الحج وشعائر الإسلام في الحج، فإن ديني يورد وقائع تاريخية من سيرة النبي (ص) ويستشهد بخطبه موظفا ملامح من السيرة العطرة لتوضيح المناسك لمتلقيه الغربي ولعامة المتلقين: "..قد يستغرب المرء إعطاء أهمية قصوى لوقفة عرفات، التي بدونها يبطل الحج ولو أقام المسلم حولا كاملا بمكة، وقد يتساءل المرء عن الأسباب. كما هو الشأن دائما، الأسباب تاريخية: يروى أن آدم التقى بحواء على صعيد هذا الجبل، بعد طردهما من الجنة، وتوهانهما لسنوات كل واحد منهما يبحث عن الآخر إلى أن التقيا بجبل عرفات الذي تعارفا فيه. لكن،السبب الرئيس في الوقوف بعرفات، في اعتبارنا، يكمن في ذكرى وقوف الرسول به في حجة الوداع، فأصبحت نموذجا لكل حج. في اليوم التاسع من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة (مارس 682 م)، وقف الرسول على صعيد جبل عرفات، ممتطيا ناقته القصواء، وخطب في الجمع الغفير من الناس الذين تجمهروا على جانبي الصعيد وفي السهل المتاخم..."(ص. 88) يستند النص إلى وقائع من سيرة الرسول (ص)، ومن مرويات السيرة ليؤصل بعض الممارسات والمناسك في الحج. وقد وقف في هذا السياق عند أهمية الوقوف بعرفات الذي ربطه بما يروى في كتب السيرة والتاريخ عن لقاء آدم بحواء على صعيده بعدما طردا من الجنة، كما يبين هذه الأهمية من خلال استرجاع ذكرى حجة الوداع ووقوف الرسول بالمكان وخطبته في الناس مبينا لهم مناسك وقيم الإسلام. ويورد ديني جزءا مهما من الخطبة في كتابه حريصا على إبراز سماحة الإسلام وعمقه الإنساني.

4- الفكر:

نقصد بالفكر ـ في هذا السياق ـ طرح قضايا فكرية دينية أثيرت حول الإسلام ومقوماته في الفكر الاستشراقي المعاصر، ومن ثم حفل الكتاب بالرد على بعض الشبهات التي أثارها المستشرقون، وسعى بكل السبل إلى الرد عليها ودحضها. ومن هنا تكمن أهمية هذا النوع من الخطاب في تشكيل مقومات الكتابة الرحلية الحديثة. مثلا يطرح في الخاتمة موضوعا يتعلق باللغة العربية تحت عنوان: حيوية اللغة العربية. ويرى، أن بعض الذين يتبنون اللسان اللاتيني (Latinisant) يعتبرون اللغة العربية لغة ميتة ولا يفهمها ثلاثة أرباع العرب، أما العربية المتكلم بها فيعتبرونها حطام اللهجات العامية، لا صلة بينها، وهي منذورة للموات في أجل قريب هي الأخرى. ويكفي المرء، يقول ديني، أن "يذهب المرء إلى الشرق أو مصر أو سوريا ليرى الدليل على أن العربية، التي أُريد لها أن تقبر قبل الأوان، إنما هي على العكس من ذلك لغة حية بشكل مذهل، في صحفها العديدة، إنها حية إلى حد أن الأوربيين المقيمين بهذه البلاد يجدون أنفسهم مجبرين على تعلمها حتى لا تتعثر مشاريعهم. لكن، في مكة نعثر على أشد الدلائل قوة على هذه الحيوية. إن أهلها يتكلمون العربية الفصحى تقريبا، ويفهمها كل العرب القادمين من مختلف الأصقاع.."(ص. 109) وهذا الاستشهاد لا يحتاج إلى تعليق، لأن ديني يوضح انطلاقا من تجربته وملاحظته ومعايشته تهافت آراء الأوربيين عن اللغة العربية وعن تقلصها. وهذا جانب، فقط، من جوانب ما تعرض له من قضايا في سياق جدلي حواري رغب من خلالها توضيح صورة الإسلام المشرقة في أركانه وعباداته وممارساته ردا على شبهات بعض المستشرقين.

5- السيرة الذاتية/ الجماعية:

يقف الرحالة عند تفاصيل مهمة ترتبط به وبمن صاحبه في رحلة حجه، وبذلك يرصد ملامح من سيرة ذاتية/ جماعية، بما أن الحج منسك جماعي وركن مهم في التواصل ومد جسور الأخوة بين الناس. والملاحظ، أن ضمير المتكلم الجمع هو الضمير الذي تحكى به الرحلة على شاكلة أغلب الرحلات. يقول السارد مصورا بعض مناسك الحج: ".. منعنا الإرهاق الفادح الذي انتابنا أمس من حضور صلاة الفجر بالمسجد، أديناها بالبيت، ثم سارعنا إلى الطواف حول الكعبة. دخلنا من باب العمرة، التي هي أقرب الأبواب إلى مسكننا، تاركين نعالنا عند حارس المدخل. كانت الساعة تشير إلى السادسة أو السابعة صباحا، ولن تحل صلاة الجماعة إلا عند الظهر..."(ص.64-65) يكشف هذا النص عن لمحة مهمة من سيرة الحاجين: ديني وباعمر ترتبط بممارستهما سنن الحج، وهكذا، يصف الكاتب في صدق وروية ما تعرضا له من عناء وإرهاق، وكيف منعهما ذلك من أداء الفجر جماعة في المسجد. وبعد ذلك يسرد باقي الأفعال التي قاما بها. وإلى جانب تركيز الرحلة على مثل هذه الملامح من سيرة الرحالة ذات الطبيعة اليومية الخاصة بأداء الحج، تركز على اللقاء ببعض الشخصيات الفاعلة في المجتمع السعودي: سفراء وأمراء وغيرهم، أو بعض القناصل الذين مدوا يد العون لديني ورفقته.

المكونات السردية:

1- الحكي:

يستند النص الرحلي كغيره من النصوص السردية إلى بنية حكائية، تؤدي المتواليات السردية والخبرية التقريرية المباشرة والجمل الإيحائية فيها دورا مهما. وما بين حديث الذهاب والإياب، ووصف مراحل السفر ومناسك الحج، تتشكل معطيات الرحلة. ومن هنا تتميز رحلتنا ببعد سردي حكائي واضح. نقف عند لمحة من ملامحه من خلال النص الآتي: ".. بحلول الليل، توقفنا عند بئر درويش. تناولنا الطعام بإحدى المقاهي، ثم نمنا على أسرة من حبال مفتولة. ولما لاح الصباح، انطلقنا ونحن نشاهد طريق الذهاب من الجهة الأخرى. مررنا برابغ، وعند الواحة اشترينا شيئا من البطيخ الأحمر من بدو يلفهم لباس أسود، ويتلثمون إلى العينين بقماش أحمر مسكك بالفضة. تزودنا بالبنزين، وختمنا أوراقنا.."(ص. 52)

2- الجملة:

تتكون بنية الحكي في النص الرحلي من عناصر أربعة، نقف عندها في الحيز التالي، وهي:

1/الخبر:

إذا كانت الجملة الإخبارية في الرحلة جملة خبرية بامتياز، إلا أن هذه الجملة ترتبط بالأحداث التي يسوقها الرحالة في شكل مترابط متناسق. وبالنظر إلى الخبر بين ثنايا رحلتنا هذه نجده لا يخرج عن الأشكال الآتية:

الخبر التاريخي والخبر الاجتماعي

وقد أشرنا سابقا إلى جوانب من الخبر التاريخي في الرحلة أثناء تناولنا خصائص الرحلة ومكوناتها الخطابية. والتاريخ مكون مهم من مكونات الرحلة بشتى أشكالها. ونلمس في رحلة ديني معطيات تاريخية مهمة تتعلق بواقع البلاد العربية خلال بداية القرن الماضي. ومن بين هذه الأخبار، نذكر الخبر الآتي الذي يصور لحظة لقاء أعيان من حجيج سنة 1929 م مع الملك ابن سعود: ".. وجدنا مكة مزدانة بالأعلام الخضراء والبيضاء على شرف الملك ابن سعود. وعند قدومه، جرت العادة أن يقدم مأدبة عشاء من خمس مائة مائدة على شرف الأعيان الحاضرين بمكة، وقد شرفنا بالدعاء. ذهبنا إلى المأدبة في سيارة أقلتنا إلى قصر الحمَدية، لننقل إلى قصر الملك الواقع خارج المدينة، على طريق منى (..) لا يقدم هذا القصر أدنى صورة عن البذخ الملكي، اللهم إلا ما كان من نظافته الجيدة وزرابيه الرفيعة المبثوثة. إنه في بساطة تبدو متقشفة، لولا أنها، كبقية المنازل التي يصممها العرب، ينبعث منها سحر مدهش (..) يرتدي الملك لباسا شبيها بلباس أبسط رعاياه، وعلى كتفه بُردة من قماش أسمر جد خفيف (..) وأثناء استقبال الملك لضيوفه، الذين ما زالوا يتوافدون، تفحصنا بإمعان، وتأثرنا عميقا بالوقار والعزة والمهابة التي تنبعث من شخصه، مقرونة باللطف والبساطة الكاملتين.." (ص.75-76) ولعل هذا الخبر التاريخي لا يحتاج إلى تعليق وشرح، بما أنه مثال للسرد الرحلي الذي يستند إلى هذا النمط من الأخبار لبناء عوالمه. أما الخبر الاجتماعي، فيطغى على الرحلة نظرا إلى أن رحلة الحج تتيح للرحالة فرصة الوقوف على وضع مجتمعات عديدة عبر اختلاطه بشعوب هذه البلاد والوقوف عند عاداتهم وطبائعهم. ولكن يهمنا أن نسوق مثالا للعلائق الإنسانية العميقة التي تنشأ بين الحجيج أثناء أداء بعض الشعائر، يقول الكاتب: "في اللحظة التي أنهينا الشوط الأخير من طوافنا، انفتح باب الكعبة المكون من البرونز المطعم بالذهب والفضة، وعلى الفور هب جمع من المسلمين إلى الصعود، فتم تعويض الدرج الذي يمنع المرور بسلم صغير لم يُجد نفعا أمام هيجان حشود المتعبدين (..) ازدحام لا يوصف؛ لكن مهما كانت شدته، لم يتفوه أحد بشتيمة، أو أصاب أحد منهم غيره، وإلا حرم فضائل الحج؛ بل خلاف ذلك، نرى الحجاج يهتبلون كل الفرص لمساعدة بعضهم بعضا كإخوة حقيقيين" (ص.67)

الخبر الحضاري/ العمراني

نعني بالخبر الحضاري/ العمراني ما يسوقه الرحالة من معطيات تتعلق بأشكال البناء والعمران، وما يرتبط بخصائص هذا العمران وتميزه الحضاري، ولطالما عبر ديني عن إعجابه بالعمارة الإسلامية العربية في رحلته هذه، كما جسد ذلك في رسوماته الفنية ولوحاته التشكيلية البديعة، يقول متحدثا عن طريقة عمران بيوت المدينة المنورة: "ما أثار استغرابنا الكبير هو ملاحظة استعمال كم هائل من الخشب لآلاف المشربيات الهائلة، التي تُهوي منازل المدينة، ذات الأحواز القاحلة. أخبرنا أحد أصحابنا، وقد أتى على بناء منزل بهذه الطريقة الصحية الجميلة بكثرة مشربياتها في كل الحيطان، أن الخشب يأتي من جاوة.." (ص. 72) إن هذا الخبر يتضمن إشارات جلية إلى مكامن إعجاب الرحالة ديني بالمعمار العربي. وقد عبر عن إعجابه واندهاشه بأشكال تشييد البيوت في مكة والمدينة وفي أماكن أخرى من البلاد العربية الإسلامية. ولطالما وقف عند جمال هذه العمارة، وركز على بساطتها وارتباطها بروح الإسلام النازعة إلى الاعتدال وترك البذخ والترف المفرطين.

الخبر السياسي/ الاقتصادي:

أفردنا لهذا النمط من الخبر هذا الحيز نظرا إلى العناية التي حظي بها لدى الكاتب الذي اهتم بتناول أخبار سياسية واقتصادية معاصرة تتعلق بالدول العربية والغربية، وبصدى سياسة المستعمر الغربي في البلاد المستعمرة. وقد وقف الرحالة عند مضايقة الإنجليز للحجاج ومنعهم من العبور نحو الحجاز أو أثناء العودة منها. يقول الكاتب في الفصل السادس: ".. سمعنا خبرا أيأسنا: الحكومة المصرية، طبعا تحت ضغط أجنبي، منعت حجاج المغرب كلهم من المرور عبر مصر. وعلى الرغم من مساعدة وإجراءات قنصلنا المخلص، أحسسنا بأننا سنكون عرضة لمتاعب عديدة لو تمسكنا بأخذ طريق السويس-الإسكندرية، فقررنا اختيار طريق بيروت.."(ص. 100) وكما أورد الكاتب عددا من الأخبار السياسية، نجد الخبر الاقتصادي يقترن بغيره من الأخبار، ويقدم ديني من خلاله رؤيته لواقع السياسة الأوربية المعاصرة، كما نرى في المثال التالي: "يبدو أن الهولنديين أناس عمليون، فبدل خلق كل العراقيل لحجاجهم وعدم الترخيص لهم في الوقت المناسب، تجدهم يستغلون حجاجهم لتطوير تجارتهم؛ فبواخرهم تنقلهم أشهرا قبل وقت الحج محملة بطرود من البضائع. ولهذا تجد أن التجارة المهمة للحرمين هي تقريبا بيدهم. ومع ذلك شاهدنا ماركات بلدان أخرى؛ أنسجة قطنية يابانية، ومصبرات فواكه أمريكية.."(ص. 72)

2/الفعل:

تعد الأفعال محركات فاعلة لبناء الجملة السردية والمعمار الحكائي للرحلة، ومن ثم يمكن تقسيم هذه الأفعال في نص الرحلة إلى نوعين

أ- بنية أفعال الانطلاق:

وهي أفعال ترد في مواقع مختلفة من الرحلة موظفة ضمير المتكلم الجمع مرتبطا بالفعل الماضي أو مسبوقا به. وفي رحلتنا هذه، نجد مثل هذه الأفعال منذ بداية النص: خرجنا من بوسعادة في ثاني أبريل- بعد عبور هادئ على متن المستكشف غرانديديي- بلغنا السويس - اتخذنا طريق جدة - أقلعت القدس (سفينة) من جدة في تاسع يونيو...

ب- بنية أفعال التجسير:

وهي أفعال تربط بين السرد والوصف، وتصل الأحداث بعضها ببعض، وفي الوقت نفسه توهم بالإخبار عن حقائق الرحلة وعن مجريات مناسك الحج وأفعال الرحالة. وفي رحلتنا هذه نجد حضورا بينا لعدد هائل من أفعال التجسير كما نرى في الأمثلة الآتية: لاح في الأفق خط من الشرفات بلون جميل أخضر- بدأنا السعي وراء مطوفنا- لم نغادر بعد الازدحام في الأزقة الضيقة-لم نمكث ببيروت إلا يوما واحدا...

3/المرجع

يحيل النص الرحلي على واقع خارجي، وعلى مكان وزمان محددين تاريخيا وجغرافيا، لكن هذه الإحالة على العوالم الخارجية تصير مكونا جوهريا من مكونات فن الرحلة وعنصرا مهما في نسيجها السردي. وهكذا نجد رحلتنا الحجازية هذه قد أحالت على وقائع تاريخية وأحداث ارتبطت من جهة برحلة الحج ومناسك الفريضة الإسلامية كما أداها الرحالة ورفاقه، ومن جهة أخرى أحالت على أحداث تاريخية تتصل بزمننا المعاصر بما عرفه من صراع سياسي/اقتصادي ومن منافسة في الاستحواذ على خيرات البلاد الإسلامية والغلبة عليها. وأثناء حديثنا عن أنواع الخبر لمسنا مدى عناية الرحالة بالمعطيات الاجتماعية والحضارية والعمرانية والسياسية والاقتصادية، وهي معطيات لها مرجع خارج النص الرحلي، لكنها تشكل سداه ولحمته.

4/الوصف

يعتبر الوصف في الرحلة بشتى أطيافها مستوى من مستويات السرد، وخادما من خدمه، وعنصرا مكملا لوظيفته الحكائية. ويقوم الوصف برصد غرائب ما يشاهده الرحالة، أو بتدقيق المشاهد التي يمر بها وتصويرها تصويرا فنيا. وفي رحلتنا حرص ديني على وصف الأمكنة وما يتعلق بمشاهداته، وما يرتبط بمناسك الحج وشعائره؛ ولهذا نجد أن الوصف يؤدي دورا حيويا في الرحلة. ولا ننسى أن الرحالة كان فنانا تشكيليا مهتما بالبصري وبالتقاط كل ما يبهر رؤيته البصرية، ومن هنا نلاحظ مدى تركيزه على وصف المشربيات والشرفات والبيوت، ومدى عنايته بالألوان والأضواء. يقول في نص وصفي لا يخلو من دقة فنية: ".. لم يعد هناك ما نخشاه من سبخات. مستنقع أو مستنقعان فقط اعترضا سبيلنا، لكن حينما اقتربنا تبددا، لقد كانا سرابا. وبقي السهل الرتيب ممتدا أمام مرمى بصرنا. عند الزوال، لاح في الأفق خط من الشرفات بلون جميل أخضر مائل إلى الزرقة، كان ذلك بستان نخيل رابغ، المرفأ البحري الصغير، قرية الصيادين والفلاحين، مستودع البنزين ومركز تفتيش السيارات.."(ص.30). يقف هذا النص الوصفي عند مشاهد متنوعة تتعلق برحلة الحج، ويرصد تحول الطبيعة في لحظات زمنية متنوعة، وعبر أماكن مختلفة: مستنقعات وسبخات وواحة وبستان نخيل ومرفأ بحري صغير وبيوت.. ونلمس في هذا الوصف مدى دقة الوصف في تصوير المشاهد، وفي رسم صورة فنية متكاملة لتغير الأشكال والألوان، وبهذه الشاكلة أدى الوصف دوره الفعال في بنية النص الرحلي. وهذا غيض من فيض من الأوصاف الجميلة والدقيقة التي وصف بها ديني ما وقف عنده من مشاهد في الطبيعة أو في مناسك الحج.


هامش:

* ألفونس ديني، ناصر الدين، و باعمر ، سليمان بن إبراهيم ، 2006، الحج إلى بيت الله الحرام، مطبعة أنفو- برينت، فاس ، ترجمة وتقديم: عبد النبي ذاكر.