بين الدين والمعرفة الدينية: دراسة لأطروحة عبد الكريم سروش

فئة :  مقالات

بين الدين والمعرفة الدينية: دراسة لأطروحة عبد الكريم سروش

بين الدين والمعرفة الدينية*:

دراسة لأطروحة عبد الكريم سروش


أولا: السياق النظري لأطروحة سروش

1) أزمة المعرفة الكلامية:

يرى العديد من الدارسين أن علم الكلام أو علم أصول الدين أو علم التوحيد...إلخ، تولد في فضاء الاستفهامات التي طرحتها مدلولات بعض الآيات القرآنية المتشابهة خصوصا منها المرتبطة بقضايا الذات الإلهية والصفات والقضاء والقدر...إلخ، وقد ازدادت هذه الإشكالات حدة من ناحيتي الكم والكيف عبر المحطات التي شكلتها الأحداث التاريخية والسياسية التي عرفتها الحضارة الإسلامية، كمسألة الإمامة والخلافة التي برزت عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم اتساع مساحة الإسلام والاحتكاك الذي تولد عنه، بين الحضارة الإسلامية والحضارات المجاورة وتفاعل العقل الإسلامي بالمنتج المعرفي اليوناني بالخصوص.

فهذه عوامل تضاف إلى أخرى، أسهمت بشكل جلي في صياغة العديد من الأسئلة الكلامية والفلسفية ضمن المنظومة المعرفية الإسلامية، تجسدت في بروز مدارس كلامية ومذاهب في العقيدة، بعضها انبهر بالآلية العقلية التي يوفرها المنطق الأرسطي والبعض الآخر رفضه كما رفض الوافد المعرفي اليوناني عامة، فتطور الجدال والسجال بين هذه الأطراف، كل يدافع عن مذهبه، وتوسعت القضايا وازدادت تشعبا وتفريعا، حتى فقد علم الكلام حيويته وفاعليته واختزل في مقولات يكتنفها الغموض والتعقيد والتفريع والحشو، فتحول بذلك إلى" مجرد ترف فكري لا فائدة منه، ولم تستسغه النخب الجديدة، حيث لم يعد قادرا على معالجة الإشكالات المعرفية الحديثة فضلا عن المشاغل الروحية للمسلم المعاصر، فبرزت بذلك محاولات جديدة لإعادة إحياء هذا الفكر في قالب جديد، والبحث عن عصر ذهبي للثقافة الإسلامية بعد أفول شمعتها الأولى"[1]. وقد تجسدت هذه المحاولات في برامج العديد من المؤسسات البحثية والمراكز العلمية وفي كتابات عدد غير يسير من الباحثين والأكاديميين، محاولات تروم في مجملها تحديث المنظومة المعرفية الإسلامية والاستفادة من المنجز المعرفي المعاصر وتجاوز النمط القديم في التفكير الكلامي.

2) في الحاجة إلى تجديد علم الكلام:

أشرنا سابقا إلى أن علم الكلام لم تعد له تلك القدرة المبدعة التي كان يتمتع بها في القرون الأولى؛ فهو عاجز عن تغطية الحاجات الفكرية والنفسية للمسلم المعاصر، وهذا تقرير يكاد يجمع عليه الباحثون والدارسون للفكر الإسلامي، ويرجع عبد الجبار الرفاعي– وهو أحد أبرز المشتغلين بقضايا تجديد علم الكلام – مناشئ عجز علم الكلام التقليدي عن الوفاء بهذه الحاجيات إلى عوامل منها:

1- هيمنة المنطق الأرسطي في الاستدلال على قضايا العقيدة .

2-طغيان النزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل.

3-تفريغ علم الكلام من محتواه الاجتماعي.

4- تراجع دور العقل وشيوع التقليد.[2]

فهذه عوامل تضافرت لتسهم بنحو مركب في ضمور سؤال الإبداع وخلق المعنى والحيوية الفكرية في الكلام الكلاسيكي، مما يسوغ تولد أصوات تدفع بتجديد علم الكلام، ليس بمجرد إلحاق مسائل جديدة به، بل بمراجعة شاملة لعلم الكلام في مستوياته الثلاثة: الأهداف والموضوع والمنهج.

فمجال التجديد في علم الكلام، يشمل" تحديات جديدة لم تكن موجودة في القرون الإسلامية الأولى، من مثل نهوض "الآخر" وتراجع عالم الإسلام...ومن مثل صعود الفلسفات المادية والوضعية وثقافة الحداثة وتفكيك وعدمية ما بعد الحداثة...ومن مثل "التخلف الذاتي" الموروث عن حقب التراجع الحضاري في مسيرة الأمة الإسلامية، وكذلك التجديد في المناهج استفادة، مما تحقق من التراكم المعرفي في هذا الميدان...وأيضا في لغة الخطاب وأساليب التأليف ومنطق الترتيب للأبواب والمسائل والمقالات، فلابد- يقول محمد عمارة- من تحلي علم الكلام الجديد بالبلاغة التي تراعي مقتضى حال العقل المعاصر، إن في الموضوعات أو أساليب التعبير والخطاب أو هندسة البناء المفاهيمي والمعرفي لأدبيات هذا الطور الجديد لعلم الكلام".[3]، ويرى الرفاعي أن التجديد إذا طال الأبعاد السالفة الذكر-الأهداف والموضوع والمنهج- فإننا " سنشهد ميلاد علم جديد مغاير تماما لسلفه، لأن أبعاد كل علم تشكل نسيجا متكاملا فيما بينها ويوحدها التأثير المتبادل؛ أي أن أي تحول في أحدهما يستتبعه تحول في سائر الأبعاد، وهذا يعني تخلخل المنظومة السابقة للعلم، وحدوث منظومة بديلة يأخذ فيها كل بعد من أبعاد العلم موقعه الملائم ويعاد نظم المسائل في إطار يتسق والتحولات الجديدة في المسائل والغايات والموضوع والمنهج واللغة والمباني، ومعنى ذلك تجديد "الهندسة المعرفية لعلم الكلام".[4]

إن هذا التحديث لا يمكن تحققه دون الاستفادة والتفاعل مع التحولات التي شهدها العالم خلال القرون الأخيرة على المستوى السياسي والاقتصادي والفلسفي والعلمي والتدفق الهائل للنظريات العلمية والفلسفية التي تزخر بها حقول المعرفة المعاصرة والإيمان بتاريخانية المعرفة البشرية ونسبيتها.

هذه إذن، هي الخطوط العريضة لمفهوم التجديد في علم الكلام، وتبقى إشكالية التأسيس تاريخيا لهذا النمط من المعرفة من القضايا المختلف فيها بين الدارسين على اعتبار أن تجديد علم الكلام هو" مشروع تضافرت في احتضانه وتطويره مبادرات وجهود معرفية وعلمية أسهم فيها رجال كثيرون من أعلام المسلمين في العصر الحديث، وإن كان دور الريادة يبقى نصيب عدد محدود منهم، ويعد العالم الهندي شبلي النعماني (1332هج) من أوائل من نحث مصطلح علم الكلام الجديد كعنوان لكتابه الذي نقله إلى الفارسية محمد ثقي فخر داعي كيلاني وطبعه في طهران سنة 1950 بنفس العنوان"[5]. لكن هذا لا يعني أنه المؤسس للتفكير الجديد في علم الكلام، بل هو واحد من الرواد الذين تشكل عندهم وعي بضرورة تحديث المنظومة الدينية بشكل عام والكلامية بشكل أخص، أمثال الشيخ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد إقبال وحمد جواد البلاغي ومحمد الطاهر بن عاشور...وغيرهم كثير، فكل واحد من هؤلاء يشكل مدرسة قائمة بذاتها في التفكير الإسلامي الجديد، غير أنه يمكن أن نصنفهم ضمن ثلاثة أزمنة للاتجاهات الجديدة في علم الكلام:

الزمن الأول: يتمثل في تأسيس المعتقد على العقل والعلم، كما في آثار الأفغاني وتلميذه محمد عبده ومحمد فريد وجدي وحسين الجسر وهبة الدين الشهرستاني وغيرهم.

الزمن الثاني: يتمثل بالتأسيس الفلسفي لعلم الكلام، مثلما نلحظ في آثار محمد إقبال والظاهرة القرآنية لمالك بن نبي، ومحمد عبد الله دراز والعلامة الطباطبائي.

الزمن الثالث: يتمثل في التأسيس المنهجي لعلم الكلام كما في الأسس المنطقية للاستقراء عند محمد باقر الصدر.

وقد حصل في مرحلة لاحقة انفتاح على مناهج متنوعة في البحث الكلامي، حيث استعان البعض بفلسفة العلم المعاصر في أوربا، وعمل على توظيف معطياتها في تحليل المعرفة الدينية، وتأكيد تاريخية هذه المعرفة فيما استعان آخرون بالهيرمنيوطيقا "تفسير النصوص" والسيمياء "علم الدلالة" في تفسير النصوص وتأويل مدلولاتها، واستعار فريق ثالث مناهج ومعطيات متنوعة من العلوم الإنسانية الغربية والإلهيات المسيحية ودشنها بمجموعها في تفسير النصوص وتحليل التجربة الإيمانية والمعرفة الدينية[6]، أمثال محمد مجتهد شبستري ومصطفى ملكيان وأحد فرامز قراملكي وحسن حنفي ومحمد أركون ومحمد شحرور ومحمد أبو القاسم حاج حمد وعبد المجدي الشرفي وعبد الكريم سروش، وهذا الأخير يعد منبين أكثر المفكرين جدلا في الوسط الإيراني خاصة والإسلامي عامة، فقد أثارت كتاباته نقاشا مستفيضا في صفوف المثقفين والطلبة الجامعيين في الساحة داخل إيران وخارجها، ولهذا السبب، ارتأينا أن نقف عند الخطوط العريضة لمشروعه الفكري وأبرز الردود التي أثارها.

ثانيا: عبد الكريم سروش والحداثة الدينية

1) ملامح التكامل في تكوين المثقف المعاصر:

عبد الكريم سروشهو الاسم المستعار لحسن حاج فرج الدباغ، من كبار المثقفين الإيرانيين الدينيين المعاصرين، من مواليد طهران سنة1945، درس بالمدرسة الثانوية(الرفاه)، وهي من المدارس التي كانت تحرص على الجمع في مناهجها بين الدروس الدينية وبين المواد العلمية المعاصرة، التحق بجامعة لندن في فرع الكيمياء وحصل على الدكتوراه، وكان إضافة لتخصصه في الكيمياء والصيدلة متبحرا في فلسفة العلم مطلعا على معطيات أحدث تياراتها النقدية الحديثة وتراث المدرسة الوضعية.

كان سروش قريبا من علي شريعتي ومرتضى مطهري، وهما وجهان محوريان في فترة ما قبل الثورة في إيران، وبعدها عاد إلى بلده وشغل مناصب عليا في الدولة وأخرى بحثية أهمها مؤسسة الأبحاث والدراسات الثقافية.

ظهر سروش منذ أوائل الثمانينيات كواحد من الكتاب غزيري الإنتاج في إيران، وعالجت كتاباته الأولى النظريات الماركسية وموضوعات فلسفة العلم، ومن أهم أعماله البارزة في تلك الفترة كتاب "المعرفة والقيمة" وكتاب "ما هو العلم؟ ماهي الفلسفة؟" إضافة إلى دراسة نقدية لكتاب الشهيد الصدر "الأسس المنطقية للاستقراء" نقلت على العربية ضمن كتاب السيد عمار أبو رغيف بعنوان "الأسس المنطقية للاستقراء في ضوء دراسة الدكتور سروش" سنة1989، وهي السنة التي بدأ فيها سروش بنشر مقالات القبض والبسط النظري للشريعة[7]، وقد أثارت جدلا واسعا ونقاشا حادا بين المؤيدين والمعارضين، فجمعت بعد ذلك في كتاب حمل نفس العنوان "القبض والبسط في الشريعة" ونقل إلى العربية، فليس من قبيل الصدفة أن يؤلف في إيران وحدها ثلاثون كتابا لمناقشة آراء سروش، عشرون منها تتفق معه ونؤازره والعشرة الأخرى تقف بالضد من تلك الآراء والطروحات[8] يصف وجيه كوثراني الدكتور عبد الكريم سروش بالقول: " إنه مفكر تكونت ثقافته ومنهجيته في البحث من أبعاد علمية متعددة، فهو صاحب اختصاص في الصيدلة والكيمياء، وهو متابع لأحدث الدراسات الغربية في التاريخ وفلسفة العلوم وعلم المعرفة (الإبستمولوجية)،وهو إضافة إلى ذلك ناشط ثقافي وسياسي ومتبحر في علم الكلام والتفسير وأصول الفقه ومتذوق لأدبيات العرفان، ولعل ذلك ما دفعه إلى استمداد مفهومي "القبض" و"البسط" من الحقل الصوفي كعنوان لنظريته، ساعيا في ذلك إلى إبراز خاصية التحول والتغير التي تميز المعرفة البشرية ومن ضمنها المعرفة الدينية، "على أن هذه العناصر التكوينية لثقافة سروش، والتي تبدو جلية في كتاباته عبر الاستشهاد والتوثيق والإشارة لا تصطف اصطفافا كميا بل تتداخل وتتفاعل في نوع من الوحدة المعرفية التي تتحول بفعل تداخلها العميق إلى منهج معرفي متكامل".[9]

يقول أحمد القبانجي أحد أبرز مترجمي كتب سروش والدارسين له؛ "تنطوي كتابات الدكتور سروش على وفرة من المعلومات والمعارف، وعلى ثروة من التحليلات المدججة بلطائف الحجج ومنطق الاستدلال، بالإضافة إلى كثرة الأمثلة والشواهد المستندة إلى الوقائع أو المستندة من فروع العلم المختلفة، وهو ذو ميل صوفي بارز يظهر هذا في عناوين كتبه كما يظهر في لجوئه إلى مقتطفات من الشعر الصوفي يعزز بها آراءه".[10]

هذه العناصر قل ما نجدها في الباحث والمثقف المعاصر؛ فالمتن الفكري الذي يحمله هذا الرجل مليء بقضايا وإشكالات تغتني بها المعرفة الدينية، وربما يكون هذا هو السبب الرئيس في ذيوع صيت الباحث عبد الكريم سروش أكثر من أقرانه المفكرين عربا و إيرانيين، وهو إلى جانب ما ذكرنا "اتخذ لبسط هذا العمق المعرفي مسارات أوحت أن الرجل مستعد للدفاع عنها وإغنائها حوارا وبحثا وسجالا مع آخرين".[11]

2) سروش والتنوير الديني:

يصنف سروش نفسه ضمن تيار "التنوير الديني"[12] أو "الحداثة الدينية"، وهو تيار تسم لغته حساسية نقدية، غير أن هذا النقد ليس عبثا في نظر سروش، بل له قواعد منهجية وتصورية، فلا يوجد نقد بدون قاعدة، "والتنوير الديني بدوره يمثل حركة نقدية للقوى السياسية والسلوكيات الاخلاقية والمعارف الدينية في واقع الحياة والمجتمع وهذا النقد ينطلق من قاعدة التمدن والتجدد".[13]

المقصود بقاعدة "التمدن والتجدد"؛هو الاستلهام من الكشوفات العلمية والمعرفية التي أفرزتها الحضارة الجديدة، سواء على مستوى العلم الحديث أو الفلسفة والسياسة أو الاخلاق والفنون الجديدة، فكل هذه العناصر تمنح المثقف الديني الناقدقاعدة متماسكة للتحرك في نقده، كما تمنحه امتيازا خاصا.

"ومن هنا ينفصل طريق المثقف الديني عن طريق النقاد التقليديين الذين ينطلقون في حركتهم من قاعدة الثراث التقليدي؛ فالناقد التقليدي للتراث والظواهر الاجتماعية والسياسية لا يحل في الزمان مشكلة وعقدة للمتدينين، ولذلك فنحن بحاجة إلى سلاح جديد وأطروحات جديدة. وعلى هذا الأساس، فإن القاعدة التي ينطلق منها النقد تعد أهم من النقد ذاته".[14]

لا يخفي سروش استفادته من نظريات فلسفية وابستمولوجية كما عند جاستون بشلار ونظرته إلى تاريخ العلم بوصفه تاريخا للأخطاء، وغروفيتش ونظريته حول الأطر الاجتماعية للمعرفة، ومفهوم الباراديغم عند توماس كون. ويكفي أن نلاحظ أن التهمة الرئيسة التي يواجهها عبد الكريم سروش والاتجاه الذي يمثله هي الدعوة إلى الأخذ بالمناهج العلمية الحديثة في تكوين المعرفة الدينية (مما سنبينه في مكانه).

إذن فنحن، كما يقول القبانجي، "أمام تعامل نقدي عقلاني مع الوحي والمعارف الدينية، يتيح الخروج من عقلية الفرقة الناجية، التي تحول المجتمعات والطوائف إلى معسكرات عقائدية، بقدر ما يفتح الباب أمام التعدد والاختلاف المشروع في التفاسير والتأويل، ويضع حدا للدعاء كل مجتهد أو فئة تحتكر مفاتيح الإسلام الصحيح، بقدر ما يفتح المجال أمام التعامل مع المعرفة الدينية بوصفها متغيرة أو متراكمة ومتجددة. لهذا لاقت آراء سروش الجريئة وتحليلاته النقدية معارضة عنيفة، ولا غرابة فإن مثل هذا النقد يزعزع النرجسية العقائدية، ويفضح ادعاءات الذين يدعون القبض على معنى النص، أو على حقيقة الشريعة مما يكسر وحدانية الفهم، ويفتح الإسلام والديانات الاخرى على تعددية المعنى".[15]

ثالثا: نظرية سروش بين القبض والبسط

1) ملامح النظرية:

يسعى الدكتور عبد الكريم سروش في القبض والبسط على تقديم "مشروع نظرية تفسيرية(هرمنيوطيقية) معرفية(ابستمولوجية) تستلهم المنهج الكانطي في التميز معرفيا بين الشيء لذاته والشيء لذاتنا، فتميز بين الدين والفكر الديني أو المعرفة الدينية التي هي قراءة للدين لتتسائل حول طبيعة العلاقة بين هذه المعرفة والمعارف البشرية الأخرى كما تفترض أن الدين تابت بينما المعرفة الدينية ظاهرة بشرية متغيرة ونسبية كشأن المعارف الأخرى(ويؤكد سروش على أنه يؤمن بنسبية المعرفة لا نسبية الحقيقة)؛ فالمعرفة الدينية تتسم بالتحول والنسبية، لأنها مرتبطة بألوان المعرفة الإنسانية الأخرى ومتأثرة بها "[16] على أن سروشفي هذا الاستمداد من المنهج الكانطي" يصطف إلى جانب أركون وسبشتري؛ فهؤلاء الثلاثة يصدرون جميعهم عن كانط لكنهم يتفرعون بعد ذلك في إثر سلاسل جينالوجية ثلاثة لكل واحدة منها تقاليدها وأنصارها وفتوحاتها ومحاربوها. والحق أن كانط كان نقطة انطلاقة لمرجعية أوسع تجمع هؤلاء الثلاثة".[17]

ينطلق سروش من مبدإ بشرية المعرفة الدينية؛ فهي" بناء إنساني يتطور بالضرورة وباستمرار بحسب الفهم المتغير للعالم، فبينما لا يتغير الدين في حد ذاته، يتغير الفهم الإنساني له والمعرفة المرتبطة به، فالمعرفة الدينية ليست إلهية من منطلق الموضوع الديني الذي تعالجه ولا يسوغ أن نخلطها والدين في حد ذاته".[18]

يعرّف سروش نظريته في مواقع عدة في كتاب القبض والبسط، ومن أوجه هذا التعريف، أن فهمنا لكل شيء متحرك ومتحول وأن كل نظرية إبستمولوجية واقعية تقول بالتمييز بين الشيء والعلم به. ووفقا لهذا التمييز يميز سروش بين الشريعة بذاتها وفهمها البشري، وبالتالي بين الدين بذاته والمعرفة به؛ أي المعرفة الدينية.[19]

ويرى أن الخلط بين الدين والمعرفة الدينية أو التدين لا يقع فقط " قبل العقل اللاهوتي الذي يلحق التدين بالدين، بل أيضا من قبل العقل" العلمي" الذي يلحق الدين بالتدين، ونتيجة لذلك إذا كان سيتعين على العقل الأول مواجهة سؤال التطور، فسوف يتعين على العقل الثاني مواجهة سؤال الإيمان، وهو سؤال لا تملك الأنثروبولوجيا الوصفية أدوات التعامل معه. فقط التفرقة بين الدين والتدين تساعد على تحصيل فهم أعمق للسؤالين الإشكاليين. ومن خلالها يمكن إخضاع التدين لمنهج التجربة الاجتماعية التي قد تقرأ الظاهرة من تاريخها، فيما لا يجوز الاكتفاء بذلك في خصوص الدين(الله_الأخلاق)، بسبب الطبيعة الجوانية المركبة لفكرة الإيمان في ذاتها من جهة، وبسبب مضمونها الخارجي المفارق العصي على التجريب من جهة أخرى".[20]

لأجل ذلك، يسعى سروش إلى "كشف أوليات الفهم الديني وكيفيته، وتوضيح أوصاف المعرفة الدينية بالنسبة إلى سائر المعارف البشرية وتحديد العلاقات القائمة بين المعرفة الدينية والمعارف البشرية، وأخيرا توضيح سر تحول المعرفة الدينية وثباتها تاريخيا"[21]، وهو في ذلك يهدف إلى:

أولا: محاولة وضع معنى النص الديني في أفق الفهم التاريخي المتحول.

ثانيا: أنسنة الدين(بمعنى جعل الدين من أجل الإنسان لا بمعنى الأنسنة التي طرحها الفكر الأوربي).

ثالثا: فرض المعرفة الجديدة بالإنسان والمجتمع والطبيعة على من يتصدون لصناعة المعرفة الدينية.

يصرح سروش قائلا: "إذا تعرضت المعارف البشرية غير الدينية للقبض والبسط، فلابد أن يتعرض فهمنا للشريعة إلى القبض والبسط أيضا، أحيانا بصورة ضعيفة وخفيفة، وأحيانا بصورة شديدة وقوية".[22]

للاستدلال على ما ذهب إليه سروش سلك مسارا منهجيا عبر خطوات ابتدأها بالتميز بين نمطين أو درجتين من المعرفة: المعرفة القبلية والمعرفة البعدية، مسترشدا في ذلك بتحقيقات الفيلسوف الألماني كانط، وينظر سروش إلى المعرفة الدينية باعتبارها معرفة من الدرجة الثانية أي من موقع بعدي، وهي معرفة جمعية ذات هوية تاريخية ولذلك فهي نسبية وعصرية.

سعى سروش في خطوة ثانية إلى تصنيف العلوم إلى قسمين: علوم منتجة وأخرى مستهلكة؛ فالطب من العلوم المستهلكة، لأنه يحتاج إلى توظيف علوم الإحياء والكيمياء والفيزياء، والفقه والتفسير في نظره من العلوم الشرعية المستهلكة أيضا.

تأكيد سروش على ترسيخ مبدإ بشرية المعرفة الدينية مدخل من شأنه وضع حد للتصادم الموهوم بين هذه المعرفة الدينية وباقي المعارف العلمية والفلسفية، على أن هذه المعارف غير الدينية هي أسئلة مرتبطة بالأفق التاريخي للإنسان والمعرفة الدينية تتضمن إجابات لها، فكلما اختلفت الأسئلة وازدادت عمقا ازدادت الحاجة إلى أجوبة أكثر عمقا، مؤدى ذلك حسب المستشار عبد الحواد ياسين أن النص الديني الصحيح يتضمن ما هو مطلق ثابت يمكن وصفه بأن "الدين في ذاته"، وما هو اجتماعي قابل للتغير لا يجوز الحاقه بالدين في ذاته؛ أي لا يجوز القول بتأييده، لأن طبيعته النسبية المتغيرة، سوف تفرض ذاتها في أرض الواقع بقوة الاجتماع وقانون التطور."[23]

من هنا يرى سروش أن أي تغير في معارف العصر العلمية والفلسفية يستدعي تغيرا في المعرفة الدينية؛ أي أن إثبات المصدر الإلهي للدين في ذاته، لا يعني إنكار حضور الاجتماع في البنية الدينية الكلية، فلأن الإنسان هو موضوع الدين ومجاله، سيعبر المطلق الديني عن ذاته من خلال التمثل في الواقع الاجتماعي.[24]

"فالنص ذاته _ من حيث هو بناء لغوي حامل لمضمون معرفي وتكليفي_ يخضع لآليات اشتغال اللغة، وهي كائن اجتماعي تاريخي خاضع بدوره لضرورات التعدد والتطور. يعني ذلك أن الفهم الناجم عن ملامسة النص ينبصم ببصمة الذات مرتين؛ الأولى عند إدراكه (تلقيه داخل الذات) ولدى التعبير عنه (تعديته خارج الذات)، إذ لا يكون الشيء في ذاته، بعد دخوله إلى الذات وخروجه منها هو الشيء ذاته، بل هو الشيء من منظور الذات المدركة. هذا الدور الإيجابي للذات لا يعني _خلافا لما يفهم عادة عن كانط_ إنكار وجود الشيء في ذاته، بل فقط تلوينه. ولأن الخصائص والمثيرات الكلية للبنى الاجتماعية تدخل في تكوين الذوات الفردية، ثم تعود فتتأثر بالخصائص والمثيرات التي تنتجها هذه الذوات، أمكن القول بوجود ذات كلية ذات قوام اجتماعي، تمارس _بطريقتها_ عمليتي الإدراك والتعبير".[25]

إن القول بإكمال الدين وتمامية الشريعة والاعتقاد بذلك، يستتبع تساؤلا حول الكيفية التي تستوعب بها نصوص محدودة (قرآن وسنة) وقائع متغيرة وغير منتهية، والإجابة النظرية على ذلك تكمن في طبيعة النصوص نفسها؛ أي باعتبارها متون حاملة لقيم وقوانين تستوعب الجزئيات وفضاء التشريع المتغير، بما يسمح للنص بالإمتداد المواكب للإجتماع البشري.

ميز سروش بين الذاتي والعرضي في الشريعة، وهو تعبير عن جدلية الثابت (الذاتي) والمتغير (العرضي)، فهو يرى أن الإعدادات اللغوية والثقافية والحضارية قد ساهمت في تشكيل أعراض الدين الإسلامي كما نفهمه اليوم، ولأنها إعدادات متغيرة من ثقافة إلى أخرى، فهي ليست من ذاتيات الدين، يقول: "إن لبوس الثقافة القومية من لغة وأذواق وأساليب حياة ونقاط ضعف وقوة عقلية وخيالية وعادات وتقاليد ومألوفات ومسلمات فكرية وخزين لغوي ومفاهيمي يضيف على جسد العقيدة والفكر ويخلع عليه نواقصه وكمالاته لا محالة، ليصل بعد ذلك إلى أن ما هو جوهري في الإسلام هو المتجاوز لكل تلكم الإعدادات المستلة من ثقافة خاصة بلحظة الوحي، وأن من شأن التأكيد على ذلك الثابت الجوهري ضمان شمولية الرسالة ومستقبليتها دون أن يعني ذلك مصادرة الأعراض وإلغائها، لكنه يشترط إخضاعها لمجهر العلوم الإنسانية بغية فهمها واكتشاف قدرتها على الخروج من دلالتها الضيقة إلى محيط عالمي ومن ظرفها التأريخي إلى رحابة المستقبل".[26]

لبيان ما سبق، يطرح سروش سؤالا افتراضيا قد يساعد على فهم أبعاد أو إشكالية اللغة والثقافة التي شكلت لبوس الإسلام، ومضمون السؤال هو: هل تبقى عرضيات الإسلام هي نفسها لو نزل القرآن بلغة أخرى؟

يجيب فورا: لا جدال في أن الإسلام لو نزل في اليونان أو الهند أو بلاد الروم، بدل الحجاز لكانت عرضيات الإسلام اليوناني والهندي المتغلغلة إلى أعماق النواة المركزية تختلف اختلافا كبيرا عن الإسلام العربي... كما أن الإسلام الإيراني والهندي والأندونيسي اليوم، وبعد قرون من التحولات والتفاعلات، تمثل أنماطا من الإسلام تختلف عن بعضها في أنساقها أو بيانها ونتاجاتها _ إلى جانب المشتركات فيما بينها _ ولا تقف التباينات عند تخوم اللغة والظواهر، بل تمتد إلى أعماق الوعي والثقافة.[27]

ويمضي سروش في أطروحته إلى مدى بعيد في " بسط التجربة النبوية"، إذ لا يكتفي ببيان العناصر التاريخية في المعرفة الدينية؛ فالكلام هنا عن العنصر البشري في الدين وتاريخيته، وبعبارة أخرى سعى سروش في هذا الكتاب إلى البحث في المنهج البشري والتاريخي والأرضي للوحي والدين، دون التعرض للرؤية الميتافيزيقية لمقولة الوحي، ويسعى لتوضيح ظاهرة الوحي والغيب، عندما ترتدي ثوب الطبيعة وما تتعرض له من متغيرات وتداعيات، نتيجة الغبار المتراكم على وجهها الأصيل والأعراض التي تحاصر ذاتها والقيود التي تكبل إطلاقها.[28]

ففي نظره ليس الإسلام هو القرآن والسنة بالمعنى المتعارف عليه في العلوم الشرعية، بل هو حركة تاريخية وتجسيد لتاريخ رسالة سماوية، إنه البسط التاريخي لتجربة نبوية تدريجية الحصول، حيث تكون شخصية النبي في هذا الموقع محورا وتمثل كل ما وهبه الله تعإلى للأمة المسلمة، ويدور الدين وتعاليمه حول هذه الشخصية من خلال التجربة الباطنية والخارجية للنبي.[29]

إن لعنصري التاريخ (الزمان والمكان) بصمة في تشكل الدين في ما ذهب إليه سروش؛ فهو يرى أن نزول القرآن بالتدريج دليل على ذلك، فالتدريج يعني عنده التناسب مع سلوكيات الناس ومماراساتهم، ويمثل إجابة للمسائل والحوادث الواقعية وبالتالي، فإن هذه لهذه الوقائع نصيب في تكوين الإسلام. "وكيفما كان، فإن هذه الحوادث والوقائع التاريخية رسمت بصماتها الواضحة على جسد الإسلام، حيث إن النبي تحرك على مستوى تشييد نظام اقتصادي وسياسي وغير ذلك، وبالتالي صار في الإسلام نظام اقتصادي وسياسي، وهذا الدين يمثل عين التجربة الباطنية والخارجية المتكاملة للنبي.[30]

الخلاصة التي يرمي إليها سروش في تناوله النقدي للمعرفة للدينية، تبرز بشكل أوضح في "الصراطات المستقيمة"، وهي أطروحة في التعددية الدينية؛ تتأسس عنده على دعامتين، الأولى هي التنوع في الأفهام بالنسبة، والأخرى التنوع في تفسيرنا للتجارب الدينية، يقول: "إن الناس يحتاجون في مواجهتهم للكتب المقدسة وكذلك في مواجهتهم للأمر المتعالي والذات المقدسة إلى تفسير وبيان، وإزالة ستار الإبهام عن المتن الصامت، أو التجربة الدينية الخام واستنطاقها، هذا الاكتشاف والاستنطاق لا يكون على شكل واحد، بل يتميز بالتنوع والتعدد، وهذا هو السبب في ولادة البلورالية والتعددية في داخل الدين وخارجه".[31]

تعني أطروحة البلورالية الاعتراف برسمية التعدد والتنوع في الثقافات والأديان واللغات والتجارب البشرية، والبلورالية؛ أي التعددية، بالشكل الموجود حاليا تعد من نتاجات الحضارة الجديدة وتبحث في مجالين مهمين؛ أحدهما في مجال الأديان والثقافات والآخر في المجال الاجتماعي، فهناك بلورالية في المعرفة الدينية وبلورالية في المجتمع؛ أي الدين البلورالي والمجتمع البلورالي، كما أن هناك ارتباطا وثيقا بينهما؛ بمعنى أن الأشخاص الذين يذهبون إلى القول بالتعددية على المستوى الثقافي والديني، لا يمكنهم التنكر لمقولة التعددية الاجتماعية.[32]

2) في نقد النظرية:

لم تكن إذن أطروحة عبد الكريم سروش المبثوثة في القبض والبسط وباقي دراساته بالخصوص "الذاتي والعرضي في القرآن" و"بسط التجربة النبوية" و"الصراطات المستقيمة"، لتمر دون أن تخلف جدلا واسعا في الوسط الديني والإيراني منه بالخصوص، مما دفع العديد من المفكرين والشيوخ للرد والنقد في أشكال اكتست طابعا علميا حينا وفكرانيا حينا آخر، وقد ارتأينا إضافة إلى ما ذكرناه أن نورد بعض من هذه الردود فيما كتبه أبرز نقاده.

بخصوص إشكالية الثابت والمتغير التي تناولها سروش، تحت مسمى الذاتي والعرضي في الشريعة، وتعليقا على ما ذهب إليه سروش يقول السيد جعفر العلوي: "نعم الغايات من الثوابت. لكن لا نحصر الثابت فيها، ثم إن الغايات ما جعله الله في سننه غاية وكشف عنه في تشريعه لا ما يتوقعه الإنسان، وعلى الإنسان أن يكون صادقاً مع نفسه، فإما أن يقبل دين الله ثم لا يبتدع فيه شيئاً، وإما ألَّا يؤمن.

ثم إن معرفة الغايات. وبعد سقوط الاعتبار عن القرآن في هذا الشأن، لأنه أي (آياته ومعارفه ووصاياه) مجرد عرض؛ فالنفاذ للغايات يكون في إحدى وسيلتين أو بهما؛ الأولى المشتركات بين الأديان بالمعنى الأعم من السماوية؛ والثانية فيما يتوقع الإنسان من الدين. وما يتوقعه الإنسان ترسمه تطلعاته المؤسسة على الفهم الإنساني لإنسانيته (علم الاجتماع). ونظريًّا، لا بد أن يسقط مشترك الأديان فبحسب التحليل فإن المشترك لن يكون إلا عرضاً".[33]

الملاحظة ذاتها يسجلها، مصطفى ملكيان، فهو يرى أن النظرية ورغم مناداتها بثبات الدين، لكنها في الواقع ترى الدين متحولاً بالكامل سواء لاحظ صاحبها ذلك أم لا، ويدلل على هذا بثلاثة مواطن وردت في نصوص سروش؛ أحدها ما يثيره دوماً حول مفهومنا لدور الدين وانتظاراتنا منه، فهل يصح مثلاً أن نرجع للدين في مسائل القلق ومعالجة أوجاع الإنسان إلى غير ذلك من الأمثلة الأكثر تعقيداً (على مستوى صلة الدين بالسياسة خاصة) فيرى سروش أن الدين بنفسه لا يعين هذه الحدود، بل إن ذلك مما تحدده المعرفة الإنسانية، التي تنبهنا كلما تطورت إلى أن جزءاً من انتظاراتنا تلك كان خاطئاً[34]. غير أن ملكيان يقول: إن هذا يعني أن الموضوعات المتعلقة بتوقعاتنا الخاطئة ستخرج عن كونها أمورا دينية بعد أن كانت كذلك وبالتالي، فإن التحول سيطال الدين وحدوده ذاتها.

ولعل أكثر النقاد حدة وجرأة لأطروحة سروش، هو الشيخ الحوزوي صادق لاريجاني، فما ذهب إليه سروش في نظر الشيخ الناقد هو في غالبه" تكرار لطروحات بعض فلاسفة الهرمنيوطيقا، مثل غادامير الذين شددوا على فكرة أن الإنسان موجود تاريخاني، وأن فهمه للأمور يتكون في أفق تاريخي بشري، لذلك فهو فهم ناقص، وهذه أفكار كان غادامير وإلى حد ماهايدغر من أبرز من روج لها، بيد أن الدكتور سروش في نظر الناقد لا يشير أبدا إلى الذين أخد عنهم هذه الآراء وهل لديه هو ذاته آراء معينة أم لا؟"[35]. ويرى لاريجاني أن هذه المسلكية التي اتبعها سروش في الاستعانة بالآليات المنهجية التي استقاها من التداول الغربي لا يمكن إسقاطها بشكل عمودي على تداول مغاير كالتداول الإسلامي، يقول: "بخصوص استخدامه- سروش- للمفاهيم والأدوات التي يستعيرها من العلوم الإنسانية الغربية، الكثير من النسبيين، مثل غادامير يرون من المستحيل تحقق الفهم خارج إطار التقاليد، وحسب هذه الرؤية، فإن صاحب القبض والبسط شاء أم أبى يتنفس داخل تقاليد أجنبية على التقاليد المحلية، مما يجعل استخدام تلك الأدوات والمفاهيم المقتبسة من العلوم الإنسانية الغربية لتوظيفها داخل التقاليد المحلية نوعا من التسطيح والسذاجة. إن تلك المفاهيم والأدوات حين تبتسر من بيئتها تفقد معانيها، ولن يكون من الممكن التوفيق بينها وبين التقاليد المحلية."[36]

والناقد فيما أشار إليه، اقترب من تحقيقات المفكر المغربي طه عبد الرحمن، حيث إن هذا الأخير نبه أنه قبل الاستعانة بالآليات النقدية المستقاة من التداول الغربي، لابد أولا من ربطها بالتداول العربي الإسلامي عن طريق النقد المزدوج، فتخضع هي أولا للنقد والفحص؛ فكل مفهوم أو آلية مهما تكن موغلة في التجريد وحاملة للقيم الأكاديمية، فإنها مع ذلك تستبطن تحيزا معرفيا للنموذج الحضاري الذي صدرت في أفقه. ولعل أبرز مفهوم ضاق به صدر الناقد –لاريجاني- هو مفهوم النسبية؛ فهو يرى فيه" مثالا لنزعة تلغي أية محاولة لإسناد أي شيء إلى الدين ومعها لا نستطيع القول إن هذه الفكرة دينية وتلك غير دينية، ولا التصريح بما يشتمل عليه الدين الإسلامي من عقائد وأحكام، وحينما يكون الأمر كذلك، فما الفائدة أساسا من اعتناق الأديان أو بعث الأنبياء وتنزيل الكتب".[37]

وخلاصة القول، إنه مهما تكن المؤاخذات والنواقص التي يمكن تسجيلها على أطروحة سروش، وهذه خاصية لصيقة بالإنتاج البشري عامة، وخصوصا إن كان المشروع في بداياته، إلا أنها تبقى ذات أهمية وتستحق الدراسة والبحث والتطوير بالنظر إلى جدتها وعمقها المنهجي وتماسك بنائها الفكري والمعرفي، على أن النقد ونقد النقد هو السبيل الأوحد إلى التطوير وانبعاث الفكر الجاد الذي يتغيى النهوض والإصلاح.

المراجع:

-سروش عبد الكريم، "العقل والحرية"، ترجمة أحمد القبانجي، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، بغداد، 2009

-سروش عبد الكريم، "القبض و البسط في الشريعة"، ترجمة دلال عباس، دار الجديد، الطبعة الأولى، 2002

-سروش عبد الكريم، "بسط التجربة النبوية"، ترجمة أحمد القبانجي، دار الفكر الجديد، العراق، 2006

-سروش عبدالكريم، "الصراطات المستقيمة"، ترجمة أحمد القبانجي، مؤسسة الإنتشار العربي، بيروت، 2009

-النيفر حميدة "النص الديني والتراث الإسلامي: قراءة نقدية"، دار الهادي، الطبعة الأولى، 2004

-الرفاعي عبد الجبار، "علم الكلام الجديد وفلسفة الدين"، دار الهادي، الطبعة الأولى، 2002

-الرفاعي عبد الجبار، "الاجتهاد الكلامي مناهج ورؤى متنوعة"، دار الهادي، الطبعة الأولى، 2002

-ولاء وكيلي، "الحوار حول الدين و السياسة في إيران :الفكر السياسي لعبدالكريم سروش"، ترجمة حسن أوريد، منشورات الفنك.

-مجموعة من المفكرين، "الفكر الديني وتحديات الحداثة"، تعريب أحمد القبانجي، دار الانتشار العربي، الطبعة الأولى، 2009

-الطائي سرمد، "مراجعات في الفكر الإسلامي المعاصر"، دار الهادي، الطبعة الأولى.

-عبد الجواد ياسين، "الدين والتدين"، دار التنوير، لبنان، 2012

المجلات والدوريات:

-مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد18، سنة 2002

-مجلة قضايا إسلامية معاصرة، السنة الثانية عشر، العدد 36/35، ربيع وشتاء 2008

-مجلة "البصائر" العدد (40)، السنة 18 - 1428هـ/ 2007م


*- نص المداخلة الذي ألقي في الندوة التي نظمتها مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث تحت عنوان: "إشكالية الدين والتدين: أسئلة، مقاربات، نماذج"، بتاريخ 5 ـ 6 أكتوبر2013، الرباط، المغرب.

[1]- النيفر حميدة، "النص الديني والتراث الإسلامي: قراءة نقدية"، دار الهادي، الطبعة الأولى، 2004، ص 14

[2]- الرفاعي عبد الجبار، "علم الكلام الجديد وفلسفة الدين"، دار الهادي، الطبعة الأولى، 2002، ص 25

[3]- حوار مع محمد عمارة ضمن "الاجتهاد الكلامي مناهج ورؤى متنوعة"، إعداد عبد الجبار الرفاعي، دار الهادي الطبعة الأولى 2002، ص 126

[4]- عبد الجبار الرفاعي، "علم الكلام الجديد وفلسفة الدين"، ص 26

[5]- نفسه، ص 26

[6]- نفسه، صفحات: 32،31،30، بتصرف.

[7]- الطائي سرمد، "نظرية عبد الكريم سروش القبض والبسط النظري للشريعة بين تهمة السفسطة وهم التأسيس لخطاب إسلامي جديد"، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد18/2002

- انظر أيضا: ولاء وكيلي "الحوار حول الدين و السياسة في إيران: الفكر السياسي لعبد الكريم سروش"، ترجمة حسن أوريد، نشر الفنك، ص 27

[8]- عبد الحسين أحمد، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، السنة الثانية عشر، العدد 36/35، ربيع وشتاء 2008، ص 298

[9]- كوثراني وجيه "قراءة في القبض و البسط في الشريعة لعبد الكريم سروش" نقلا عن موقع www.mafhoum.com

[10]-سروش عبد الكريم، "العقل والحرية"، ترجمة أحمد القبانجي، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، بغداد، 2009، ص 15/16

[11]- عبد الحسين أحمد، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، السنة الثانية عشر، العدد 36/35، ربيع وشتاء 2008، ص 298

[12]- يمثل هذا الاصطلاح ظاهرة متشعبة، وذات أفق واسع، خاصة أن الكثير من المثقفين وكتاب والمفكرين تحدثوا عن هذه المقولة.

راجع: "الفكر الديني وتحديات الحداثة"، مجموعة من المفكرين، تعريب أحمد القبانجي، دار الانتشار العربي، الطبعة الأولى، 2009، ص 151

[13]- نفس المصدر، ص 151

[14]- نفسه ص 155

[15]-سروش عبد الكريم، "العقل والحرية" مرجع سابق، ص 22/23

[16]- الطائي سرمد، "مراجعات في الفكر الإسلامي المعاصر" دار الهادي، الطبعة الأولى، ص 138

[17]- أحمد البنكي، "عبد الكريم سروش في قبضه وبسطه"، مجلة آوان، العدد الأول، نقلا عن موقع المجلة الإلكتروني

[18]- ولاء وكيلي، "الحوار حول الدين و السياسة في إيران"، ص 30

[19]- وجيه كوثراني، مرجع سابق.

[20]- عبد الجواد ياسين، "الدين والتدين"، ص 11

[21]- سروش عبد الكريم، "القبض و البسط في الشريعة"، ترجمة دلال عباس، دار الجديد، الطبعة الأولى، 2002، ص 21

[22]- أحمد البنكي، "عبد الكريم سروش في قبضه وبسطه"،مجلة آوان، العدد الأول، نقلا عن موقع المجلة الإلكتروني.

[23]-عبد الجواد ياسين، "الدين والتدين"، ص 8

[24]-نفسه، ص 8

[25]- عبد الجواد ياسين، "الدين والتدين"، ص 9/10

[26]- عبد الحسين أحمد، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، السنة الثانية عشر، العدد 36/35، ربيع وشتاء 2008، ص 230

[27]- انظر: سروش عبد الكريم، "القبض والبسط في الشريعة"، ترجمة دلال عباس، دار الجديد، بيروت، 2002، ص 191

وانظر أيضا: سروش عبد الكريم، "العقل و الحرية"، ترجمة أحمد القبانجي، منشورات الجمل، بيروت- بغداد، 2009، ص 19

[28]- راجع: سروش عبد الكريم، "بسط التجربة النبوية"، ترجمة أحمد القبانجي، دار الفكر الجديد، العراق، 2006، ص 3

[29]- نفسه، ص 24

[30]- سروش عبد الكريم، "بسط التجربة النبوية"، ص 27

[31]- سروش عبدالكريم، "الصراطات المستقيمة"، ترجمة أحمد القبانجي، مؤسسة الإنتشار العربي، بيروت، 2009، ص 9

[32]- نفسه، ص 9

[33]- جعفر العلوي، "قيم الشريعة ومقاربة إشكالية الثابت والمتغير"، "مجلة البصائر" العدد (40)، السنة 18 - 1428هـ/ 2007م

[34]- الطائي سرمد، قضايا إسلامية معاصرة، العدد 18/2002

[35]- حوار مع لاريجاني صادق، ضمن الاجتهاد الكلامي مناهج ورؤى متنوعة في الكلام الجديد، ص 282

[36]- حوار مع لاريجاني صادق، ضمن الاجتهاد الكلامي مناهج ورؤى متنوعة في الكلام الجديد، ص 274

[37]- نفسه، ص 268